سنوات السينما

سنوات السينما

الجمعة - 6 جمادى الآخرة 1441 هـ - 31 يناير 2020 مـ رقم العدد [ 15039]
إليوت غولد في «الوداع الطويل»

‪The Long Goodbye‬ ‪(‬1973‪)‬
(ممتاز)
مع فيليب مارلو مرة ثانية
‫الحديث عن رواية رايموند تشاندلر «وداعاً يا حبي» (Farewll My Lovely) قبل أسابيع قليلة يفتح شهية الحديث عن رواية أخرى له تم تحويلها إلى فيلم أميركي آخر هو «الوداع الطويل». ‬
عوض روبرت ميتشوم في دور التحري فيليب مارلو، جاء المخرج روبرت ألتمان بالممثل إليوت غولد للمهمة، مدركاً أن غولد لن يقدّم الشخصية على نحو تقليدي. روبرت ألتمان كان يكره التقليد ويحب إثارة الشغب في كل ما يحاول طرحه من مواضيع. لم يرصد النماذج البطولية في أفلامه ليقدّمها على هذا النحو بل لينال منها. كل ذلك ضمن رؤية نقدية داكنة كحال فيلمه «ماش» عن أطباء المؤسسة العسكرية و«ماكاب ومسز ميلر» عن بدايات النشأة الرأسمالية لأميركا: «اللاعب» حول المؤسسة السينمائية الهوليوودية و«جاهز للبس» عن صناعة الأزياء وما يدور خلف كواليسها. ولديه كذلك «بافالو بِل والهنود» المناوئة للصورة الكلاسيكية للبطل في الغرب الأميركي.
لا يخرج «الوداع الطويل» عن هذا المنهج. معالجة المخرج للتحري الخاص لا تشبه معالجة أي فيلم آخر من النوع ذاته. لقد شحن بطله بنظرة فردية معادية للمألوف. مارلو هنا شره التدخين، مثقل العينين، يدمدم لنفسه، ساخر في ردود أفعاله وساذج في أفكاره إلى حد أنه لن يستوعب ما يحدث معه إلا من بعد أن يجد نفسه متورطاً. بكلمات مختصرة: هو سمكة خارج مياهها.
القصّة التي وضعها تشاندلر متشابكة: تبدأ بمارلو يساعد رجلاً لا يعرفه على الهرب ليكتشف لاحقاً أن الرجل ترك وراءه زوجة مقتولة. البوليس يتّهم مارلو بالتعاون مع الهارب (جيم باوتون). ما ينقذ مارلو عثور البوليس على جثّة لينكوس مقتولاً. كل هذا من دون أن ندري أن لهذا الخيط علاقة بخيط ثان يبدأ بالتبلور حين يستلم تشاندلر قضية اختفاء كاتب تنتظر دار النشر مخطوطته. يبحث مارلو عن الكاتب (سترلينغ هايدن) ويجده على شفير الانتحار. هذا مدخل الروائي تشاندلر لدفع بطله صوب قضية تدور في دوّامة من الفساد الاجتماعي تقع خلالها عدّة جرائم قتل ويواجه خلالها أحداثاً مختلفة. في النهاية لا نرى مارلو واثقا من أنه وصل بالفعل إلى نهاية الخيط. واللقطة الأخيرة من الفيلم تعبّر عن هذا اللاوصول: مارلو- غولد يمشي بلا نهاية كما لو أن كل ما مرّ به لم يبدأ بعد.
ألتمان ليس محتاراً أو تائهاً وسط النقلات والحذف والتغييرات. إنه متمكّن، كعادته، من معالجته. لا يفوته استخدام العناصر الشخصية بين الرجل وزوجته ليربطها بالعالم الذي يعيشان فيه. فالكاتب روجر يقول لمارلو إنه يعاني من فقدان القدرة على الكتابة ويربطها بفقدان القدرة على ممارسة الحب. في الحالتين، لدى الكاتب، عجز يجعله غارقا في الشرب لكي ينسى. بالنسبة إلى ألتمان هذا عجز مزدوج للحياة الاجتماعية للمدينة التي فقدت الإبداع وفقدت الحب معاً.
في أحد مشاهد الفيلم يقول مارلو لروجر مؤنباً: «لقد فهمت قصدك تماماً. أنت لا تحب الاتجاه الذي يمشي فيه العالم ما يجعلك تستخدم السُلطة التي لديك للانعزال في زاوية خاصة تعيش فيها قرب الطريقة التي تتذكر أن الناس عاشوا عليها قبل خمسين سنة. لديك مائة مليون دولار وكل ما جلبته لك هو ألم في العنق».
‫كتب تشاندلر في روايته: «في تلك الشوارع المنحطة هناك رجل واحد ليس منحطاً. ليس ملطّخاً وليس جباناً». كان تشاندلر بذلك يصف حالة بطله لكن بالنسبة لألتمان هذا ليس صحيحاً وعليه يقدم على رسم صورة داكنة لمارلو ولمحيطه تختلف عن الصورة الداكنة التي في كتابات تشاندلر لكنها تلتقي معها في الهدف. لهذه الغاية لم يشأ تقديم صورة نوستالجية لرواية التحري الخاص في الأربعينات الهادرة، بل نقله إلى الزمن المعاصر للفيلم ليفحص الحياة الحاضرة عن كثب.‬


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة