الصمت النسوي من الأوديسا حتى الثَّقافة الغربية الرَّاهنة

المجتمعات الذكورية قمعت أصوات النساء منذ ثلاثين قرناً من الزمن

ماري بيرد
ماري بيرد
TT

الصمت النسوي من الأوديسا حتى الثَّقافة الغربية الرَّاهنة

ماري بيرد
ماري بيرد

تثير كتب ماري بيرد الناقدة والأستاذة في جامعة كمبردج اهتمام الأوساط الثقافية الغربية، وقد لاقت حضوراً واهتماماً كبيرين، نظراً لما تحتويه كتبها من أطروحات ثقافية تنتقد الذكورية منحازة إلى النسوية بوصفها الجانب المستضعف والمغلوب في التراث الإنساني عبر التاريخ.
وبحكم تخصصها في الأدب الكلاسيكي اليوناني والروماني تغدو كتبها (تاريخ روما القديمة - الضاحك في روما القديمة - انتصار الرومان ومواجهة الكلاسيكية) بمثابة إعادة تشخيص واستكشاف لما في تلك الآثار الأدبية القديمة من صور ذكورية ترسخت وانتقلت مع حضارات العالم وصارت بمثابة عقبة كأداء كبلت النسوية بتراكمات ذلك الرسوخ التاريخي الذي دق إسفينه في جذور صلبة، تتكئ عليها اليوم المنظومة الثقافية العالمية، حتى أنّ أي محاولة لزحزحة بعض ثوابت هذا الإسفين تبدو عديمة الجدوى إن لم تكن مستحيلة.
وكانت بيرد قد أشارت في كتاب اشتركت في تأليفه مع جون غراهام هندرسون عنوانه (التراث الكلاسيكي مقدمة قصيرة جداً) إلى أن التراث الكلاسيكي ظل كما هو في قوته مؤثراً في الثقافة الغربية، ومشكِّلاً المركز في السياسة الثقافية اليوم، وهو ما جعل المرأة في التراث كما هي اليوم في المعاصرة بلا حقوق سياسية. وقد أخذت بيرد على دارسي التراث الكلاسيكي المعاصرين أنهم (لا يعيبون وحسب على الإغريق والرومان كراهيتهم للنساء... وإنما يستكشفون كيف أن الأدب القديم أبقى على كراهية النساء تلك) (الكتاب، ص46)
وفي كتاب ماري بيرد الجديد (النساء والقوة: مانفيستو) بطبعته الأميركية عام 2017 عن دار ليفرايت ثم بطبعة ثانية بالفرنسية عام 2018 ـ والذي نأمل أن يترجم إلى العربية لأهميته ـ تقف بيرد عند واحد من الآثار الأدبية التراثية الشهيرة ألا وهو ملحمة الأوديسا التي كتبها هوميروس، ممحورة أطروحة كتابها حول قمع المجتمعات الذكورية أصوات النساء منذ ثلاثين قرناً من الزمن، بهدف إبقاء القوة بيد الرجال سلطة وتفوقاً. وهو ما نجد بوادره ظاهرة في شخصيتين من شخصيات الأوديسا هما بينيلوبي وتليماك.
وما تؤكده بيرد في تحليلها لهاتين الشخصيتين أنّ النساء لن يصلن إلى المساواة في الحقوق والواجبات ما دامت سلطة الرجال قائمة ومتسيدة، وهو ما يتطلب تغيير جوهر البنية وليس الإطار العام لها، مبيّنة أنَّ التفكير في قوة النساء أمر مهم، ولا مناص فيه من الإفادة من الآداب اليونانية والرومانية القديمة من أجل تغيير مجتمعاتنا الراهنة التي أخذت تسودها مفاهيم الاندماج والانفتاح والمواطنة العالمية والتعددية الثقافية وحرية الرأي وحقوق الإنسان... وغيرها.
ولن تكون النساء قوة إلا إذا تشكل من أصواتهن (مانفيستو) أي بيان نسوي، به يدخلن القرن الحادي والعشرين، يساعدهن في ذلك ما يشهده هذا القرن من شيوع تكنولوجيا الذكاء الصناعي والتقدم السيبراني وما بعد السيبراني، فضلاً عن الوسائط التفاعلية الرقمية في عالم الإنتريت.
وإذا كانت بيرد تبتغي من النساء أن يكنَّ قوة، فليس معنى ذلك أن يمتلكن السلطة ويتفردن بها فذلك ما تنتقده النساء في الذكورية، بل القوة المقصودة هنا قوة معنوية دلالية وليست مادية عيانية بها تخرج النساء من صمتهن ليكون لهن خطابهن الخاص المعبر عن كينونتهن. بمعنى أن القوة التي تقصدها بيرد هي قوة ناعمة أداتها الصوت - القول وليس اليد - الفعل وصوره العنيفة والتعسفية والخشنة والوحشية التي بها تمكنت الذكورية من فرض سيادتها وتوكيد جبروتها.
وافتتحت المؤلفة كتابها بمقدمة حددت فيها مطلبها وهو أنّ قوة الأجيال فتيات وفتياناً تكمن في المرأة. وتضرب على ذلك مثلاً بوالدتها التي كانت سبباً في لفت انتباهها نحو ما تعانيه المرأة من تضييق حتى لا يكاد يُسمع صوتها مهما علا، متذكرة كيف أن والدتها كانت تأسف أنها لم تذهب إلى الجامعة، وهي التي كانت ترجو أن تكون قادرة على فعل ذلك، وهو ما جعلها تشعر بالإحباط كون وجهة نظرها لم تؤخذ بجدية كما أن صوتها لم يصل كما أملت أن يكون.
وأدركت من ثم أن ليس كل ما يُراد يمكن أن يكون يسيراً في التحقق، وأن المساواة الحقيقية بين الرجال والنساء ما زالت شيئاً كامناً في المستقبل. ورغم كل الدعوات والحركات المطالبة بالمساواة، فإن أوان تلك المساواة لم يحن بعد.
وبناءً على هذه التصورات عكفت ماري بيرد على تأليف كتابها بمحاضرات كتبتها من عام 2014 إلى عام 2017. مبتغية أن يكون عملها فيه واقعاً خارج سياقات المنظومة الذكورية، شارحة لنفسها ولملايين النساء في العالم كيف يكون التساوي محبطاً في الثقافة الغربية بميكيانزمية الصمت النسوي، الذي ينبغي أن يواجه الذكورية بجدية مخلخلاً الهدوء الأدبي الذي تريده مراكز القوة.
وذهبت بيرد إلى أبعد مركز في العالم القديم فوجدته عند الإغريق والرومان، قائلة: «أنا أفكر في اللحظة التي بها خلدت أوديسا هوميروس قبل ثلاثة آلاف سنة مضت» ص3. وقصدها من وراء هذا التفكير مساعدتها في إلقاء الضوء على النسوية حينما كان الصمت خصوصيتها التي كان القدر قد كتبه عليها حتى بات تغييرها في الثقافة الغربية يحتاج إلى آلاف السنين من التمرين.
وابتدأت في الفصل الأول الذي عنونته بـ«صوت النساء العام» من ملحمة الأوديسا كأقدم تقليد من تقاليد الأدب الغربي وأول مثال مسجل فيه مطالبة الرجل للنساء أنْ يصمتن(shut up) لأن أصواتهن لن تُسمع بالعموم.
والملحمة التي بطلها أوديسيوس تعد من أدب المغامرات في العودة إلى الوطن وهي التي ألهمت أسخيلوس كتابة مسرحياته التي وصفها بأنها لا تعدو أن تكون فتاتاً من مأدبة هوميروس، لكن المهم بالنسبة لبيرد في الملحمة شخصيتان الأولى بينيلوبي الزوجة التي تنتظر عودة زوجها أوديسيوس التائه في البحر، مواجهة بدهاء محاولات تزويجها وقد تقدم لخطبتها أكثر من مائة رجل عريق النسب ليكون الذي ستتزوجه هو البازيليوس أي الزعيم. والشخصية الثانية تليماك الابن الذي كان يشكو أمه ويدعوها متحجرة القلب، لائماً إياها على ترك مكانها الحقيقي في القصر واتخاذها القبو مكاناً للحياكة التي متى تنتهي منها ستتزوج الرجل صاحب الرقم الأسعد. وبالمقابل كان لدى بينيلوبي شيء ما يمنعها أن تصمت كمثال أو دليل يؤرخ لبدايات تشكل الثقافة الغربية التي فيها أصوات النساء لا تُسمع على الصعيد العام.
وتأخذ بيرد على هوميروس أنه أسكت المرأة بينما جعل الرجل هو المتكلم الذي يمثل الجزء المتكامل للتعبير والكلام. ومن ذلك الكلمات العملية التي استعملها تليماك وكانت ذات أهمية حين قال: «إن الكلام رجل أعمال ككل الرجال» ص6 بالمعنى الميثولوجي للعبارة وليس بالمعنى الذي يهبط إلى الخرافة والأسطورة. وإن الخطاب الشعري والتدريب عليه طور تليماك من صبي إلى رجل له سلطة، وهو ما تضمنه الكتاب الأول من الملحمة الإغريقية، فضلاً عن إشارات أخرى إلى الخطاب الذكوري بوصفه سلطة عامة لا تستعمل القوة بالمعنى الطيب الذي هو معتاد عند النساء.
وما أثار حفيظة ماري بيرد هو هذه العلاقة بين لحظة الصمت النسوية في الملحمة الهومرية وبين الطرق التي بها لا تُسمَع أصوات النساء بالعموم في الثقافة المعاصرة على مختلف الصعد، بدءاً (من مقعد في العموم البريطاني وانتهاء بأرضية أي متجر أو محل بسيط) ص6. ورأت بيرد أن نظرة عن كثب للعلاقة الثقافية غير الملائمة بين أصوات النساء والصعيد العام لصناعة الكلام أو الخطاب الذكوري نقاشاً وتعليقاً سيتبين أن النساء اللائي يتحدثن خارج نطاق ما هو مراد منهن ما زلن يتعرضن للإساءة والسخرية. وأن أي تساؤل أو خطاب يدعم شعار الأنثوية تطرحه النساء بصوت علاني سيواجه بتهديدات شتى، منها الاغتصاب أو قطع الرأس أو الوضع البينيلوبي في أرضية تيلماكية.
ووجدت في مفهوم (كراهية النساء Misogyny) تشخيصاً لظاهرة الصمت النسوي التي كانت الفورة التليماكية هي أول من بدأتها، لتكون أكثر بروزاً في السياسات المعاصرة على نطاق المؤسسات الرسمية، مؤكدة (أن كراهية النساء وحدها هي الطريقة لوصف ما يجري الآن لكي نعرف حقيقة أن النساء حتى عندما لا يكن صامتات، فإنهن ما زلن يدفعن ثمناً غالياً ليظهرن ويتم سماع ما يُردن) ص8
وبسبب هذا الموقف المناهض للذكورية، قاومت ماري بيرد ـ كما تشير في الخاتمة ـ كثيراً من الإغراءات التي أرادت منها إجراء تغييرات جذرية أو تطوير بعض أفكار المانفيستو الذي طرحته في هذا الكتاب. وهو ما جعلها تعتزم مستقبلاً أن يكون تفكيرها متجهاً نحو إعادة تكوين مفاهيم القوة والسلطة، مركزة على فكرة (القيادة) التي هي صفة ذكورية بينما يفترض الأمر أن تكون مفتاحاً لنجاح المؤسسات من المدارس والجامعات إلى الأعمال والحكومات. ولا يحتاج الأمر جهداً كبيراً للتدليل على أن سطوة الذكورية جعلت النسوية تعاني من أنواع من التعسف والإساءات والإيذاء الجسدي والشرور، لأن ذلك متاح معرفته بسهولة عبر الإنترنت.
ومن الأمثلة التي عرضتها بيرد في كتابها موضع الرصد، مقابلة إذاعية جرت في أثناء الانتخابات البريطانية العامة في صيف 2017 بين رجل وامرأة يمثلان حزبين مختلفين وكيف أن الرجل لم تكن لديه أدنى فكرة عن التمييز العنصري أو تطوير التعليم العالي بينما كانت المرأة عارفة سياسة حزبها لكنها مع ذلك صارت موضع تندر وسخرية، ولم تخل المسألة من بعض العنصرية، مشيرة إلى أنه إذا كان لهذا الرجل فرصة أن يكون أفضل في المرة القادمة، فإن ما هو مؤكد أنه لن تكون لهذه المرأة مرة قادمة أصلاً. وهذا المثال يقودها إلى تأكيد أن لنا في تاريخ العالم القديم دروساً بسيطة عن قيام الجغرافيات السياسية وكيف أن السلطة لا تدوم. وما كان حصل سابقاً عند انهيار الإمبراطورية الرومانية يجعلنا نعرف أن التدخل العسكري الغربي الحديث في أفغانستان والعراق هو فكرة سيئة، وأن النظر بعمق إلى اليونان والرومان سيساعدنا في أن نرى أنفسنا بعمق ونفهم بشكل أفضل كي نفكر كيف نعمل (ص94ـ97) ومن ذلك التفكير باهتمام أكبر بأوديسا هوميروس التي يمكن أن تكون بحسب بيرد جريمة ثقافية إذا نحن قرأناها كقصيدة تستكشف طبيعة الفرق بين الحضارة والبربرية في العودة للوطن والولاء والانتماء لكي نتحقق بشكل فاعل من مسألة كراهية النساء في الغرب.
ومن أجل ذلك وضعت ماري بيرد كتابها (النساء والقوة) مؤكدة أنّ صورة توبيخ تليماك لأمه بنيلوبي حين تجرأت وفتحت فمها علناً ما زالت تتكرر مسرحتها في القرن الحادي والعشرين أيضاً.



«روائع الأوركسترا السعودية» تصدح في روما

قدم 55 مؤدياً لوحات فنية استعرضت ثراء الفلكلور السعودي (هيئة الموسيقى)
قدم 55 مؤدياً لوحات فنية استعرضت ثراء الفلكلور السعودي (هيئة الموسيقى)
TT

«روائع الأوركسترا السعودية» تصدح في روما

قدم 55 مؤدياً لوحات فنية استعرضت ثراء الفلكلور السعودي (هيئة الموسيقى)
قدم 55 مؤدياً لوحات فنية استعرضت ثراء الفلكلور السعودي (هيئة الموسيقى)

شهدت ساحة «فينوس» الأثرية في «الكولوسيوم» بروما، فصلاً جديداً من فصول التبادل الثقافي بين السعودية وإيطاليا، بإقامة حفل «روائع الأوركسترا السعودية»، وسط حضور لافت ومشاركة فنية عالمية تقدمها الفنان الشهير آندريا بوتشيلي.

في الحفل، تعانق الإبداع السعودي والخبرة الإيطالية، في عرض موسيقي مشترك بقيادة المايسترو العالمي مارشيلو روتا. وجمع المسرح 32 موسيقياً من «الأوركسترا والكورال الوطني السعودي»، إلى جانب 30 عازفاً من «أوركسترا فونتان دي روما»، لتقديم مزيج من الألحان الوطنية والتوزيعات الأوركسترالية العالمية.

وقدم 55 مؤدياً لوحات فنية استعرضت ثراء الفولكلور السعودي، شملت «عرضة وادي الدواسر» بجمالياتها الحركية وتفاصيلها التاريخية.

وعدّ باول باسيفيكو، الرئيس التنفيذي لـ«هيئة الموسيقى»، حفل روما، «محطة استثنائية» في مسيرة الموسيقى السعودية.


«علكة ممضوغة» تساعد في إدانة مغتصب متسلسل ارتكب جرائمه منذ 40 عاماً

سوزان فيسي (قسم شرطة إيفريت)
سوزان فيسي (قسم شرطة إيفريت)
TT

«علكة ممضوغة» تساعد في إدانة مغتصب متسلسل ارتكب جرائمه منذ 40 عاماً

سوزان فيسي (قسم شرطة إيفريت)
سوزان فيسي (قسم شرطة إيفريت)

وقفت سوزان لوغوثيتي وزميلتان لها أمام منزل أصفر في مدينة إيفريت بولاية واشنطن الأميركية، يرتدين قمصاناً ويحملن منشورات ترويجية لشركة علكة.

تذكرت لوغوثيتي هذا الموقف الذي حدث في يناير (كانون الثاني) 2024، حين فتح ميتشيل غاف الباب، ورحب بالثلاثة في منزله، ووافق على تجربة أنواع مختلفة من العلكة، متذوقاً إياها بحماس.

وأضافت لوغوثيتي أنه عندما حان دور تجربة نكهة جديدة، قدّمت زميلة لغاف طبقاً صغيراً.

وقالت لشبكة «سي إن إن» الأميركية: «أتذكر أنني رأيته يبصق أول قطعة علكة في الطبق، ورأيت لعابه، وكدتُ أن أفقد صوابي من فرط الحماس».

وحسب إفادة خطية قُدّمت في مارس (آذار) الماضي، قدّم غاف، دون علمه، الحمض النووي لثلاثة محققين متخفين، وهو الحمض النووي الذي احتاجوه لتأكيد صلته بجريمة اغتصاب وقتل وقعت عام 1984. وقد ذُكرت «حيلة العلكة» في الإفادة.

وأقرّ غاف، البالغ من العمر 68 عاماً، والمدان بالاغتصاب، في 16 أبريل (نيسان)، بقتل جودي ويفر، وكذلك سوزان فيسي قبلها بأربع سنوات، وفقاً لوثائق المحكمة. ويواجه عقوبة السجن المؤبد في جلسة النطق بالحكم المقررة يوم الأربعاء.

أبواب عشوائية

وأسفرت التحقيقات في جريمتي قتل المرأتين في ولاية واشنطن عامي 1980 و1984 - واللتين كانتا تُعتبران آنذاك غير مرتبطتين - عن تحديد مشتبه بهم في كلتا القضيتين، لكن لم تُرفع أي دعاوى قضائية.

وبعد أربعة عقود من مقتل ويفر، وجد علماء الطب الشرعي أن الحمض النووي المستخرج من العلكة يتطابق مع الأدلة التي عُثر عليها على جثتها، بحسب وثائق المحكمة. وشكّل هذا الاكتشاف، والصلة النهائية بين جريمتي القتل، اختراقاً في التحقيقات وأظهر مدى أهمية تقنية الحمض النووي الحديثة في حل القضايا القديمة.

إضافةً إلى ذلك، ساهم تحديد هوية القاتل في تخفيف معاناة العائلات التي عاشت طويلاً تحت وطأة الشكوك، وخفف من معاناة امرأة هاجمها غاف قبل وقوع جرائم القتل.

ولكي يُطوى ملف قضيتي ويفر وفيسي نهائياً، «كان لا بدّ من أن يواكب العلم هذه التطورات»، كما قالت لوغوثيتي.

وكانت فيسي تبلغ من العمر 21 عاماً، متزوجة وأم لطفلين، كلاهما دون السنتين، عندما قُتلت في يوليو (تموز) 1980. واعترف غاف بأنه كان «يجرب أبواباً عشوائية، فوجد باب شقة الضحية مفتوحاً»، فقام بتقييدها وضربها واغتصابها وخنقها. وبعد أربع سنوات، هاجم غاف ويفر، وهي أم تبلغ من العمر 42 عاماً، في غرفة نومها، ثم أشعل فيها النار في محاولة واضحة لإخفاء الأدلة.

وأوضح غاف في إفادته أنه لم يكن يعرف أياً من المرأتين قبل الهجومين. وامتنع محامي الدفاع عنه عن التعليق.

الشخص الثالث المجهول

وأفادت وثائق المحكمة بأن ظهور تقنية تحليل الحمض النووي دفع جهات إنفاذ القانون في نهاية المطاف إلى إعادة فتح قضية مقتل ويفر عام 2020.

وفي قضية ويفر، احتوى أحد الأربطة التي عُثر عليها حول جسدها على كمية كبيرة من الحمض النووي الخاص بها، وبعض الحمض النووي من صديق لها، وكمية أقل بكثير من شخص ثالث مجهول.

وبإدخال بصمة الحمض النووي للشخص المجهول في نظام فهرسة الحمض النووي الموحد، وهو قاعدة بيانات وطنية لملفات المجرمين المدانين في جميع أنحاء البلاد، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، وُجد تطابق مع حمض غاف النووي.

وكان غاف مُسجلاً في قاعدة البيانات لارتكابه جرائم اغتصاب عنيفة لشقيقتين مراهقتين في منزلهما في إيفريت، بعد أقل من ثلاثة أشهر من مقتل ويفر.

وبمجرد التوصل إلى التطابق، احتاج المحققون إلى عينة حمض نووي أخرى لتأكيده. حينها، ابتكر أحد الضباط حيلة العلكة، «التي بدت لي غريبة بعض الشيء حينها»، كما اعترفت لوغوثيتي.

وذكرت وثائق المحكمة أن الحمض النووي المستخلص من علكة غاف كان مطابقاً للحمض النووي في قضية ويفر.

وربطت لوغوثيتي بين قضيتي ويفر وفيسي بسبب «تشابهات مذهلة» بين كيفية تنفيذ القضيتين. وبمراجعة أدلة من مسرح جريمة قتل فيسي، أكدت قطعة من حبل أبيض وُجد حول جثتها وجود الحمض النووي لغاف.


«فتنة غذائية» في مصر تخلخل «ثوابت»

«فتنة طبية وغذائية» بعد انتشار «نظام الطيبات» بمصر (وزارة الصحة)
«فتنة طبية وغذائية» بعد انتشار «نظام الطيبات» بمصر (وزارة الصحة)
TT

«فتنة غذائية» في مصر تخلخل «ثوابت»

«فتنة طبية وغذائية» بعد انتشار «نظام الطيبات» بمصر (وزارة الصحة)
«فتنة طبية وغذائية» بعد انتشار «نظام الطيبات» بمصر (وزارة الصحة)

كل يوم، أثناء إعدادها لوجبة الإفطار لابنتها ذات الثلاثة أعوام، تتوقف سارة سمير (34 عاماً) لتسأل نفسها: هل من المفيد أن تقدم لصغيرتها البيض والحليب مثل المعتاد باعتبارهما مصدرَيْن للكالسيوم والبروتين اللازمين لبناء الجسم، أم أنها تضر بابنتها وتسبب لها الانتفاخات ووجع المعدة وهي لا تدري.

قبل بضعة أسابيع لم تكن الأم الثلاثينية تقع في هذه الحيرة، حتى تصاعد الجدل حول «نظام الطيبات» الغذائي المثير للجدل عقب وفاة الطبيب المصري الممنوع من مزاولة المهنة من قِبَل نقابة الأطباء، ضياء العوضي.

وتقول سارة التي تسكن في منطقة شبرا الخيمة (شمال القاهرة) لـ«الشرق الأوسط» إنها لم تقتنع بهذا النظام أو تتبعه بشكل كامل، لكنها أصبحت أخيراً تنفر من الدجاج والبيض، وكلما شربت الحليب أو أي مشروب مصنوع منه شعرت بألم في المعدة، ما يجعلها تتساءل عما إذا كان ما زعمه العوضي فيه شيء من الصحة.

عكسها، تؤمن هاجر محمد (30 عاماً)، أم لطفلين تسكن في مدينة طنطا بدلتا النيل، بصحة نصائح العوضي، فلم تكتفِ باتباعه منذ أسبوعين، بل بدأت في التوقف عن تقديم البيض والحليب لطفليها، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «شعرت بتحسن كبير من انتفاخات القولون بعد أيام فقط من اتباع (نظام الطيبات)، وترددت في تطبيقه على أطفالي؛ لكن حسمت أمري، لأن الكالسيوم يمكن الحصول عليه من مصادر أخرى مثل السمسم، بدلاً من تعريضهم للهرمونات من البيض والألبان».

مصريون يهجرون الدواء لصالح «نظام الطيبات» رغم التحذيرات (وزارة الصحة المصرية)

ويقوم النظام المثير للجدل الذي روجّه العوضي قبل وفاته على منع قائمة طويلة من الأطعمة، مثل البيض والألبان ومشتقاتها والدواجن والأسماك (عدا أنواع معينة)، والخبز أو أي مخبوزات بالدقيق الأبيض. وفي المقابل يسمح بالسكريات واللحوم الحمراء والبطاطس. ويزعم العوضي أن نظامه «قادر على شفاء جميع الأمراض»، وكان يحثّ المرضى على «التوقف عن تناول الأدوية والسماح للجسم بمعالجة نفسه ذاتياً».

وكانت نقابة الأطباء المصرية شطبت العوضي من جداولها في فبراير (شباط) الماضي، بعد إحالته للجنة تأديبية على خلفية ما ذكرته بـ«قيامه بنشر معلومات علاجية مضللة قد تعرّض المرضى لمخاطر صحية جسيمة، من بينها دعوة مرضى السكري إلى التوقف عن استخدام الأنسولين، بالمخالفة للأسس العلمية المعتمدة».

وقبل 3 سنوات، فصلت جامعة عين شمس العوضي، بسبب «ترويجه لأفكاره الداعية لوقف الأدوية وتشكيكه في البروتوكولات العلاجية، والاستعاضة عن ذلك بنظامه»، الذي لم يلتفت إليه كثيرون إلا عقب رحيله، مما تسبب فيما أسماه نقيب الأطباء في مصر، الدكتور أسامة عبد الحي، بـ«فتنة الطب والدواء»، التي يشعر بالأسف لها، متوقعاً أن تحصي «ضحايا لحين إدراك متبعيها زيفها»، مؤكداً أن «الأنظمة الغذائية مكملة للمنظومة الطبية والدوائية وليست بديلاً عنها».

سوق شعبية في منطقة العمرانية بالجيزة (الشرق الأوسط)

وأضاف عبد الحي لـ«الشرق الأوسط» أن «ظهور دعوات للامتناع عن الأدوية كارثة، والنظام الغذائي يساعد، لا يُعالج»، موضحاً أنه «لا يوجد نظام غذائي واحد يُتبع مع جميع المرضى، فما يتبعه مرضى القلب من نظام يختلف عمّا يتبعه مرضى السكري»، لافتاً إلى أن «النقابة ستحاسب كل من يتبنى هذه الأفكار، وستبدأ حملة توعوية عبر منصات التواصل الاجتماعي لشرح كيف تعمل المنظومة الطبية وتفاعل جسم الإنسان معها».

طبيب التغذية الدكتور أشرف المصري عبَّر عن صدمته من «اتباع متعلمين وأشخاص في مراكز مجتمعية وثقافية كبيرة لـ(نظام الطيبات)»، ويقول إنه «أصبح يكتسب مُريدين وليس مجرد أتباع نظام غذائي»، مشيراً إلى أن «أحد الأشخاص كان يتابع معه في عيادته مشكلته من السمنة، ورغم تحقيقه نتائج إيجابية عبر نظام علاجي وضعته له؛ فإنه اتبع مؤخراً (نظام الطيبات)».

حملة توعوية لوزارة الصحة المصرية بالمنظومة الغذائية المناسبة بعد انتشار «نظام الطيبات» (وزارة الصحة)

ويوضح المصري لـ«الشرق الأوسط» أنه «ليس كل ما في (الطيبات) خطأ، بل اعتمد على تجزئة المعلومات، واتباع المنع بوصفه أسلوباً معمماً، فمثلاً الألبان من الجاموس والأبقار لا ننصح بها، بصفتنا أطباء تغذية، لما قد يسببه اللاكتوز من مشاكل في المعدة، لكن في المقابل يُسمح بالزبادي الذي يريح المعدة لتخميره، والبيض قد يكون مضراً لو لم يكن مطهياً جيداً»، متعجباً من تصديق البعض أن السكريات مفيدة.

وتبنت وزارة الصحة مؤخراً حملة عبر منصات التواصل الاجتماعي للتوعية بأهمية تناول البيض واللحوم البيضاء والخضراوات والألبان. وعكست هذه الحملة اتساع «فتنة الطعام» في مصر، إذ تحظى بآلاف التعليقات الرافضة لما تقدمه الوزارة والممجدة لـ«الطيبات».

من داخل أحد المستشفيات المصرية في مارس الماضي (وزارة الصحة المصرية)

وفسر أستاذ الباطنة وأمراض الكلى في بريطانيا، محمد منصور، انتشار «الطيبات» بـ«تخوف البعض من الأطباء والحديث عن صلة بعضهم بشركات الأدوية».

كما حذر طبيب القلب هاني مهنى من أن «مريض القلب لو أوقف دواء السيولة فسيتعرض لانسداد في الدعامة ثم جلطة في القلب ووفاة».

وتوفيت صيدلانية من مرضى «الذئبة الحمراء» بعد توقفها عن تناول الأدوية واتباعها «نظام الطيبات»، وفق زوجها الطبيب محمود البريدي، الذي حذر منه عبر منصات التواصل.

وضربت «فتنة الغذاء» الثوابت بما في ذلك حاجة الجسم إلى شرب من 2 إلى 3 لترات مياه يومياً، إذ دعا العوضي إلى «عدم شرب المياه إلا عند العطش وبكميات قليلة». وحذر أشرف المصري من أن «ذلك يؤدي إلى مشكلات في الكلى على المدى البعيد وضعف في التركيز وجفاف على المدى القصير».

وتعجبت إيمان حافظ (53 عاماً)، التي تسكن في منطقة دار السلام بالقاهرة، من تصديق ابنتها الوسطى لـ«نظام الطيبات» والتوقف عن تناول معظم الأطعمة والاكتفاء بالبطاطس، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «حاولت أن أعيدها إلى رشدها؛ لكنها تمسكت به أكثر مثل عادتها في اتباع التقاليع الجديدة وغير المألوفة».