حروب اليمين واليسار ومعركة الرئاسة المقبلة تتصدر الصحافة الفرنسية

الهجوم المسلح في كندا يفرض نفسه بقوة * الاقتصاد والقضايا الأمنية ما زالت المسائل المحببة لدى الصحف البريطانية

حروب اليمين واليسار ومعركة الرئاسة المقبلة تتصدر الصحافة الفرنسية
TT

حروب اليمين واليسار ومعركة الرئاسة المقبلة تتصدر الصحافة الفرنسية

حروب اليمين واليسار ومعركة الرئاسة المقبلة تتصدر الصحافة الفرنسية

توزعت اهتمامات الصحافة الفرنسية هذا الأسبوع على 3 محاور أساسية: الاهتمامات الداخلية بشقيها السياسي والاقتصادي والمحاور الساخنة في العالم وعلى رأسها مواجهة الإرهاب وتمدده من الشرق الأوسط وامتداداته إلى بلدان الساحل وصولا إلى أوروبا وأميركا الشمالية وتشعبات الحرب في سوريا والعراق وأخيرا وباء الإيبولا ومخاطره والوسائل والأدوات المسخرة لمواجهته ومنع انتشاره.
بيد أن الاهتمامات الداخلية كان لها قصب السبق. ففي الشق السياسي، المرجل يغلي في صفوف الحزب الاشتراكي (الحاكم) بسبب الانقسامات الآيديولوجية بين جناح إصلاحي يمثله رئيس الحكومة مانويل فالس ووزير الاقتصاد ماكرون ويحظى بغطاء من الرئيس فرنسوا هولاند وبين جناح تقليدي متمسك بيساريته ناقم على هولاند لأنه تخلى عن وعوده وها هو يتبع سياسة «يمينية». وذهب فالس إلى حد اقتراح تغيير اسم الحزب الاشتراكي لأن التسمية «عفا عنها الزمن». وفي الأيام الماضية انضمت الوزيرة السابقة والأمين العام السابق للحزب مارتين أوبري إلى حلقة «الناقمين» وبينهم نواب كانوا إلى أيام خلت وزراء في حكومة فالس الأولى للتنديد بالسياسة «اليبرالية» للحكومة التي يصفونها بـ«الفاشلة» والبعيدة عن تحقيق النتائج المتوخاة منها. ويدعو معسكر «الناقمين» إلى اتباع سياسة يسارية حقيقية تتجاوب مع الفئات التي تشكل القاعدة الانتخابية للاشتراكيين. وما يفاقم الأزمة غياب النمو الاقتصادي واستمرار أرقام البطالة بالقفز إلى فوق «3.5 مليون عاطل عن العمل» واتباع الحكومة لسياسة تقشفية وارتفاع الضرائب...
وصدرت صحيفة «لوموند» المستقلة يوم الخميس بعنوان رئيس على صفحتها الأولى يقول: «معركة ما بعد هولاند بدأت داخل الحزب الاشتراكي» فيما وضعت مجلة «لو بوان» على غلافها صورة هولاند مع العنوان التالي: «فرصته الأخيرة قبل الصدمة» مصحوبة بـ3 عناوين فرعية: الأزمة الاقتصادية المنذرة بالمخاطر، آخر أوراق هولاند ولعنة الإليزيه». والمفارقة أن هولاند ما زال في منتصف ولايته التي تنتهي بعد عامين ونصف. والحال أن معركة انطلقت بسبب ضعفه الشعبي كما تعكسه استطلاعات الرأي وغياب نتائج الإصلاحات التي أقرها منذ وصوله إلى الرئاسة وتدهور صورة الحكم والحكومة في الداخل والخارج. ولعل أبرز دليل على ذلك أن كافة الصحف الفرنسية رصدت مكانا بارزا لنبأ توجيه المفوضية الأوروبية كتابا للحكومة الفرنسية تطلب فيه توضيحات عن طبيعة الميزانية الجديدة التي ترى أنها لا تحترم المعايير الأوروبية لجهة العجوزات.
لكن إذا كان اليسار يتمزق، فإن اليمين ليس أفضل حالا. فالرئيس السابق نيكولا ساركوزي يتأهب للعودة رئيسا لحزب الاتحاد من أجل حركة شعبية. ومشكلته أنه يجر وراءه سيلا من الفضائح منها 5 رئيسة وأن له منافسين على رئاسة الحزب من جهة وخصوصا على المقعد الرئاسي الذي لن يشغر إلا في عام 2017. ومن بين منافسيه على التأهل للمنافسة الرئاسية رئيسا حكومة سابقان هما آلان جوبيه وفرنسوا فيون. بيد أن الأخطر بينهما هو جوبيه لأنه يحظى باحترام كبير في صفوف اليمين ويتبع نهجا معتدلا بينما أخذ ساركوزي يذهب في خطابه السياسي نحو التشدد لسحب البساط من تحت أرجل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن. وصدرت مجلة الإكسبرس هذا الأسبوع وعلى غلافها صورة مركبة تجمع ساركوزي وجوبيه ومع عنوان: «من سيجهز على الآخر؟».
و استمرت الصحف البريطانية بتغطيتها للقضايا الاقتصادية والأمنية والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي، ونشرت تحقيقات صحافية حول قضايا التنصت الأمني واختراق الأجهزة الأمنية للمنظمات اليسارية. وجاءت التغطية متنوعة ومختلفة بين صحيفة وأخرى لتعكس ميولها السياسية والآيديولوجية. كما تضمنت التغطية المسائل الترفيهية الخفيفة والتي جاءت من خلال نشر صور الممثلين وأفلامهم. لكن أحداثا أخرى جديدة فرضت نفسها على التغطية مثل الهجوم المسلح في كندا وسط الأسبوع.
إذ تصدر الهجوم على مبنى البرلمان الاتحادي الكندي في أوتاوا التغطية في الصحف البريطانية بعد ثاني يوم من وقوع الحادث، بعدما أطلق مسلح النار على جندي عند نصب الحزب الوطني الكندي الواقع في الجهة المقابلة للبرلمان. وتمكن المسلح من الفرار وجرى البحث عنه بين المباني الحكومية الكندية. وتناولت الصحف الدعم الذي عبر عنه العديد من قادة العالم تجاه ما تمر به كندا. وفي الصفحات الداخلية أفردت الصحف بإسهاب تحقيقات وتغطية كاملة حول العملية والشخص الذي قام بها. كما دقت ناقوس الخطر بخصوص أعمال إرهابية مشابهة من قبل عناصر متطرفة قد تقوم بأعمال في مناطق أخرى من العالم.
ونالت المسائل الاقتصادية نصيبها من التغطية، خصوصا إعلان بنك إنجلترا بأنه قد لا يزيد من رفع محتمل لمعدلات الفائدة والتي وصلت إلى أدنى معدل لها منذ 5 أعوام.
واعتبر الركود في أوروبا يعيق الانتعاش الاقتصادي في بريطانيا، وكذلك توقعات البنك المركزي بتراجع نسبة نمو الاقتصاد خلال الثلاثة شهور الأخيرة من العام، ويرجع ذلك جزئيا لانخفاض الصادرات. وبينت الصحف أن تراجع الصادرات يبرز الخطورة المتمثلة في أنه سوف يكون من الصعب على اقتصاد المملكة المتحدة أن ينمو بوتيرة أسرع من بقية الشركاء التجاريين خلال فترة طويلة دون زيادة نسبة عجز الموازنة.
وفي بداية الأسبوع تناولت صحيفة «التايمز» قضايا التنصت، التي قد تلجأ إليها الأجهزة الأمنية والشرطة من خلال استخدام بعض الثقوب في القانون يعطيها الحق في التنصت على التليفونات الجوالة لبعض الأشخاص دون الرجوع إلى وزير الداخلية من أجل الحصول على تخويل يسمح لهم بذلك.
وفي نفس عدد الاثنين تناولت الصحيفة تصريحات المفوض الأوروبي منويل باروسو حول الجوانب السلبية التي تتبعها الحكومة البريطانية والتي قد تؤدي إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتداعيات ذلك على مشروع الاتحاد الأوروبي وعلى الاقتصاد البريطاني.
وتناولت كذلك صحيفة «الديلي تلغراف» المحافظة في عدد الجمعة الماضية العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وكيف أن الاقتصاد الأوروبي يؤثر بذلك على النمو المتسارع للاقتصاد الأوروبي. الصحيفة عكست توجه التيار المحافظ الذي يرغب في خروج بريطانيا من الاتحاد. كما قامت الصحيفة بتغطية موسعة للحفل الثالث لزواج الممثل كلوني من المحامية اللبنانية أمل علم الدين. وعلى صفحتها في عدد السبت الماضي نشرت الصحيفة صورة على صفحتها الأولى لبارعة علم الدين، والدة أمل حماة جورج كلوني.
صحيفة «الغارديان» ركزت في تغطيتها على التعويضات التي ستدفعها الشرطة لضحايا نشاطات عملائها في أوساط المنظمات اليسارية والبيئية، والتي جاءت على خلفية فضح هوية أحد هؤلاء، والذي أقام علاقة مع إحدى الفتيات وكانت النتيجة أنها حملت منه وأنجبت طفلا، على الرغم من أنها لم تكن على علم بارتباطات العميل مع الأجهزة الأمنية. كما تناولت الصحيفة بتغطية موسعة ما يحصل عليه أعضاء البرلمان من أموال نتيجة نشاطاتهم الأخرى إضافة إلى عملهم كأعضاء في مجلس العموم ورواتبهم من هذا العمل.
ومع بداية الأسبوع الماضي، اهتم الإعلام الأميركي، كما ظل بالحرب ضد «داعش»، بصورة خاصة وبنشاطات الإسلاميين، بصورة عامة. وبعد إهمال فترة طويلة صار هناك اهتمام بالحرب الأهلية في ليبيا، بين «الحكومة الجديدة المعتدلة»، وأنصار «الحكومة القديمة الإسلامية» وصف صحيفة «نيويورك تايمز». والتي أشارت إلى أن «القوات الموالية للحكومة الجديدة شنت هجوما على متشددين إسلاميين، مما أسفر عن قتل 75 خلال 5 أيام».
وعن «داعش»، قالت صحيفة «واشنطن بوست» التي تنشر متوسط 3 أخبار كبيرة أو متوسطة الحجم، كل يوم عن المسلمين والإسلاميين، إن «تركيا سوف تسمح للأكراد الأتراك بعبور الحدود والانضمام إلى إخوانهم في مدينة كوباني السورية (الكردية)»
ومع بداية الأسبوع اهتمت القنوات التلفزيونية، مع صور الملابس البراقة للبابا والقساوسة، ومع صور الأماكن الدينية في الفاتيكان بمؤتمر الكاردينالات، الذي كان موضوعه التحديات التي تواجه العائلة المسيحية. وأيضا مناظر براقة لقداس لإعلاء مكانة البابا قبل السابق بول السادس. حضر الاحتفال الباب السابق بنديكتوس السادس عشر، وقرابة 100 ألف شخص. وكان هناك اهتمام خاص بوثيقة مثيرة للنقاش عن السلوك الجنسي للكاثوليك.
وفي منتصف الأسبوع مع أخبار مرض إيبولا، وأخبار الاستعدادات لانتخابات الكونغرس، عادت إيران إلى تلفزيون «فوكس» اليميني، أكثر القنوات اهتماما بإيران. ونشرت صور متظاهرين ضد إصابة نساء بجروح في هجمات بأحماض قاتلة ومشوهة بتهمة عدم ارتداء الحجاب.
واهتم تلفزيون «فوكس»، أيضا بالعدو الأول: روسيا. وأكثر من تغطية.
خبر غواصات سويدية اعترضت طائرات روسية فوق بحر البلطيق، بينما يستمر البحث عن غواصة روسية في بحر البلطيق، أيضا، يعتقد أنها كانت تتجسس على سفن حلف الناتو.
ومع نهاية الأسبوع، صارت الهجمات الإرهابية قريبة من الأميركيين. وذلك عندما أطلق شخص النار داخل مبنى البرلمان الكندي في العاصمة أوتاوا. بعد أن أطلق النار، وقتل جنديا كان يحرس النصب التذكاري، بالقرب من مبنى البرلمان، وكان الهجوم وقع في واشنطن. صارت قناة «سي إن إن»، وقنوات أخرى، تنقل مناظر مباشرة من أوتاوا، وخصوصا صور من داخل مبنى البرلمان لنواب ونائبات تجمعوا داخل قاعة اجتماعات، ووضعوا كراسيهم خلف الباب لمنع دخول الإرهابي (قتل داخل البرلمان).
ومع نهاية الأسبوع، أيضا، نشرت صحيفة «واشنطن بوست» خبرا في أعلى الصفحة الأولى، وأعادت إلى الأذهان موضوعا كاد كثير من الناس ينسوه، أو نسوه فعلا: إدانة 4 موظفين سابقين في شركة «بلاك ووتر» في قضية تتعلق بقتل 14 مدنيا عراقيا عام 2007، اعتقادا بأنهم كانوا يريدون مهاجمة فريق من جنود وحرس «بلاك ووتر». وتعددت التعليقات بين غاضب «لأننا نريد نسيان حرب العراق»، وبين مؤيد «للذراع الطولى للعدالة الأميركية».
ومع نهاية الأسبوع أيضا عادت أخبار العنف الأميركي داخل أميركا:
في بيلشوك (ولاية واشنطن)، أطلق طالب مسلح النار على زملائه، وقتل واحدا، وجرح آخرين، ثم قتل نفسه. ومرة أخرى، كان الحادث مثيرا، ولاحقته كاميرات القنوات التلفزيونية الرئيسية، ونقلت صورا مباشرة له.
ومع نهاية الأسبوع بالإضافة إلى هلع العنف في الداخل والخارج عاد هلع إيبولا: ثبتت إصابة طبيب في مدينة نيويورك بفيروس إيبولا وكان عاد من غينيا، حيث اشترك في حملة «أطباء بلا حدود» وكأن نيويورك تحتاج إلى هلع جديد: تابعت كاميرات التلفزيونات الحدث دقيقة بدقيقة: شقة الرجل المطاعم التي أكل فيها قاعة الرياضة التي تدرب فيها، سيارات التاكسي التي استقلها (اتصل سائقون قلقون، ووصفوا شخصا، أو أشخاصا).
وبسبب الهلع، سارع العمدة وعقد مؤتمرا صحافيا، وطمأن، أو حاول أن يطمئن الناس.



«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
TT

«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)

تعكف آسيا اليوم، على إعادة كتابة قواعد التلفزيون بهدوء. وفي خضم هذا التغيير، يتلاشى تدريجياً النمط القديم المتمثل في «تشغيل جهاز التلفزيون في تمام التاسعة مساءً لمتابعة الأخبار»، ليحل محله نبض رقمي، حيث يحدد الهاتف الذكي - وليس القناة - موعد وصول الأخبار. وبدلاً عن ضبط التلفزيون في وقت محدد، أصبح المشاهدون يتصفّحون وينقرون ويمررون الشاشة بأي وقت.

ومع انطلاقنا عبر عام 2026، باتت آسيا الساحة الرئيسة لعالم «ما بعد التلفزيون». وبفضل التحوّل المتواصل إلى منصات البث عبر الإنترنت (OTT) والطلب المتزايد على المعلومات «في أي وقت»، لم تعد آسيا مجرد مشارِكة في التحول العالمي نحو الاستهلاك عبر الهاتف المحمول، بل أصبحت تقوده.

إعادة هيكلة جذرية

في الواقع، إننا نعاين اليوم تحولاً هائلاً، وتشير التوقعات الصناعية الحديثة إلى أن انتشار منصات البث عبر الإنترنت في آسيا، سيصل إلى 62.5 في المائة بحلول عام 2029. في الوقت ذاته، نشهد في الوقت الراهن انتقال مئات الملايين من المشاهدين من أنظمة «الكايبل» والأقمار الاصطناعية التقليدية إلى البث عبر الإنترنت.

وكذلك، لا تقل التداعيات الاقتصادية المترتبة على هذا التحول ضخامة؛ ففي الوقت الذي تشير تقديرات إلى تراجع عائدات قنوات التلفزيون التقليدي في المنطقة بنحو 8 مليارات دولار خلال السنوات القليلة المقبلة، تشهد عائدات الفيديو عبر الإنترنت ارتفاعاً صاروخياً؛ إذ من المتوقع أن ترتفع من 70 مليار دولار عام 2025 إلى 89 مليار دولار بحلول نهاية العقد. ويكشف ذلك عن أن هذا ليس مجرد تغيير في الميول والتفضيلات، وإنما إعادة هيكلة شاملة لاقتصاد الإعلام. وحقاً، أصبح من النادر اليوم، أن تكون الشاشة التي يتابعها المشاهدون التلفزيون الكبير، بل أصبحت الجهاز الصغير الذي يحمله المرء باستمرار بيده. ومع أن محطات البث لا تزال حريصة على عرض نشرة الساعة التاسعة مساءً، فإنها تبدو بشكل متزايد وكأنها «ملف مصدر»، يجري تقسيمه إلى أجزاء صغيرة لتوزيعها عبر التطبيقات والموجزات ومنصات التواصل الاجتماعي.

البث عبر الإنترنت ونهاية الجداول الثابتة

من جهة ثانية، ما عادت منصات البث عبر الإنترنت مجرّد مستودعات للترفيه؛ بل تحوّلت هذه التطبيقات ساحات الأخبار الجديدة. ومع انحسار اعتماد المشاهدين على «الكايبل» التقليدي، استعاض المشاهدون عن التنقل بين القنوات، بالتصفح بين التطبيقات.

داخل الأسواق الناضجة مثل اليابان وكوريا الجنوبية، تُضاف خدمات البث عبر الإنترنت إلى أنظمة التلفزيون التقليدية. أما في الهند وإندونيسيا وفيتنام، فيُمثل البث المباشر تجربة الفيديو المنظمة الأولى لملايين المشاهدين. ومن جانبها، تستجيب شركات الاتصالات وشركات تشغيل القنوات التلفزيونية، من خلال إعادة تسمية تطبيقاتهم لتصبح «مجمّعات OTT فائقة»، مع تجميع البث التلفزيوني المباشر والرياضة والأخبار في تطبيقات واحدة. ومع انتقال جميع قنوات المحتوى إلى تطبيقات الهواتف المحمولة، يبدأ مفهوم «وقت الذروة» في التلاشي.

التوجّه الرقمي أولاً

قادة قطاع الإعلام في جميع أنحاء القارة، يدركون اليوم أن المؤسسات التقليدية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التكيف أو الزوال. في هذا الإطار، قال مانوج دوبال، الرئيس التنفيذي لشركة «ديش تي في الهند»، إن التلفزيون لن يبقى محورياً، إلا إذا اندمج تماماً مع منصات البث عبر الإنترنت والتطبيقات. وبالمثل، أعرب راسموس كليس نيلسن، مدير «معهد رويترز» والباحث الخبير، عن اعتقاده بأن الاعتماد على المنصات للاطلاع على الأخبار، يُقوّض بشكل جذري النماذج التقليدية المتمركزة حول التلفزيون.

وفي الوقت نفسه، تتردد أصداء هذا الرأي داخل الصين. وكمثال، ذكرت «جمعية الصحافيين لعموم الصين»، في تقريرها السنوي، أن قطاع الإعلام في طور التحول من نموذج البث التقليدي، إلى نموذج المنّصات، وأن تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات تتولى صياغة عملية التوزيع.

وهكذا، أصبح لدى شركات عملاقة في مجال الإعلام، مثل «تنسنت فيديو» و«يوكو»، دور محوري في كيفية استهلاك الأجيال الشابة للأفلام الوثائقية والأخبار. وبات المشاهدون الصينيون يعتمدون على البث المباشر حسب الطلب، باعتباره شاشتهم الرئيسة، متجاهلين برامج التلفزيون الحكومية.

بل، واللافت أنه حتى في اليابان، حيث لطالما كانت ظلت سوقها الإعلامية محافظة، أفاد «معهد أبحاث الصحافة الياباني» بأن عدد الذين يطلعون على الأخبار عبر الإنترنت يومياً، بات يفوق عدد من يتابعونها عبر التلفزيون أو الصحف المطبوعة. مثلاً، في صحيفة «أساهي شيمبون الرقمية»، يصل أكثر من 70 في المائة من القراء إلى المحتوى عبر الهواتف الذكية؛ ما يُشير إلى نقطة تحول حاسمة في اعتماد استهلاك المحتوى عبر الهواتف المحمولة.

أمام المقر الرئيس لشركة تنسنت الصينية العملاقة (رويترز)

تكنولوجيا متطورة... واعتبارات اقتصادية

في الهند، كذلك، ثمة ثورة تعتمل في هدوء داخل الاستوديوهات على صعيد عملية الإنتاج. إذ لم يعد يجري التخطيط للتقارير لبثها في فقرة واحدة مدتها 30 دقيقة. بل بدلاً من ذلك، يُصمِّم المحرّرون المحتوى مع مراعاة «خيارات متعددة»: نسخة تلفزيونية أطول للأرشيف، مقطع فيديو مُختصر للهواتف المحمولة للاستهلاك السريع، فيديو عمودي لوسائل التواصل الاجتماعي، تنبيه نصي قصير لتطبيقات المراسلة، مثل «واتساب».

بالتالي، نحن نشهد راهناً ليس التخلي عن الحنين إلى الماضي فحسب، وإنما نشهد ثورةً شاملة في الإيرادات تُغير وجه اقتصاديات الإعلام في جميع أنحاء آسيا. ومن المتوقع أن تنمو سوق خدمات الفيديو حسب الطلب (SVoD) من قرابة أربعة مليارات دولار أميركي إلى 20 مليار دولار بحلول عام 2029. ومن المتوقع كذلك أن ترتفع سوق خدمات الفيديو حسب الطلب المدعومة بالإعلانات (AVoD)، من 9 مليارات دولار إلى 24 مليار دولار خلال الفترة نفسها، مع تحول المعلنين والمستهلكين على حدٍ سواء من التلفزيون التقليدي، إلى منصات تعتمد على الخوارزميات وتُركز على الهواتف المحمولة.

فيما مضى، كانت الهيمنة من نصيب قنوات البث من خلال بيع فترات بث ثابتة. أما اليوم، فتُقدم الأخبار والبرامج الترفيهية في الوقت الفعلي عبر محركات التوصيات، مدعومةً بانتشار الهواتف الذكية بنسبة 90 في المائة تقريباً في معظم أنحاء منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وزيادة بنسبة 15 في المائة في وقت مشاهدة الفيديو عبر الهواتف المحمولة منذ عام 2023. ومن المنظور الاقتصادي، بالذات، يُعيد هذا التحول توجيه قيمة الإعلانات والاشتراكات من فترات البث التلفزيوني المجدولة، إلى أنظمة بيئية غنية بالبيانات تتمحور حول المنصات، حيث يمكن تتبع وقت النقر والتمرير والمشاهدة وتسعيرها وجني أرباح منه.

داخل سوق الإعلام الهندية المزدحمة، أصبحت شركة «ريلاينس جيو» نموذجاً لهذا التحول؛ فقد أدى اندماج «ريلاينس جيو» و«هوتستار» عام 2025، إلى ظهور عملاق في مجال البث المباشر يضم قرابة 300 مليون مشترك، ويحقق ما يقارب ملياري دولار أميركي سنوياً، من بث مباريات الكريكيت في الدوري الهندي الممتاز، والمسلسلات الدرامية الإقليمية، وخدمات الترفيه حسب الطلب. ويأتي ذلك في ظل توقّعات تشير إلى وصول الإيرادات إلى 5 مليارات دولار بحلول عام 2029.

في المقابل، نجد التحوّل داخل الصين أشد سطوعاً؛ حيث حوّلت شركات التكنولوجيا العملاقة في بكين منصات البث عبر الإنترنت، إلى منظومة إخبارية وترفيهية تُقدّر قيمتها بـ10 مليارات دولار، تجذب منصات مثل «تنسنت فيديو» وحدها قرابة 137 مليون مستخدم يومياً، يشاهدون المسلسلات القصيرة والبث المباشر ومقاطع الأخبار، ضمن بيئة تخضع لرقابة صارمة، لكنها تُراعي المحتوى المحلي. وتُضيف iQIYI أربعة مليارات دولار سنوياً من عائدات الاشتراكات والإعلانات، بفضل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، التي تُقدّم «تحديثات فورية» تصل في الغالب إلى الجمهور قبل البث التلفزيوني التقليدي.

وبحلول عام 2029، يتوقع أن تستحوذ الصين على قرابة 39 في المائة من إيرادات خدمات البث عبر الإنترنت في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مدعومةً بالمحتوى القصير، والأخبار المُعتمدة على الخوارزميات، والتوسع في تجارة البث المباشر التي تبلغ قيمتها 500 مليار دولار أميركي، مع تحقيق الربح من كل مقطع فيديو جذاب عبر الإعلانات، أو الاشتراكات، أو عمليات الشراء المباشرة عبر الإنترنت.

في المقابل، يصاحب التحوّل في اليابان ضجيج أقل، لكنّه لا يقلّ أهمية. إذ تشير التوقعات إلى اتساع حجم سوق البثّ عبر الإنترنت في البلاد، من نحو 5 مليارات دولار إلى 7 مليارات دولار بحلول عام 2029، أي بنموّ سنويّ مركّب يبلغ قرابة 6.5 في المائة، في ظل تقديم منصّات مثل «أبيما تي في» نماذج هجينة تجمع بين البثّ المجانيّ والبثّ المباشر، والتي تحقق عائدات بنحو مليار دولار أميركيّ من الإعلانات عبر نشرات الأخبار السريعة، المصمّمة خصيصاً للهواتف المحمولة.

كما تُقدّم خدمة «دي تي في»، من «إن تي تي دوكومو»، باقةً من القنوات المميّزة وخدمات البثّ حسب الطلب ضمن نظام دفع واحد؛ ما يجذب قرابة 10 ملايين مشترك، ويُدمج تنبيهات فورية تُمكّن المستخدمين من متابعة الأخبار العاجلة فور حدوثها.

بالتالي، نجد في شتى أرجاء آسيا أن الأمر لم يعد مجرّد قصة تتعلّق بالتكنولوجيا أو الراحة؛ وإنما تتمحور القصة حول الإيرادات والبيانات والتحكم في دورة الأخبار اليومية، في وقت يُمثّل الهاتف الذكي محور نظام إعلامي وتجاري جديد.

وبالتزامن مع ذلك، غدت بيانات الهاتف المحمول في آسيا رخيصة للغاية؛ ففي الهند وجنوب شرق آسيا، تُقدّم شركات الاتصالات باقات بيانات متعددة الغيغابايت مقابل بضعة دولارات فقط؛ ما يجعل تشغيل تطبيقات متعددة أكثر اقتصادية، مقارنة بتكلفة صيانة جهاز استقبال الكايبل التقليدي.

المستقبل: عالم في حالة اتصال دائم

مع هذا، رغم كل ما سبق، من غير المرجح أن تختفي ساعة الأخبار المُجدولة بين عشية وضحاها؛ بل سيظل التلفزيون التقليدي عنصراً أساسياً بالنسبة لكبار السن وسكان المناطق الريفية. ولكن بمرور الوقت، سيصبح «وقت الأخبار» أقل ارتباطاً بالساعة وأكثر ارتباطاً بالهاتف المحمول. وبدلاً من التساؤل «ماذا ستعرض قناة الأخبار الساعة التاسعة؟»، سيفكر الناس «ماذا شاهدتُ بالفعل على هاتفي اليوم؟».

وأخيراً، فإن ريادة آسيا في هذا التحول ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج التركيبة السكانية الشابة، والتوسع السريع لشبكات الجيل الخامس، والطلب المتزايد على المحتوى المحلي المُخصّص. لم تختفِ «ساعة الأخبار»، بل امتدت لتشمل كل ساعة من ساعات اليوم. ولم يعُد التحكم حكراً على عدد قليل من المحطات، بل أصبح منتشراً عبر مليارات الشاشات والتطبيقات والمستخدمين. الآن، تُروى قصة آسيا في الوقت الفعلي، عبر تحديثات فورية.


تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

عززت شركة «غوغل» تطبيق «غوغل فيدز» المعنيّ بإنتاج الفيديو بأدوات جديدة من شأنها تشجيع الناشرين وصُناع المحتوى على إنتاج مزيد من المحتوى المرئي باحترافية أعلى ووقت وجهد أقل. وبينما عدّ خبراء هذه الخطوة «تحولاً جذرياً في آليات عمل غرف الأخبار»؛ فإنهم حذَّروا من أن «طمس الحدود بين المحتوى البشري والتقني قد يضع مصداقية المؤسسات على المحكّ ما لم تُحكَم بضوابط تحريرية صارمة».

«غوغل» كانت قد ذكرت في أبريل (نيسان) الجاري أن «التحديثات التي شهدها التطبيق تشمل توليد فيديوهات بجودة أعلى عبر أدوات لإنتاج الموسيقى المخصصة، بالإضافة إلى شخصيات افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي». وتسمح هذه «الحزمة للناشرين بتحويل المحتوى الصحافي إلى مادة مرئية في دقائق ودون الحاجة لفريق عمل ضخم».

وحقاً يرى مراقبون أن «غوغل» تسعى لتعزيز مكانتها في ظل منافسة محتدمة مع منصات مثل «تيك توك»، التي تطوّر تقنيات مشابهة تشمل ممثلين رقميين للترويج والبيع.

الدكتور حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبيّ، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الإشكالية الجوهرية تكمن في تصاعد التوتر بين السرعة والدقة... إذ إن التحديثات الجديدة تضاعف الضغط على هذه المعادلة؛ لأن الأدوات باتت أسرع من قدرة الإنسان على التفكير النقدي في اللحظة ذاتها».

وحذر مصطفى «من تعامل غرف الأخبار مع التقنية على أنها بديل للعملية التحريرية وليس بوصفها مُسرعاً لها... ذلك أن الحل يكمن في نموذج واضح، فالأداة تنتج مسودة والصحافي يعتمدها مع الالتزام بمراجعة إلزامية للأسماء والأرقام والتواريخ والمصادر». وشدد، من ثم، على أن «دور الصحافي (اليوم) أصبح أكثر عمقاً، حيث ينتقل من مجرد كاتب خبر إلى مراجع للسياق وضابط للنبرة البصرية لمنع التضليل... والذكاء الاصطناعي قد يكون دقيقاً في المعلومة، لكنه قد يضلل في العرض».

وعن الجدوى الاقتصادية، أشار الدكتور مصطفى إلى أن هذه الأدوات تحقق ثلاثة مكاسب رئيسية هي: «إنتاج أسرع، وتحويل سهل للمحتوى إلى عدة صيغ، وتقليل التكلفة التشغيلية». لكنه نبه إلى مخاطر «الاعتماد الزائد» الذي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على التوزيع، وتشابه المحتوى بين المؤسسات، والتبعية التقنية الكاملة لمنصات «غوغل».

وحسب الدكتور مصطفى فإن «التقنية الجديدة محايدة، والثقافة المؤسسية هي التي تُحدد نتائجها، والمؤسسات الإعلامية التي ستنجح ليست تلك التي تتبنى أدوات الذكاء الاصطناعي بأكبر سرعة، بل تلك التي تُطور نهجا تحريرياً ناضجاً يعرف متى يستخدم الأداة، وكيف، ومتى يضع الإنسان في المقدمة... فالصحافي الذي يفهم ما تستطيع التقنية فعله -وما لا تستطيعه- هو الأصل الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية في هذا العصر».

من جهة ثانية، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» رأى رامي المليجي، مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن العلاقة بين «غوغل» والناشرين «تكاملية»، موضحاً أن «غوغل سيرش» لا يزال يعتمد في جزء كبير منه على محتوى الناشرين، لذا تهتم المنصة بإطلاق أدوات مخصصة لهم.

وأضاف المليجي أن المؤسسات الإعلامية أصبحت ملزمة بتطوير محرريها لمواكبة مبدأ «الإغراق» الذي تحكمه خوارزميات التواصل الاجتماعي، إذ إن «من يُنتج أكثر يظهر أكثر». ولفت إلى أنه «في ظل الضغوط الاقتصادية، تتيح هذه الأدوات إنتاجاً غزيراً بأقل طاقة بشرية؛ لكن الاستخدام يجب أن يكون محوكماً وفق ضوابط أخلاقية». وحدد، من ثم، ثلاثة محاور لهذه الحوكمة، هي: احترام الحقوق الأدبية والامتناع عن انتهاك ملكية المحتوى، والشفافية المطلقة عبر الإفصاح للجمهور عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد نوعية المحتوى المناسب.

المليجي رأى أن «الذكاء الاصطناعي يصلح للمحتوى السريع والقصص البسيطة، بينما تظل التحقيقات المعمقة والقصص الإنسانية والمقابلات العميقة بحاجة إلى العنصر البشري في مراحلها كافة».


البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.