كتب السيرة الذاتية والمترجمات الأكثر مبيعاً في معرض القاهرة

ناشرون يشيدون بالإقبال الجماهيري الذي تخطى حاجز المليون

جانب من المعرض
جانب من المعرض
TT

كتب السيرة الذاتية والمترجمات الأكثر مبيعاً في معرض القاهرة

جانب من المعرض
جانب من المعرض

لا يزال معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي يستمر حتى 4 فبراير (شباط) المقبل، يشكل الظاهرة الثقافية الأكبر والأهم على أجندة الفعاليات الثقافية بمصر. وقد اتخذت الدورة الجديدة (51)، «مصر أفريقيا... ثقافة التنوع» شعاراً لها، والسنغال ضيف شرف والمفكر الراحل جمال حمدان شخصية المعرض، الذي يحتفي بإعادة إصدار مؤلفاته وعلى رأسها موسوعته الشهيرة «شخصية مصر».
برز ثقل المعرض هذا العام بمزيد من دور النشر المشاركة، 900 ناشر من 38 دولة. أول ملاحظة خلال زيارة المعرض في أسبوعه الأول هو كثافة عدد الزوار عن العام الماضي مع سهولة ويسر التنقل بين صالات المعرض الأربع، وتنظيم أجنحة العرض فضلاً عن وجود صالة مخصصة للنشاط الثقافي والعروض الفنية والسينمائية.
يقول الناشر محمد رشاد، رئيس اتحاد الناشرين العرب، عضو اللجنة العليا التنظيمية للمعرض، لـ«الشرق الأوسط»: «حرصنا هذا العام على تلافي السلبيات وزيادة المواصلات وتقليص مساحات الأجنحة لضمان مشاركة أكبر عدد من الناشرين. هذا العام يؤكد المعرض أنه يليق باسم مصر ومكانتها والأمر المبهج حقاً هو إقبال الأطفال والشباب على المعرض. وحرص اتحاد الناشرين، من جهة أخرى، على عقد ندوة عن الملكية الفكرية للتوعية بأهميتها وفضح أساليب المزورين وما يمثلونه من تهديد لصناعة النشر، كما بدأنا خطوات عملية لمواجهة القرصنة الإلكترونية بالتعاون مع «غوغل».
أما جناح السنغال ضيف الشرف فكان منصة عرض لأبرز الكتب الأدبية والشعرية باللغتين العربية والفرنسية، منها كتاب: «سفينة السعادة» تأليف عبد الرحمن الأندلسي، و«الجوهر النفيس في عقد نثر الأخضر والرئيس». كما حظي المعرض بزيارة وزير ثقافة السنغال مع وزيرة الثقافة المصرية والذي أكد على أهمية التبادل الثقافي بين الدولتين.
وعن حضور السنغال ضيف الشرف في الفعاليات، يقول د. شوكت المصري، المشرف على البرنامج الثقافي للمعرض: «لاحظنا اهتماماً بالغاً من الجمهور بحضور الندوات الخاصة بالسنغال وثقافتها ورموزها والتي تنوعت ما بين التاريخ والأدب والشعر، فضلاً عن مشاركة فرق سنغالية فنية، هذا الشغف من الجمهور المصري يقابله شغف سنغالي بالثقافة المصرية، حيث تحل مصر ضيف شرف على معرض السنغال الدولي للكتاب في الأشهر القليلة المقبلة.
الحضور الأفريقي بارز في فعاليات البرنامج الثقافي، ومن أبرز الندوات التي عقدت الندوة التي تحدثت فيها ناديلكا مانديلا حفيدة الزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا عن كتابها الجديد «أنا نديلكا» وهو سيرة ذاتية عن قصة صمودها أمام مصاعب الحياة والتحديات التي تواجهها كامرأة. وقالت نديلكا لـ«الشرق الأوسط»: «حاولت عبر كتابي أن أبث الأمل لقرائه بأن الحياة بكل ما فيها يجب أن تعاش بحلوها ومرها، فحياتي وحياة أي من المشاهير ليست سهلة، وأقدم فيه خلاصة ما تعلمته من جدي، وطبقت مبدأه في أن أتحدث عن الصعوبات التي واجهتني كي أتخطاها، كما أشير فيه إلى تجربتي في العمل التطوعي عبر مؤسستي الخيرية، والكتاب سوف يترجم قريباً إلى العربية».
وتحظى صالات العرض الضخمة في فضاء المعرض بزخم لا يخفت من صالة لأخرى حيث تلاشت العوائق بين الصالات وتنسيق الممرات بين الأجنحة أفضل من العام الماضي. وخلال جولتنا استوقفنا جناح «صوت القاهرة» المميز بما يحويه من كنوز سمع بصرية تحوي تراث الفن والغناء والتمثيل بل الصحافة أيضاً، إذ يحوي الجناح موسوعة بجميع أعداد مجلة الهلال منذ صدورها وحتى اليوم، أي عبر قرن ونصف من الزمان، فضلاً عن مجموعة أسطوانات مدمجة وأسطوانات خاصة بجهاز «بيك أب» لأم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم ووردة وغيرهم، والمصحف كاملاً بصوت كبار المقرئين بمصر.
بينما جاء جناح المملكة العربية السعودية هذا العام أصغر مساحة عن الأعوام السابقة لكنه لا يزال جاذباً لزوار المعرض من الشخصيات العامة والجمهور على السواء، فيما جاءت مشاركة وزارة الثقافة السعودية ممثلة في المجلة العربية بجناح أكبر هذا العام بأكثر من 600 عنوان تتنوع ما بين الكتب الأدبية والعلمية والطبية والموسوعات اللغوية، فضلاً عن الموسوعات العلمية المخصصة للطفل والناشئة ويشير عبد العزيز المهنا، المسؤول عن جناح المجلة العربية بالمعرض أن «أكثر الكتب رواجاً الموسوعات العلمية الموجهة للأطفال والشباب، والتي تقدم شرحاً مبسطاً للطاقة والفضاء والمجموعات الشمسية والأرض وعلم الجغرافيا والفيزياء بشكل مبسط ومسل عبر صور وشروح، كما تلقى مجموعة منشورات المجلة العربية مع مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية إقبالاً كثيفاً ومنها «الذكاء الخارق» لنيك بوستروم، و«الطاقة النووية» لتشارلز فيرغيسون و«أخلاقيات المعلومات» و«السايبورغ البشري» للمؤلف لوسيانو فلوريدي». ويضم الجناح أعداد «المجلة العربية» التي تصدرها وزارة الثقافة السعودية شهريا.
سور الأزبكية لقي إقبالاً كثيفاً في مشاركته الأولى بمقر المعرض الجديد، حيث تشارك 40 مكتبة تعرض كتباً ومجلات نادرة والتي يهتم بها الباحثون والطلاب حيث تتوفر لهم بأسعار زهيدة. وكان من اللافت حرص زوار المعرض على التقاط الصور التذكارية مع ضباط الجيش والشرطة بالزي العسكري في الأجنحة المخصصة لوزارة الدفاع المصرية ووزارة الداخلية حيث توزع الأجنحة مطبوعات تعرف بها والمجلات الثقافية الشهرية التي تصدر عنها منها: «مجلة النصر».
على صعيد الإصدارات، كان من اللافت هذا العام تحمس دور النشر لنشر كتب السير الذاتية والكتب التاريخية التي تفرض حضورها هذا العام في مواجهة الرواية العربية والمترجمة.
يقول الناشر محمد رشاد، رئيس اتحاد الناشرين العرب وصاحب الدار المصرية اللبنانية التي أصدرت هذا العام عدة مؤلفات للسير الذاتية: «السير الذاتية لا تروي قصصاً شخصية فقط، بل تعكس الظروف الاجتماعية والاقتصادية عبر تجربة حياة ثرية يمكن أن تفيد الأجيال الجديدة بنقل الخبرات لهم، وهو جنس أدبي يدمج بداخله عدة فنون كتابيه». ومن بينها: «(سيرة وميسرة) لصالح بن بكر الطيار، وإحسان عبد القدوس... معارك الحب والسياسة» وهو ما يؤكده المدير العام لدار الشروق أحمد بدير، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك إقبال على السير الذاتية والكتب المترجمة خاصة أن الترجمة في دور النشر المصرية بدأت تنتعش عقب تعويم الجنيه المصري وارتفاع أسعار المترجمات عن دور النشر السورية واللبنانية والعراقية فكان سعر الكتاب يتراوح ما بين 300 إلى 400 جنيه، فأعادت دور النشر المصرية ترجمة بعض الكلاسيكيات أو عبر شراكات ترخيص بالنشر فبات سعر الكتاب في حدود 150 جنيهاً، لكن يظل ارتفاع أسعار الكتب بوجه عام تحدياً كبيراً أمامنا وأمام القراء». ومن بين المترجمات عن دار الشروق «حول العالم في 80 يوماً» لجول فيرن بترجمة جديدة، و«الحياة على كرسي متحرك» لجاري كارب، وإعادة إصدار ترجمات «أنطون تشيكوف» لأبو بكر يوسف، الروايات والقصص القصيرة التي نفدت طبعتها الأولى، أما السير الذاتية: «فكتاب (أربعون) لأحمد الشقيري الذي يدمج السيرة الذاتية مع التنمية البشرية لا يزال متصدراً المبيعات، والسيرة الذاتية لجودة عبد الخالق «من الميدان إلى الديوان» و«مذكرات وزير من زمن الثورة»، كما «هناك إقبال من الشباب على كتب توفيق الحكيم ونجيب محفوظ في طبعاتها الجديدة ومن أكثرها مبيعاً (أولاد حارتنا) وتليها (بين القصرين)، و(الحرافيش)، فضلاً عن روايات أورهان باموق الصادرة حديثاً «الحياة الجديدة» ورواياته القديمة، ورواية «فردقان» ليوسف زيدان تليها روايته «عزازيل».
أما الناشر مصطفى الشيخ، مدير دار آفاق للنشر، فيذكر أن «هناك إقبالاً كثيفاً من الجمهور على المترجمات وقد قدمت الدار وجبة دسمة من 75 عنواناً جديداً من المترجمات الأدبية والعلمية والفكرية والفلسفية إلى جانب الرواية من لغات إنجليزية ويونانية وروسية، ومن أكثر الكتب إقبالاً «يوميات تولستوي»، و«رسائل هيمنغواي» التي تقع في 1500 صفحة لكنها حظيت بإقبال الشباب عليها، وكتاب «العقل والمادة».
هذا وتخطى زوار المعرض حاجز المليون زائر في سادس أيامه وفقاً لبيان وزارة الثقافة.



دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.