هل يحبّ العراقيون غلغامش؟

ملحمته تمتلك حسّاً إنسانياً قريباً من ذائقة البشر بما في ذلك إنسان القرن الحادي والعشرين

لوحة تصويرية لمشهد من ملحمة غلغامش
لوحة تصويرية لمشهد من ملحمة غلغامش
TT

هل يحبّ العراقيون غلغامش؟

لوحة تصويرية لمشهد من ملحمة غلغامش
لوحة تصويرية لمشهد من ملحمة غلغامش

أظنّ أن الكثيرين منّا قد راودهم السؤال التالي: من هو الكاتب الأول في تأريخ البشرية الذي وصلتنا كتاباته، وصارت قراءته تقليداً راسخاً في مرجعياتنا الثقافية؟ ربما سيسارع الكثيرون لتسطير أسماء كُتّاب أولى الملاحم المعروفة: الإلياذة والأوديسة والإنياذة والشاهنامة والرامايانا... إلخ؛ لكن يبقى ثمة اسم يتقدّم كلّ هؤلاء من حيث سبقه الزمني، وريادته، والفكر الكامن في طبيعة موضوعاته. إنّه غلغامش، الملك والإنسان، صاحب أولى الملاحم البشرية المدوّنة على الحجر في التأريخ البشري.
تكتب مارغريت آتوود، الروائية العالمية المرموقة، في كتابها «مفاوضات مع الموتى» عن أول كاتب قصة في التأريخ فتقول: «ساد الاعتقاد بأن فرجيل أول كاتب يقوم بالرحلة إلى العالم السفلي، أي أنه قام بالرحلة ليرويها، وتروي مغامرات فيرجيل في الجحيم... ثم تقول: والآن أودُّ أن أطرح نموذجاً للكاتب المغامر تحت الأرض، الذي سبق النماذج السابقة بزمن طويل، إنه بطل بلاد الرافدين غلغامش؛ لكن القصيدة الملحمية التي كان بطلها غلغامش لم تفك شفرتها إلا في القرن التاسع عشر، ومن ثم قلما نزعم أنّ له تأثيراً على فيرجيل ودانتي؛ فهو إذن بمثابة قضية قياسية عن العلاقة الجوهرية بين الحافز على الكتابة وتدوين الأشياء وبين الخوف من الموت».
ثمّ تخلص آتوود إلى الخلاصة الجوهرية التالية: «غلغامش أول كاتب عرفته البشرية؛ فقد أراد معرفة أسرار الحياة والموت واخترق الجحيم، وعاد ولكنه لم يفز بالأبدية؛ فكلّ ما عاد به هو قصتان: الأولى قصة رحلته، والثانية قصة الطوفان، وهكذا فالشيء الوحيد الذي عاد به هو هاتان القصتان، عاد مكدوداً منهكاً ودوّن كلّ شيء على الحجر».
ملحمة غلغامش أكبر من كونها السردية الكبرى الأولى في تأريخ البشرية، ويمكن لقارئها أن يتفحّص توليفة من المستويات الفكرية فيها. أودّ هنا التأكيد على ثلاثة جوانب فحسب من تلك المستويات الفكرية التي تضمّها الملحمة الخالدة:
- الجانب الفلسفي
ثمة طائفة من الأسئلة المرتبطة بالوجود الإنساني تندرج تحت توصيف «الأسئلة الكبرى»؛ تلك الأسئلة التي تتعالى على الاختلافات البيولوجية والجغرافية بين المجموعات البشرية، وتكتفي بمساءلة الوجود البشري فحسب. تتمحور تلك الأسئلة الكبرى في تساؤلات جوهرية عدة هي موضوع كتابات فلسفية وعلمية ذائعة، ولعلّ من الصعب أن تخلو كتابات أي فيلسوف أو مهتمّ بالوجود البشري من مساءلة تلك «الأسئلة الكبرى»، وأحسبُ أنّ موضوعة «المعنى والغائية» في الحياة البشرية ستظلّ الموضوعة مفتوحة النهايات، التي سيُعاد تشكيلها تبعاً للفتوحات العلمية والتقنية المستجدة في كل عصر.
إنّ موضوعة غائية الحياة (والوجود الإنساني بعامة)، وكونها مرتبطة على نحو شرطي بتوفر معنى للوجود هي موضوعة فلسفية - سايكولوجية - لاهوتية مركّبة في المقام الأول، وليست أسبقية، أو ضرورة علمية، وإن كان العلم وقوانينه ووسائله توظّف بطريقة قسرية سيئة (أغلب الأحيان) في حمى الجدالات الفلسفية منذ عصر الفلسفة القروسطية، ومروراً بعصر التنوير الأوروبي حتى يومنا هذا. قد لا يُبدي بعض المُنافحين عن وجود معنى للحياة مقترن شرطياً بغائية فيها ولعاً بالتفاصيل الفلسفية؛ لذا نراهم يحاججون بتلك الحجة اللاهوتية الأزلية: كيف يمكن تصوّر العيش في عالم غير ذي غاية ولا معنى؟ وهل ثمة إمكانية لوجود أخلاقيات في مثل هذا العالم؟ هم يجادلون على هذا المنوال لأنهم يريدون مكافأة لكلّ فعل خيّر يفعلونه ولا يطيقون تصوّر عالم تنعدم فيه المكافأة المرتجاة من وجهة نظرهم.
يكمن معنى الحياة وغائيتها في عقولنا وأرواحنا فحسب: قل كلمتك وافعل الخير، وابذل أقصى جهودك في فعل ما تحبّ وتهيم به شغفاً، ولا تنتظر مكافأة فورية أو مؤجّلة لكل فعل طيب تفعله، ولا تدنّس ضميرك الحي بصغائر الأفعال - هذا هو ما يخلع معنى على الحياة.
تمثّل (ملحمة كاكامش) العالمية أفضل تمثيل، الجوهر الكامن في العبارة الأخيرة، فضلاً عن تأكيدها لقيمة عيش اللحظة الراهنة، وعبّ رحيق الحياة المشتهاة على نحوٍ يجعلنا نمتلئ بطاقة أبيقورية يتوازن عندها التفكر في معنى الحياة وغائيتها مع اجتناء اللذة اليومية في العيش، ونحن إذ نفعل هذا ينبغي أن نضع في حسباننا أن اللذة ألوان شتى تتباين بحسب البصمة العقلية والسايكولوجية للفرد ورؤاه التي تشكّل مساره في الحياة.
- الجانب الإنساني
تمثّل ملحمة غلغامش نوعاً من الأنسنة الكاملة (أو شبه الكاملة على أقلّ تقدير) للوجود البشري؛ إذ أنّ شخوصها الفاعلين على المسرح الصراعي فيها إنما هم بشر مثلنا بعيدون عن الخصائص الخارقة التي تميّز الميثولوجيا الإغريقية وسواها من الميثولوجيات غير الرافدينية. تكمن أهمية هذه الصفة في جعل ملحمة غلغامش تمتلك دوماً حسّاً إنسانياً قريباً من ذائقة البشر (بما في ذلك إنسان القرن الحادي والعشرين) وبما يخلع على الملحمة شعوراً بالراهنية والصلاحية اللتين تستعصيان على التقادم أو الخفوت.
- الجانب التقني
تزخر الملحمة - بين ما تزخر به - بالشواهد التي تعكس الأثر الذي يمكن أن تساهم به التقنية في تطور الكائن البشري: (إنكيدو)، الكائن الوحشي الذي خلقته الآلهة ليصرع الطاغية غلغامش، تعلّم من الغانية (شمخت) فنّ الحب، كما كسته (شمخت) بقطعة نسيج من نصف ردائها وعرّفته على مذاق الخبز ولذعة النبيذ، وتمثلت تقنية الحضارة التي نقلتها المرأة في النسيج والخبز والنبيذ، وبها أيقظت الإنسان في إنكيدو بعد عيشه وحشاً مع الضواري.
أول قراءة لي لهذه الملحمة كانت بترجمة طه باقر، عالم الآثار العراقي الراحل الذي كان يُجيد اللغات الرافدينية القديمة. بهرتني الملحمة كترنيمة يتردد صداها في براري العالم، وتشير إلى مصائرنا البشرية المحتومة في مواجهة الموت، ثم بدأت أبحث عن ترجمات أخرى وصياغات مختلفة للملحمة العظمى حتى اجتمعت لدي 9 ترجمات لكبار المتخصّصين في الآداب الرافدينية، وآخرها ترجمة الآثاري الدكتور نائل حنون، المتخصّص باللغة الأكدية، وتتضمّن ترجمته تحليلاً لغوياً للنص الأكدي، فضلاً عن متن الملحمة ذاتها. صار تقليداً سنوياً لدي أن أعيد قراءة الملحمة بترجماتها المختلفة والدراسات الحديثة حولها للوقوف على الإضافات المستحدثة التي تلت ترجمة العلامة طه باقر، وقادتني قراءة الملحمة إلى شغف لتعلم الكتابة المسمارية؛ فاقتنيت كتاب «قواعد اللغة السومرية» للراحل الدكتور فوزي رشيد، ونجحت في تعلم بعض الرموز والعلامات، وتمرّنتُ بمفردي على كتابة صفحة أو اثنتين بالرموز المسمارية، وكنت أعيد التمارين بين حين وآخر بمتعة بالغة، واستطعت قراءة بضعة سطور من ملحمة غلغامش بخطها المسماري.
قادني شغفي بالملحمة الكبرى وفكرتها الصالحة لكل عصر إلى قراءة كتاب «مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة» للراحل طه باقر، فتعرفت إلى: قصيدة الخليقة، وقصة الطوفان الملحقة بملحمة غلغامش، وقصيدة أدابا، وملحمة إيتانا، وحوارية السيد والعبد، ونصوص الحكمة المختلفة وقصائد الحب والغزل. استغرقتني قراءة النصوص الرافدينية سنواتٍ حتى اختمرت رؤاي الخاصة عن تلك النصوص ومفاهيمها.
ثمة أسئلة تمثل نوعاً من العذاب اليومي لي منذ بواكير نشأتي الثقافية والأدبية: لماذا لا يحبّ العراقيون - إلا القلة منهم - موروثهم الرافديني العظيم والحافل بأرقى ألوان الفكر والمعرفة ومساءلة أدقّ تفاصيل الوجود الإنساني؟ هل يحبّ العراقيون غلغامش؛ بل هل سمع به معظمهم، بخاصة من الأجيال اليافعة والشابة؟ هل يرون فيه مثالاً نوعياً راقياً يمكن توظيفه في الارتقاء بحسّ المواطنة العراقية الحقيقية بعيداً عن التمظهرات الفلكلورية الهشة واللحظوية التي تتصادى مع الفورات الشعبوية وتخفت بانطفائها؟ لماذا لم نجعل من ملحمة غلغامش مادة دراسية يتمّ صياغتها بطريقة مناسبة لكلّ مرحلة دراسية بطريقة تعزّز الانتماء الواعي للجغرافية العراقية بعيداً عن الانتماءات الفرعية الضيقة، وبكيفية توطّد شأن الثقافة والفكر والفلسفة في مواجهة الأنساق المنغلقة كيفما كان منبتها؟
تتبارى الأمم في توظيف أصغر العناصر المتاحة في رأسمالياتها الرمزية وأساطيرها من أجل تعظيم شأنها، واستخدامها في تعزيز قدراتها العلمية والتقنية والثقافية التي ستُترجم لاحقاً في شكل دور عالمي ذي مفاعيل مؤثرة؛ أما العراقيون فيهملون - أو يتناسون في أفضل الأحوال - كنوزهم الرمزية الثرية، ويستعيضون عنها بالجري اللاهث وراء سراب اليقينيات الموهومة.
- كاتبة وروائية ومترجمة عراقية مقيمة في الأردن



كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
TT

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير والتشكيك في قراراتهم، والانشغال بأسوأ السيناريوهات المحتملة، وهو ما قد يستهلك طاقتهم ويبطئ أداءهم ويجعل الاستمتاع بالحياة أكثر صعوبة. لكن الحفاظ على صحة الدماغ لا يتطلب بالضرورة تغييرات جذرية أو استغلال كل دقيقة من اليوم، بل يمكن تحقيقه من خلال تعديلات بسيطة في أسلوب التفكير والسلوك اليومي.

يرى أليكس كورب، عالم الأعصاب وأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، أن تحسين أداء الدماغ يبدأ بتجنّب بعض العادات الشائعة التي تستنزف الطاقة الذهنية. وبعد أكثر من 20 عاماً من البحث في علم الأعصاب، يؤكد أن التغييرات الصغيرة قد تُحدث فرقاً كبيراً في تعزيز التركيز والشعور بالهدوء ومقاومة الإرهاق، حسب ما أورده في تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي».

وفيما يلي أبرز 6 أمور ينصح كورب بتجنّبها للحفاظ على قوة الدماغ وصحته:

1. تجاهل القلق

يُنظر إلى القلق غالباً بوصفه أمراً سلبياً، لكن كورب يعتبره بمثابة «نظام إنذار» يصدر إشارات من الجهاز الحوفي- مركز العواطف في الدماغ- لينبّهك إلى ما هو مهم. تجاهل هذا الشعور قد يجعلك غير قادر على التمييز بين المواقف التي تتطلب استجابة فورية وتلك التي لا تستدعي القلق. لذلك، من الأفضل التوقف لحظة عند الشعور بالقلق، ومحاولة فهم مصدره، وطرح سؤال بسيط: ماذا يخبرني هذا الشعور عن أهمية هذا الموقف؟ هذا الوعي يساعد على التعامل معه بفعالية بدلاً من الانفعال أو التجمّد.

2. الاعتماد على النقد الذاتي بوصفه وسيلةً للتحفيز

في حالات الضغط، يفرز الدماغ مواد كيميائية مثل الدوبامين والنورأدرينالين، ما يعزز التركيز مؤقتاً. لكن هذا النوع من التحفيز يأتي على حساب مواد أخرى مرتبطة بالسعادة، مثل السيروتونين والأوكسيتوسين والإندورفين. لذلك، فإن الاعتماد على النقد الذاتي قد يمنح دفعة قصيرة المدى، لكنه يؤدي في النهاية إلى استنزاف الطاقة والشعور بالإرهاق. وعند الشعور بالإحباط، يُنصح بتحويل التركيز من النتائج السلبية إلى الأهداف الإيجابية التي تسعى لتحقيقها.

3. الهوس بتتبع جودة النوم

قد يبدو تتبع النوم باستخدام الأجهزة الذكية مفيداً، لكنه قد يتحول إلى مصدر إضافي للقلق، خصوصاً عندما تنشغل ببيانات لا يمكنك التحكم بها مباشرة. بدلاً من ذلك، يُفضّل التركيز على العادات التي تدعم نوماً جيداً، مثل التعرض لضوء الشمس صباحاً، والحفاظ على مواعيد نوم منتظمة، وممارسة الرياضة، واتباع روتين مسائي هادئ يساعد على خفض مستويات التوتر.

4. تعدد المهام عند الحاجة إلى تركيز عميق

قد يعطي التنقل بين المهام المختلفة شعوراً زائفاً بالإنتاجية، نتيجة دفعات صغيرة من الدوبامين. لكن في الواقع، يؤدي ذلك إلى إرهاق قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن اتخاذ القرارات وحل المشكلات. هذا الإرهاق قد ينعكس في صورة أخطاء متكررة وإجهاد ذهني. لذا، عند الحاجة إلى التركيز، يُفضّل تقسيم العمل إلى فترات زمنية قصيرة، والتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

5. تجاهل المشاعر بحجة التفاؤل الدائم

رغم أهمية التفكير الإيجابي، فإن تجاهل المشاعر السلبية أو إنكارها قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فمحاولة فرض التفاؤل قد تعيق القدرة على التعامل مع الواقع. الأفضل هو الاعتراف بالمشاعر وتسميتها بوضوح، إذ يساعد ذلك على تخفيف الضغط عن اللوزة الدماغية، ويمنح الدماغ فرصة لاستعادة توازنه والتعامل مع الموقف بوعي أكبر.

6. ربط القيمة الذاتية بالإنتاجية فقط

يرتكب كثيرون خطأ ربط قيمتهم الذاتية بمدى إنتاجيتهم أو إنجازاتهم، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق على المدى الطويل. ويشير كورب إلى أن هذا النمط قد يمنح دفعات مؤقتة من التحفيز، لكنه يستنزف الطاقة النفسية مع الوقت. لذلك، من المهم تذكير النفس بأن القيمة الذاتية لا تقتصر على الإنجاز، وأن بذل الجهد بحد ذاته أمر كافٍ.


من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.