هل يحبّ العراقيون غلغامش؟

ملحمته تمتلك حسّاً إنسانياً قريباً من ذائقة البشر بما في ذلك إنسان القرن الحادي والعشرين

لوحة تصويرية لمشهد من ملحمة غلغامش
لوحة تصويرية لمشهد من ملحمة غلغامش
TT

هل يحبّ العراقيون غلغامش؟

لوحة تصويرية لمشهد من ملحمة غلغامش
لوحة تصويرية لمشهد من ملحمة غلغامش

أظنّ أن الكثيرين منّا قد راودهم السؤال التالي: من هو الكاتب الأول في تأريخ البشرية الذي وصلتنا كتاباته، وصارت قراءته تقليداً راسخاً في مرجعياتنا الثقافية؟ ربما سيسارع الكثيرون لتسطير أسماء كُتّاب أولى الملاحم المعروفة: الإلياذة والأوديسة والإنياذة والشاهنامة والرامايانا... إلخ؛ لكن يبقى ثمة اسم يتقدّم كلّ هؤلاء من حيث سبقه الزمني، وريادته، والفكر الكامن في طبيعة موضوعاته. إنّه غلغامش، الملك والإنسان، صاحب أولى الملاحم البشرية المدوّنة على الحجر في التأريخ البشري.
تكتب مارغريت آتوود، الروائية العالمية المرموقة، في كتابها «مفاوضات مع الموتى» عن أول كاتب قصة في التأريخ فتقول: «ساد الاعتقاد بأن فرجيل أول كاتب يقوم بالرحلة إلى العالم السفلي، أي أنه قام بالرحلة ليرويها، وتروي مغامرات فيرجيل في الجحيم... ثم تقول: والآن أودُّ أن أطرح نموذجاً للكاتب المغامر تحت الأرض، الذي سبق النماذج السابقة بزمن طويل، إنه بطل بلاد الرافدين غلغامش؛ لكن القصيدة الملحمية التي كان بطلها غلغامش لم تفك شفرتها إلا في القرن التاسع عشر، ومن ثم قلما نزعم أنّ له تأثيراً على فيرجيل ودانتي؛ فهو إذن بمثابة قضية قياسية عن العلاقة الجوهرية بين الحافز على الكتابة وتدوين الأشياء وبين الخوف من الموت».
ثمّ تخلص آتوود إلى الخلاصة الجوهرية التالية: «غلغامش أول كاتب عرفته البشرية؛ فقد أراد معرفة أسرار الحياة والموت واخترق الجحيم، وعاد ولكنه لم يفز بالأبدية؛ فكلّ ما عاد به هو قصتان: الأولى قصة رحلته، والثانية قصة الطوفان، وهكذا فالشيء الوحيد الذي عاد به هو هاتان القصتان، عاد مكدوداً منهكاً ودوّن كلّ شيء على الحجر».
ملحمة غلغامش أكبر من كونها السردية الكبرى الأولى في تأريخ البشرية، ويمكن لقارئها أن يتفحّص توليفة من المستويات الفكرية فيها. أودّ هنا التأكيد على ثلاثة جوانب فحسب من تلك المستويات الفكرية التي تضمّها الملحمة الخالدة:
- الجانب الفلسفي
ثمة طائفة من الأسئلة المرتبطة بالوجود الإنساني تندرج تحت توصيف «الأسئلة الكبرى»؛ تلك الأسئلة التي تتعالى على الاختلافات البيولوجية والجغرافية بين المجموعات البشرية، وتكتفي بمساءلة الوجود البشري فحسب. تتمحور تلك الأسئلة الكبرى في تساؤلات جوهرية عدة هي موضوع كتابات فلسفية وعلمية ذائعة، ولعلّ من الصعب أن تخلو كتابات أي فيلسوف أو مهتمّ بالوجود البشري من مساءلة تلك «الأسئلة الكبرى»، وأحسبُ أنّ موضوعة «المعنى والغائية» في الحياة البشرية ستظلّ الموضوعة مفتوحة النهايات، التي سيُعاد تشكيلها تبعاً للفتوحات العلمية والتقنية المستجدة في كل عصر.
إنّ موضوعة غائية الحياة (والوجود الإنساني بعامة)، وكونها مرتبطة على نحو شرطي بتوفر معنى للوجود هي موضوعة فلسفية - سايكولوجية - لاهوتية مركّبة في المقام الأول، وليست أسبقية، أو ضرورة علمية، وإن كان العلم وقوانينه ووسائله توظّف بطريقة قسرية سيئة (أغلب الأحيان) في حمى الجدالات الفلسفية منذ عصر الفلسفة القروسطية، ومروراً بعصر التنوير الأوروبي حتى يومنا هذا. قد لا يُبدي بعض المُنافحين عن وجود معنى للحياة مقترن شرطياً بغائية فيها ولعاً بالتفاصيل الفلسفية؛ لذا نراهم يحاججون بتلك الحجة اللاهوتية الأزلية: كيف يمكن تصوّر العيش في عالم غير ذي غاية ولا معنى؟ وهل ثمة إمكانية لوجود أخلاقيات في مثل هذا العالم؟ هم يجادلون على هذا المنوال لأنهم يريدون مكافأة لكلّ فعل خيّر يفعلونه ولا يطيقون تصوّر عالم تنعدم فيه المكافأة المرتجاة من وجهة نظرهم.
يكمن معنى الحياة وغائيتها في عقولنا وأرواحنا فحسب: قل كلمتك وافعل الخير، وابذل أقصى جهودك في فعل ما تحبّ وتهيم به شغفاً، ولا تنتظر مكافأة فورية أو مؤجّلة لكل فعل طيب تفعله، ولا تدنّس ضميرك الحي بصغائر الأفعال - هذا هو ما يخلع معنى على الحياة.
تمثّل (ملحمة كاكامش) العالمية أفضل تمثيل، الجوهر الكامن في العبارة الأخيرة، فضلاً عن تأكيدها لقيمة عيش اللحظة الراهنة، وعبّ رحيق الحياة المشتهاة على نحوٍ يجعلنا نمتلئ بطاقة أبيقورية يتوازن عندها التفكر في معنى الحياة وغائيتها مع اجتناء اللذة اليومية في العيش، ونحن إذ نفعل هذا ينبغي أن نضع في حسباننا أن اللذة ألوان شتى تتباين بحسب البصمة العقلية والسايكولوجية للفرد ورؤاه التي تشكّل مساره في الحياة.
- الجانب الإنساني
تمثّل ملحمة غلغامش نوعاً من الأنسنة الكاملة (أو شبه الكاملة على أقلّ تقدير) للوجود البشري؛ إذ أنّ شخوصها الفاعلين على المسرح الصراعي فيها إنما هم بشر مثلنا بعيدون عن الخصائص الخارقة التي تميّز الميثولوجيا الإغريقية وسواها من الميثولوجيات غير الرافدينية. تكمن أهمية هذه الصفة في جعل ملحمة غلغامش تمتلك دوماً حسّاً إنسانياً قريباً من ذائقة البشر (بما في ذلك إنسان القرن الحادي والعشرين) وبما يخلع على الملحمة شعوراً بالراهنية والصلاحية اللتين تستعصيان على التقادم أو الخفوت.
- الجانب التقني
تزخر الملحمة - بين ما تزخر به - بالشواهد التي تعكس الأثر الذي يمكن أن تساهم به التقنية في تطور الكائن البشري: (إنكيدو)، الكائن الوحشي الذي خلقته الآلهة ليصرع الطاغية غلغامش، تعلّم من الغانية (شمخت) فنّ الحب، كما كسته (شمخت) بقطعة نسيج من نصف ردائها وعرّفته على مذاق الخبز ولذعة النبيذ، وتمثلت تقنية الحضارة التي نقلتها المرأة في النسيج والخبز والنبيذ، وبها أيقظت الإنسان في إنكيدو بعد عيشه وحشاً مع الضواري.
أول قراءة لي لهذه الملحمة كانت بترجمة طه باقر، عالم الآثار العراقي الراحل الذي كان يُجيد اللغات الرافدينية القديمة. بهرتني الملحمة كترنيمة يتردد صداها في براري العالم، وتشير إلى مصائرنا البشرية المحتومة في مواجهة الموت، ثم بدأت أبحث عن ترجمات أخرى وصياغات مختلفة للملحمة العظمى حتى اجتمعت لدي 9 ترجمات لكبار المتخصّصين في الآداب الرافدينية، وآخرها ترجمة الآثاري الدكتور نائل حنون، المتخصّص باللغة الأكدية، وتتضمّن ترجمته تحليلاً لغوياً للنص الأكدي، فضلاً عن متن الملحمة ذاتها. صار تقليداً سنوياً لدي أن أعيد قراءة الملحمة بترجماتها المختلفة والدراسات الحديثة حولها للوقوف على الإضافات المستحدثة التي تلت ترجمة العلامة طه باقر، وقادتني قراءة الملحمة إلى شغف لتعلم الكتابة المسمارية؛ فاقتنيت كتاب «قواعد اللغة السومرية» للراحل الدكتور فوزي رشيد، ونجحت في تعلم بعض الرموز والعلامات، وتمرّنتُ بمفردي على كتابة صفحة أو اثنتين بالرموز المسمارية، وكنت أعيد التمارين بين حين وآخر بمتعة بالغة، واستطعت قراءة بضعة سطور من ملحمة غلغامش بخطها المسماري.
قادني شغفي بالملحمة الكبرى وفكرتها الصالحة لكل عصر إلى قراءة كتاب «مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة» للراحل طه باقر، فتعرفت إلى: قصيدة الخليقة، وقصة الطوفان الملحقة بملحمة غلغامش، وقصيدة أدابا، وملحمة إيتانا، وحوارية السيد والعبد، ونصوص الحكمة المختلفة وقصائد الحب والغزل. استغرقتني قراءة النصوص الرافدينية سنواتٍ حتى اختمرت رؤاي الخاصة عن تلك النصوص ومفاهيمها.
ثمة أسئلة تمثل نوعاً من العذاب اليومي لي منذ بواكير نشأتي الثقافية والأدبية: لماذا لا يحبّ العراقيون - إلا القلة منهم - موروثهم الرافديني العظيم والحافل بأرقى ألوان الفكر والمعرفة ومساءلة أدقّ تفاصيل الوجود الإنساني؟ هل يحبّ العراقيون غلغامش؛ بل هل سمع به معظمهم، بخاصة من الأجيال اليافعة والشابة؟ هل يرون فيه مثالاً نوعياً راقياً يمكن توظيفه في الارتقاء بحسّ المواطنة العراقية الحقيقية بعيداً عن التمظهرات الفلكلورية الهشة واللحظوية التي تتصادى مع الفورات الشعبوية وتخفت بانطفائها؟ لماذا لم نجعل من ملحمة غلغامش مادة دراسية يتمّ صياغتها بطريقة مناسبة لكلّ مرحلة دراسية بطريقة تعزّز الانتماء الواعي للجغرافية العراقية بعيداً عن الانتماءات الفرعية الضيقة، وبكيفية توطّد شأن الثقافة والفكر والفلسفة في مواجهة الأنساق المنغلقة كيفما كان منبتها؟
تتبارى الأمم في توظيف أصغر العناصر المتاحة في رأسمالياتها الرمزية وأساطيرها من أجل تعظيم شأنها، واستخدامها في تعزيز قدراتها العلمية والتقنية والثقافية التي ستُترجم لاحقاً في شكل دور عالمي ذي مفاعيل مؤثرة؛ أما العراقيون فيهملون - أو يتناسون في أفضل الأحوال - كنوزهم الرمزية الثرية، ويستعيضون عنها بالجري اللاهث وراء سراب اليقينيات الموهومة.
- كاتبة وروائية ومترجمة عراقية مقيمة في الأردن



سرّ التماسيح التي عاشت قبل الديناصورات ونجت بعدها

بقيت حيث استطاعت الشمس الوصول (رويترز)
بقيت حيث استطاعت الشمس الوصول (رويترز)
TT

سرّ التماسيح التي عاشت قبل الديناصورات ونجت بعدها

بقيت حيث استطاعت الشمس الوصول (رويترز)
بقيت حيث استطاعت الشمس الوصول (رويترز)

حقّقت التماسيح، التي تشمل الأنواع المعاصرة من التماسيح والقواطير والكيمن والغاريالات، إلى جانب أقاربها الكثيرة المنقرضة، نجاحاً تطورياً لافتاً منذ ظهورها قبل أكثر من 240 مليون سنة. ويكشف بحث جديد عن أحد العوامل المهمة وراء هذا النجاح، وهو تمسّكها الشديد بالظروف المناخية الدافئة طوال تاريخها التطوّري.

وقال الباحثون إنّ هذه السمة قد تساعد في تفسير نجاة التماسيح على أنها مجموعة حيوانية، من تداعيات اصطدام الكويكب بالأرض قبل 66 مليون سنة، الذي أدّى إلى انقراض الديناصورات، إلى جانب خصائص فسيولوجية معينة جعلت هذه الزواحف قادرة على الصمود.

وظهرت السلالة التطوّرية للتماسيح، المعروفة باسم «أشباه السوكيات»، خلال العصر الترياسي، في أعقاب أسوأ موجة انقراض جماعي شهدتها الأرض، التي وقعت في نهاية العصر البرمي. وسبقت هذه السلالة ظهور الديناصورات والثدييات الأولى بملايين السنين.

وتتبّع الباحثون النطاق الجغرافي لانتشار التماسيح عبر تاريخها، مسترشدين بشجرة تطورية تضم أكثر من 400 نوع منقرض ومعاصر. واستخدموا بيانات مستمَدَّة من أكثر من 7 آلاف أحفورة، إلى جانب سجلات التوزيع الجغرافي للتماسيح الحديثة، ومنها القواطير في ولاية فلوريدا الأميركية، وتماسيح المياه المالحة في أستراليا، والغاريالات في الهند، وتماسيح الكيمن في البرازيل، وغيرها.

وجمع الباحثون هذه المعلومات مع 52 عملية لإعادة بناء المناخ القديم على مستوى العالم، لتحديد الظروف المناخية التي عاشت فيها التمساحيات عبر العصور. وبينما نجحت مجموعات أخرى، مثل الديناصورات والثدييات، في الوجود ضمن طيف واسع من الظروف المناخية، أظهرت الدراسة أنّ التماسيح حافظت باستمرار على وجودها في البيئات الدافئة.

في هذا السياق، قال عالم الحفريات المتخصص في الفقاريات بجامعة كوليدج لندن، والمؤلف الرئيسي للدراسة التي نقلتها «رويترز» عن مجلة «ساينس أدفانسيز»، ألفيو أليساندرو كيارينزا، إن التماسيح لم تتكيّف باستمرار مع ظروف مناخية جديدة، بل اتّبعت إلى حدّ كبير البيئات الملائمة لها كلّما تغيّرت مواقعها الجغرافية؛ فتوسّعت باتجاه القطبين خلال الفترات الأكثر دفئاً، وانحسرت نحو خط الاستواء خلال الفترات الأكثر برودة.

وضرب كيارينزا مثالاً على ذلك بفترة شهدت ارتفاعاً استثنائياً في درجات حرارة الأرض قبل نحو 50 مليون سنة، إذ كانت التماسيح تعيش آنذاك في مناطق ذات خطوط عرض مرتفعة في أميركا الشمالية وأوروبا، بل حتى في القارة القطبية الجنوبية.

وقال كيارينزا: «يتمثّل أحد أكثر الأنماط إثارة للاهتمام في التوسّع المتكرر للموائل والبيئات الملائمة لهذه الحيوانات وانحسارها، استجابةً للتغيّرات التي طرأت على درجات الحرارة العالمية».

من جانبه، أوضح عالم الحفريات بجامعة كوليدج لندن والمشارك في إعداد الدراسة، فيليب مانيون، أن التماسيح الحيّة اليوم هي في الأساس حيوانات مفترسة تعيش في البيئات شبه المائية، بينما ضمّت أقاربها المنقرضة أنواعاً شديدة التنوّع.

وقال كيارينزا إن هذه المجموعة شغلت تقريباً كلّ دور بيئي يمكن تصوّره.

فقد كانت هناك مفترسات عاشت بالكامل على اليابسة، مثل «الفاسولاسوكس»، الذي بلغ طوله نحو 9 أمتار، وأنواع عاشبة ذات خطم قصير، مثل «سيموسوكس»، وأخرى مدرّعة تتغذّى على النباتات، مثل «الأيتوصور»، وأنواع تتغذّى على الرخويات، مثل «كوتاناكايمن»، وأخرى تقتات بترشيح الغذاء من الماء، مثل «موراسوكس»، فضلاً عن أنواع عاشت قرب المحيطات، مثل «ميتريورينكس».

وخلال عصر الديناصورات، عاشت أيضاً تماسيح شبه مائية، مثل «دينوسوكس»، الذي بلغ طوله نحو 40 قدماً (12 متراً)، وربما نافس الديناصور تيرانوصور في كتلة جسمه.

وقال كيارينزا إن التماسيح الحديثة ليست سوى بقايا ناجية من مجموعة تطورية كانت تتمتع في الماضي بتنوّع استثنائي.


الحب وحده لا يكفي... 6 عناصر قد تفتقدها علاقتك العاطفية

الحب وحده لا يكفي... 6 عناصر قد تفتقدها علاقتك العاطفية
TT

الحب وحده لا يكفي... 6 عناصر قد تفتقدها علاقتك العاطفية

الحب وحده لا يكفي... 6 عناصر قد تفتقدها علاقتك العاطفية

قد يتحول الإعجاب بشخص ما إلى حب مع مرور الوقت، لكن هل يعني ذلك أن العلاقة أصبحت أفضل بالضرورة؟ يتذكر كثيرون كيف بدأت علاقاتهم العاطفية بصداقة بسيطة، قبل أن تتطور إلى حب. ومع أن الانتقال إلى علاقة عاطفية قد يجلب السعادة، فإنه قد يؤدي أيضاً إلى فقدان بعض جوانب الصداقة التي جعلت العلاقة مميزة في البداية.

ويعدد تقرير نشره موقع «سايكولوجي توداي»، أبرز ستة عناصر تعزز الصداقة بين الشريكين، وتساعد على الحفاظ على التقارب العاطفي واستمرار العلاقة.

الصداقة أساس التواصل في العلاقات العاطفية

يقترح أوتونبيليغ إردينباتار وزملاؤه من جامعة بريغهام يونغ، في دراسة جديدة نُشرت عام 2026، أن الشعور بالترابط بين الشريكين هو ما يسمح للعلاقة بالنمو، وأن الصداقة تمثل عنصراً أساسياً في هذا التواصل الإنساني العميق.

واستلهاماً من الفيلسوف أرسطو، يصف الباحثون الصداقة الحقيقية بأنها «روح واحدة تسكن جسدين».

ورغم أهمية الصداقة في العلاقات، يرى الباحثون أنها لم تحظَ بتعريف واضح أو بدراسة كافية في الأبحاث المتعلقة بالعلاقات العاطفية، خصوصاً من حيث كيفية عيشها وتطورها في الحياة اليومية.

ولفهم هذه التجربة، استخدم الباحثون منهجية «النظرية المجذّرة»، التي تتيح استخلاص المفاهيم من التحليل الدقيق لكلمات المشاركين ووصفهم لعلاقاتهم.

وشملت الدراسة مقابلات معمقة مع 81 زوجاً من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، تراوحت أعمارهم بين 20 و74 عاماً، بمتوسط عمر بلغ 37 عاماً. ووصف 49 في المائة من المشاركين علاقاتهم بأنها صحية، مقابل 21 في المائة قالوا إنها غير صحية، فيما رأى 30 في المائة أنها تجمع بين الجانبين.

وخلص الباحثون إلى أن الصداقة ليست مجرد شعور ينشأ تلقائياً، بل عملية مستمرة تحتاج إلى رعاية وتطوير عبر التفاعلات اليومية، وحددوا لها ستة عناصر أساسية.

6 عناصر تعزز الصداقة بين الشريكين

1. الانسجام والتقارب

لا يقتصر الانسجام على العلاقات الرومانسية، بل يشمل الصداقات أيضاً. ويظهر في الشعور بالانجذاب إلى الطرف الآخر، والرغبة في الحديث معه ومشاركته الوقت والمكان. ولا يفترض أن يتلاشى هذا الانسجام بانتهاء مرحلة الانبهار الأولى، بل يمكن أن يزداد مع مرور الوقت.

2. الضحك والفرح المشترك

يمكن للشريكين تعزيز علاقتهما من خلال المزاح والمرح وتبادل النكات، وحتى المداعبة بينهما. لكن هذه اللحظات لا تنشأ دائماً من تلقاء نفسها، بل تحتاج إلى اهتمام متبادل ورغبة في الاستثمار في العلاقة.

3. التواصل العاطفي والانفتاح

تتيح الصداقة القوية للشخص التعبير عن مشاعره وإظهار ذاته الحقيقية من دون خوف من الحكم عليه أو رفضه. وينطبق الأمر نفسه على الشريكين، إذ يساعد الانفتاح العاطفي على تجاوز الأوقات الصعبة وتعزيز الترابط بينهما.

4. الاهتمامات المشتركة

يساعد الاستمتاع بالأنشطة المشتركة، مثل الطهي أو حضور الفعاليات الثقافية أو مشاهدة الأفلام، على تقوية العلاقة. ولا يشترط أن يتشارك الطرفان جميع الاهتمامات؛ فقد يكفي أن يستمتع كل منهما بصحبة الآخر أو أن يبدي اهتماماً بهواياته.

5. الطقوس اليومية والخاصة

تسهم العادات الصغيرة، مثل تبادل القبلات عند المغادرة والعودة إلى المنزل أو إعداد العشاء معاً، في تعزيز التواصل اليومي. كما تساعد الطقوس الخاصة، مثل الاحتفال بالمناسبات، والقيام بنشاطات في عطلة نهاية الأسبوع، والتقاط الصور خلال السفر، على صنع ذكريات مشتركة تدعم استمرارية العلاقة.

6. العمل الجماعي والدعم المتبادل

يشعر الشريكان بالتقارب عندما يعرف كل منهما أنه يستطيع الاعتماد على الآخر في الأوقات الصعبة، وأنهما يتقاسمان الأعباء والنجاحات. ويعزز التعاون والموثوقية وتقديم الدعم المتبادل الشعور بأنهما فريق واحد، تماماً كما يحدث في الصداقات المتينة.

كيف يمكن معرفة ما ينقص العلاقة؟

لم تقدم الدراسة بيانات إحصائية تسمح بقياس هذه العناصر أو مقارنة العلاقات بعضها ببعض، نظراً إلى اعتمادها على التحليل النوعي. لكن العناصر الستة يمكن أن تساعد الشريكين على التفكير في طبيعة علاقتهما.

فقد يكون من المفيد التساؤل عمّا إذا كانا يتحدثان ويضحكان معاً بالقدر نفسه الذي كانا يفعلانه في بداية علاقتهما، وما إذا كانا يخصصان وقتاً للتواصل اليومي.

أحياناً، لا تتراجع الصداقة بسبب غياب الحب، بل لأن الطرفين يعتادان وجود بعضهما ويبدآن في اعتبار فرص التقارب أمراً مضموناً. وقد يعتقدان أن العيش تحت سقف واحد أو الزواج يجعلان الاهتمام بالصداقة أقل أهمية، لكن الالتزام العاطفي لا يلغي الحاجة إلى بذل الجهد للحفاظ على العلاقة.


بـ30 ثانية فقط... 3 تمارين بسيطة قد تعزز صحتك النفسية

زوجان يرقصان معاً داخل المطبخ (بيكسلز)
زوجان يرقصان معاً داخل المطبخ (بيكسلز)
TT

بـ30 ثانية فقط... 3 تمارين بسيطة قد تعزز صحتك النفسية

زوجان يرقصان معاً داخل المطبخ (بيكسلز)
زوجان يرقصان معاً داخل المطبخ (بيكسلز)

رغم اهتمام كثير من الأميركيين بالتغذية الصحية وممارسة الرياضة للحفاظ على صحتهم ورفاهيتهم، فإن نسبة أقل بكثير منهم تواظب على التأمل واليقظة الذهنية، على الرغم من الأبحاث التي تشير إلى فوائدهما النفسية. لكن عالم النفس إيلي سوسمان يرى أن تعزيز الرفاهية النفسية لا يتطلب بالضرورة تخصيص وقت طويل؛ إذ يمكن دمج ممارسات بسيطة في الروتين اليومي، لا يستغرق بعضها سوى 30 ثانية، وفقاً لشبكة «سي إن بي سي».

وتُظهر نتائج استطلاع أجرته مؤسسة «يوغوف» في سبتمبر (أيلول) 2026، وشمل 1003 بالغين في الولايات المتحدة، أن الأميركيين يميلون إلى التركيز على التغذية والنشاط البدني عندما يتعلق الأمر بصحتهم ورفاهيتهم.

فعند سؤال المشاركين عن الأنشطة الصحية التي يمارسونها عادة مرة واحدة على الأقل أسبوعياً، أفاد 71 في المائة من أصل 807 أشخاص أجابوا عن هذا السؤال بأنهم يتناولون الفاكهة و/أو الخضراوات الطازجة، في حين قال 60 في المائة إنهم يمارسون الجري أو المشي أو ركوب الدراجات أو غيرها من التمارين الرياضية في الهواء الطلق.

في المقابل، أشار 20 في المائة فقط من هؤلاء المشاركين إلى أنهم يمارسون التأمل أو اليقظة الذهنية.

ورغم أهمية اتباع نظام غذائي غني بالخضراوات والالتزام بممارسة الرياضة بانتظام، فإن كثيراً من الأبحاث يشير أيضاً إلى الفوائد النفسية للتأمل واليقظة الذهنية.

ويرى سوسمان أن مزيداً من الأميركيين قد يرغبون في ممارسة اليقظة الذهنية، إلا أن متطلبات الحياة اليومية تحُول دون ذلك؛ فقد يمتد اجتماع إلى ما بعد موعده المحدد، أو يحين وقت إعداد العشاء، أو يظهر إشعار مفاجئ على الهاتف؛ ما يجعل تخصيص وقت لهذه الممارسات أمراً صعباً.

وفي كتابه الجديد «الممارسات المصغرة: نهج مدعوم علمياً لتحقيق الهدوء والوضوح والبهجة في 30 ثانية أو أقل»، يقدّم سوسمان مجموعة من الممارسات القصيرة التي يمكن إدماجها بسهولة في يوم مزدحم.

ويوضح أن الهدف ليس قضاء ساعات، أو حتى دقائق طويلة، في ممارسة اليقظة الذهنية، وإنما الحرص على ممارستها بانتظام.

وفيما يلي ثلاث «ممارسات مصغرة» يوصي بها سوسمان لتعزيز الرفاهية النفسية:

1. الرقص المصغّر

يقوم هذا التمرين على تخصيص 30 ثانية فقط لأداء رقصة عفوية، من دون الحاجة إلى خطوات محددة أو تحضيرات مسبقة.

ويؤكد سوسمان بساطة هذه الممارسة، متسائلاً: «أخبرني، ألا تشعر باختلاف بعد النهوض والرقص لمدة 30 ثانية فقط؟».

2. ممارسة «المحبة واللطف» اليومية

تعتمد هذه الممارسة على توجيه تمنيات طيبة، في ذهنك، إلى الأشخاص الذين تصادفهم خلال يومك.

ويمكن أن تتضمن هذه التمنيات عبارات مثل: «أتمنى أن تكون آمناً، سعيداً، بصحة جيدة، وأن تعيش براحة»، أو الاكتفاء بكلمات بسيطة مثل «أمان، سعادة، صحة، راحة»، أو استخدام عبارات أخرى من ابتكارك.

ويقول سوسمان: «هناك عبارة أحب استخدامها كثيراً، وهي: أتمنى أن تدرك روعة كونك على قيد الحياة».

3. ممارسة «البهجة التقديرية» اليومية

تهدف هذه الممارسة إلى الحد من مشاعر الحسد، ويمكن تطبيقها في أي لحظة تبدأ فيها تلك المشاعر بالظهور، سواء خلال محادثة مع شخص آخر أو أثناء تصفح وسائل التواصل الاجتماعي.

ويقترح سوسمان أنه عندما تشعر بتسلل الغيرة إلى نفسك، يمكنك استحضار عبارات مثل: «أنا أحتفي ببهجتي الخاصة، وأحتفي ببهجتك أيضاً»، أو «سعادتك تلهمني».

وتقوم الفكرة الأساسية لهذه الممارسة على ترسيخ القناعة بأن البهجة ليست مورداً محدوداً، وأن سعادة الآخرين لا تنتقص من سعادتك.

ويضيف سوسمان أن تبنّي «ممارسة مصغرة» يعني، في جوهره، إدراك الفرص المتاحة لممارسة اليقظة الذهنية على امتداد اليوم، قائلاً إن ذلك ممكن «سواء أثناء انتظار انتهاء عمل الميكروويف، أو التوقف عند إشارة مرورية، أو الانتظار في طابور الدفع، أو حتى أثناء المشي إلى العمل».