كتب السيرة الذاتية والمترجمات الأكثر مبيعاً في معرض القاهرة

ناشرون يشيدون بالإقبال الجماهيري الذي تخطى حاجز المليون

جانب من المعرض
جانب من المعرض
TT

كتب السيرة الذاتية والمترجمات الأكثر مبيعاً في معرض القاهرة

جانب من المعرض
جانب من المعرض

لا يزال معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي يستمر حتى 4 فبراير (شباط) المقبل، يشكل الظاهرة الثقافية الأكبر والأهم على أجندة الفعاليات الثقافية بمصر. وقد اتخذت الدورة الجديدة (51)، «مصر أفريقيا... ثقافة التنوع» شعاراً لها، والسنغال ضيف شرف والمفكر الراحل جمال حمدان شخصية المعرض، الذي يحتفي بإعادة إصدار مؤلفاته وعلى رأسها موسوعته الشهيرة «شخصية مصر».
برز ثقل المعرض هذا العام بمزيد من دور النشر المشاركة، 900 ناشر من 38 دولة. أول ملاحظة خلال زيارة المعرض في أسبوعه الأول هو كثافة عدد الزوار عن العام الماضي مع سهولة ويسر التنقل بين صالات المعرض الأربع، وتنظيم أجنحة العرض فضلاً عن وجود صالة مخصصة للنشاط الثقافي والعروض الفنية والسينمائية.
يقول الناشر محمد رشاد، رئيس اتحاد الناشرين العرب، عضو اللجنة العليا التنظيمية للمعرض، لـ«الشرق الأوسط»: «حرصنا هذا العام على تلافي السلبيات وزيادة المواصلات وتقليص مساحات الأجنحة لضمان مشاركة أكبر عدد من الناشرين. هذا العام يؤكد المعرض أنه يليق باسم مصر ومكانتها والأمر المبهج حقاً هو إقبال الأطفال والشباب على المعرض. وحرص اتحاد الناشرين، من جهة أخرى، على عقد ندوة عن الملكية الفكرية للتوعية بأهميتها وفضح أساليب المزورين وما يمثلونه من تهديد لصناعة النشر، كما بدأنا خطوات عملية لمواجهة القرصنة الإلكترونية بالتعاون مع «غوغل».
أما جناح السنغال ضيف الشرف فكان منصة عرض لأبرز الكتب الأدبية والشعرية باللغتين العربية والفرنسية، منها كتاب: «سفينة السعادة» تأليف عبد الرحمن الأندلسي، و«الجوهر النفيس في عقد نثر الأخضر والرئيس». كما حظي المعرض بزيارة وزير ثقافة السنغال مع وزيرة الثقافة المصرية والذي أكد على أهمية التبادل الثقافي بين الدولتين.
وعن حضور السنغال ضيف الشرف في الفعاليات، يقول د. شوكت المصري، المشرف على البرنامج الثقافي للمعرض: «لاحظنا اهتماماً بالغاً من الجمهور بحضور الندوات الخاصة بالسنغال وثقافتها ورموزها والتي تنوعت ما بين التاريخ والأدب والشعر، فضلاً عن مشاركة فرق سنغالية فنية، هذا الشغف من الجمهور المصري يقابله شغف سنغالي بالثقافة المصرية، حيث تحل مصر ضيف شرف على معرض السنغال الدولي للكتاب في الأشهر القليلة المقبلة.
الحضور الأفريقي بارز في فعاليات البرنامج الثقافي، ومن أبرز الندوات التي عقدت الندوة التي تحدثت فيها ناديلكا مانديلا حفيدة الزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا عن كتابها الجديد «أنا نديلكا» وهو سيرة ذاتية عن قصة صمودها أمام مصاعب الحياة والتحديات التي تواجهها كامرأة. وقالت نديلكا لـ«الشرق الأوسط»: «حاولت عبر كتابي أن أبث الأمل لقرائه بأن الحياة بكل ما فيها يجب أن تعاش بحلوها ومرها، فحياتي وحياة أي من المشاهير ليست سهلة، وأقدم فيه خلاصة ما تعلمته من جدي، وطبقت مبدأه في أن أتحدث عن الصعوبات التي واجهتني كي أتخطاها، كما أشير فيه إلى تجربتي في العمل التطوعي عبر مؤسستي الخيرية، والكتاب سوف يترجم قريباً إلى العربية».
وتحظى صالات العرض الضخمة في فضاء المعرض بزخم لا يخفت من صالة لأخرى حيث تلاشت العوائق بين الصالات وتنسيق الممرات بين الأجنحة أفضل من العام الماضي. وخلال جولتنا استوقفنا جناح «صوت القاهرة» المميز بما يحويه من كنوز سمع بصرية تحوي تراث الفن والغناء والتمثيل بل الصحافة أيضاً، إذ يحوي الجناح موسوعة بجميع أعداد مجلة الهلال منذ صدورها وحتى اليوم، أي عبر قرن ونصف من الزمان، فضلاً عن مجموعة أسطوانات مدمجة وأسطوانات خاصة بجهاز «بيك أب» لأم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم ووردة وغيرهم، والمصحف كاملاً بصوت كبار المقرئين بمصر.
بينما جاء جناح المملكة العربية السعودية هذا العام أصغر مساحة عن الأعوام السابقة لكنه لا يزال جاذباً لزوار المعرض من الشخصيات العامة والجمهور على السواء، فيما جاءت مشاركة وزارة الثقافة السعودية ممثلة في المجلة العربية بجناح أكبر هذا العام بأكثر من 600 عنوان تتنوع ما بين الكتب الأدبية والعلمية والطبية والموسوعات اللغوية، فضلاً عن الموسوعات العلمية المخصصة للطفل والناشئة ويشير عبد العزيز المهنا، المسؤول عن جناح المجلة العربية بالمعرض أن «أكثر الكتب رواجاً الموسوعات العلمية الموجهة للأطفال والشباب، والتي تقدم شرحاً مبسطاً للطاقة والفضاء والمجموعات الشمسية والأرض وعلم الجغرافيا والفيزياء بشكل مبسط ومسل عبر صور وشروح، كما تلقى مجموعة منشورات المجلة العربية مع مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية إقبالاً كثيفاً ومنها «الذكاء الخارق» لنيك بوستروم، و«الطاقة النووية» لتشارلز فيرغيسون و«أخلاقيات المعلومات» و«السايبورغ البشري» للمؤلف لوسيانو فلوريدي». ويضم الجناح أعداد «المجلة العربية» التي تصدرها وزارة الثقافة السعودية شهريا.
سور الأزبكية لقي إقبالاً كثيفاً في مشاركته الأولى بمقر المعرض الجديد، حيث تشارك 40 مكتبة تعرض كتباً ومجلات نادرة والتي يهتم بها الباحثون والطلاب حيث تتوفر لهم بأسعار زهيدة. وكان من اللافت حرص زوار المعرض على التقاط الصور التذكارية مع ضباط الجيش والشرطة بالزي العسكري في الأجنحة المخصصة لوزارة الدفاع المصرية ووزارة الداخلية حيث توزع الأجنحة مطبوعات تعرف بها والمجلات الثقافية الشهرية التي تصدر عنها منها: «مجلة النصر».
على صعيد الإصدارات، كان من اللافت هذا العام تحمس دور النشر لنشر كتب السير الذاتية والكتب التاريخية التي تفرض حضورها هذا العام في مواجهة الرواية العربية والمترجمة.
يقول الناشر محمد رشاد، رئيس اتحاد الناشرين العرب وصاحب الدار المصرية اللبنانية التي أصدرت هذا العام عدة مؤلفات للسير الذاتية: «السير الذاتية لا تروي قصصاً شخصية فقط، بل تعكس الظروف الاجتماعية والاقتصادية عبر تجربة حياة ثرية يمكن أن تفيد الأجيال الجديدة بنقل الخبرات لهم، وهو جنس أدبي يدمج بداخله عدة فنون كتابيه». ومن بينها: «(سيرة وميسرة) لصالح بن بكر الطيار، وإحسان عبد القدوس... معارك الحب والسياسة» وهو ما يؤكده المدير العام لدار الشروق أحمد بدير، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك إقبال على السير الذاتية والكتب المترجمة خاصة أن الترجمة في دور النشر المصرية بدأت تنتعش عقب تعويم الجنيه المصري وارتفاع أسعار المترجمات عن دور النشر السورية واللبنانية والعراقية فكان سعر الكتاب يتراوح ما بين 300 إلى 400 جنيه، فأعادت دور النشر المصرية ترجمة بعض الكلاسيكيات أو عبر شراكات ترخيص بالنشر فبات سعر الكتاب في حدود 150 جنيهاً، لكن يظل ارتفاع أسعار الكتب بوجه عام تحدياً كبيراً أمامنا وأمام القراء». ومن بين المترجمات عن دار الشروق «حول العالم في 80 يوماً» لجول فيرن بترجمة جديدة، و«الحياة على كرسي متحرك» لجاري كارب، وإعادة إصدار ترجمات «أنطون تشيكوف» لأبو بكر يوسف، الروايات والقصص القصيرة التي نفدت طبعتها الأولى، أما السير الذاتية: «فكتاب (أربعون) لأحمد الشقيري الذي يدمج السيرة الذاتية مع التنمية البشرية لا يزال متصدراً المبيعات، والسيرة الذاتية لجودة عبد الخالق «من الميدان إلى الديوان» و«مذكرات وزير من زمن الثورة»، كما «هناك إقبال من الشباب على كتب توفيق الحكيم ونجيب محفوظ في طبعاتها الجديدة ومن أكثرها مبيعاً (أولاد حارتنا) وتليها (بين القصرين)، و(الحرافيش)، فضلاً عن روايات أورهان باموق الصادرة حديثاً «الحياة الجديدة» ورواياته القديمة، ورواية «فردقان» ليوسف زيدان تليها روايته «عزازيل».
أما الناشر مصطفى الشيخ، مدير دار آفاق للنشر، فيذكر أن «هناك إقبالاً كثيفاً من الجمهور على المترجمات وقد قدمت الدار وجبة دسمة من 75 عنواناً جديداً من المترجمات الأدبية والعلمية والفكرية والفلسفية إلى جانب الرواية من لغات إنجليزية ويونانية وروسية، ومن أكثر الكتب إقبالاً «يوميات تولستوي»، و«رسائل هيمنغواي» التي تقع في 1500 صفحة لكنها حظيت بإقبال الشباب عليها، وكتاب «العقل والمادة».
هذا وتخطى زوار المعرض حاجز المليون زائر في سادس أيامه وفقاً لبيان وزارة الثقافة.



عالية ممدوح تكتب عن «النقص الذي يصنع معنى حياتنا»

عالية ممدوح
عالية ممدوح
TT

عالية ممدوح تكتب عن «النقص الذي يصنع معنى حياتنا»

عالية ممدوح
عالية ممدوح

يُلزمنا غلاف «خلوة النقص: الآداب - 2026» على اعتماد هوية الكتاب الجديد للكاتبة العراقية عالية ممدوح، وهي المثبتة على غلاف الأمامي للكتاب، فهي «رواية»؛ وهذه عتبة أولى أساسية للكتاب، وليس بوسع القارئ، أبداً، القفز على هذا التحديد الأجناسي الرئيس. لكن القراءة الأولى للكتاب، ربما حتى العاشرة بعد الألف، تقول لنا إن الكتاب هو سيرة ذاتية لكاتبة «الغلامة»، وهو، بدقة أكثر، سيرة مريضة في نزاعها مع الألم. ثمة أدلَّة نصية لسانية تؤيد هذا الفرض، بل وتؤكده، ليس آخرها التزام سيرة الكاتبة المعروفة لدينا، نحن قراءها. نتحدَّث هنا عن سيرة الكاتبة عالية ممدوح بمحطات حياتها المعروفة لدينا. ولا ينتهي ميثاق السيرة بصيغة الراوي المتكلم، فهذا من نافلة القول، برغم أن عدم وجود «المتكلِّم» لا ينفي جنس السيرة الذاتية، ولا يلغي أن خطاب السيرة الذاتية تشكِّله صيغ لسانية وثقافية ورؤية تُغالب هوية الجنس الأدبي ذاته وتخترقه، بل وتعيد توجهه. فهل يكفي هذا لمغالبة «رغبة» الكاتبة المكرَّسة في توصيف وتسمية نصها؟ لا أظن؛ فهوية الجنس الأدبي وصفته النوعية اللسانية تقرِّرها إرادة «الكاتب»ـة ورغبته، مثلما هو ذاكرة نصية وصفة تاريخية مختلفة من عصر لآخر. ولا بأس؛ فالسيرة الذاتية، أو حتى الغيرية عامة، مثل الرواية تعيدان تحديد خصائهما النوعية حسب موضوعهما، وهو هنا سردية المرض الكبرى. ولا مغالطة أبداً؛ فثمة سردية تكبر وتتضخم موضوعها المرض.

غلاف خلوة النقص

ونظل عند حدود التصنيف الأجناسي لـ«خلوة النقص»؛ أهي سيرة ذاتية للكاتبة العراقية المعروفة عالية ممدوح، أم هي رواية؟ هل الإجابة مهمة؟ نزعم أنها الأصل في أي قراءة ممكنة لـ«خلوة النقص»، فالنزوع السيري، الذاتي، غالباً، للمؤلف الكاتب، هو الجوهر الأساسي لنصوص ما بعد الحداثة عامة، فهي نصوص تؤسس لمجالها الصنفي بنفسها، وتسعى لمغالبة الذاكرة الأجناسية المسبقة. وأول ما يخطر ببال القارئ في هذا السياق المتمرد هو رفض الإيهام بالواقع المتبنى منذ القدم، فيجري تبريز الواقع ليس كما هو، إنما يجري إعادة اختراعه بالاستعانة بمسمياته. هكذا سنجد «خلوة النقص» تعيد تأسيس الحكاية على أساس من سيرة الكاتبة ذاتها. نحن هنا إزاء كتابة جديدة لسيرة الكاتبة تحت ضغط موضوع أساسي جديد هو المرض المهدِّد للحياة. ألم نقل إننا في سياق سردية كبرى اسمها المرض!

لكن المرض، أو سرديته الضاغطة، لا تأتي بصفتها المجردة، كما يمكن أن نجدها في نصوص مماثلة؛ فهو «خلوة» خاصة ومخصوصة للنقص. فما النقص هنا؟ إنه المكان الذي نهبط إليه في «المصاعد» الكهربائية، تحت الأرض، في البنايات الكبرى، مثلما هو في البنايات السكنية والمولات وما يتصل بها من بناء كبير يحتوي على طوابق فوقية، وأخرى أرضية سالبة، كما ترسم علامات السالب في لوحات السيطرة الخاصة بالمصاعد. نحن نهبط، هنا، مع الكاتبة إلى «النقص» ونحقق «خلوة» مع «النفس» وأوهامها، فيكون المرض مجازاً كليّاً عن حياتنا. والنقص حكاية الجميع، مثلما أن الخلوة تسع الجميع.

المرض... تاريخ آخر للعائلة

ليس المرض قدراً فردياً يتعثر به المرء فينجو أو يموت بسببه، إنما هو قدر العائلة المنحوسة، عائلة الكاتبة التي «تركت» بلادها المضطربة واستقرت، بعد تشرد طويل، في باريس. هذا استهلال غير كافٍ لرواية تريد أن تجعل من المرض سردية كبرى، سوى أنه يُفيدنا في ضبط سردية المرض؛ فلا أمراض موسمية، إنما هي أمراض ذات سمات رتيبة ومتكرَّرة، كما أن الإحساس بالمرض يشبه الانتظام في «مدرسة داخلية». هل يعني هذا أن النقص سمة خاصة بعائلة الكاتبة؟ هو، كذلك، ولا شكَّ؛ بل إنه الدلالة الأساسية الأولى لسردية النقص. فالنسيان نقص، واللغة يصيبها النقص، والبلد نقص أكيد، والحياة كلها نقص، حتى الذاكرة نقص، وكذلك النسيان إنه نقص فادح. وفي المستهل تشدد الكاتبة، في خلوتها بالمستشفى العسكري، على أن «النقص» يتعلَّق، ابتداءً، بالتصرفات الشخصية كلها؛ ويتَّسع ليفرض سلطانه علينا فيصنع، ببراعة، مصائرنا وطرائق، وربما حتى مواقيت رحيلنا.

لكن النقص يتضخم بقصدية واضحة حتى كأنه صار الرواية كلها؛ فهو ذو صيغة سردية كلية تريد منها الكاتبة مراجعة مقولة الرواية وما تعتمده من وسائل خادعة، وربما مخادعة. أول ما ينقص هو المعنى ذاته. نتحدث عن الدلالة المضمرة للنقص، وهو القول بتهافت المعنى وضموره. فماذا يعني ضمور المعنى، وربما، حتى تلاشيه؟ إنه يُفيد أن النقص يرمي شباكه بعيداً فيصيب قدرة العالم السردي على إنتاج معنى يُعتدُّ به؛ فليس النقص هنا ما يختصُّ قدرة الجسد على المقاومة والحركة، إنما هو نقص المعنى. لنأخذ هنا نقص المعرفة، لماذا لا أقول الإدراك، فيما يخص إشكالية كنايات الراوي، من يتولى سرد وقائع النقص: هل هو كاف المخاطب أو ياء المتكلم، أم تاء التأنيث الساكنة التي لا محل لها من الإعراب. يدعم نقص المعرفة نقصان التجربة، ونقصان العمر كله، ونقصان الإدراك، ونقصان اللغة الغريبة في الجغرافيات البعيدة عن موطنها؛ فالنقص هو المعنى الأول والأخير لحياتنا الطارئة.

النقص: خلوة الذات الأخيرة

سوى أن النقص لا يكون نقصاً قبل أن تكون هناك «خلوة»، وليس مهماً مداها أو صورها؛ يكفي إنها خلوة إجبارية. وقد يكون الأمر مضحكاً أن نفترض أو نتساءل عما يمكن أن نفعله في خلوتنا؛ فيما الأصل هو ماذا ستفعل بنا تلك الخلوة الرهيبة! فعلها الأول هو أنها تجبرنا على إعادة تصورنا عن ذاتنا؛ إذ لا نعود، بعدها، أصحاء، نحن مرضى. ولا تبدأ الخلوة، خلوتنا، من دون الإقرار الشخصي بالتحوُّل من إنسان أو شخص سوي متعافٍ إلى مريض يفقد تدريجياً قدرته على التحكم بحياته. والخلوة هنا هي المدخل الأساسي للمرض ولتأمل الذات بعد تبدُّل أحولها. لكن الرواية تجادل في كيفية تحقُّق الخلوة، لا سيَّما ما يتصل منها بالشرط الوجودي، بعض هذا الجدل يقودنا لعوالم «خلوة النقص»؛ فلكي تحقَّق خلوة الذات بصفتها الرئيسة، وهي الإجبار، يلزمها سبب، لنقل فاعل قاهر، مثل المرض. هل ثمة سبب آخر، قاهر وإرغامي، غير المرض يعيد الذات لعالمها الأول، قصتها المتروكة في الزاوية البعيدة والمعتمة من الذاكرة؟

أغلب الظن أن «المرض» مقولة عامة، لا تملك توصيفاً كافياً لغرائبية الذات وتهافتها. لا سبيل للخلاص سوى إعادة تعريف المرض وضبط ماهيته؛ وليس لدى الرواية من سبيل، أو وسيلة، سوى سردية «الألم» المتدفقة بلا هوادة. وهل «الألم» هو منطق الرواية ومكان تدفقها السردي، ولا نقول الحكائي، للرواية؛ إذ يكاد التسلسل الحكائي أن ينعدم في أغلب الفصول؟ النص يجيبنا ويسميه باسمه، ابتداءً، بلا كنايات، أو مجازات كبرى؛ فـ«الألم حالة إنسانية حميمية عكس نتائجها الكونية، حتى أن تبذير الألم عند البعض هو سلوك سفيه جداً (..). أن تكون متألماً وحدك، وأنت تنكب عليه وهو يهيل عليك هذا الاستغناء البهيج عن الجميع. ص 30»، هذا أول العزلة وربما آخرها، وستنتظم الرواية، بعدها، في سرد وقائع الألم، وهي ذاتها وقائع الذات في عزلتها المديدة.

الواقعة الأساسية هي إشكالية التعبير عن الألم، لماذا لا أقول إن النص، هنا، يشكِّل كثيراً في طرائق استعادة الواقعة السردية المنتجة جراء خلوة الألم! في فقرة «ليالي الرحيل»، مثلاً، نظل عالقين في براثن المعنى، فالهاء مثلاً هل تعود لليالي، أم تعود للرحيل؟ الجواب حاضر، ومثله إشكالية التعبير عنه، ثم لا نعرف أن «الهاء» تعود لـ«المحبوب» الذي «سيحضر» ويقاسم الكاتبة شقتها في باريس. يقول لنا النص الكثير، وهو يبرع في إخفاء رغبته بالتملص من هوية أجناسية جاهزة، فنجد الرواية تتحدث ولا تقول عن المرض وآلامه عندما يصبح «بروفة» التأليف السردي الأخيرة. كيف هذا؛ والنص يجاهر بالانتساب للسيرة، ثم يتنكَّر لها!

فما مأثرة «خلوة النقص»، إن كان يجب أن يكون للرواية مأثرة تميزها عن روايات عراقية وعربية كثيرة؟ إنها سردية النقص الكبرى في اجتياحها الكاسح لحكاياتنا، بل لمعنى السرد كله في مسعاه لأن يكون لحياتنا معنى وقيمة؛ فالمرض، أقصد خلوته، أقصد النقص الذي يعجزنا عن التمييز بين السيرة والرواية، هو ما يتبقَّى للرواية أن تقوله بأي صيغة ممكنة؛ إن توفَّرت سبلها!


استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة

استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة
TT

استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة

استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة

يُعنى كتاب «المنام والسجن وحُجرة ابن الهيثم: قراءة جديدة للفضاء في الحضارة العربيّة» للباحثة الأكاديمية اللبنانية الدكتورة لينا الجمّال، بالمنامات وكتب تعبيرها في القرون الهجريّة الأولى، فيدرس المنامَ واستحضاره وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة، وعلاقة ذلك كلّه بالفضاء بوصفه كياناً أوّلاً، ومن ثمّ مفهوماً. وتشتمل هذه المقاربة على عدد من الموضوعات، منها ما يربط بين الحضارة العربيّة-الإسلاميّة وحضارات أخرى قديمة كممارسة الحالومة والاستخارة والمبيت بجانب القبور، ومنها ما يُسائل الحضارة المادّيّة لاستيعاب تأثيراتها في منامات السجناء وتأويلات العمارة والمنامات التي تترك أثراً ملموساً، ومنها ما يحاول تجذير التجربة المناميّة في نظريّات الفلسفة والإبصار التي قدّمها العلماء العرب القدامى. والكتاب بذلك يضع المنامات في الإطار الأوسع للتراث العربيّ الأدبيّ والفكريّ، ويحاول تقديم قراءة جديدة للفضاء في الحضارة الإسلاميّة.

ينقسم الكتاب إلى خمسة أقسام رئيسية تراعي أمرين: أولاً فهمَنا للفضاءات التي يُحتمل اتّصالها بالمنام؛ الفضاء الذي بات فيه الرائي، والفضاء الذي صُوِّر في المنام، والفضاء المؤوَّل في كتب التعبير. وثانياً، مراعاتَنا لورود المنامات في السياقين السرديّ والتأويليّ.

يُعَدّ القسم الأوّل «المنامات وتعبيرها في الثقافة الإسلاميّة المبكرة» تمهيداً ضروريّاً لأقسام الكتاب المختلفة، فهو يستعرض طبيعة المنامات في الإسلام ومدى تقاطعها مع الحضارات القديمة المجاورة. ويسرد بإيجاز نشأة علم التعبير في الإسلام وانتقاله تدريجيّاً من التراث الشفهيّ إلى المكتوب، ثمّ يُحصي مناهج التعبير الإسلاميّة باستنباطها من مقدّمات كتب التعبير الأولى، وقد بلغ عدد المناهج المعتمَدة أحد عشر منهجاً. وينتقل القسم بعدها إلى إحصاء العوامل المؤثّرة في التأويل، والتي تأخذ في الحسبان أحوال الرائي والمعبّر، وزمان الرؤيا ومكانه، وأسلوب القصّ. وفي هذا القسم أيضاً، إشارات مقتضبة إلى موضوعات إشكاليّة تخصّ المنامات، منها الإسناد الذي يسبق رواية المنام، وظاهرة المنامات المشتركة أو المتواطئة، وأخيراً الاحتجاج بالمنام في المسائل الشرعيّة. وجميعها مسائل تُثار في مواضع متفرّقة من الكتاب لاحقاً.

يخوض القسم الثاني «استحضار المنام، عادة أم عبادة؟» في ظاهرة الحالومة التي ارتبطت بالمنامات منذ العصور القديمة، وانتشرت في الحضارات اليونانيّة والهنديّة والمصريّة القديمة، وتجلّت في بعض ممارسات العرب في شبه الجزيرة العربيّة. ويبني هذا القسم على العناصر المشتركة بين الحالومة والاستخارة النبويّة، ليعلّل خروجَ الاستخارة النبويّة من إطار الصلاة والدعاء إلى إطار المبيت في أماكن مخصوصة لاستحضار منام. وبعد البحث في أدب التنوخيّ، يكتشف القسم أنّ رواسب الحالومة ظهرت في زيارة العرب لقبور المعروفين بسخائهم، قبل أن تظهر في زيارة قبور المعروفين بصلاحهم. هذا فضلاً عن حلول محراب الصلاة محلّ القبور في ممارسات بعض المستخيرين لاحقاً.

ينتقل القسم الثالث «في قميص يوسف» إلى دراسة منامات السجناء، وأثر السجن فيها، في كتاب «الفرج بعد الشدّة»، فيحلّل منامات ثلاثة عشر سجيناً. ينطلق القسم من منام ليعقوب بن داود -وزير المهديّ (حكم 158-169/775-785) 123- الذي حُبس في سجن المطبق، فيعرّج على سيرة الوزير وخصائص سجن المطبق، ثمّ عناصر المنام وضريبة عبوره من نوع أدبيّ إلى آخر. ويرصد القسم تشابهاً واضحاً بين قصّة الوزير يعقوب وقصّة النبيّ يوسف، ويمتدّ هذا التشابه ليطول منامات السجناء الآخرين، مؤكّداً تأثير السجن الرمزيّ في منامات قاطنيه. وأخيراً، يربط القسم المنام بالشعر.

يقارب القسم الرابع «بين الرؤية والرؤيا» بنظرة أكثر شموليّة علاقة المنام بالفضاء في الحضارة العربيّة-الإسلاميّة، فيحفر في الأبعاد اللغويّة بين الرؤية والرؤيا، ودور الفضاء المُعتِم في إدراك كلٍّ من المنام والصورة. ينطلق القسم من تجربة عالم المناظر ابن الهيثم في السجن، واستلهامه الاختبار التجريبيّ على الحُجرة المظلمة، ومفارقته الإرث اليونانيّ في نظريّات الإبصار. ثمّ يسترسل القسم في الكلام عن خصوصيّة تلقّي المنامات في الثقافة الإسلاميّة عن طريق ثلاثة طروحات: نظريّة عين القلب عند الغزاليّ، والعلاقة بين المنام والعمى واللغة، وتقاطع المنامات مع الصور. وتترسّخ خصوصيّة التلقّي هذه في كتب التعبير الإسلاميّة، إذ تفترق مناهج المعبّرين المسلمين عن مناهج أسلافهم اليونانيّين، وتنعكس هويّاتهم الدينيّة وأبعادهم الاجتماعيّة الخاصّة.

يحلّل القسم الخامس والأخير «الدنيا منام، والمنام رحلة» المناماتِ بصفتها تجسيداً رمزيّاً للرحلة، أو انتقالاً من فضاء إلى آخر. ويُثبت بالعودة إلى أدب التنوخيّ أنّ المنامات تحقّق بعض أغراض الارتحال، وهي زيارة الموتى، وطلب الحديث النبويّ، والتكسّب، والاستشفاء، وتشريع السلطة. ثمّ يعالج ثيمة المعراج وما يتّصل بها من فضاء صالح للحساب، وثيمة المنامات الملهِمة للشعر، وهاتان الثيمتان تُغنيان عن ارتحال سابق راسخ في العقل الجمعيّ. وتكمن أهمّيّة هذا القسم في أنّه يجعل تجربة المنام في مقام تجربة الحياة الدنيا، إذ يعوّل المؤمن العابر فيهما على ما حقّقه في عبوره.

تقارب أقسام الكتاب الخمسة علاقة المنام بالفضاء من جوانب مختلفة، وفي موادّ أدبيّة مضبوطة بإطار زمنيّ محدّد، لتفهم بأيّ العينين يُدرَك الفضاء في ثقافة المجتمع العبّاسيّ. تلك الثقافة المتمثّلة في نتاج أدبائه وفلاسفته وعلمائه، والمختزِلة لمحمولات دينيّة واجتماعيّة وتاريخيّة في العقل الجمعيّ.


كتاب سوري يدعو لإعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي

كتاب سوري يدعو لإعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي
TT

كتاب سوري يدعو لإعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي

كتاب سوري يدعو لإعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي

يسلط كتاب «خطاب المصالحة في سوريا: نحو استجابة إعلامية تستلهم نظريات التغيير» للصحافي والباحث الإعلامي السوري مرشد النايف؛ الضوء على أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً في المجتمعات الخارجة من النزاعات: كيف يمكن للإعلام أن يتحول من أداة لتأجيج الصراع وإعادة إنتاج السلطة، إلى فاعل مؤسسي يشارك في ترسيخ المصالحة الوطنية؟

ويمثل الكتاب، الصادر حديثاً عن «مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر»، محاولة لبناء إطار نظري وتطبيقي لعمل الإعلام في مرحلة ما بعد النزاع، ينطلق من فرضية ترى أن إعادة الإعمار لا تكتمل من دون إعادة تأسيس المجال العام، بوصفه الحيز الذي يعاد فيه تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبداخله تتشكل الذاكرة الجمعية ويتعزز التماسك الاجتماعي.

ويطرح المؤلف مفهوم «الاستجابة الإعلامية» مدخلاً لتطوير سياسات إعلامية تنبع من خصوصية البيئة السورية الشائكة، في مقابل المقاربات القائمة على استنساخ التجارب الدولية. وفي هذا الإطار، يقترح إعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي عبر حزمة من التدخلات المستندة إلى نظريات التغيير، بما يجعل المؤسسات الإعلامية إحدى روافع التعافي الوطني، بعد أن انحصر دورها لأزيد من خمسة عقود في إنتاج الرواية الرسمية.

ومن أبرز الإضافات النظرية التي يقدمها الكتاب؛ إعادة تعريف مفهوم «صناعة المعنى»؛ بوصفها عملية لإنتاج أطر إدراكية مشتركة، تنبثق من خصوصية السياق السوري. وانطلاقاً من هذا التصور، يدعو المؤلف إلى سياسات تحريرية تجعل الحقيقة، وتمثيل الضحايا، وإتاحة المعرفة العامة، والهوية السورية الجامعة، وبناء السلام المستدام؛ ركائز للعمل الإعلامي، بما يعزز قدرة المجتمع على استيعاب الماضي وإدارة الخلافات وصياغة مستقبل مشترك.

ويوظف الكتاب نظريات التغيير أداةً لتصميم التدخلات الإعلامية، مقترحاً الانتقال من التعامل مع الخطاب بوصفه ظاهرة لغوية إلى اعتباره عملية اجتماعية قابلة للتخطيط والتقويم وقياس الأثر. ويعرض، ضمن هذا الإطار، مجموعة من التدخلات المصوغة خصيصاً للسياق السوري، مدعومةً بأهداف ومؤشرات لقياس أثر السياسات التحريرية في اتجاهات الجمهور وسلوكه.

يتجاوز الكتاب مراجعة الأدبيات الخاصة بالإعلام في المجتمعات الخارجة من النزاعات، ليعيد قراءتها من منظور خصوصية البيئة السورية. واستند في هذا السياق، إلى أطروحات الباحثة السنغافورية ركا شومي حول ضرورة «إضفاء الطابع الجيوسياسي على الدراسات الإعلامية»، بوصفه مدخلاً لفهم العلاقة بين النظم الإعلامية وبيئاتها السياسية والاجتماعية، وما يقتضيه ذلك من فحص النظريات الإعلامية قبل توطينها في سياقات مغايرة.

كما يستند المؤلف، في مقاربته لطبيعة التدخل الإعلامي، إلى المنظور السوسيولوجي لعالم الاجتماع Anthony Giddens، الذي ينظر إلى الفعل بوصفه تدخلاً مقصوداً في مسار الوقائع لتحقيق غايات محددة. وانطلاقاً من هذا الفهم، يعامل الكتاب التدخلات الإعلامية بوصفها أفعالاً اجتماعية قابلة للتصميم والتقويم وقياس الأثر، وليست مجرد استجابات مهنية للأحداث.

وحول الغاية من الكتاب، يقول النايف في المقدمة: «ينصبّ جوهر هذه الدراسة على هدفين متلازمين: أولهما استكشاف أطر نظرية متينة حول المدخلات الإعلامية، وإعادة توطينها بما يلائم خصوصية السياق السوري ودور الإعلام المركزي في تصميم مقاربات حساسة ومؤثرة. أما ثانيهما، فيتعلق بتقديم مقترحات عملية لتفعيل نظريات التغيير بوصفها أدوات تعبئة تنفيذية، تسمح بترجمة المعارف النظرية إلى مبادرات قابلة للتطبيق».

يقع الكتاب في 288 صفحة موزعة على خمسة فصول، تتدرج من تفكيك الخطاب الإعلامي للنظام البائد وتحليل بنيته الدعائية، إلى بناء نموذج لصناعة المعنى، ثم مقاربة الإعلام بوصفه جزءاً من البيئة السياسية والاجتماعية، وصولاً إلى توظيف نظريات التغيير في تصميم مبادرة إعلامية تستجيب لخصوصية السياق السوري.

ومرشد النايف صحافي وباحث إعلامي سوري شغل عدداً من المواقع التحريرية والمهنية، من بينها مدير تحرير صحيفة «جيرون»، والأمين العام لميثاق شرف للإعلاميين السوريين. تتركز اهتماماته البحثية على تحليل الخطاب، وإعلام ما بعد النزاع.