الصمت النسوي من الأوديسا حتى الثَّقافة الغربية الرَّاهنة

المجتمعات الذكورية قمعت أصوات النساء منذ ثلاثين قرناً من الزمن

ماري بيرد
ماري بيرد
TT

الصمت النسوي من الأوديسا حتى الثَّقافة الغربية الرَّاهنة

ماري بيرد
ماري بيرد

تثير كتب ماري بيرد الناقدة والأستاذة في جامعة كمبردج اهتمام الأوساط الثقافية الغربية، وقد لاقت حضوراً واهتماماً كبيرين، نظراً لما تحتويه كتبها من أطروحات ثقافية تنتقد الذكورية منحازة إلى النسوية بوصفها الجانب المستضعف والمغلوب في التراث الإنساني عبر التاريخ.
وبحكم تخصصها في الأدب الكلاسيكي اليوناني والروماني تغدو كتبها (تاريخ روما القديمة - الضاحك في روما القديمة - انتصار الرومان ومواجهة الكلاسيكية) بمثابة إعادة تشخيص واستكشاف لما في تلك الآثار الأدبية القديمة من صور ذكورية ترسخت وانتقلت مع حضارات العالم وصارت بمثابة عقبة كأداء كبلت النسوية بتراكمات ذلك الرسوخ التاريخي الذي دق إسفينه في جذور صلبة، تتكئ عليها اليوم المنظومة الثقافية العالمية، حتى أنّ أي محاولة لزحزحة بعض ثوابت هذا الإسفين تبدو عديمة الجدوى إن لم تكن مستحيلة.
وكانت بيرد قد أشارت في كتاب اشتركت في تأليفه مع جون غراهام هندرسون عنوانه (التراث الكلاسيكي مقدمة قصيرة جداً) إلى أن التراث الكلاسيكي ظل كما هو في قوته مؤثراً في الثقافة الغربية، ومشكِّلاً المركز في السياسة الثقافية اليوم، وهو ما جعل المرأة في التراث كما هي اليوم في المعاصرة بلا حقوق سياسية. وقد أخذت بيرد على دارسي التراث الكلاسيكي المعاصرين أنهم (لا يعيبون وحسب على الإغريق والرومان كراهيتهم للنساء... وإنما يستكشفون كيف أن الأدب القديم أبقى على كراهية النساء تلك) (الكتاب، ص46)
وفي كتاب ماري بيرد الجديد (النساء والقوة: مانفيستو) بطبعته الأميركية عام 2017 عن دار ليفرايت ثم بطبعة ثانية بالفرنسية عام 2018 ـ والذي نأمل أن يترجم إلى العربية لأهميته ـ تقف بيرد عند واحد من الآثار الأدبية التراثية الشهيرة ألا وهو ملحمة الأوديسا التي كتبها هوميروس، ممحورة أطروحة كتابها حول قمع المجتمعات الذكورية أصوات النساء منذ ثلاثين قرناً من الزمن، بهدف إبقاء القوة بيد الرجال سلطة وتفوقاً. وهو ما نجد بوادره ظاهرة في شخصيتين من شخصيات الأوديسا هما بينيلوبي وتليماك.
وما تؤكده بيرد في تحليلها لهاتين الشخصيتين أنّ النساء لن يصلن إلى المساواة في الحقوق والواجبات ما دامت سلطة الرجال قائمة ومتسيدة، وهو ما يتطلب تغيير جوهر البنية وليس الإطار العام لها، مبيّنة أنَّ التفكير في قوة النساء أمر مهم، ولا مناص فيه من الإفادة من الآداب اليونانية والرومانية القديمة من أجل تغيير مجتمعاتنا الراهنة التي أخذت تسودها مفاهيم الاندماج والانفتاح والمواطنة العالمية والتعددية الثقافية وحرية الرأي وحقوق الإنسان... وغيرها.
ولن تكون النساء قوة إلا إذا تشكل من أصواتهن (مانفيستو) أي بيان نسوي، به يدخلن القرن الحادي والعشرين، يساعدهن في ذلك ما يشهده هذا القرن من شيوع تكنولوجيا الذكاء الصناعي والتقدم السيبراني وما بعد السيبراني، فضلاً عن الوسائط التفاعلية الرقمية في عالم الإنتريت.
وإذا كانت بيرد تبتغي من النساء أن يكنَّ قوة، فليس معنى ذلك أن يمتلكن السلطة ويتفردن بها فذلك ما تنتقده النساء في الذكورية، بل القوة المقصودة هنا قوة معنوية دلالية وليست مادية عيانية بها تخرج النساء من صمتهن ليكون لهن خطابهن الخاص المعبر عن كينونتهن. بمعنى أن القوة التي تقصدها بيرد هي قوة ناعمة أداتها الصوت - القول وليس اليد - الفعل وصوره العنيفة والتعسفية والخشنة والوحشية التي بها تمكنت الذكورية من فرض سيادتها وتوكيد جبروتها.
وافتتحت المؤلفة كتابها بمقدمة حددت فيها مطلبها وهو أنّ قوة الأجيال فتيات وفتياناً تكمن في المرأة. وتضرب على ذلك مثلاً بوالدتها التي كانت سبباً في لفت انتباهها نحو ما تعانيه المرأة من تضييق حتى لا يكاد يُسمع صوتها مهما علا، متذكرة كيف أن والدتها كانت تأسف أنها لم تذهب إلى الجامعة، وهي التي كانت ترجو أن تكون قادرة على فعل ذلك، وهو ما جعلها تشعر بالإحباط كون وجهة نظرها لم تؤخذ بجدية كما أن صوتها لم يصل كما أملت أن يكون.
وأدركت من ثم أن ليس كل ما يُراد يمكن أن يكون يسيراً في التحقق، وأن المساواة الحقيقية بين الرجال والنساء ما زالت شيئاً كامناً في المستقبل. ورغم كل الدعوات والحركات المطالبة بالمساواة، فإن أوان تلك المساواة لم يحن بعد.
وبناءً على هذه التصورات عكفت ماري بيرد على تأليف كتابها بمحاضرات كتبتها من عام 2014 إلى عام 2017. مبتغية أن يكون عملها فيه واقعاً خارج سياقات المنظومة الذكورية، شارحة لنفسها ولملايين النساء في العالم كيف يكون التساوي محبطاً في الثقافة الغربية بميكيانزمية الصمت النسوي، الذي ينبغي أن يواجه الذكورية بجدية مخلخلاً الهدوء الأدبي الذي تريده مراكز القوة.
وذهبت بيرد إلى أبعد مركز في العالم القديم فوجدته عند الإغريق والرومان، قائلة: «أنا أفكر في اللحظة التي بها خلدت أوديسا هوميروس قبل ثلاثة آلاف سنة مضت» ص3. وقصدها من وراء هذا التفكير مساعدتها في إلقاء الضوء على النسوية حينما كان الصمت خصوصيتها التي كان القدر قد كتبه عليها حتى بات تغييرها في الثقافة الغربية يحتاج إلى آلاف السنين من التمرين.
وابتدأت في الفصل الأول الذي عنونته بـ«صوت النساء العام» من ملحمة الأوديسا كأقدم تقليد من تقاليد الأدب الغربي وأول مثال مسجل فيه مطالبة الرجل للنساء أنْ يصمتن(shut up) لأن أصواتهن لن تُسمع بالعموم.
والملحمة التي بطلها أوديسيوس تعد من أدب المغامرات في العودة إلى الوطن وهي التي ألهمت أسخيلوس كتابة مسرحياته التي وصفها بأنها لا تعدو أن تكون فتاتاً من مأدبة هوميروس، لكن المهم بالنسبة لبيرد في الملحمة شخصيتان الأولى بينيلوبي الزوجة التي تنتظر عودة زوجها أوديسيوس التائه في البحر، مواجهة بدهاء محاولات تزويجها وقد تقدم لخطبتها أكثر من مائة رجل عريق النسب ليكون الذي ستتزوجه هو البازيليوس أي الزعيم. والشخصية الثانية تليماك الابن الذي كان يشكو أمه ويدعوها متحجرة القلب، لائماً إياها على ترك مكانها الحقيقي في القصر واتخاذها القبو مكاناً للحياكة التي متى تنتهي منها ستتزوج الرجل صاحب الرقم الأسعد. وبالمقابل كان لدى بينيلوبي شيء ما يمنعها أن تصمت كمثال أو دليل يؤرخ لبدايات تشكل الثقافة الغربية التي فيها أصوات النساء لا تُسمع على الصعيد العام.
وتأخذ بيرد على هوميروس أنه أسكت المرأة بينما جعل الرجل هو المتكلم الذي يمثل الجزء المتكامل للتعبير والكلام. ومن ذلك الكلمات العملية التي استعملها تليماك وكانت ذات أهمية حين قال: «إن الكلام رجل أعمال ككل الرجال» ص6 بالمعنى الميثولوجي للعبارة وليس بالمعنى الذي يهبط إلى الخرافة والأسطورة. وإن الخطاب الشعري والتدريب عليه طور تليماك من صبي إلى رجل له سلطة، وهو ما تضمنه الكتاب الأول من الملحمة الإغريقية، فضلاً عن إشارات أخرى إلى الخطاب الذكوري بوصفه سلطة عامة لا تستعمل القوة بالمعنى الطيب الذي هو معتاد عند النساء.
وما أثار حفيظة ماري بيرد هو هذه العلاقة بين لحظة الصمت النسوية في الملحمة الهومرية وبين الطرق التي بها لا تُسمَع أصوات النساء بالعموم في الثقافة المعاصرة على مختلف الصعد، بدءاً (من مقعد في العموم البريطاني وانتهاء بأرضية أي متجر أو محل بسيط) ص6. ورأت بيرد أن نظرة عن كثب للعلاقة الثقافية غير الملائمة بين أصوات النساء والصعيد العام لصناعة الكلام أو الخطاب الذكوري نقاشاً وتعليقاً سيتبين أن النساء اللائي يتحدثن خارج نطاق ما هو مراد منهن ما زلن يتعرضن للإساءة والسخرية. وأن أي تساؤل أو خطاب يدعم شعار الأنثوية تطرحه النساء بصوت علاني سيواجه بتهديدات شتى، منها الاغتصاب أو قطع الرأس أو الوضع البينيلوبي في أرضية تيلماكية.
ووجدت في مفهوم (كراهية النساء Misogyny) تشخيصاً لظاهرة الصمت النسوي التي كانت الفورة التليماكية هي أول من بدأتها، لتكون أكثر بروزاً في السياسات المعاصرة على نطاق المؤسسات الرسمية، مؤكدة (أن كراهية النساء وحدها هي الطريقة لوصف ما يجري الآن لكي نعرف حقيقة أن النساء حتى عندما لا يكن صامتات، فإنهن ما زلن يدفعن ثمناً غالياً ليظهرن ويتم سماع ما يُردن) ص8
وبسبب هذا الموقف المناهض للذكورية، قاومت ماري بيرد ـ كما تشير في الخاتمة ـ كثيراً من الإغراءات التي أرادت منها إجراء تغييرات جذرية أو تطوير بعض أفكار المانفيستو الذي طرحته في هذا الكتاب. وهو ما جعلها تعتزم مستقبلاً أن يكون تفكيرها متجهاً نحو إعادة تكوين مفاهيم القوة والسلطة، مركزة على فكرة (القيادة) التي هي صفة ذكورية بينما يفترض الأمر أن تكون مفتاحاً لنجاح المؤسسات من المدارس والجامعات إلى الأعمال والحكومات. ولا يحتاج الأمر جهداً كبيراً للتدليل على أن سطوة الذكورية جعلت النسوية تعاني من أنواع من التعسف والإساءات والإيذاء الجسدي والشرور، لأن ذلك متاح معرفته بسهولة عبر الإنترنت.
ومن الأمثلة التي عرضتها بيرد في كتابها موضع الرصد، مقابلة إذاعية جرت في أثناء الانتخابات البريطانية العامة في صيف 2017 بين رجل وامرأة يمثلان حزبين مختلفين وكيف أن الرجل لم تكن لديه أدنى فكرة عن التمييز العنصري أو تطوير التعليم العالي بينما كانت المرأة عارفة سياسة حزبها لكنها مع ذلك صارت موضع تندر وسخرية، ولم تخل المسألة من بعض العنصرية، مشيرة إلى أنه إذا كان لهذا الرجل فرصة أن يكون أفضل في المرة القادمة، فإن ما هو مؤكد أنه لن تكون لهذه المرأة مرة قادمة أصلاً. وهذا المثال يقودها إلى تأكيد أن لنا في تاريخ العالم القديم دروساً بسيطة عن قيام الجغرافيات السياسية وكيف أن السلطة لا تدوم. وما كان حصل سابقاً عند انهيار الإمبراطورية الرومانية يجعلنا نعرف أن التدخل العسكري الغربي الحديث في أفغانستان والعراق هو فكرة سيئة، وأن النظر بعمق إلى اليونان والرومان سيساعدنا في أن نرى أنفسنا بعمق ونفهم بشكل أفضل كي نفكر كيف نعمل (ص94ـ97) ومن ذلك التفكير باهتمام أكبر بأوديسا هوميروس التي يمكن أن تكون بحسب بيرد جريمة ثقافية إذا نحن قرأناها كقصيدة تستكشف طبيعة الفرق بين الحضارة والبربرية في العودة للوطن والولاء والانتماء لكي نتحقق بشكل فاعل من مسألة كراهية النساء في الغرب.
ومن أجل ذلك وضعت ماري بيرد كتابها (النساء والقوة) مؤكدة أنّ صورة توبيخ تليماك لأمه بنيلوبي حين تجرأت وفتحت فمها علناً ما زالت تتكرر مسرحتها في القرن الحادي والعشرين أيضاً.



العلا ضمن القائمة النهائية لجوائز الإنتاج العالمية 2026

يُعدّ مجمّع استوديوهات العلا مركزاً إقليمياً لقطاع الإنتاج السينمائي والتلفزيوني (واس)
يُعدّ مجمّع استوديوهات العلا مركزاً إقليمياً لقطاع الإنتاج السينمائي والتلفزيوني (واس)
TT

العلا ضمن القائمة النهائية لجوائز الإنتاج العالمية 2026

يُعدّ مجمّع استوديوهات العلا مركزاً إقليمياً لقطاع الإنتاج السينمائي والتلفزيوني (واس)
يُعدّ مجمّع استوديوهات العلا مركزاً إقليمياً لقطاع الإنتاج السينمائي والتلفزيوني (واس)

أُدرجت محافظة العلا (شمال غربي السعودية) ضمن القائمة النهائية للمرشحين لجوائز الإنتاج العالمية 2026 في فئة «مدينة الأفلام 2026»، التي تنظمها مجلة «سكرين إنترناشونال» المتخصصة في صناعة السينما، بالتزامن مع مهرجان كان السينمائي، في خطوة تعكس تصاعد حضور العلا على خريطة الإنتاج السينمائي العالمية.

وتُعنى هذه الجوائز المهنية البارزة دولياً بتكريم التميز في مواقع التصوير والبنية التحتية للإنتاج والمدن السينمائية، بمشاركة نخبة من خبراء صناعة الأفلام حول العالم، ما يمنحها مكانة معتبرة داخل القطاع السينمائي عالمياً.

ويُعزِّز وصول العلا إلى القائمة النهائية مكانتها بوصفها وجهةً جاذبةً لصنّاع الأفلام، في ظل ما تمتلكه من مقومات طبيعية فريدة وتنوّع جغرافي، أسهم في تحويلها إلى موقع تصوير مفتوح يستقطب شركات الإنتاج من مختلف أنحاء العالم.

مقومات طبيعية فريدة وتنوّع جغرافي أسهما في تحويل العلا إلى موقع تصوير مفتوح (واس)

وشهدت العلا خلال الأعوام الماضية نشاطاً متصاعداً في قطاع الإنتاج السينمائي، حيث استضافت تصوير عدة أعمال سعودية ودولية في مجالات الأفلام والبرامج والإنتاجات المرئية، مستفيدةً من بيئتها المتنوعة وتضاريسها الاستثنائية.

وتضم مبادرة «فيلم العلا»، التابعة للهيئة الملكية لمحافظة العلا، مجمّع استوديوهات متكامل، يُعد مركزاً إقليمياً لقطاع الإنتاج السينمائي والتلفزيوني، ويقدم خدمات متقدمة تدعم مختلف مراحل الإنتاج.

العلا عزَّزت مكانتها وجهةً جاذبةً لصنّاع الأفلام من مختلف أنحاء العالم (واس)

ويأتي ذلك ضمن استراتيجية الهيئة الهادفة إلى تعزيز حضور العلا على خريطة الإنتاجات العالمية، وإتاحة الفرصة لصُنَّاع الأفلام لاكتشاف مواقع تصوير فريدة تجمع بين الطبيعة الخلابة والإرث التاريخي العريق.


المصريون يترقبون «فسحة الساعتين» في فتح المحال

سيتم تمديد مواعيد عمل المحلات لمدة ساعتين (محافظة القاهرة)
سيتم تمديد مواعيد عمل المحلات لمدة ساعتين (محافظة القاهرة)
TT

المصريون يترقبون «فسحة الساعتين» في فتح المحال

سيتم تمديد مواعيد عمل المحلات لمدة ساعتين (محافظة القاهرة)
سيتم تمديد مواعيد عمل المحلات لمدة ساعتين (محافظة القاهرة)

يبدي مينا فريد (مهندس مصري) سعادته، لأنه سيتمكن من الالتقاء بأصدقائه على المقهى، مساء الأحد المقبل، الذي يصادف عيد القيامة للمسيحيين الشرقيين، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «لقاء الأصدقاء على المقهى عادة يحرص عليها منذ سنوات، لكنه كان يخشى أن يؤدي تبكير مواعيد الإغلاق لحرمانه منها على غرار ما حدث وقت جائحة كورونا».

وقررت الحكومة المصرية تعديل مواعيد غلق المحال التجارية، والمطاعم، ومراكز التسوق، والمولات، وغيرها بتمديد عملها لمدة ساعتين لتغلق عند 11 مساء بدلاً من التاسعة اعتباراً من الجمعة إلى الاثنين بمناسبة أعياد المسيحيين.

وسيكون لدى المواطنين «فسحة ساعتين» خلال هذه الأيام التي يحصل المسيحيون المصريون فيها على إجازات رسمية، بينما يستغلها آخرون للسفر، وتزداد فيها نسبة الإشغالات بالمناطق السياحية.

ويحتفل المصريون بعيد الربيع «شم النسيم» يوم الاثنين الذي سيشهد آخر أيام الاستثناءات، على أن تعاود المحلات الإغلاق في التاسعة مساء اعتباراً من الثلاثاء ضمن خطة ترشيد الطاقة التي تطبقها الحكومة منذ 28 مارس (آذار) الماضي، وتشمل الإغلاق المبكر للمحلات، وترشيد الإضاءات الليلية على خلفية تداعيات الحرب الإيرانية، وهي الإجراءات التي يفترض أن تستمر حتى نهاية الشهر الجاري ما لم يتخذ قرار بتمديدها.

شوارع وسط القاهرة (أ.ف.ب)

موقف مينا لا يختلف كثيراً عن حمادة عبد الحميد الشاب الجامعي الذي اتفق مع أصدقائه على الذهاب للسينما مساء الاثنين المقبل في حفلة التاسعة، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنهم اعتادوا على دخول حفلات منتصف الليل في «شم النسيم»، لكن هذه المرة سيذهبون مبكراً، لعلمهم بعدم وجود حفلات لمنتصف الليل هذا العام.

ورغم ما تبديه عضو مجلس النواب (البرلمان) إيرين سعيد من ارتياح للقرار الحكومي بالاستثناء نظراً لاحتفالات العيد، والتي تشهد كثافة ورواجاً في الشارع المصري، فإنها كانت تأمل تمديد الوقت أكثر من ساعتين لبعض الأنشطة الترفيهية بشكل خاص باعتبار أنها تكون الأكثر إقبالاً.

الإغلاق المبكر أثر على دور العرض (أ.ف.ب)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «القرار الحكومي يعكس تفهماً لطبيعة احتفالات الأعياد، والتي لا تخص المسيحيين فقط، ولكن جميع المواطنين الذين يحتفلون بأعياد الربيع في اليوم التالي لعيد القيامة»، مؤكدة أن «هذه الفترة تشهد رواجاً اقتصادياً بعمليات البيع والشراء، الأمر الذي ربما يعوض جزءاً من الخسائر التي حدثت في الفترة الماضية».

وأكدت أن هذه الاستثناءات جاءت باعتبار أنها إجراء طبيعي يتسق مع مبادئ المواطنة، وتفهم حكومي لأهمية هذا الإجراء، وبتوقيت يأمل فيه المواطنون قضاء أوقات هادئة بلا قرارات جديدة في الزيادات بعد الضغوط التي حدثت في الأسابيع الأخيرة نتيجة تداعيات الحرب.

مظاهر الإغلاق المبكر بادية على بعض الشوارع (أ.ف.ب)

وأقرت الحكومة المصرية الاثنين المقبل إجازة رسمية بمناسبة عيد الربيع للقطاعين العام والخاص، وتعد هذه الإجازة من المناسبات التي استثنتها الحكومة من قرار سابق بترحيل الإجازات الرسمية لتكون يوم الخميس إذا ما صادفت أياً من أيام منتصف الأسبوع.

سائحون في شوارع القاهرة (أ.ف.ب)

ويشير عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريعي، محمد أنيس إلى أن أي تمديد في مواعيد غلق المحلات يؤدي لتحقيق رواج أكبر بحركة البيع والشراء لأسباب عدة في مقدمتها أن الأوقات المسائية تعد الأكثر إقبالاً، لافتاً إلى أن التمديد بالتزامن مع فترة الأعياد والإجازات يدعم هذا التوجه الذي يحمل مردوداً اجتماعياً أكبر بكثير من المردود الاقتصادي.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «وجود عطلات خلال فترة التمديد ستساهم في إحداث رواج بالفعل، لكن تأثيره الإيجابي من المنظور الاقتصادي سيظل محدوداً بشكل كبير، خصوصاً على الأنشطة التي تعتمد على العمل الليلي بشكل رئيس».


«الجينوم المصري» يحدد معدلات الطفرات المسببة لـ13 مرضاً بالبلاد

نتائج الدراسة كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان المنطقة العربية (تصوير: عبد الفتاح فرج)
نتائج الدراسة كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان المنطقة العربية (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

«الجينوم المصري» يحدد معدلات الطفرات المسببة لـ13 مرضاً بالبلاد

نتائج الدراسة كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان المنطقة العربية (تصوير: عبد الفتاح فرج)
نتائج الدراسة كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان المنطقة العربية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

أعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي المصري، الدكتور عبد العزيز قنصوة، عن نتائج أضخم دراسة للتسلسل الجيني الكامل ضمن مشروع «الجينوم المرجعي للمصريين وقدماء المصريين»، تضمنت 1024 مواطناً مصرياً يمثلون 21 محافظة.

وأضاف قنصوة في بيان الثلاثاء أن هذه النتائج نجحت في رصد قرابة 17 مليون تباين جيني فريد لم تكن مسجلة في قواعد البيانات العالمية من قبل، مما يمنح الدولة المصرية لأول مرة «مرجعية جينية وطنية» تنهي عقوداً من غياب التمثيل الجيني المصري في الأبحاث الدولية.

وكشفت الدراسة عن وجود مكون جيني مميز للمصريين بنسبة 18.5 في المائة، وهو ما يساعد المتخصصين على فهم الطبيعة الوراثية للشعب المصري، كما يوضح لغير المتخصصين سبب اختلاف استجابة أجسادنا للأمراض أو الأدوية عن الشعوب الأخرى، مما يمهد الطريق لعصر «الطب الشخصي» الذي يصمم العلاج وفقاً للشفرة الوراثية لكل مواطن.

الطب الشخصي

وفتحت نتائج الثورة العلمية التي حدثت في علوم البيولوجيا منتصف القرن الماضي، الباب واسعاً للولوج إلى عصر آخر جديد يعتمد على تشخيص المرض ووصف العلاج المناسب، وفق التركيب الجيني للإنسان، لتتحول استراتيجيات التشخيص الطبي وإنتاج الدواء في العالم من إنتاج دواء واحد يناسب الجميع، إلى دواء يتناسب مع الظروف الصحية لكل شخص على حدة، وهو ما يعرف علمياً بعصر «الطب الدقيق» أو «الطب الشخصي».

رصدت النتائج قرابة 17 مليون تباين جيني فريد (بكسباي)

وقال الدكتور خالد عامر، الباحث الرئيسي للمشروع، إن هذه الدراسة تمثل نقطة تحول تنهي تهميش البصمة الجينية المصرية عالمياً، وتضع بين أيدينا المرجع الوطني الذي سيعيد رسم خريطة الطب الوقائي في مصر وفق أسس علمية دقيقة تضمن دقة الفحص والتشخيص.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الدراسة حددت معدلات انتشار الطفرات المسببة لـ13 مرضاً وراثياً، وفي مقدمتها «حمى البحر الأبيض المتوسط العائلية»، حيث يحمل طفرة المرض 1 من كل 11 مصرياً.

وأوضح عامر أن الدراسة المنشورة بصفتها نسخة أولية على منصة «بايو أركييف» (bioRxiv)، أكدت على أن الاعتماد الكلي على المقاييس الأوروبية في التنبؤ بالأمراض قد يؤدي إلى نتائج غير دقيقة للمصريين في أمراض، مثل: السكتة الدماغية، والكلى، مشدداً على أهمية «المعايرة الوطنية» لنماذج المخاطر الجينية العالمية.

من جانبه، أكد الدكتور أحمد مصطفى، رئيس قسم المعلوماتية الحيوية بالمركز وأستاذ علوم بيانات الجينوم بالجامعة الأميركية بالقاهرة، أن الفريق البحثي أثبت عملياً أن المعايير العالمية في هذا المجال لا تكفي وحدها لضمان الدقة الطبية، مشدداً على ضرورة وجود البصمة الجينية المصرية داخل قواعد البيانات لضمان دقة الفحوصات وتعزيز الصحة العامة للمصريين.

نتائج واعدة حققها مشروع «الجينوم المصري» (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن النتائج كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان منطقة الشرق الأوسط بنسبة 71.8 في المائة، خصوصاً المجموعات الجينية للبدو واليمنيين والسعوديين، مشدداً على أن هذه النتيجة تعني أن من بين المجموعات السكانية المتاحة في قواعد البيانات الجينية الدولية، يعتبر المصريون أقرب جينياً للبدو (منطقة النقب في فلسطين) واليمنيين والسعوديين.

واستطرد بقوله إنه من الضروري فهم أن قواعد البيانات الحالية فيها تمثيل محدود لشعوب منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعليه فالمقارنة الآن على قدر البيانات المتاحة، وبالتالي فإن هذه النتائج قابلة للتعديل في ضوء نتائج الدراسات المقبلة، موضحاً أن هذا مجرد توصيف علمي مرجعي، ولا يعكس وصفاً لطبيعة حياة أو ثقافة متفردة من أي نوع.

وكانت عمليات التسلسل والتحليلات الجينية قد تمت بإشراف وتنفيذ عقول مصرية من كبار العلماء وشباب الباحثين داخل مركز البحوث والطب التجديدي التابع للقوات المسلحة وهو الجهة المنفذة للمشروع الذي يعد مبادرة رئاسية من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبتمويل كامل من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ممثلة في أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا ويشارك فيها عدد كبير من الجامعات المصرية والمراكز البحثية ومنظمات المجتمع المدني بالإضافة لوزارات الصحة والسكان، والسياحة والآثار والشباب والرياضة.