سيناء.. الأرض المشتعلة

شبه الجزيرة المصرية تسعى للنجاة من فخ «الإمارة الإرهابية»

سيناء.. الأرض المشتعلة
TT

سيناء.. الأرض المشتعلة

سيناء.. الأرض المشتعلة

بين حرب شهدت نزيفا للدم المصري في سبيل استعادتها في مطلع خريف عام 1973، وصولا إلى نزيف جديد لذات الدم مستمر منذ أكثر من عام دفاعا عنها من التحول إلى إمارة إرهابية، تتشابك الخطوط المشتعلة في شبه جزيرة سيناء المصرية بين العديد من الملفات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية.
وشهد الاحتقان على أرض سيناء ذروته الأسبوع الماضي، حين قتل نحو 30 عسكريا مصريا وأصيب نحو 25 آخرين في أكبر هجوم من نوعه تشنه العناصر المتطرفة على نقطة أمنية بمنطقة كرم القواديس جنوب غربي مدينة الشيخ زويد. وهو الحادث الذي استتبعته إجراءات حاسمة من القاهرة لمطاردة ومحاربة الإرهاب، اقتضت إعلان حالة الطوارئ وحظر التجوال لمدة 3 أشهر في المربع الشرقي لمحافظة شمال سيناء الملاصق للحدود مع قطاع غزة.

بينما تتردد أصوات بين الحين والآخر تتهم أهالي شمال سيناء بالتراخي أو احتضان «العناصر المارقة»، تعلو نداءات أخرى لساسة وخبراء استراتيجيين بضرورة البحث عن حلول أخرى «خارج الصندوق»، بخلاف المعالجة الأمنية، للخروج من الأزمة.
وتشير تقارير استراتيجية حديثة إلى عدة عوامل أسهمت في وجود بيئة خصبة على الأرض سمحت بتحرك مجموعات إرهابية بحرية، من بينها الطبيعة الجغرافية، والتكوين السكاني القبلي قليل العدد، ونقص الاهتمام بالتنمية على مدار سنوات.
وتوضح التقارير أن عددا من التنظيمات بدأت في اللجوء إلى الركن الشمالي الشرقي من سيناء منذ نهاية الثمانينات من القرن الماضي، وذلك بعد تشديد القبضة الأمنية في المنطقة المركزية لمصر، تزامنا مع مطاردة الجماعات المتطرفة منذ اغتيال الرئيس المصري الأسبق أنور السادات عام 1981، وما تبعه من أحداث إرهابية طالت عددا من رموز المجتمع المصري. وبدأت القصة بحسب التقارير بلجوء 3 تنظيمات رئيسية برزت في تلك الفترة إلى سيناء، وهي السلفية الجهادية، وتنظيم الجهاد، وتنظيم التكفير والهجرة.
وبحسب حصيلة لآراء عدد من الباحثين في علوم الاجتماع، فإن مشكلة سيناء بالأساس بدأت مع إحساس سكانها بالانعزال. كانت السلطة في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك تتعامل معهم بنظرة تشكك عقب تحرير شبه الجزيرة من قبضة المحتل الإسرائيلي، كانت هناك شائعات وتقارير مشكوك في أمر أغلبها تفيد بتعاونهم مع الإسرائيليين إبان الاحتلال الذي استمر 6 أعوام.. وتفاقمت المشكلة نتيجة الطبيعة النفسية للسكان ذوي الأصول القبلية العربية، وما يشعرون به من اعتزاز بالنفس يرفض التملق للسلطة الحاكمة من أجل الحصول على حقوقهم البديهية.
وبالطبع يرفض أبناء سيناء مثل هذه الاتهامات بكل حسم، ويستشهدون بالعديد من شهادات قيادات الجيش والمخابرات المصرية الذين أدلوا بشهاداتهم عن دور بدو سيناء المحوري خلال الفترة التي امتدت منذ 5 يونيو (حزيران) عام 1967، مرورا بحروب الاستنزاف، وصولا إلى نصر أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973.
ولا يخفى على أحد أن أبناء سيناء وهم يناهزون بالكاد نحو نصف مليون نسمة فقط، كانوا يعاملون في الحقبة الماضية التي امتدت لنحو 30 عاما «تعاملا خاصا»، إذ كان أبناؤهم يستثنون من دخول الكليات العسكرية والشرطية، إلى جانب غياب الجامعات (إلا مؤخرا)، أو أي مظهر من مظاهر التنمية عن المحافظة.
وما زاد من تعقيد الوضع في شمال سيناء، كان ذلك التضاد الواضح مع جارتهم محافظة سيناء الجنوبية، التي ازدهرت منتجعاتها السياحية، وأصبحت أماكن عالمية طردت السكان الأصليين شمالا، لدرجة أن المصريين كانوا يقولون في نهاية عهد مبارك إنه «يحكم البلاد من (مدينة) شرم الشيخ»، نظرا لكثرة تردده عليها.
ذلك الانعزال والإهمال المتبادل بين سكان شمال سيناء والعاصمة المركزية، ربما كان أبرز ما دفع السكان القبليين، في واحدة من أكثر المحافظات المصرية فقرا، إلى البحث عن موارد أخرى بديلة لتنمية مجتمعهم، وبحسب خبراء استراتيجيين ومحللين، نشطت وترعرعت أذرع «التجارة المحرمة» في المحافظة، بدءا من المخدرات والسلاح، وصولا إلى الاتجار بالبشر عبر عصابات تهريب اللاجئين الفارين من القارة الأفريقية إلى إسرائيل. وهو الأمر الذي غضت الدولة المركزية عنه طرفها إلى حد ما، إيثارا للابتعاد عن المشاكل، ونتيجة عدم القدرة على توفير البديل التنموي.
ويضيف المحللون إلى كل ذلك مشكلة الأنفاق الحدودية، التي تمتد لنحو 15 كيلومترا بطول الحدود مع قطاع غزة كشبكة عنكبوتية تحت الأرض، موضحين أن تلك الأنفاق تمثل مشكلة كبرى، إذ كان يجري من خلالها تهريب البضائع إلى القطاع وقت حصاره من الجانب الإسرائيلي فيما مضى، أما الآن فإنها تشهد رواجا أكبر من الجانب العكسي، وتدخل من خلالها كثير من الأسلحة والمتفجرات التي تستخدم في الهجوم ضد القوات المصرية. كما أنها تسببت في ظهور شريحة ثرية من الشباب، صارت تتحدى عادات وتقاليد المجتمع القبلي، وتتحكم في كثير من الأمور على الأرض.
ويفرض الجيش والشرطة المصرية طوقا أمنيا شديدا على المداخل الغربية لسيناء منذ أكثر من عام، وهو ما يؤيد بشدة دخول الأسلحة والمتفجرات من خلال الأنفاق الموجودة شرقا، خاصة مع تزايد العمليات ضد القوات، وتزايد حجم الأسلحة المستخدمة في تلك العمليات.
ويقول اللواء عادل سليمان، المدير التنفيذي للمركز الدولي للدراسات المستقبلية والدولية، إن سيناء فيها عناصر مسلحة خارجة على القانون، وفيها متطرفون وعصابات دولية للجريمة المنظمة مثل تجارة البشر والأعضاء، والأخيرة أخطر من الكل. ويشير إلى أن كل تلك العناصر تتعاون من أجل مصالح مشتركة تتركز في إضعاف الأمن بقدر الإمكان، بل إنها تتعاون مع عصابات دولية على الجانب الآخر من الحدود، سواء في إسرائيل أو قطاع غزة.
ويؤكد اللواء سليمان لـ«الشرق الأوسط» أن «وضع سيناء يحتاج إلى إعادة نظر في جزء منه، لأن الانفلات هناك مستمر ربما منذ أيام (الرئيس الأسبق) مبارك»، مؤكدا أن هناك احتياجا لإعادة الرؤية الأمنية الخاصة بسيناء، من أجل وضع حد لتلك الأوضاع. مؤكدا أن أفضل علاج للمشكلة هناك هو التنمية، إضافة إلى تطوير الرؤية الأمنية وتحويلها من «الدولة تحمي سيناء» إلى «سيناء تحمي مصر»، من خلال إعادة الثقة إلى أهل سيناء و«إدماجهم كمواطنين مصريين؛ وليس كسكان محليين لمنطقة حدودية»، وذلك لمنع تكوين «بيئة حاضنة» لأي تطرف أو بؤر إرهابية.
ويوضح مسؤول أمني رفيع أن هناك جانبا آخر من المشكلة يتعلق بطبيعة التوزيع والتكوين القبلي في شمال سيناء، مشيرا في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «منطقة جبل الحلال على سبيل المثال تؤوي عددا من الخارجين عن القانون، ممن يعملون في تجارة السلاح والمخدرات، وعددا من الإرهابيين الذين يرون فيها بيئة مناسبة للتخفي في مكان يصعب وصول قوات الأمن إليه، لكن المنطقة ذاتها بها العديد من السكان المحليين من غير عناصر الإجرام، وهم من دفعتهم الظروف القبلية لمغادرة قراهم نتيجة الأعراف التي تقضي بنفي المخالفين؛ وهؤلاء لا ذنب لهم، وبالتالي لا يمكن قصف المنطقة كلها بالطيران على سبيل المثال للقضاء على هذه البؤر».
وتشير التقارير الأمنية إلى أن عدد العناصر المتطرفة في شمال سيناء كان يقدر في أواخر عهد مبارك بنحو ألف فرد، لكن هذا العدد تضاعف خلال فترة حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين التي أعلنتها مصر منظمة إرهابية، إلى ما يفوق 6 آلاف عنصر، ينتمون إلى أكثر من 10 تنظيمات متطرفة.
وتقول التقارير إن أبرز هذه التنظيمات حاليا هو تنظيم «أنصار بيت المقدس»، والذي تبنى العديد من العمليات الإرهابية التي جرت في سيناء. ويضم التنظيم بحسب المعلومات الاستراتيجية عنه مصريين وأجانب، وسبق أن أعلن مبايعته لتنظيم القاعدة. فيما ترددت أنباء غير مؤكدة أكثر من مرة، عن مبايعة التنظيم لتنظيم داعش، إلا أن مصادر مصرية أمنية نفت أن تكون هناك علاقة مباشرة بين التنظيمين، مؤكدة أن الارتباط بين التنظيمين هو «ارتباط فكري وعقائدي تكفيري» أكثر منه «ارتباطا لوجستيا»، «لكن لم ترصد اتصالات تنظيمية بشكل صريح بين الجماعتين خلال الفترة الماضية».
كما توجد على أرض سيناء فلول من بواقي تنظيم التوحيد والجهاد التكفيري، وهو التنظيم الذي سبق وأن أعلن عن تنفيذه لعمليات التفجيرات الشهيرة في شرم الشيخ عام 2006، ويعرف أنه على تواصل مع بعض العناصر الفلسطينية. وذلك إلى جانب عناصر أخرى مسلحة من «أنصار الجهاد»، و«التكفير والهجرة»، و«أجناد مصر»، و«الأنصار والمهاجرون»، و«جيش الإسلام».
ويقول الخبير الأمني اللواء فؤاد علام، الضابط الرفيع السابق في جهاز أمن الدولة المصري، الذي تعامل طويلا مع ملفات التيارات المتشددة، إن «التنظيمات المتطرفة وتياراتها تندرج تحت فكر واحد، وهو اعتقادهم أنهم (جماعة المسلمين، ومن عداهم ليسوا بمسلمين)، وكل هذه المجموعات تدور في نفس الفلك، فقط تختلف حول الزعامة أو أسلوب تحقيق دولتها وتحقيق أهدافها».
وظهر اسم جماعة أنصار بيت المقدس عقب ثورة 25 يناير 2011، حيث قامت بعدد من عمليات استهداف خطوط الغاز في سيناء، لكن الجماعة نشطت بشكل واسع منذ الصيف الماضي، حيث أعلنت أنها تستهدف العسكريين ورجال الأمن المصري، وتبنت منذ ذلك الحين الكثير من عمليات اغتيال جنود، أغلبها في سيناء، إلى جانب بعض العمليات في دلتا مصر، على غرار تفجير مديرية أمن الدقهلية، وكذلك محاولة فاشلة لاغتيال وزير الداخلية المصري اللواء محمد إبراهيم، إضافة إلى استهداف حافلة سياحية لعدد من الأجانب بالقرب من مدينة طابا.
وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية في أبريل (نيسان) الماضي وضع جماعة أنصار بيت المقدس على لائحة المنظمات الإرهابية الأجنبية. وفي ذات الشهر أصدرت محكمة مصرية حكما يقضي بإلزام الحكومة بإدراج تنظيم جماعة أنصار بيت المقدس، كمنظمة إرهابية، وذلك لقيام عناصرها بأعمال إرهابية ضد رجال الشرطة والجيش، والتحريض على أعمال العنف.
وتتهم الحكومة المصرية جماعة الإخوان المسلمين، المصنفة بدورها كجماعة إرهابية، بأنها تقف وراء تنظيمات العنف المتطرفة في مصر.
وحول هذا الارتباط، يشير الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة أحمد بان لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «هناك أدلة وشواهد عديدة توافرت على وجود ارتباط بين الإخوان والتنظيمات المسلحة، بدأ مما يسمى الجهاد الأفغاني، عندما التحمت كل هذه المجموعات في مكان واحد، وكان ذلك بتنسيق كامل آنذاك بين الولايات المتحدة الأميركية وجماعة الإخوان، والأخيرة كانت وقتها ربما نشطة في مجال الإغاثة الإنسانية.. لكن ظلت لها علاقات بكل المجموعات، وكانت تدعم جناحا مسلحا بعينه داخل المجموعات الأفغانية، وهو جناح (قلب الدين) حكمتيار. وظهر هذا الالتحام بين الإخوان والتنظيمات خلال عام وجود الإخوان في الحكم في مصر، حين هدأت وتيرة العمل المسلح في تلك الفترة.. إلى جانب وجود قناة من قنوات الاتصال المنتظم والهادئ بين الجماعة وهذه التشكيلات؛ بما كشف أن حدود التواصل بينهم أبعد مما هو مكشوف على السطح».
وتظهر تلك التنظيمات المتطرفة في سيناء بين آن وآخر على سطح الأحداث، محاولة فرض رؤيتها على الأرض، استغلالا لظروف وطبيعة شمال سيناء. وأعلنت جماعة أنصار بيت المقدس عدة مرات أنها تستهدف إقامة «إمارة متطرفة» في تلك المنطقة، لكنّ خبراء عسكريين أكدوا استحالة ذلك بالنظر إلى موازين القوى على الأرض.
ويقول الخبير العسكري اللواء جمال مظلوم لـ«الشرق الأوسط»، إن الإعلام يعطي لأنصار بيت المقدس وغيرها من الجماعات المتطرفة أكثر من قدرها، مؤكدا أن الجيش المصري بإمكانه السيطرة على الوضع في سيناء في غضون ساعات قليلة؛ إلا أنه يتعامل بأقصى قدر من درجات ضبط النفس حرصا على المدنيين من أبناء المنطقة، وذلك نظرا لوجود عناصر تلك التنظيمات وسط السكان.
ويوضح اللواء مظلوم، أنه بعد أن زادت العمليات الإرهابية، وطالت عددا من أبناء سيناء أنفسهم، فإن تلك العناصر بدأت في الانزواء، ونأى عنها كثير من السكان، وبدأ عدد منهم في الإبلاغ عن الإرهابيين، خاصة بعد نشر مقاطع الفيديو التي تظهر قطع رؤوس سكان محليين بدعوى التعاون مع الأمن.
ويرى اللواء مظلوم أن ذلك التطور، الذي يشهد لفظ السكان لأفعال الإرهاب، هو تطور فارق، لأنه سيؤثر إيجابا على العمليات. والقوات الأمنية والعسكرية بدأت تصل إلى المراحل الأخيرة في القضاء على تلك البؤر الإرهابية.
ويشير عدد من أبناء شمال سيناء إلى أنهم يقفون في ذات الصف مع الدولة في مواجهة الإرهاب، وأنهم يتعاونون مع القوات هناك بالإرشاد عن معاقل المتشددين. وهو ما أسفر عن عمليات انتقامية من تلك العناصر المتطرفة ضد عدد من أبناء القبائل. ويقول شاب سيناوي طلب من «الشرق الأوسط» عدم الكشف عن هويته: «نحن لسنا بخونة، ولا نتعاون مع الإرهاب.. فقط نحن ننشد أن نعيش في سلام، نريد أن تمد الدولة يدها إلينا بشكل أفضل».
وبينما أفادت بعض المصادر أن الحكومة المصرية قد تلجأ إلى نقل بعض أهالي الشريط الحدودي مع قطاع غزة إلى مناطق أخرى من أجل التعامل بقوة أكبر مع بؤر الإرهاب، تنقسم ردود الفعل الواردة من السكان هناك، بين من يوافق على تلك الطروحات، ومن يتمسك بالبقاء في أرضه ومنزله. وستشهد المرحلة المقبلة جهودا من الدولة لفصل السكان عن المسلحين لمعالجة جذرية ضرورية لمستقبل سيناء ومستقبل مصر.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.