سيناء.. الأرض المشتعلة

شبه الجزيرة المصرية تسعى للنجاة من فخ «الإمارة الإرهابية»

سيناء.. الأرض المشتعلة
TT

سيناء.. الأرض المشتعلة

سيناء.. الأرض المشتعلة

بين حرب شهدت نزيفا للدم المصري في سبيل استعادتها في مطلع خريف عام 1973، وصولا إلى نزيف جديد لذات الدم مستمر منذ أكثر من عام دفاعا عنها من التحول إلى إمارة إرهابية، تتشابك الخطوط المشتعلة في شبه جزيرة سيناء المصرية بين العديد من الملفات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية.
وشهد الاحتقان على أرض سيناء ذروته الأسبوع الماضي، حين قتل نحو 30 عسكريا مصريا وأصيب نحو 25 آخرين في أكبر هجوم من نوعه تشنه العناصر المتطرفة على نقطة أمنية بمنطقة كرم القواديس جنوب غربي مدينة الشيخ زويد. وهو الحادث الذي استتبعته إجراءات حاسمة من القاهرة لمطاردة ومحاربة الإرهاب، اقتضت إعلان حالة الطوارئ وحظر التجوال لمدة 3 أشهر في المربع الشرقي لمحافظة شمال سيناء الملاصق للحدود مع قطاع غزة.

بينما تتردد أصوات بين الحين والآخر تتهم أهالي شمال سيناء بالتراخي أو احتضان «العناصر المارقة»، تعلو نداءات أخرى لساسة وخبراء استراتيجيين بضرورة البحث عن حلول أخرى «خارج الصندوق»، بخلاف المعالجة الأمنية، للخروج من الأزمة.
وتشير تقارير استراتيجية حديثة إلى عدة عوامل أسهمت في وجود بيئة خصبة على الأرض سمحت بتحرك مجموعات إرهابية بحرية، من بينها الطبيعة الجغرافية، والتكوين السكاني القبلي قليل العدد، ونقص الاهتمام بالتنمية على مدار سنوات.
وتوضح التقارير أن عددا من التنظيمات بدأت في اللجوء إلى الركن الشمالي الشرقي من سيناء منذ نهاية الثمانينات من القرن الماضي، وذلك بعد تشديد القبضة الأمنية في المنطقة المركزية لمصر، تزامنا مع مطاردة الجماعات المتطرفة منذ اغتيال الرئيس المصري الأسبق أنور السادات عام 1981، وما تبعه من أحداث إرهابية طالت عددا من رموز المجتمع المصري. وبدأت القصة بحسب التقارير بلجوء 3 تنظيمات رئيسية برزت في تلك الفترة إلى سيناء، وهي السلفية الجهادية، وتنظيم الجهاد، وتنظيم التكفير والهجرة.
وبحسب حصيلة لآراء عدد من الباحثين في علوم الاجتماع، فإن مشكلة سيناء بالأساس بدأت مع إحساس سكانها بالانعزال. كانت السلطة في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك تتعامل معهم بنظرة تشكك عقب تحرير شبه الجزيرة من قبضة المحتل الإسرائيلي، كانت هناك شائعات وتقارير مشكوك في أمر أغلبها تفيد بتعاونهم مع الإسرائيليين إبان الاحتلال الذي استمر 6 أعوام.. وتفاقمت المشكلة نتيجة الطبيعة النفسية للسكان ذوي الأصول القبلية العربية، وما يشعرون به من اعتزاز بالنفس يرفض التملق للسلطة الحاكمة من أجل الحصول على حقوقهم البديهية.
وبالطبع يرفض أبناء سيناء مثل هذه الاتهامات بكل حسم، ويستشهدون بالعديد من شهادات قيادات الجيش والمخابرات المصرية الذين أدلوا بشهاداتهم عن دور بدو سيناء المحوري خلال الفترة التي امتدت منذ 5 يونيو (حزيران) عام 1967، مرورا بحروب الاستنزاف، وصولا إلى نصر أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973.
ولا يخفى على أحد أن أبناء سيناء وهم يناهزون بالكاد نحو نصف مليون نسمة فقط، كانوا يعاملون في الحقبة الماضية التي امتدت لنحو 30 عاما «تعاملا خاصا»، إذ كان أبناؤهم يستثنون من دخول الكليات العسكرية والشرطية، إلى جانب غياب الجامعات (إلا مؤخرا)، أو أي مظهر من مظاهر التنمية عن المحافظة.
وما زاد من تعقيد الوضع في شمال سيناء، كان ذلك التضاد الواضح مع جارتهم محافظة سيناء الجنوبية، التي ازدهرت منتجعاتها السياحية، وأصبحت أماكن عالمية طردت السكان الأصليين شمالا، لدرجة أن المصريين كانوا يقولون في نهاية عهد مبارك إنه «يحكم البلاد من (مدينة) شرم الشيخ»، نظرا لكثرة تردده عليها.
ذلك الانعزال والإهمال المتبادل بين سكان شمال سيناء والعاصمة المركزية، ربما كان أبرز ما دفع السكان القبليين، في واحدة من أكثر المحافظات المصرية فقرا، إلى البحث عن موارد أخرى بديلة لتنمية مجتمعهم، وبحسب خبراء استراتيجيين ومحللين، نشطت وترعرعت أذرع «التجارة المحرمة» في المحافظة، بدءا من المخدرات والسلاح، وصولا إلى الاتجار بالبشر عبر عصابات تهريب اللاجئين الفارين من القارة الأفريقية إلى إسرائيل. وهو الأمر الذي غضت الدولة المركزية عنه طرفها إلى حد ما، إيثارا للابتعاد عن المشاكل، ونتيجة عدم القدرة على توفير البديل التنموي.
ويضيف المحللون إلى كل ذلك مشكلة الأنفاق الحدودية، التي تمتد لنحو 15 كيلومترا بطول الحدود مع قطاع غزة كشبكة عنكبوتية تحت الأرض، موضحين أن تلك الأنفاق تمثل مشكلة كبرى، إذ كان يجري من خلالها تهريب البضائع إلى القطاع وقت حصاره من الجانب الإسرائيلي فيما مضى، أما الآن فإنها تشهد رواجا أكبر من الجانب العكسي، وتدخل من خلالها كثير من الأسلحة والمتفجرات التي تستخدم في الهجوم ضد القوات المصرية. كما أنها تسببت في ظهور شريحة ثرية من الشباب، صارت تتحدى عادات وتقاليد المجتمع القبلي، وتتحكم في كثير من الأمور على الأرض.
ويفرض الجيش والشرطة المصرية طوقا أمنيا شديدا على المداخل الغربية لسيناء منذ أكثر من عام، وهو ما يؤيد بشدة دخول الأسلحة والمتفجرات من خلال الأنفاق الموجودة شرقا، خاصة مع تزايد العمليات ضد القوات، وتزايد حجم الأسلحة المستخدمة في تلك العمليات.
ويقول اللواء عادل سليمان، المدير التنفيذي للمركز الدولي للدراسات المستقبلية والدولية، إن سيناء فيها عناصر مسلحة خارجة على القانون، وفيها متطرفون وعصابات دولية للجريمة المنظمة مثل تجارة البشر والأعضاء، والأخيرة أخطر من الكل. ويشير إلى أن كل تلك العناصر تتعاون من أجل مصالح مشتركة تتركز في إضعاف الأمن بقدر الإمكان، بل إنها تتعاون مع عصابات دولية على الجانب الآخر من الحدود، سواء في إسرائيل أو قطاع غزة.
ويؤكد اللواء سليمان لـ«الشرق الأوسط» أن «وضع سيناء يحتاج إلى إعادة نظر في جزء منه، لأن الانفلات هناك مستمر ربما منذ أيام (الرئيس الأسبق) مبارك»، مؤكدا أن هناك احتياجا لإعادة الرؤية الأمنية الخاصة بسيناء، من أجل وضع حد لتلك الأوضاع. مؤكدا أن أفضل علاج للمشكلة هناك هو التنمية، إضافة إلى تطوير الرؤية الأمنية وتحويلها من «الدولة تحمي سيناء» إلى «سيناء تحمي مصر»، من خلال إعادة الثقة إلى أهل سيناء و«إدماجهم كمواطنين مصريين؛ وليس كسكان محليين لمنطقة حدودية»، وذلك لمنع تكوين «بيئة حاضنة» لأي تطرف أو بؤر إرهابية.
ويوضح مسؤول أمني رفيع أن هناك جانبا آخر من المشكلة يتعلق بطبيعة التوزيع والتكوين القبلي في شمال سيناء، مشيرا في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «منطقة جبل الحلال على سبيل المثال تؤوي عددا من الخارجين عن القانون، ممن يعملون في تجارة السلاح والمخدرات، وعددا من الإرهابيين الذين يرون فيها بيئة مناسبة للتخفي في مكان يصعب وصول قوات الأمن إليه، لكن المنطقة ذاتها بها العديد من السكان المحليين من غير عناصر الإجرام، وهم من دفعتهم الظروف القبلية لمغادرة قراهم نتيجة الأعراف التي تقضي بنفي المخالفين؛ وهؤلاء لا ذنب لهم، وبالتالي لا يمكن قصف المنطقة كلها بالطيران على سبيل المثال للقضاء على هذه البؤر».
وتشير التقارير الأمنية إلى أن عدد العناصر المتطرفة في شمال سيناء كان يقدر في أواخر عهد مبارك بنحو ألف فرد، لكن هذا العدد تضاعف خلال فترة حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين التي أعلنتها مصر منظمة إرهابية، إلى ما يفوق 6 آلاف عنصر، ينتمون إلى أكثر من 10 تنظيمات متطرفة.
وتقول التقارير إن أبرز هذه التنظيمات حاليا هو تنظيم «أنصار بيت المقدس»، والذي تبنى العديد من العمليات الإرهابية التي جرت في سيناء. ويضم التنظيم بحسب المعلومات الاستراتيجية عنه مصريين وأجانب، وسبق أن أعلن مبايعته لتنظيم القاعدة. فيما ترددت أنباء غير مؤكدة أكثر من مرة، عن مبايعة التنظيم لتنظيم داعش، إلا أن مصادر مصرية أمنية نفت أن تكون هناك علاقة مباشرة بين التنظيمين، مؤكدة أن الارتباط بين التنظيمين هو «ارتباط فكري وعقائدي تكفيري» أكثر منه «ارتباطا لوجستيا»، «لكن لم ترصد اتصالات تنظيمية بشكل صريح بين الجماعتين خلال الفترة الماضية».
كما توجد على أرض سيناء فلول من بواقي تنظيم التوحيد والجهاد التكفيري، وهو التنظيم الذي سبق وأن أعلن عن تنفيذه لعمليات التفجيرات الشهيرة في شرم الشيخ عام 2006، ويعرف أنه على تواصل مع بعض العناصر الفلسطينية. وذلك إلى جانب عناصر أخرى مسلحة من «أنصار الجهاد»، و«التكفير والهجرة»، و«أجناد مصر»، و«الأنصار والمهاجرون»، و«جيش الإسلام».
ويقول الخبير الأمني اللواء فؤاد علام، الضابط الرفيع السابق في جهاز أمن الدولة المصري، الذي تعامل طويلا مع ملفات التيارات المتشددة، إن «التنظيمات المتطرفة وتياراتها تندرج تحت فكر واحد، وهو اعتقادهم أنهم (جماعة المسلمين، ومن عداهم ليسوا بمسلمين)، وكل هذه المجموعات تدور في نفس الفلك، فقط تختلف حول الزعامة أو أسلوب تحقيق دولتها وتحقيق أهدافها».
وظهر اسم جماعة أنصار بيت المقدس عقب ثورة 25 يناير 2011، حيث قامت بعدد من عمليات استهداف خطوط الغاز في سيناء، لكن الجماعة نشطت بشكل واسع منذ الصيف الماضي، حيث أعلنت أنها تستهدف العسكريين ورجال الأمن المصري، وتبنت منذ ذلك الحين الكثير من عمليات اغتيال جنود، أغلبها في سيناء، إلى جانب بعض العمليات في دلتا مصر، على غرار تفجير مديرية أمن الدقهلية، وكذلك محاولة فاشلة لاغتيال وزير الداخلية المصري اللواء محمد إبراهيم، إضافة إلى استهداف حافلة سياحية لعدد من الأجانب بالقرب من مدينة طابا.
وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية في أبريل (نيسان) الماضي وضع جماعة أنصار بيت المقدس على لائحة المنظمات الإرهابية الأجنبية. وفي ذات الشهر أصدرت محكمة مصرية حكما يقضي بإلزام الحكومة بإدراج تنظيم جماعة أنصار بيت المقدس، كمنظمة إرهابية، وذلك لقيام عناصرها بأعمال إرهابية ضد رجال الشرطة والجيش، والتحريض على أعمال العنف.
وتتهم الحكومة المصرية جماعة الإخوان المسلمين، المصنفة بدورها كجماعة إرهابية، بأنها تقف وراء تنظيمات العنف المتطرفة في مصر.
وحول هذا الارتباط، يشير الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة أحمد بان لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «هناك أدلة وشواهد عديدة توافرت على وجود ارتباط بين الإخوان والتنظيمات المسلحة، بدأ مما يسمى الجهاد الأفغاني، عندما التحمت كل هذه المجموعات في مكان واحد، وكان ذلك بتنسيق كامل آنذاك بين الولايات المتحدة الأميركية وجماعة الإخوان، والأخيرة كانت وقتها ربما نشطة في مجال الإغاثة الإنسانية.. لكن ظلت لها علاقات بكل المجموعات، وكانت تدعم جناحا مسلحا بعينه داخل المجموعات الأفغانية، وهو جناح (قلب الدين) حكمتيار. وظهر هذا الالتحام بين الإخوان والتنظيمات خلال عام وجود الإخوان في الحكم في مصر، حين هدأت وتيرة العمل المسلح في تلك الفترة.. إلى جانب وجود قناة من قنوات الاتصال المنتظم والهادئ بين الجماعة وهذه التشكيلات؛ بما كشف أن حدود التواصل بينهم أبعد مما هو مكشوف على السطح».
وتظهر تلك التنظيمات المتطرفة في سيناء بين آن وآخر على سطح الأحداث، محاولة فرض رؤيتها على الأرض، استغلالا لظروف وطبيعة شمال سيناء. وأعلنت جماعة أنصار بيت المقدس عدة مرات أنها تستهدف إقامة «إمارة متطرفة» في تلك المنطقة، لكنّ خبراء عسكريين أكدوا استحالة ذلك بالنظر إلى موازين القوى على الأرض.
ويقول الخبير العسكري اللواء جمال مظلوم لـ«الشرق الأوسط»، إن الإعلام يعطي لأنصار بيت المقدس وغيرها من الجماعات المتطرفة أكثر من قدرها، مؤكدا أن الجيش المصري بإمكانه السيطرة على الوضع في سيناء في غضون ساعات قليلة؛ إلا أنه يتعامل بأقصى قدر من درجات ضبط النفس حرصا على المدنيين من أبناء المنطقة، وذلك نظرا لوجود عناصر تلك التنظيمات وسط السكان.
ويوضح اللواء مظلوم، أنه بعد أن زادت العمليات الإرهابية، وطالت عددا من أبناء سيناء أنفسهم، فإن تلك العناصر بدأت في الانزواء، ونأى عنها كثير من السكان، وبدأ عدد منهم في الإبلاغ عن الإرهابيين، خاصة بعد نشر مقاطع الفيديو التي تظهر قطع رؤوس سكان محليين بدعوى التعاون مع الأمن.
ويرى اللواء مظلوم أن ذلك التطور، الذي يشهد لفظ السكان لأفعال الإرهاب، هو تطور فارق، لأنه سيؤثر إيجابا على العمليات. والقوات الأمنية والعسكرية بدأت تصل إلى المراحل الأخيرة في القضاء على تلك البؤر الإرهابية.
ويشير عدد من أبناء شمال سيناء إلى أنهم يقفون في ذات الصف مع الدولة في مواجهة الإرهاب، وأنهم يتعاونون مع القوات هناك بالإرشاد عن معاقل المتشددين. وهو ما أسفر عن عمليات انتقامية من تلك العناصر المتطرفة ضد عدد من أبناء القبائل. ويقول شاب سيناوي طلب من «الشرق الأوسط» عدم الكشف عن هويته: «نحن لسنا بخونة، ولا نتعاون مع الإرهاب.. فقط نحن ننشد أن نعيش في سلام، نريد أن تمد الدولة يدها إلينا بشكل أفضل».
وبينما أفادت بعض المصادر أن الحكومة المصرية قد تلجأ إلى نقل بعض أهالي الشريط الحدودي مع قطاع غزة إلى مناطق أخرى من أجل التعامل بقوة أكبر مع بؤر الإرهاب، تنقسم ردود الفعل الواردة من السكان هناك، بين من يوافق على تلك الطروحات، ومن يتمسك بالبقاء في أرضه ومنزله. وستشهد المرحلة المقبلة جهودا من الدولة لفصل السكان عن المسلحين لمعالجة جذرية ضرورية لمستقبل سيناء ومستقبل مصر.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.