غواية الفن في مواجهة السلطة

خرافة الصورة التي رسمها الغرب المستعمر للشرق واتخذها قناعاً لاحتلاله

غواية الفن في مواجهة السلطة
TT

غواية الفن في مواجهة السلطة

غواية الفن في مواجهة السلطة

تضع الباحثة شذى يحيى الرقص الشرقي بين مطرقة الإمبريالية وسندان الفن في كتابها المهم «الإمبريالية والهِشك بِشك... تاريخ الرقص الشرقي»، الصادر حديثاً عن دار «ابن رشد» بالقاهرة. وما بين المطرقة والسندان تنداح غواية الصورة التي رسمها الغرب المستعمر للشرق، واتخذها قناعاً لاحتلاله لسنوات وعقود طويلة، وهي الصورة نفسها التي انطبعت في دراسات وأدبيات المستشرقين، وروج لها الرحالة الغربيون في كتاباتهم ومذكراتهم، والتي لم تبرح النظرة الاستعمارية.
لكن هل يصلح الرقص إطاراً معرفياً لفهم العلاقة الملتبسة بين الشرق والغرب؟ وهل يشكل مدخلاً للنكش في المهمش والمسكوت عنه في تاريخ هذه الصورة التي طغى عليها السياسي، بصراعاته وتشابكاته المعقدة تاريخياً وجغرافياً، في تلك الحقب الماضية، حتى توارت في الخلفية كمفردة عادية من مفردات التراث الشعبي، وطقوس وأعراف البيئة والحياة الاجتماعية في مجتمعات تهيمن فيها الذكورة على مقدرات الحياة، في مقابل تهميش صورة المرأة، ناهيك من صورة المرأة الراقصة المضطربة المشوشة في الذاكرة والوجدان العام، التي يتهافت عليها الجمهور، لكن حين ينفض المسرح يصفها بأنها مخلوق دوني؟
هذه الصورة والأسئلة الملتبسة في ظلالها تثبتها الكاتبة في مقدمتها للكتاب، ثم تقلب أوجهها على مدار 250 صفحة، وعبر ثمانية فصول، في محاول لاستجلاء وكسر نمطيتها التي ساهمت نظرة الغرب في بلورتها، ووضعها داخل إطار محدد، كعنوان على تناقض وجمود العقلية التي تحكم الشرق: «لم يفكر أحد يوماً أن هذه المهنة كانت -ولفترة طويلة- بمثابة الجسر الثقافي للتبادل المعرفي بين الشرق والغرب، وأن الراقصات كنّ -يوماً ما- هن التمثيل الوحيد للمرأة الشرقية في الذهن الغربي، لأنهن النساء الوحيدات اللائي كان مسموحاً للغربي برؤيتهن في بدايات القرن التاسع عشر، وأن الأثر الذي أحدثه هذا التمثيل ما زال مؤثراً باقياً في الثقافة والوجدان الشعبي حتى يومنا هذا».
والرقص أحد الطقوس الأساسية التي رافقت الإنسان منذ مولده، وجسدته معظم الحضارات الإنسانية على نقوش المعابد، بل ارتبطت رمزيته في الحضارة المصرية القديمة بالخصوبة. كما كان الرقص -ولا يزال- أحد عناصر الفرح والبهجة، خاصة في المناسبات والأعياد الدينية والاجتماعية. ويعد في نظر كثير من الباحثين معجزة الجسد البشري. توضح الباحثة ذلك وترصده، لكنها تذهب أيضاً إلى ما هو أبعد وراء هذه الصورة، فتتناثر على سطح الكتاب شذرات من كتابات لباحثين أجانب وعرب وأدباء وعلماء فلكلور وأنثروبولوجيا ونفس وآثار تناولت الموضوع نفسه، حول طبيعة الرقص الشرقي وبدايته ونشأته.
ترى الباحثة أن التعريف الأشمل من بين هذه الشذرات صكّه الباحثان الأميركيان أنتوني شاي وباربرا سيلر يونج، وهو أن الرقص الشرقي «عبارة عن منظومة من الرقصات يعود منشأها في الأساس لشمال أفريقيا والشرق الأوسط، ولها جذور وأصول في وسط آسيا، وتم تهجينها وتطويرها في الولايات المتحدة وأماكن أخرى من العالم، وأصبحت جزءاً من الأداءات الراقصة الخاصة والعامة في القرى والمدن، والحواضر والمجتمعات المدنية، والملاهي والمسارح، والإنترنت على مستوى العالم».
ورغم ذلك لم يسلم تاريخ الرقص الشرقي من النفاق والسياسي، وهو إحدى العقد والفواصل التي صنعتها السياسات الاستعمارية والتحولات المجتمعية الهجين المضطربة التي فرضت هذه النمط كحل للتعايش والتكيف مع سلطات جائرة قمعية. وهو ما توضحه الباحثة في الفصل الثاني من الكتاب «من الغوازي والعوالم إلى الرقص الشرقي»، مشيرة إلى أنه في خضم الحرب العالمية الثانية عام 1941، أطلقت الراقصة المصرية شوشو البارودي على الرقص التي تؤديه «الرقص من أجل الحلفاء ونجاح الديمقراطية»، وهو شعار سياسي اتخذته قناعاً ترضي من خلاله عساكر الجيش البريطاني في أثناء إجازاتهم للترفيه، بعيداً عن جبهات القتال. والمعروف أن مصر الخاضعة للاحتلال البريطاني آنذاك قد انضمت إلى الحلفاء في تلك الحرب.
ويطفو على السطح مصطلح «ما بعد الكولونيالية»، مشكلاً بتعريفاته الملتبسة في الثقافة العربية وفي حقول المعرفة نقطة وصل محورية في القطيعة المعرفية لما قبل الاستعمار وما بعده، يوازيها معرفياً الانتقال من طور الحداثة إلى ما بعدها، ومن ثم انتقال الرقص كأداة للهو والترفيه من فضاء الشوارع والحارات والحيز الضيق، حيث عالم الغوازي والعوالم، إلى فضاء المسرح والفن، ليتحول الجسد إلى سلطة ومركز ثقل وتوازن بين الواقع والخيال، بين الحرية وطرائق تشكلها، ولو بدبيب الأقدام والأذرع، ومعانقة الفراغ.
ترصد شذى يحيى ملامح وأبعاد هذا الانتقال، بكل تداعياته ومحمولاته السياسية والفكرية والثقافية، ومدى انعكاسه على ذاكرة الغرب، وحزمة الصور الاستشراقية النمطية المعتادة، ومساراتها التي تنوعت أيضاً بتنوع الأقنعة ومسارات الأمكنة والأزمنة، بحثاً عن أسلس الطرق لجلب المصالح والمنافع للغرب، خاصة في الدول التي غادرها بصفته مستعمراً، لكنها لم تنفك عن الدوران في فلكه.
ويحضر إدوارد سعيد، وكتابه المؤسس «الاستشراق»، وأيضاً تحضر ظلال لكتابه «الثقافة والإمبريالية»، لفهم العلاقة بين الغرب والشرق، في إطار جدل المعرفة والسلطة، وكيف تحول الاستشراق إلى دوائر نفوذ لخدمة السياسات الاستعمارية، وتصوير الدول الخاضعة لسطوتها على أنها مجرد كائنات كاريكاتورية متخلفة همجية مثيرة للرعب والعنف.
كما ترصد ما كتبه إدوارد سعيد نفسه عن الراقصة تحية كاريوكا، حيث عدها أيقونة ثقافية ورمزاً من رموز اليسار المصري، وهي كتابات التي لا تخلو من المبالغة، بينما يبرز الرقص كساحة متعة مراوغة لفهم الفجوة بين الغرب والشرق... «الرقص الشرقي هو الحالة التي ربما تكون الوحيدة التي حاكي فيها الشرق الرؤية التي اخترعها المستشرق. فالرقص الشرقي هو واحد من أهم نجاحات الاستشراق التي يسميها إدوارد سعيد إنقاذ حادثة من النسيان، وهو ما يعادل في ذهن المستشرق تحول الشرق إلى مسرح للصور التي يرى الغرب أنها تمثيل حقيقي للشرق». وهي الحالة نفسها -بحسب الكتاب- التي كتبها جيفروا سانت هيلير في كتاب «وصف مصر»، لافتاً إلى التناقض الصارخ مع عادات الأمم الأوروبية «حيث تؤكد المتع والملذات الغربية للشرقيين مدى اتزان وعقلانية العادات الغربية».
وكما حصرت شذى يحيى جذور هذه النظرة في عنصرين تراثيين محددين، هما: كتاب الليالي (ألف ليلة وليلة) الذي تمت ترجمته إلى أوروبا في فترة مبكرة، و«الكتاب المقدس» الذي استقى منه الكاتب الفرنسي أوسكار وايلد رائعته المسرحية الأشهر «سالومي»، فإنها أيضاً تحدد أربعة عناصر ترى أنها ساهمت في تسويق صورة الرقص الشرقي في المعارض الغربية على أنه شيء غامض غريب ساحر غير معروف لأوروبا، ومن بين هذه العناصر «أن جسد المرأة الشرقية القادمة من المستعمرات يحمل إشارات أكثر إيروتيكية وجنسية للمشاهد الأوروبي والأميركي، فجسدها هو الأصلح للتعري، بل هو الأحق بأن يُعرى، كونها تنتمي لنساء الشرق الشهوانيات الفاسقات اللائي يُحجبن بالملابس والأسوار لضمان السيطرة على شهواتهن، وأنه طبقاً لموازين القوة، يحق للرجل الأبيض استثارة خياله، وجعل جسد المستعمر المقهور (على الأخص المرأة) محطاً لتصوراته الإباحية، كشكل من أشكال هيمنته».
ومن هنا، حولت هذه النظرة جسد الراقصة الشرقية إلى ما يشبه المستعمرة، وإلى أرض مستباحة لا يحق لأحد أن ينازع الرجل الأبيض المستعمر في الاستيلاء عليها، بل تحويلها إلى ملكية خاصة.
ولم يسلم عدد من الراقصات الشرقيات -كما يوضح الكتاب- من هذه النظرة، حتى بعد أن غادرن بلادهن، واستوطن مدناً أوروبية وأميركية، حيث ظلت هذه النظرة الدونية المتغطرسة تحاصرهن، وتطفئ ما حققنه من توهج وشهرة، مثل الراقصة المصرية فريدة مظهر التي هاجرت إلى أميركا، وعاشت في مدينة شيكاغو، وتزوجت من يوناني صاحب مطعم، حيث استغلتها شركة للدعاية ضمن أخريات للترويج الرخيص تحت اسم «مصر الصغيرة».
ويحمل الكتاب مخزوناً ثقافياً ومعرفياً خصباً لافتاً، توسعه الباحثة بشكل حيوي من فصل إلى آخر، لنرى صورة الراقصة الشرقية من الداخل والخارج معاً، تارة بعيون السينما والفن التشكيلي الاستشراقي، الذي بلغ أوجه في الرسومات المصاحبة لكتاب «وصف مصر» الذي أعده العلماء الفرنسيون المصاحبون لحملة نابليون بونابرت، ولاحقاً في الصور الفوتوغرافية، وفي علاقة الرقص بالمسرح، وتطور زي الراقصة الشرقية من نسج اليد حتى وصل إلى عصر «الآرت نوفو»، وكيف حافظت على مظهرها في الإغراء وإثارة الشهوة، وأيضاً علاقة الرقص بالأدب، عبر نموذجه الأشهر متمثلاً في مسرحية «سالومي» لأوسكار وايلد، التي استمدها من عدة أسطر في إنجيل القديس بطرس، وصارت علامة على الراقصة الشرقية النزقة، والهوس بسحر الشرق وغرائبيته.



«التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل

لطفية الدليمي
لطفية الدليمي
TT

«التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل

لطفية الدليمي
لطفية الدليمي

يصدر كتاب «التحوّل الكبير: أفكار لعالم آتٍ» بعد رحيل مترجمته ومقدمته الروائية والكاتبة والمترجمة العراقية الكبيرة لطفية الدليمي، فكأنه كتابها الأخير ورسالتها التي تركتها مفتوحةً على المستقبل. لقد أنجزته وهي تدرك، على الأرجح، أن المعرفة لا تتوقف عند حدود العمر، وأن الكتاب يستطيع أن يصل إلى قارئه حتى بعد غياب صاحبه؛ ولذلك فإن نشره اليوم لا يمثّل إضافة جديدة إلى رصيدها الغني فحسب إنما يحمل أيضاً معنى الوفاء لكاتبة اقترن اسمها طوال أكثر من نصف قرن بالكتابة والحرية والفضول المعرفي والدفاع عن حق الإنسان في التفكير.

رحلت لطفية الدليمي في عمّان في الثامن من مارس (آذار) عام 2026، بعد يوم واحد من بلوغها السابعة والثمانين، تاركةً وراءها منجزاً واسعاً توزّع بين الرواية والقصة والمسرح والدراسة والمقالة والترجمة. ولم تكن وفاتها غياباً لروائية عراقية بارزة فحسب إنما لشخصية ثقافية نادرة استطاعت أن تجمع بين حساسية المبدعة، ودقة المترجمة، وشغف الباحثة، وصلابة المثقفة المدافعة عن المرأة والحرية المدنية.

منذ مجموعتها القصصية الأولى «ممرّ إلى أحزان الرجال» عام 1970، شقّت لطفية الدليمي لنفسها طريقاً متفرّداً في السرد العراقي. لم تتعامل مع المرأة بوصفها موضوعاً اجتماعياً جاهزاً، ولا بوصفها ضحيةً صامتة، بل جعلتها ذاتاً تفكر وترغب وتقاوم وتعيد بناء عالمها الخاص وسط عالم مضطرب. وفي أعمال مثل «عالم النساء الوحيدات» و«من يرث الفردوس» و«بذور النار» و«حديقة حياة» و«سيدات زحل» و«عشّاق وفونوغراف وأزمنة» و«مشروع أومّا»، تتداخل الذاكرة الفردية بالتاريخ العراقي، ويصبح مصير المرأة مدخلاً إلى مساءلة الحرب والمنفى والعنف والمدينة والسلطة والخراب.

غلاف الكتاب

لم تكن رواياتها منفصلة عن أسئلتها الفكرية؛ فقد ظلّت لطفية الدليمي تكتب كما لو أن الرواية مختبرٌ للمعرفة، وأن الخيال ليس نقيضاً للفكر إنما أحد أكثر أشكاله عمقاً؛ ولهذا انتقلت بحُرية بين السرد والفلسفة والعلوم وتاريخ الحضارات وقضايا المرأة، من غير أن ترى بين هذه الحقول حدوداً مغلقة. كانت تؤمن بأن الثقافة الحقيقية تنشأ عند تقاطع المعارف، وأن الكاتب لا يستطيع فهم الإنسان إذا عزل الأدب عن تحولات العلم والتقنية والمجتمع.

وتكشف ترجمتها الأخيرة «التحوّل الكبير» عن هذه الروح بأوضح صورها. فهو يضم مجموعة منتقاة من المقالات والدراسات المترجمة عن الإنجليزية، كتبها علماء وفلاسفة وروائيون ومفكرون معاصرون، وتدور حول أسئلة الذكاء السردي، والثورة الصناعية الخامسة، والذكاء الاصطناعي، والوعي، والفيزياء، والاقتصاد، ومستقبل الجامعات، والحرية، والحظ، والكتابة، ومعنى الحياة الجيدة. لا تجمع هذه النصوص أطروحة مغلقة، بل يجمعها القلق المعرفي والرغبة في إعادة النظر في المسلّمات.

لقد كتبت لطفية الدليمي في تقديمها لهذا الكتاب أن القراءة نوعان: قراءة تلبي حاجة وظيفية عابرة، وقراءة تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وكانت ترى أن كتابها ينتمي إلى النوع الثاني، فهو لا يعد القارئ بحلول نهائية، وإنما يدعوه إلى مرافقة الأسئلة. وربما كانت هذه العبارة خير تلخيص لمشروعها كله: الكتابة في نظرها ليست وسيلة لتوزيع الأجوبة إنما طريقة لتوسيع السؤال وزعزعة اليقين وتدريب العقل على الشك الخلّاق.

أما الترجمة، فلم تكن عند لطفية الدليمي عملاً موازياً للكتابة أو نشاطاً ثانوياً في مسيرتها. كانت جزءاً جوهرياً من رؤيتها الثقافية. لقد نظرت إليها بوصفها فعلاً لاستضافة الأفكار داخل العربية، وتوسيعاً لحدود المكتبة والقارئ معاً. ومن خلال ترجماتها نقلت أعمالاً في الرواية والفلسفة والعلوم والنقد والدراسات المستقبلية، من «بلاد الثلوج» لياسوناري كاواباتا و«ضوء نهار مشرق» لأنيتا ديساي و«من يوميات أناييس نن»، إلى كتب كولن ولسون وتيري إيغلتون وستيفن هوكينغ ونك بوستروم وبول ديفيز ومارتن ريس، فضلاً عن مختاراتها من حوارات كبار الروائيين والعلماء والفلاسفة.

كانت تختار ما تترجمه وفق حاجة ثقافية واضحة، لا وفق شهرة الاسم وحدها؛ فقد انشغلت بأسئلة الرواية الحديثة، والعلاقة بين الأدب والفلسفة، والثقافتين العلمية والأدبية، ومستقبل الإنسانية، والذكاء الاصطناعي، والتحولات المعرفية الكبرى؛ ولهذا تبدو ترجماتها، عند قراءتها اليوم، أجزاءً من مشروع واحد متكامل: إدخال القارئ العربي إلى النقاش العالمي المعاصر، مع الحفاظ على وضوح اللغة وكرامة الفكرة.

ارتبطت لطفية الدليمي بدار المدى بعلاقة ثقافية وإنسانية طويلة، ولم تكن بالنسبة إليها مجرد مؤلفة أو مترجمة تتعاقد الدار على نشر كتاب لها. كانت واحدة من الكتّاب الذين أسهموا في تكوين هوية المدى ومشروعها الثقافي. وقد احتفت بها الدار ككاتبة ومترجمة ومثقفة عراقية كبيرة، وحرصت على نشر كتبها وإعادة طباعة أعمالها السابقة، لتبقى متاحة للأجيال الجديدة من القرّاء.

أعادت المدى تقديم أعمالها السردية والفكرية والترجمية، من «عالم النساء الوحيدات» و«من يرث الفردوس» و«موسيقى صوفية» و«شريكات المصير الأبدي»، إلى «مسرّات النساء» و«إذا كنت تحب» و«عشّاق وفونوغراف وأزمنة» و«مملكة الروائيين العظام» و«عصيان الوصايا» و«إضاءة العتمة» و«كاليدوسكوب» و«مشروع أومّا» و«آفاق لا نهائية» و«كراساتي الباريسية» و«بعيداً عن ضوضاء العالم»، إلى جانب عدد كبير من ترجماتها. وهكذا لم تحتفِ المدى باسمها في مناسبة عابرة، بل عملت على حفظ مشروعها الأدبي والمعرفي كاملاً، ونشره وإعادة طباعته وإيصاله إلى القارئ العربي.

الكتاب لا يعد القارئ بحلول نهائية، وإنما يدعوه إلى مرافقة الأسئلة. وربما كانت هذه العبارة خير تلخيص لمشروعها كله

يأتي كتاب «التحوّل الكبير» اليوم ليواصل هذه العلاقة حتى بعد رحيلها؛ ففي هذا الكتاب نسمع صوتها في الاختيار، وفي ترتيب الموضوعات، وفي ملاحظاتها التي تسبق النصوص، وفي اللغة التي تمنح الأفكار المعقّدة وضوحاً من دون أن تسلبها عمقها. إنها حاضرة فيه بوصفها مترجمة، ولكنها حاضرة أيضاً بوصفها قارئةً كبيرة تقود قارئها إلى الكتب والأسئلة التي رأت أنها جديرة بالبقاء.

لم تتمكن لطفية الدليمي من رؤية هذا الكتاب مطبوعاً، لكن الكتاب يحمل أثرها كاملاً. وربما كان من العزاء أن يكون آخر ما يصل منها إلى القراء كتاباً عن العالم الآتي فهي التي أمضت حياتها تنظر إلى ما وراء اللحظة، وتبحث عن المعرفة القادرة على مقاومة العزلة والخوف واليقين. لقد رحلت الكاتبة، لكن الأسئلة التي اختارتها ما زالت حية، والكتب التي كتبتها وترجمتها ما زالت تفتح نوافذها على العالم.

وبنشر هذا الكتاب، تودع دار المدى واحدةً من أبرز كاتباتها ومترجماتها، لا بكلمات الرثاء وحدها، بل بالطريقة التي تليق بها أكثر هو أن تضع كتابها بين أيدي القرّاء، وأن تترك صوتها يواصل الحديث إليهم. إنه كتابها الأخير، لكنه هديتها الأثيرة لي شخصياً؛ فقد وجدتها خير من يضعني في قلب الحاضر واستشراف المستقبل من خلال ترجمة كتاب يجعلني أقرب إلى ما يرتقي بي معرفياً إلى مستوى فهم القفزات العلمية والإبداعية في كل الميادين التي جعلت عالمنا مفتوحاً على تحقيق أكبر قفزة في تاريخ العلم والتكنولوجيا والمعرفة الإنسانية، مواجهة تحدي عقل الإنسان ومخلوقاته المثيرة والمريبة... ثورة الذكاء الاصطناعي ومآلاته...!

كأنّها أدركت أن لقاءنا الأخير إنما هو وداعٌ أبدي، وهي تُقبِل بشغفٍ على إعداد وترجمة التحول الكبير!


إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم
TT

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

يُعدّ كتاب توفيق الغصين «إدارة فلسطين: مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم»، الصادر عن «مشروع بريطانيا وفلسطين» (Britain Palestine Project)، مهماً في البحث التاريخي الرصين والتحليل السياسي. ويكمن إنجازه المحوري في استعادة سؤالٍ طالما أزاحته لغاتُ الدبلوماسية والأمن والتنمية والضرورة الإنسانية: مَن يمتلك السلطة الشرعية لتقرير مستقبل فلسطين السياسي؟

ينطلق الغصين من مفارقةٍ حاسمة: فلسطين لم تفتقر يوماً إلى الإدارة. فقد جرى إحصاء الفلسطينيين وتصنيفهم وتسجيلهم ومسحهم وتمثيلهم وتهجيرهم وإغاثتهم والتفاوض بشأنهم بكثافةٍ استثنائية. أمّا ما حُجِب عنهم فهو الاعتراف بهم مصدراً للسلطة التي تُمارَس على أرضهم وحياتهم. إنهم حاضرون في كل موضعٍ من السجلّ الإداري، لكنهم قلّما يظهرون بوصفهم الذات السياسية صاحبة الحق في القرار. لقد جُعِلوا مرئيين بوصفهم «سكّاناً»، وظلّوا في الوقت نفسه غيرَ مرئيين سياسياً بوصفهم شعباً صاحب سيادة.

هذا التمييز بين الإدارة والسلطة هو ما يمنح الكتاب تماسكه اللافت. ينتقل الغصين من مذكّرة هربرت صمويل عام 1915 ووعد بلفور، مروراً بانتداب عصبة الأمم، وتحطيم المؤسسات الفلسطينية التمثيلية، ونشوء «منظمة التحرير الفلسطينية»، ومسار أوسلو، وحوكمة المانحين، والإدارة الإنسانية، وصولاً إلى تدمير غزة في زمننا الراهن. ويكشف كيف أنّ أحداثاً يفصل بينها عادةً التسلسلُ الزمني والاختصاصُ المعرفي والمفردات إنما تنتمي إلى بنيةٍ واحدة متصلة: سلطةٌ تُمارَس على الفلسطينيين في حين يظلّ مصدرها خارجاً عنهم.

ويبلغ الكتاب ذروة أهميته حين يقرأ المؤلف الوثائق الرسمية على نحوٍ يناقض ادّعاءاتها الحياد. فالمذكّرات والتصريحات والإحصاءات وتقارير اللجان والقرارات القانونية والخرائط وبطاقات التموين وأنظمة التصاريح... لا يعاملها الغصين بوصفها سجلّاتٍ محايدة ساكنة، بل أدواتٍ يُنظَّم بها الواقع السياسي. يسأل: مَن يُسمَّى، ومَن يُعترَف به، ومَن يُمثَّل، ومَن يُختزَل إلى مجرّد فئة؟ وتأتي مناقشته للانتداب نافذةً حادّة؛ إذ تُشكَّل جماعةٌ واحدة بوصفها ذاتاً سياسية ذات مؤسسات معترَف بها وغايةٍ قومية، في حين تُصاغ الأغلبية العربية عبر التجريد، بوصفها «سكّاناً» أو «طوائف» أو «شرائح من السكّان». وليس هذا الإغفال عرضياً، بل هو ما يؤسّس التمييزَ الذي يقوم عليه النظام الأوسع.

وتكمن قوّة الحجّة في بيان كيف تصمد هذه البنية أمام كل تبدّلٍ في المفردات. فالمذكّرة تصبح إعلاناً، والإعلان يصبح انتداباً، والانتداب يصبح أمراً عسكرياً، والأمر العسكري يصبح تصريحَ مرور، ثم يفسح تصريحُ المرور المجال، لاحقاً، لمعايير المانحين، وأُطر إعادة الإعمار، وعتبات المجاعة، وقواعد البيانات، وسياسات ضبط المحتوى. تغدو المصطلحات أكثر تقنيةً وأكثر إنسانيةً في الظاهر، في حين تبقى العلاقة الكامنة على حالها دون تغيير.

وتُعدّ معالجة الغصين للعمل الإنساني من أهمّ إسهامات الكتاب. فهو لا يشكّك في ضرورة الإغاثة، وإنما يبيّن كيف تُترجَم الحقوق إلى احتياجات. فشعبٌ يطالب بالحرية السياسية يصير «سكّاناً» بحاجة إلى المساعدة، ويصير سلبُ الأرض والملكية «حالة طوارئ» تُدار. وتبرز غزة بوصفها فضاءً مُداراً يُحسَب فيه البقاءُ على قيد الحياة ذاته بالسعرات الحرارية وحمولات الشاحنات والسجلّات والعتبات المؤسسية. وتزداد الآلةُ دقّةً كلما تراجع الاعتراف السياسي.

وتمتدّ الحجّة بالقوّة ذاتها إلى المجال الرقمي. فالشهادة الفلسطينية تحكمها منصّاتٌ تقرّر ما يجوز أن يُرى أو يُتداوَل أو يُبحَث عنه أو يُحذَف. وتغدو الرؤية ذاتها مسألةً إدارية. فأنظمةٌ خاصة بالترتيب الخوارزمي وضبط المحتوى والتصنيف، تكتسب القدرةَ على تحديد ما إذا كانت التجربة الفلسطينية ستظلّ متاحةً للذاكرة العامة.

وتتّسم لغة الكتاب بالوضوح والانضباط والدقّة الأخلاقية. يكتب الغصين بتحفّظٍ متعمَّد، تاركاً للسجلّ الوثائقي أن يفضح العنف المتواري خلف مصطلحاتٍ مثل «التنسيق» و«الحوكمة» و«إعادة الإعمار» و«الأمن» و«الوصول الإنساني». والحصيلة ليست مجرّد تاريخٍ لفلسطين، بل تشريحٌ للمؤسسات واللغات التي تُظهر القوّةُ الخارجيةُ من خلالها نفسَها بوصفها ضروريةً ومحايدة.

يقدم كتاب توفيق جويد الغصين «إدارة فلسطين: مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم» مساهمة مهمة في حقل الدراسات الفلسطينية والقانون الدولي ودراسة الإمبراطورية. فهو يبرهن أنّ المشكلة الجوهرية ليست مجرّد الاحتلال، أو سلب الأرض، أو انعدام الدولة، وإن كانت تشمل هذه الثلاثة جميعاً، بل هي السؤال غير المحسوم: مَن يملك الحقّ المعترَف به في اتخاذ القرار؟

* أكاديمية فلسطينية


باحث سعودي يتتبع تاريخ أقدم الأسر في الرياض

باحث سعودي يتتبع تاريخ أقدم الأسر في الرياض
TT

باحث سعودي يتتبع تاريخ أقدم الأسر في الرياض

باحث سعودي يتتبع تاريخ أقدم الأسر في الرياض

تعد قبيلة وائل من بني حنيفة أول من سكن مدينة الرياض التي كانت تعرف بـ«حجر اليمامة»، وأصبح لها كيان معتبر واستقرار دائم، وكان منهم الملوك والأمراء الذين حكموا وسط الجزيرة العربية بشعار الأرستقراطية القبلية.

جاء اسم آل عساكر كإحدى الأسر العريقة التي سكنت الرياض من عشرات القرون، وتولوا إماراتها في فترات من تاريخها، وسجل أفراد الأسرة حضورهم في المجتمع على مختلف الأصعدة.

الباحث الدكتور راشد العساكر أنجز كتاباً عن الأسرة سماه: «الرياض الزاهر في تاريخ آل عساكر»، رصد فيه تاريخ الأسرة خلال القرون التي مضت مفيداً أن الأسرة تنتسب إلى قبيلة بني حنيفة من وائل ومسكنهم في الرياض - حجر اليمامة - منذ ما يقرب الألفي سنة، وكان أغلب سكان مدينة حجر اليمامة التي عرفت فيما بعد ببلد مقرن (الرياض اليوم) هم من آل يزيد من بني حنيفة ومنهم الدروع، ويظهر أنهم أحد فروع آل يزيد.

سكنت الأسرة في محلة «مقرن» التي تشكل مع محلة «معكال» أكبر محلتين في بلد الرياض مع بعض الأماكن الأخرى التي أطلق عليها في القرن الثاني عشر الهجري اسم الرياض، والمقصود أن هذه الأسرة عاشت في بلد الرياض، ولا نعرف أن أحداً عاش في غيرها، وقد تملكت أسرة آل عساكر أشهر حديقة عرفت في مقرن عند القرن العاشر الهجري، وهي تسمى «الكبيشية»، وتقع اليوم شمال مسجد جامع مقرن - جامع الرياض، كما تملكوا محلة تعرف بـ«فرحة آل عساكر» قبل منتصف القرن الثالث عشر الهجري، وتملكوا محلة بقرب مسجد الباهلية، وكذلك في محلة الشرقية وغيرهما من الأماكن.

وأما جد الأسرة من الأم فهو عبد المحسن بن سعيد الدرعي الحنفي، أمير بلد مقرن، تولى الإمارة بعد منتصف القرن التاسع وأوائل القرن العاشر الهجري.

وهو من قبيلة الدروع المنتسبة إلى بني حنيفة الذين حكموا هذه المنطقة، ويبدو أن عبد المحسن بن سعيد أو أباه هو الذي راسله جد آل سعود مانع بن ربيعة المريدي من الدروع عندما كان في القطيف، وقدم عليه، وأقطعه المليبد وغصيبة المعروفة في الدرعية، وليكون مانعاً له من نفوذ آل يزيد الحنفيين أبناء عمه وبصفة عبد المحسن بن سعيد أمير حجر اليمامة واستقر آل سعود في الدرعية سنة 850هـ.

وقد مدح شاعر - حجر اليمامة - جعيثن اليزيدي الحنفي آل عساكر وعمتهم جليلة، وهجا بها شخصاً يقال له ابن حراش، ويمكن من خلال هذه القصائد التعرف على بعض ملامح تلك الفترة.

وجعيثن عاش في محلة الجزعة جنوب منفوحة، وقيل إنه أميرها من قبل عبد المحسن بن سعيد الدرعي الحنفي. وتعد هذه القصائد أقدم ما عثر عليه من الشعر العامي لدى شعراء الرياض، خصوصاً ومن أوائل القصائد النجدية المدونة.

وقد كانت جليلة معروفة بأفعال الخير والإحسان ومساعدة المحتاجين في الرياض، حتى أن محلة خان شليلة، المعروفة شرق منفوحة، اليوم، تنسب إليها، حيث إن اسمها خان جليلة، ولكن العامة تسهل نطق الاسم فعرفت بذلك، حيث قامت جليلة بعمل استراحات وخانات فيها.

والخان من معانيه في اللغة العربية السوق، حيث عندما يأتي الحجاج وغيرهم من جهة الأحساء وشرق الجزيرة في طريقهم إلى مكة والمدينة يمكثون في الرياض، فيبيتون بها ويتناولون الطعام ويتزودون بالمؤن في هذه المحلة، فعرفت واشتهرت بذلك، واسم خان جليلة قد تغير إلى خان شليلة، وذلك في القرن الثالث عشر الهجري تقريباً.

وقد برزت شهرة حديقة الكبيشية عندما تملكها أمير بلد مقرن بعد منتصف القرن التاسع الهجري عبد المحسن بن سعيد ثم آلت إلى ابنتيه جليلة ومريم.