ماذا جنت السينما العربية من الحلم بالعالمية؟

مخرجون يطرقون الأبواب المواربة

الممثل عمرو واكد في «لوسي»، و المخرج سام قاضي
الممثل عمرو واكد في «لوسي»، و المخرج سام قاضي
TT

ماذا جنت السينما العربية من الحلم بالعالمية؟

الممثل عمرو واكد في «لوسي»، و المخرج سام قاضي
الممثل عمرو واكد في «لوسي»، و المخرج سام قاضي

يتندّر بعض السينمائيين بحكاية لممثل عربي قام ببطولة فيلم أميركي الجنسية وحال بدء الحملة الترويجية للفيلم في أحد العواصم العربية اعتذر عن أنه لن يجري حوارا مع أي صحافي يعمل لصحيفة أو لمجلة ناطقة بالعربية. بما أن الصحف والمجلات غير الناطقة بالعربية لم يثرها الفيلم، وجد الممثل نفسه بلا مقابلات أو أضواء على الإطلاق.
ممثل آخر لعب دورا قدّمه جيّدا في فيلم تاريخي كبير من إخراج ريدلي سكوت. عاد إلى بلاده واعتبر نفسه غزا العالم بأسره ورفض، أيضا، الإدلاء بأحاديث صحافية ما لم تشاركه هذا الاعتبار. حين تأخر قيام هوليوود بتقديم عرض آخر له لفيلم ثان، صرّح بأنه هو الذي يرفض العروض لأنها تريد تشويه «صورة العربي». لاحقا ما ظهر في دور قرصان في مشهدين يقعان في نهاية الفيلم. الأول، له وهو جالس إلى طاولة اجتماعات، والثاني وهو واقف خلف بطل الفيلم. لا أذكر في أي من هذين المشهدين قال كلمة واحدة، ولا أذكر ما هي: هل هي «نعم» أو «لا».

* مشترو التذاكر
* الطموح مشروع والحلم كذلك. ما هو غير مشروع هو القفز في الهواء واعتبار أن الممثل حقق «العالمية» بمجرّد ظهوره في فيلم ما. أحد الممثلين الذين ظهروا في أكثر من فيلم «عالمي» يفهم اللعبة ويدرك أهمية التواضع، وهو عمرو واكد الذي شوهد مؤخرا يؤدي دور رئيس في البوليس الفرنسي في فيلم «لوسي» والذي يقول لنا:
«هي مسألة مخادعة. من ناحية قد يكون الفيلم عالميا بالفعل. وقد يكون دورك رئيسيا بالفعل، لكن هذا لا يكفي لأن تعتبر نفسك ممثلا عالميا. تراكم الأدوار في الأفلام العالمية سيضعك على الطريق الصحيح، لكن بالنسبة إلي أعتقد أن الممثل العالمي هو الذي يستطيع الإنتاج الاتكال عليه لجذب الجمهور إلى السينما وحتى الآن لا وجود لمثل هذا الممثل في السينما العربية. عمر الشريف كان أول وآخر ممثل من هذا النوع ولفترة معيّنة».
التعريف الذي يذكره الممثل المصري صحيح تماما ويكشف عن مفهوم العالمية الفعلي الذي يختلف عن مفهوم الكثيرين له.
العالمية ليست الظهور في دور في فيلم أميركي أو أوروبي، ولا حتى إخراج فيلم ناطق بغير لغة الأم وربما بتمويل غربي كما الحال في الكثير من الحالات. إنها الوضع الذي يؤول إليه المخرج أو الممثل (أو الكاتب أيضا) إذا ما استطاع اختراق نجاح تجاري كبير. لا يهم ما نوع الفيلم، ما رسالته، أين تقع أحداثه ومن هم المشاركون فيه، بل إذا ما كان المشاهد الأميركي والبريطاني والإماراتي والإيطالي والأسترالي سيشاهده أم لا. إذا ما كان الفيلم سينجز نجاحا بين مشتري التذاكر أولا وإلى حد بعيد.
في هذا الخصوص، ومع التقدير الكبير لأفلام المخرج الفلسطيني إيليا سليمان ولموهبته هو ذاته وللنجاح النقدي الذي حققه عندما اشترك في مهرجان «كان» أكثر من مرّة، إلا أنه ليس مخرجا عالميا بالمعنى الكامل. الواقع، هو أن هذا الوصف تحقق مع مخرجين عرب قلّة بينهم الراحلان مصطفى العقاد ويوسف شاهين، وتحقق مع الأول أكثر مما تحقق مع الثاني كون العقاد أنتج سلسلة أفلام هالوويد التي جمعت مئات الملايين من الدولارات. وبذا لم يبلغ عربي النجاح الذي تحقق له بصرف النظر عن التقييم النقدي لأعماله مخرجا أو منتجا.

* شروط فعلية
* المخرج سام قاضي الذي حقق قبل 3 سنوات فيلمه الأميركي الطويل الأول «المواطن» والذي يستعد لتحقيق فيلمه الثاني قريبا، يضيف شروطا أخرى، إذ يقول لنا في هذا الصدد:
«الوصول إلى تحقيق الشهرة العالمية يحتاج إلى موهبة مميّزة وقدر كبير من الشجاعة ومعرفة واسعة وصبر عظيم. وعليك أن تتذكر أنك تتنافس مع كل العالم ما يعني أن الاحتمالات محدودة جدا ولو أنها ممكنة».
وهو يرى، من واقع تجربته وكونه يعيش ويعمل في الولايات المتحدة، أن التطور المبهر على صعيد قنوات التواصل التقنية جعلت العالم قرية صغيرة جدا: «هذا النمو يفيد صانعي الأفلام كثيرا من حيث قدرتهم على توسيع رقعة الجمهور وحجمه. حاليا، قد يتم اكتشاف مخرج شاب عبر شريط قصير يبثّه على (يوتيوب) فإذا به يصبح المخرج الساخن المقبل لهوليوود. لذلك فإن كلمة (عالمي) أصبحت أسهل وصولا بالنسبة للفنانين بصرف النظر عن هوياتهم».
لكن ماذا عن المخرجين العرب الذين ينطلقون صوب مهرجانات أميركية (مثل صندانس) وأوروبية (برلين، كان، فينيسيا الخ…) ماذا عن أحمد ماهر الذي عرض «المسافر» في فينسيا ويسري نصر الله الذي عرض أفلامه في «كان» و«تورونتو» (من بين أخرى) ونادين لبكي ورشيد مشهراوي ومحمد خان وهاني أبو أسعد وميشيل خليفي وحتى الكويتي خالد الصدّيق في أبهى أيامه عندما حقق في أواخر الستينات «بس يا بحر»؟ ماذا عن مخرجين عدّة في تونس (رضا الباهي) والجزائر (محمد لخضر حأمينا) والمغرب (نبيل عيوش)؟
كل هؤلاء، وسواهم كثيرون، أنجزوا أفلاما عرضت في المهرجانات وعرفت إعجابا نقديا جارفا. بعضهم، مثل الباهي ولبكي وأبو أسعد و(سابقا) مارون بغدادي، عرضوا أفلامهم في بعض الصالات التجارية خصوصا في فرنسا. السؤال هو إذا ما كان وصف «العالمية» يشملهم بالفعل.
الحال أن الشرط الفعلي للعالمية، وهو أن يصبح الممثل أو المخرج أو الكاتب، مطلوبا لذاته وذلك تعبيرا عن نجاحه في الوصول إلى الجمهور السائد، يجعل من الصعب اعتبار معظم الأسماء الواردة عالمية. هي معروفة لدى مبرمجي المهرجانات ولدى فريق من الجمهور الذي يؤم المهرجانات، لكن هذه المعرفة لا تؤمن الشرط الفعلي للعالمية.
على ذلك، فإن هناك تفاوتا في هذا الوضع.
رشيد بوشارب (الجزائري الأصل) ينجز أفلامه في فرنسا وبعضها تم إنجازه في بريطانيا («لندن ريفر») وآخرها في الولايات المتحدة («رجلان في المدينة») وكلها عرضت في مهرجانات وأحيانا في أسواق تجارية.
اللبنانية نادين لبكي عرفت نجاحا تجاريا كبيرا لفيلمها الأخير، كمخرجة، وهو «هلأ لوين»، كذلك فعل التونسي الأصل عبد اللطيف قشيش في العام الماضي بفيلمه «الأزرق أكثر الألوان دفئا». والفلسطيني هاني أبو أسعد حالفه النجاح عندما حقق فيلمه «الجنة الآن» قبل بضع سنوات.
على ذلك كلّه، المسافة ما زالت كبيرة بين أي من هؤلاء وبين العالمية بمفهومها الإعلامي والتجاري الواسع. بين نجاح التجربة الفردية ونجاح التجربة الشاملة.
وما يحدث في هذا النطاق على صعيد المخرجين، يحدث أكثر منه على صعيد الممثلين: هناك «نجم» عربي تحقق أفلامه نجاحا ما بين المغرب والبحرين، لكن لا وجود لمن يستطيع أن يبيع تذكرة واحدة في الغرب.

* على الطريق
* السينمائيون العرب (أو من ذوي أصول عربية) الذين حققوا انتشارا واسعا في الـ12 شهرا الماضية هم:
1 هاني أبو أسعد: مخرج فلسطيني وصل إلى ترشيحات الأوسكار الأخيرة.
2 عمرو واكد: ممثل مصري في أدوار أولى ومساندة آخرها عالميا «لوسي» أمام سكارلت جوهانسن.
3 جيهان نجيم: مخرجة مصرية حققت «الميدان» الذي وصل إلى ترشيحات الأوسكار في قسم الفيلم التسجيلي.
4 رشيد بوشارب: جزائري - فرنسي عرض «رجلان في المدينة» في مهرجان برلين.
5 هيام عبّاس: ممثلة فلسطينية تعيش وتعمل في باريس مثّلت في عدد كبير من الأفلام مؤخرا.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز