ارتفاع عدد المؤيدين لاستقلال اسكوتلندا

مع أكبر تراجع لإنتاجية العمل البريطانية خلال أكثر من 250 عاماً

بوريس جونسون متأكد أن بريطانيا ستظهر قدراتها الكامنة في المفاوضات التجارية مع الدول الأخرى (أ.ف.ب)
بوريس جونسون متأكد أن بريطانيا ستظهر قدراتها الكامنة في المفاوضات التجارية مع الدول الأخرى (أ.ف.ب)
TT

ارتفاع عدد المؤيدين لاستقلال اسكوتلندا

بوريس جونسون متأكد أن بريطانيا ستظهر قدراتها الكامنة في المفاوضات التجارية مع الدول الأخرى (أ.ف.ب)
بوريس جونسون متأكد أن بريطانيا ستظهر قدراتها الكامنة في المفاوضات التجارية مع الدول الأخرى (أ.ف.ب)

صوت الاسكوتلنديون بنسبة 55 في المائة ضد الانفصال عن المملكة المتحدة في استفتاء نظم في سبتمبر (أيلول) 2014 وصفه الانفصاليون في ذلك الوقت بأنه «تصويت يجري مرة واحدة». إلا أن زعيمة الحزب الوطني الاسكوتلندي ورئيسة وزراء حكومة الإقليم نيكولا ستيرجن قالت إن بريكست تسبب في «تغيير مادي» وخلل في العلاقة بين لندن وإدنبرة، ولهذا فيمكن تنظيم استفتاء آخر يعكس طموح الاسكوتلنديين الذين صوتوا بكثافة لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي.
ومن تداعيات خروج بريطانيا ارتفاع التأييد لاستقلال اسكوتلندا إلى 52 في المائة، في أعلى مستوى منذ ثلاث سنوات ونصف سنة، وفقاً لاستطلاع أجري عقب الانفصال. وجرى الاستطلاع الذي نُشر مساء الاثنين، لحساب صحيفة «ذا ناشونال» المؤيدة للاستقلال، وأجراه معهد الاستطلاع الإلكتروني «بانيل بيس» بين 28 و31 يناير (كانون الثاني). وهذا ثالث استطلاع يجري خلال الأسبوعين الماضيين يشير إلى تزايد التأييد للاستقلال وتجاوزه نسبة 50 في المائة. وتؤكد أن اسكوتلندا أخرجت من الاتحاد الأوروبي خلافاً لرغبتها لأن الاسكوتلنديين صوتوا بأغلبية 62 في المائة للبقاء في الاتحاد. ووعدت، كما نقلت عنها الصحافة الفرنسية، بتكثيف الجهود للحصول على حق إجراء استفتاء جديد للاستقلال وإجبار رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون على السماح بالاستفتاء، وهو ما رفضه جونسون.
والأسبوع الماضي، خلص استطلاع أجرته وكالة «سورفيشن» إلى أن 50 في المائة يؤيدون استقلال اسكوتلندا، بينما أظهر استطلاع أجراه معهد يوغوف قبل أسبوعين دعما للاستقلال بنسبة 51 في المائة. ومن المقرر إجراء الانتخابات البرلمانية الاسكوتلندية العام المقبل والتي تعتبر على نطاق واسع اختبارا لدعم الاستقلال.
لن يتغير الكثير في العلاقات التجارية القائمة بين بريطانيا الاتحاد الأوروبي خلال فترة انتقالية مدتها 11 شهرا، حيث يسعى الجانبان إلى التفاوض حول مستقبلها لتشمل التعاون التجاري والأمني والسياسي ومجالات أخرى. خرجت بريطانيا رسميا من الاتحاد الأوروبي منتصف ليل 31 يناير الماضي من الاتحاد الأوروبي، بعد 47 عاما من العضوية في التكتل الأوروبي. ويأتي خروج بريطانيا بعد ثلاثة أعوام ونصف العام من تصويت البريطانيين بنسبة 52 في المائة لصالح الخروج من الاتحاد في استفتاء أجري عام 2016.
وأعرب رئيس الكتلة البرلمانية للتحالف المسيحي الألماني، رالف برينكهاوس، عن توقعه خوض مفاوضات صعبة بين الطرفين خلال تلك الفترة. وقال برينكهاوس في تصريحات لوكالة الأنباء الألمانية، نُشرت أمس الثلاثاء: «ستكون مفاوضات صعبة. نريد التعاون على نحو فعال وعادل مع البريطانيين، لكن بالتأكيد لن يحصل (رئيس الوزراء البريطاني) بوريس جونسون على المميزات فقط».
وأشار برينكهاوس إلى عامل الضغط الكبير في الوقت، مشيرا إلى أنه ليس متاحا سوى 11 شهرا للتفاوض، والتي ستتقلص بالنظر إلى الأشهر التي ستُخصص للتصديق على المعاهدة المنتظرة، وقال: «سيكون من الصعب بما فيه الكفاية أن نتفاوض خلال هذه الفترة القصيرة حول اتفاقية لتحرير التجارة». ويجري برينكهاوس محادثات سياسية في لندن منذ الاثنين. ومن المخطط أن يلتقي برينكهاوس الوزير البريطاني لشؤون آيرلندا الشمالية، جوليان سميث، وممثلين عن التيار السياسي المحافظ.
ومن التداعيات الأخرى لبريكست هو النمو الاقتصادي، إذ يعتقد بعض المحللين أن بريطانيا قد تدخل في علاقات غير واضحة المعالم. وأظهرت دراسة ستنشر نتائجها خلال الأسبوع الحالي تسجيل إنتاجية العمال في بريطانيا أكبر تراجع لها منذ نحو 250 عاما. وذكرت وكالة «بلومبرغ» للأنباء أن الدراسة أشارت إلى تراجع الإنتاجية بنسبة 20 في المائة عن مستواها قبل الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008، وهو أكبر تراجع لها منذ الفترة من 1760 إلى 1800 وهي الفترة التي شهدت الثورة الصناعية. وأشارت الدراسة إلى وجود ثلاثة عوامل رئيسية وراء هذا التراجع للإنتاجية وهي نهاية ازدهار قطاعي تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والأزمة المالية وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وقال نيكولاس كرافتس الذي اشترك مع تيرينسي ميلز وباحثين من جامعتي ساسيكس ولافبروه في إعداد الدراسة إن هذا الأداء «سيئ بصورة صادمة» بالنسبة للعمال في بريطانيا. ومن المقرر أن ينشر المعهد الوطني للمراجعة الاقتصادية نتائج الدراسة كاملة يوم 6 فبراير (شباط) الحالي. ورغم أن التكنولوجيا أدت إلى زيادة كبيرة في الإنتاجية في بداية القرن الحادي والعشرين، فإنها أسهمت بأقل من ربع الزيادة الإنتاجية خلال العقد الممتد من 2008 إلى 2018. وقال خبراء الاقتصاد إن الذكاء الصناعي قد يفتح الباب أمام ثورة جديدة، لكن هذا ليس له تأثير كبير حتى الآن. في الوقت نفسه، فإن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يعني أنه على كبار المديرين التركيز على التخطيط. كما أدى ذلك إلى انكماش نسبي لإنتاجية الشركات عالية الإنتاجية المعتمدة على التصدير مقارنة بالشركات الأقل كفاءة والمعتمدة على السوق المحلية.
لكن أظهر مسح أمس الثلاثاء أن قطاع البناء في بريطانيا شهد أقوى تحسن من شهر لشهر خلال عامين تقريبا في يناير، إذ أدى فوز رئيس الوزراء بوريس جونسون في الانتخابات إلى إزالة حالة عدم التيقن قصيرة الأجل التي كانت تلقي بظلالها على الاقتصاد. وقال بعض المشاركين في الاستطلاع إن تراجع حالة الضبابية السياسية بعد انتخابات 12 ديسمبر (كانون الأول) قد يفتح مشاريع جديدة ويعزز إنفاق العملاء. وأظهر مؤشر مديري المشتريات أن تفاؤل شركات المقاولات إزاء آفاق نموها كان الأكبر منذ أبريل (نيسان) 2018.
وقالت آي إتش إس ماركت: «توافر وضوح أكبر فيما يتعلق بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد الانتخابات العامة كان له أثر إيجابي على الطلب، لا سيما في شريحة المشاريع السكنية».



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended