الكرملين يُعدّ لتوسيع حضوره في المنطقة بعد سوريا

سياسة بوتين في الشرق الأوسط... «كل الطرق يجب أن تؤدي إلى موسكو»

الكرملين يُعدّ لتوسيع حضوره في المنطقة بعد سوريا
TT

الكرملين يُعدّ لتوسيع حضوره في المنطقة بعد سوريا

الكرملين يُعدّ لتوسيع حضوره في المنطقة بعد سوريا

«الحدث في واشنطن والأنظار تتجه إلى موسكو»... تبدو هذا العبارة مُرضية للكرملين، بعدما ردّدها بعضهم معلقاً على مسارعة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى زيارة موسكو للحصول على دعم من الرئيس فلاديمير بوتين في اليوم التالي من الإعلان عن خطة الرئيس دونالد ترمب للسلام في الشرق الأوسط. أيضاً تصب العبارة في الاتجاه ذاته الذي تكرّس خلال الفترة الأخيرة، وبرز في أكثر من تعليق لخبراء مقربين من الكرملين: «كل الطرق تؤدي إلى موسكو، ولم يعد ممكناً العمل على تسوية أي ملف، إقليمياً كان أو دولياً، من دون أن يؤخذ رأي الكرملين في الاعتبار»!
هذا، برأي خبراء روس، ما أظهرته نتائج العام الماضي، والشهر الأول من العام الجديد الذي كان حافلاً بالأحداث على المستوى الإقليمي في الشرق الأوسط، وعلى المستوى الدولي أيضاً. ومن تطوّرات الموقف المتسارعة ميدانياً في سوريا... واقتراب ساعة «الحسم العسكري» في إدلب، إلى النشاط المتزايد حول الملف الليبي... وتصاعد الدور الروسي بقوة في محطات المفاوضات المتنقلة بين أنقرة وموسكو وبرلين، وانتهاءً بـ«الغموض» المتعمّد في موقف الكرملين حيال خطة السلام الأميركية، الذي رأى فيه كثيرون تحضيراً للعب دور أنشط في هذا الملف.
إزاء كل الملفات الشرق أوسطية الساخنة، يتعمّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الظهور بصفته الزعيم الذي يستقبل في موسكو عدداً كبيراً من اللاعبين المتعارضين وممثلي الأطراف الإقليمية والدولية، الذين يأتون مقرين بالدور الجديد الذي تلعبه موسكو.
ما عادت نادرة بيانات الكرملين التي تتحدّث عن إجراء اتصالات مع القيادة الفرنسية أو الألمانية لـ«بحث ملفات سوريا وليبيا والتسوية في الشرق الأوسط»، بعدما كانت هذه الاتصالات حتى وقت قريب تكاد تكون محصورة بالوضع في سوريا، وتطوّرات الموقف في أوكرانيا المجاورة.
وفي سوريا، أوحت تطورات الأسبوع الأخير، بأن موسكو اتخذت القرار النهائي بدعم الحسم العسكري في إدلب، مع ما يمكن أن يتبع ذلك من إعادة ترتيب «التوازنات» التي أقامتها موسكو في هذا البلد، وفقاً لمعايير جديدة. في هذا الإطار لم تخفّف الاعتراضات التركية التي وصلت إلى درجة اتهام موسكو بالنكوص عن التزاماتها في «اتفاق سوتشي» للتهدئة في إدلب، من اندفاعة الروس نحو دعم العملية العسكرية الجارية.
وكرّر الكرملين الرد على الاتهامات التركية بالحديث عن «التهديد المتزايد من جانب المسلحين في إدلب على المناطق المجاورة وعلى العسكريين الروس ما يستوجب مواجهة هذا الخطر». كما أعلن الوزير سيرغي لافروف أنه «لا تهاون مع الإرهابيين»، مشيراً إلى أن الطريق الوحيدة المتاحة هي أن «يستسلموا»... بينما على الأطراف الأكثر اعتدالاً في المعارضة السورية أن تختار «إما التراجع عن تحالفها مع جبهة النصرة أو تلقى المصير ذاته».
هكذا وضعت موسكو «معادلة» تطورات الموقف حول إدلب رغم الاعتراضات التركية، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن موسكو تنوي التراجع عن «شراكتها» مع أنقرة، أو تقويض الجهد المشترك الذي قاد إلى المشهد الحالي. لقد حملت تطورات الأسبوع الأخير بعد «المواجهة المحدودة» بين الجيشين السوري والتركي في محيط إدلب، أوضح اختبار لمتانة التنسيق الروسي - التركي، ومدى إمكان أن ينهار هذا «التحالف» بسبب التطوّرات الميدانية المتصاعدة. وبرز خلال الأيام الماضية الجهد الروسي لمحاصرة الموقف وتعزيز قنوات الاتصال بين الجانبين.

اهتزاز الشراكة
تعكس تصريحات خبراء مقرّبين من الكرملين، قناعة بأن الشراكة الروسية - التركية قد تتعرض لبعض الهزّات، لكنها لن تشهد تراجعاً كبيراً، خصوصاً أن «ما يجمع البلدين أوسع بكثير من العناصر الخلافية». وهنا إشارة واضحة إلى أن المحافظة على اتفاقات ترتيبات الوضع في الشمال السوري، و«المنطقة التركية الآمنة» على الحدود، فضلاً عن التفاهمات على آليات التعامل مع طموحات المكوّن الكردي، والاتفاق حيال مسألة الوجود الأميركي في منطقة شرق الفرات... عناصر مشتركة لا تسمح لموسكو وأنقرة لتوسيع هوّة الخلاف كثيراً حول إدلب.
خبراء تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» رأوا أن موسكو تعمل على «تثبيت خرائط نفوذ جديدة، يجب أن تكون الحكومة السورية بموجبها أحكمت سيطرتها فعلاً على الجزء الأكبر من أراضي البلاد، وعلى المناطق الحدودية مع العراق وتركيا والأردن».
إلا أن هذا «السيناريو» يستدعي، من وجهة نظر خبراء، إيجاد «اتفاق سوتشي» جديد، يأخذ في الاعتبار التطورات الميدانية، ويحافظ في الوقت ذاته على مراعاة الهواجس الأمنية لتركيا. ثم إن الحاجة قد تظهر أيضاً لوضع ترتيبات جديدة للتعامل في إطار «محور آستانة» بعدما أدّت تحولات كثيرة إلى تغيير المشهدين الميداني والسياسي.
ميدانياً، لا يخفي محلِّلون روس أن إزاحة قاسم سليماني ستسفر عن تقليص التأثير الإيراني في سوريا لصالح تصاعد أكبر للتأثير الروسي. والتطوّرات الجارية حول إدلب ستقلّص التأثير التركي المرتبط بالمعارضة السورية إلى درجة كبيرة، ما يعني أن الوجود التركي سيكون مرتبطاً أكثر بالحاجة إلى ترتيبات أمنية في الشمال تستجيب للقلق الأمني من جانب أنقرة، وهذا أمر لا تعارضه موسكو بل تميل إلى تثبيته أكثر.
على هذه الخلفية، فإن موسكو قد تكون أمام استحقاق إعادة النظر في توازن المصالح الذي بنته في وقت سابق بين الأطراف المختلفة من طهران إلى أنقرة إلى تل أبيب على أساس الواقع الجديد. في المقابل، يبقى الوجود العسكري الأميركي في منطقة شرق الفرات، رغم محدوديته، مؤثراً جداً على الخطط الروسية، ويظلّ العنصر الأبرز المقلق لروسيا لأنه يسفر عن الحد من قدرة روسيا على الترويج لخططها وبرامجها، لا سيما على صعيدي إعادة الإعمار وإعادة اللاجئين، لأن هذا يتطلب دعماً دولياً واسعاً لا يمكن توفيره مع المواجهة الروسية - الأميركية القائمة حالياً. وهذا يفسّر تشديد الخارجية الروسية على القول قبل يومين إن «واشنطن تعرقل تطبيع الوضع في سوريا».

تعنّت نظام دمشق
من ناحية أخرى، تواجه موسكو في سوريا مع الوقائع الجديدة مشكلة جدية أخرى، برزت بقوة في الفترة الأخيرة... وهي تتمثل في مواقف النظام «المتعنتة» التي غدت بدورها عاملاً معرقلاً للخطط الروسية.
لقد برزت خلال الأسابيع الماضية رسائل وجّهتها موسكو، بوسائل مباشرة حيناً أو غير مباشرة أحياناً أخرى، عكست تزايد الضيق الروسي من أداء سلطات دمشق. وبين ذلك، آليات التعامل مع الأزمة الاقتصادية المعيشية على خلفية امتناع دمشق عن الإصغاء لـ«نصائح» موسكو حول ضرورة تعزيز التعاون مع الجهات الدولية المختصة، فضلاً عن العرقلة المتواصلة لعمل «اللجنة الدستورية» التي ترى فيها موسكو «المدخل الصحيح وبداية التسوية السياسية».
وفي أعقاب بروز عدد كبير من العناصر التي دفعت أوساطاً روسية إلى انتقاد «قلة النظام في إطلاق إصلاحات جدية على المستوى الداخلي، ما يعرقل جهود موسكو في تعزيز آليات المصالحات وتطبيع الموقف على الأرض»، اضطرت موسكو خلال الأسبوع الماضي إلى إيفاد المبعوث الرئاسي ألكسندر لافرنتييف، يرافقه نائب وزير الخارجية سيرغي فيرشينين وعدد من العسكريين الروس، إلى دمشق للقاء الرئيس بشار الأسد، وحمله على إنجاح زيارة المبعوث الدولي غير بيدرسن إلى دمشق.
ولفتت مصادر تحدثت إليها «الشرق الأوسط» إلى أن الزيارة «جرى ترتيبها على جناح السرعة بهدف إبلاغ رسالة روسية إلى القيادة السورية بضرورة إنجاح مهمة المبعوث الدولي». وهذا، خصوصاً، على خلفية بروز استياء روسي من «مماطلة الحكومة في دفع نشاط اللجنة الدستورية وتقديم الدعم الكافي للمبعوث الدولي».
رامي الشاعر، الدبلوماسي السابق والخبير المطلع على ملفات العلاقة الروسية - السورية، «يتفق تماماً بأن هدف الزيارة التأثير على دمشق لحملها على إبداء مستوى أكبر من الجدية في التعامل مع مهمة المبعوث الدولي». ولفت الشاعر إلى أن بين أهداف الزيارة إيصال رسالة إلى دمشق بأن تفعيل عمل الأمم المتحدة يسهّل إيجاد آليات لتخفيف معاناة الشعب السوري، لافتاً إلى أن الأزمة الاقتصادية والمعيشية لا يمكن مواجهتها من دون دفع عمل الأمم المتحدة وحشد التأييد للجهد الدولي في هذا الاتجاه». وتابع: «ما زالت هناك أطراف داخل النظام تحاول عرقلة عمل المبعوث الدولي وتحاول استخدام آليات غير جدية ما يفاقم من المشكلات الاجتماعية والمعيشية للسوريين». وأشار إلى تحذير روسي من أن استمرار الوضع الحالي قد يدفع المجتمع الدولي إلى طرح ملف شرعية النظام مجدّداً على طاولة البحث.

التدخل في ليبيا
في سياق موازٍ، يتفّق خبراء في روسيا على أن التدخل المباشر لموسكو في الأزمة الليبية، الذي بدأت ملامحه تتضح وتزيد في الفترة الأخيرة، أعاد قلب الأوراق وتغيير موازين القوى، وبالأخص، أنه جاء هذه المرة من خلال اتفاق روسي - تركي لضمان وقف النار وإطلاق آلية للحوار بين الأطراف المتنازعة. وصحيحٌ أن موسكو وأنقرة فشلتا في إطلاق الحوار المنتظر خلال جولة مباحثات مطولة عقدت في موسكو أخيراً، إلا أن دخول «اللاعب الروسي» على خط الأزمة الليبية بات أكثر وضوحاً وثقة من السابق.
ثمة تحليلات تقول إن روسيا وتركيا استغلتا فشل الغرب في الأزمة الليبية لتضعا آلية خاصة بهما ضامناً لقرار سياسي في المستقبل. وهذا، في إشارة إلى تشكيل «تحالف براغماتي» جديد بين البلدين، رغم تعارض وجهات نظرهما حول الأزمة وتباين أهدافهما النهائية منها.
وحقاً، بعد 9 أشهر من بدء معركة «تحرير العاصمة الليبية»، أظهر الروس والأتراك أنهم قادرون على التأثير بشكل مباشر على الأحداث على هذه الجبهة، بل وقادرون أيضاً على التناوب في لعب الأدوار بين التصعيد والهدوء. هذا يشكل تغييراً أساسياً في قواعد اللعبة الخاصة بالأزمة الليبية. ودفع هذا التغيير إلى عقد مقارنات مع سيناريو «مسار آستانة» السورية، وتوقع بروز «محور آستانة جديد خاص بالأزمة الليبية»، مع أن لدى الطرفين مداخل متباينة في التعامل مع الأزمة، ومع أطرافها الأساسيين. ففي حين لا تخفي أنقرة دعمها «حكومة الوفاق» وتواصل إرسال السلاح والعتاد و«المرتزقة»، في مخالفة صريحة لمُخرجات «مؤتمر برلين» وللقرارات الدولية السابقة، فإن موسكو متهمة بأنها تقف على الطرف النقيض وتقدم كل أنواع المساعدات لقائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، بما في ذلك على صعيد إرسال «مرتزقة روس» للقتال إلى جانبه. لكن، مع كل هذا، وجد الطرفان نقطة انطلاق لـ«عمل مشترك».
في هذا الصدد، تشير تقديرات خبراء روس إلى أنه بالنسبة لأنقرة، تمثل ليبيا بشكل أساسي نقطة انطلاق لخطة استراتيجية تغطي آفاقاً أوسع نطاقاً. والمشاركة العسكرية في طرابلس تمنح الرئيس التركي رجب طيب إردوغان القدرة على تعزيز أوراقه التفاوضية، بما في ذلك مع روسيا. ووجهة النظر هذه تقوم على أساس أن إردوغان يرى في روسيا «شريكاً ضرورياً» لاستعادة التوازن في علاقاته المتآكلة مع الغرب. وهو يدرك أن موسكو انطلقت في موقفها المندفع في سوريا من شعور بالخيبة لأن الغرب استخدم قرار مجلس الأمن عام 2011 للإطاحة بالنظام الليبي من دون استشارة موسكو في هذا التطوّر. وهذا يعني أن «عودة موسكو إلى الملف الليبي ضرورة أساسية للكرملين الذي كان قد تكلم مراراً عن خطأ التدخل الغربي في هذا البلد»، كما أنها توفر لبوتين مجالاً جديداً لتوسيع الحضور الإقليمي لبلاده.
بيد أن الرهان على أن «المحور التركي - الروسي» الذي يعمل بشكل جيد في سوريا، ليس كافياً من وجهة نظر بعض الخبراء، الذين يلاحظون أن «مسار آستانة» السوري غدا ممكناً فقط عندما أدرك الأتراك أنهم خسروا بشكل رئيسي بعد التدخل الروسي المباشر في سوريا.
في كل الأحوال، يرى خبراء أنه ليس هناك أدنى شك في أن روسيا أدركت منذ وقت طويل الموقف الحساس لتركيا تجاه مناطقها الحدودية وقلقها المتزايد إزاء ضعف مواقفها. لذلك، قرّرت موسكو «بشكل معقول» إشراك أنقرة في تسوية النزاع، بدلاً من العمل على عزلها. وكنتيجة لذلك، تمكن الجانبان من التفاهم على أولوياتهما في سوريا.
على صعيد آخر، مع الإقرار بحقيقة أن ليبيا توفر منصة جديدة للاندفاعة الإقليمية لروسيا، فإن أسئلة كثيرة برزت حول مدى قدرة موسكو وأنقرة على العمل بشكل مشترك في هذا البلد، لأن «فكرة روسيا الثأرية القائمة على دعم الجيش الوطني تتطلب مقاربة أكثر دقة»، ووفقاً لكثير من الخبراء الروس، فإن موقف موسكو من القضية الليبية ما زال غامضاً، إذ يقول أندريه شوبريغين، الأستاذ في المدرسة العليا للاقتصاد في موسكو - الذي أمضى 10 سنوات في ليبيا في عهد معمّر القذافي: «ليست لدى روسيا استراتيجية ليبية واضحة. ومثلها مثل الجهات الفاعلة الدولية الأخرى، تسعى روسيا إلى تنويع قنواتها ووسائل التأثير فيها حتى لا تسيء إلى ما هو مُعد للمستقبل. بالإضافة إلى ذلك، من الواضح للجميع أنه لا يمكن لأي من اللاعبين - الحاليين السراج أو حفتر - أن يحكم البلاد بطريقة مستدامة».
هذا الأمر ركز عليه أيضاً الدبلوماسي السابق فلاديمير فرولوف في إشارته إلى الاستراتيجية الروسية الحالية في ليبيا، إذ قال: «رأى بوتين فراغاً في السلطة يمكن ملؤه بسهولة، لكن هذا لا يعني أن موسكو استكملت بناء استراتيجيتها هناك». وتابع: «كما الحال في الحقبة السوفياتية، فإن روسيا لا تملك الوسائل لتكون اللاعب المهيمن أو الحاسم في ليبيا. فبعض الأطراف ترى أن اللعبة الروسية هي وسيلة لموازنة التأثيرات الأخرى. وموسكو تتصرّف بذكاء فقط عندما توافق على هذا الدور». ثم يوضح فرولوف أكثر: «لقد سمحت تصرفات روسيا في ليبيا بتعزيز موقعها في المفاوضات مع أوروبا. وفي ضوء ذلك، يمكن لموسكو أن تأمل في تقديم تنازلات بشأن أهم قضاياها، بدءاً بأوكرانيا».
يبقى أن الاستخلاص الأهم من الدخول الروسي القوي على الملف الليبي هو ما خرج به بعض المحللين أخيراً، من أنه على ما يبدو، لن تقتصر خطوات روسيا على ليبيا وسوريا. يبدو أن موسكو، التي تعلن من الآن فصاعداً مشاركتها في الصراع الإقليمي والعالمي من أجل النفوذ، تمدد نشاطها لتشمل مناطق أخرى... على الأقل في الشرق الأوسط وأفريقيا ووسط وجنوب آسيا.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.