حروب اليمين واليسار ومعركة الرئاسة المقبلة تتصدر الصحافة الفرنسية

الهجوم المسلح في كندا يفرض نفسه بقوة * الاقتصاد والقضايا الأمنية ما زالت المسائل المحببة لدى الصحف البريطانية

حروب اليمين واليسار ومعركة الرئاسة المقبلة تتصدر الصحافة الفرنسية
TT

حروب اليمين واليسار ومعركة الرئاسة المقبلة تتصدر الصحافة الفرنسية

حروب اليمين واليسار ومعركة الرئاسة المقبلة تتصدر الصحافة الفرنسية

توزعت اهتمامات الصحافة الفرنسية هذا الأسبوع على 3 محاور أساسية: الاهتمامات الداخلية بشقيها السياسي والاقتصادي والمحاور الساخنة في العالم وعلى رأسها مواجهة الإرهاب وتمدده من الشرق الأوسط وامتداداته إلى بلدان الساحل وصولا إلى أوروبا وأميركا الشمالية وتشعبات الحرب في سوريا والعراق وأخيرا وباء الإيبولا ومخاطره والوسائل والأدوات المسخرة لمواجهته ومنع انتشاره.
بيد أن الاهتمامات الداخلية كان لها قصب السبق. ففي الشق السياسي، المرجل يغلي في صفوف الحزب الاشتراكي (الحاكم) بسبب الانقسامات الآيديولوجية بين جناح إصلاحي يمثله رئيس الحكومة مانويل فالس ووزير الاقتصاد ماكرون ويحظى بغطاء من الرئيس فرنسوا هولاند وبين جناح تقليدي متمسك بيساريته ناقم على هولاند لأنه تخلى عن وعوده وها هو يتبع سياسة «يمينية». وذهب فالس إلى حد اقتراح تغيير اسم الحزب الاشتراكي لأن التسمية «عفا عنها الزمن». وفي الأيام الماضية انضمت الوزيرة السابقة والأمين العام السابق للحزب مارتين أوبري إلى حلقة «الناقمين» وبينهم نواب كانوا إلى أيام خلت وزراء في حكومة فالس الأولى للتنديد بالسياسة «اليبرالية» للحكومة التي يصفونها بـ«الفاشلة» والبعيدة عن تحقيق النتائج المتوخاة منها. ويدعو معسكر «الناقمين» إلى اتباع سياسة يسارية حقيقية تتجاوب مع الفئات التي تشكل القاعدة الانتخابية للاشتراكيين. وما يفاقم الأزمة غياب النمو الاقتصادي واستمرار أرقام البطالة بالقفز إلى فوق «3.5 مليون عاطل عن العمل» واتباع الحكومة لسياسة تقشفية وارتفاع الضرائب...
وصدرت صحيفة «لوموند» المستقلة يوم الخميس بعنوان رئيس على صفحتها الأولى يقول: «معركة ما بعد هولاند بدأت داخل الحزب الاشتراكي» فيما وضعت مجلة «لو بوان» على غلافها صورة هولاند مع العنوان التالي: «فرصته الأخيرة قبل الصدمة» مصحوبة بـ3 عناوين فرعية: الأزمة الاقتصادية المنذرة بالمخاطر، آخر أوراق هولاند ولعنة الإليزيه». والمفارقة أن هولاند ما زال في منتصف ولايته التي تنتهي بعد عامين ونصف. والحال أن معركة انطلقت بسبب ضعفه الشعبي كما تعكسه استطلاعات الرأي وغياب نتائج الإصلاحات التي أقرها منذ وصوله إلى الرئاسة وتدهور صورة الحكم والحكومة في الداخل والخارج. ولعل أبرز دليل على ذلك أن كافة الصحف الفرنسية رصدت مكانا بارزا لنبأ توجيه المفوضية الأوروبية كتابا للحكومة الفرنسية تطلب فيه توضيحات عن طبيعة الميزانية الجديدة التي ترى أنها لا تحترم المعايير الأوروبية لجهة العجوزات.
لكن إذا كان اليسار يتمزق، فإن اليمين ليس أفضل حالا. فالرئيس السابق نيكولا ساركوزي يتأهب للعودة رئيسا لحزب الاتحاد من أجل حركة شعبية. ومشكلته أنه يجر وراءه سيلا من الفضائح منها 5 رئيسة وأن له منافسين على رئاسة الحزب من جهة وخصوصا على المقعد الرئاسي الذي لن يشغر إلا في عام 2017. ومن بين منافسيه على التأهل للمنافسة الرئاسية رئيسا حكومة سابقان هما آلان جوبيه وفرنسوا فيون. بيد أن الأخطر بينهما هو جوبيه لأنه يحظى باحترام كبير في صفوف اليمين ويتبع نهجا معتدلا بينما أخذ ساركوزي يذهب في خطابه السياسي نحو التشدد لسحب البساط من تحت أرجل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن. وصدرت مجلة الإكسبرس هذا الأسبوع وعلى غلافها صورة مركبة تجمع ساركوزي وجوبيه ومع عنوان: «من سيجهز على الآخر؟».
و استمرت الصحف البريطانية بتغطيتها للقضايا الاقتصادية والأمنية والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي، ونشرت تحقيقات صحافية حول قضايا التنصت الأمني واختراق الأجهزة الأمنية للمنظمات اليسارية. وجاءت التغطية متنوعة ومختلفة بين صحيفة وأخرى لتعكس ميولها السياسية والآيديولوجية. كما تضمنت التغطية المسائل الترفيهية الخفيفة والتي جاءت من خلال نشر صور الممثلين وأفلامهم. لكن أحداثا أخرى جديدة فرضت نفسها على التغطية مثل الهجوم المسلح في كندا وسط الأسبوع.
إذ تصدر الهجوم على مبنى البرلمان الاتحادي الكندي في أوتاوا التغطية في الصحف البريطانية بعد ثاني يوم من وقوع الحادث، بعدما أطلق مسلح النار على جندي عند نصب الحزب الوطني الكندي الواقع في الجهة المقابلة للبرلمان. وتمكن المسلح من الفرار وجرى البحث عنه بين المباني الحكومية الكندية. وتناولت الصحف الدعم الذي عبر عنه العديد من قادة العالم تجاه ما تمر به كندا. وفي الصفحات الداخلية أفردت الصحف بإسهاب تحقيقات وتغطية كاملة حول العملية والشخص الذي قام بها. كما دقت ناقوس الخطر بخصوص أعمال إرهابية مشابهة من قبل عناصر متطرفة قد تقوم بأعمال في مناطق أخرى من العالم.
ونالت المسائل الاقتصادية نصيبها من التغطية، خصوصا إعلان بنك إنجلترا بأنه قد لا يزيد من رفع محتمل لمعدلات الفائدة والتي وصلت إلى أدنى معدل لها منذ 5 أعوام.
واعتبر الركود في أوروبا يعيق الانتعاش الاقتصادي في بريطانيا، وكذلك توقعات البنك المركزي بتراجع نسبة نمو الاقتصاد خلال الثلاثة شهور الأخيرة من العام، ويرجع ذلك جزئيا لانخفاض الصادرات. وبينت الصحف أن تراجع الصادرات يبرز الخطورة المتمثلة في أنه سوف يكون من الصعب على اقتصاد المملكة المتحدة أن ينمو بوتيرة أسرع من بقية الشركاء التجاريين خلال فترة طويلة دون زيادة نسبة عجز الموازنة.
وفي بداية الأسبوع تناولت صحيفة «التايمز» قضايا التنصت، التي قد تلجأ إليها الأجهزة الأمنية والشرطة من خلال استخدام بعض الثقوب في القانون يعطيها الحق في التنصت على التليفونات الجوالة لبعض الأشخاص دون الرجوع إلى وزير الداخلية من أجل الحصول على تخويل يسمح لهم بذلك.
وفي نفس عدد الاثنين تناولت الصحيفة تصريحات المفوض الأوروبي منويل باروسو حول الجوانب السلبية التي تتبعها الحكومة البريطانية والتي قد تؤدي إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتداعيات ذلك على مشروع الاتحاد الأوروبي وعلى الاقتصاد البريطاني.
وتناولت كذلك صحيفة «الديلي تلغراف» المحافظة في عدد الجمعة الماضية العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وكيف أن الاقتصاد الأوروبي يؤثر بذلك على النمو المتسارع للاقتصاد الأوروبي. الصحيفة عكست توجه التيار المحافظ الذي يرغب في خروج بريطانيا من الاتحاد. كما قامت الصحيفة بتغطية موسعة للحفل الثالث لزواج الممثل كلوني من المحامية اللبنانية أمل علم الدين. وعلى صفحتها في عدد السبت الماضي نشرت الصحيفة صورة على صفحتها الأولى لبارعة علم الدين، والدة أمل حماة جورج كلوني.
صحيفة «الغارديان» ركزت في تغطيتها على التعويضات التي ستدفعها الشرطة لضحايا نشاطات عملائها في أوساط المنظمات اليسارية والبيئية، والتي جاءت على خلفية فضح هوية أحد هؤلاء، والذي أقام علاقة مع إحدى الفتيات وكانت النتيجة أنها حملت منه وأنجبت طفلا، على الرغم من أنها لم تكن على علم بارتباطات العميل مع الأجهزة الأمنية. كما تناولت الصحيفة بتغطية موسعة ما يحصل عليه أعضاء البرلمان من أموال نتيجة نشاطاتهم الأخرى إضافة إلى عملهم كأعضاء في مجلس العموم ورواتبهم من هذا العمل.
ومع بداية الأسبوع الماضي، اهتم الإعلام الأميركي، كما ظل بالحرب ضد «داعش»، بصورة خاصة وبنشاطات الإسلاميين، بصورة عامة. وبعد إهمال فترة طويلة صار هناك اهتمام بالحرب الأهلية في ليبيا، بين «الحكومة الجديدة المعتدلة»، وأنصار «الحكومة القديمة الإسلامية» وصف صحيفة «نيويورك تايمز». والتي أشارت إلى أن «القوات الموالية للحكومة الجديدة شنت هجوما على متشددين إسلاميين، مما أسفر عن قتل 75 خلال 5 أيام».
وعن «داعش»، قالت صحيفة «واشنطن بوست» التي تنشر متوسط 3 أخبار كبيرة أو متوسطة الحجم، كل يوم عن المسلمين والإسلاميين، إن «تركيا سوف تسمح للأكراد الأتراك بعبور الحدود والانضمام إلى إخوانهم في مدينة كوباني السورية (الكردية)»
ومع بداية الأسبوع اهتمت القنوات التلفزيونية، مع صور الملابس البراقة للبابا والقساوسة، ومع صور الأماكن الدينية في الفاتيكان بمؤتمر الكاردينالات، الذي كان موضوعه التحديات التي تواجه العائلة المسيحية. وأيضا مناظر براقة لقداس لإعلاء مكانة البابا قبل السابق بول السادس. حضر الاحتفال الباب السابق بنديكتوس السادس عشر، وقرابة 100 ألف شخص. وكان هناك اهتمام خاص بوثيقة مثيرة للنقاش عن السلوك الجنسي للكاثوليك.
وفي منتصف الأسبوع مع أخبار مرض إيبولا، وأخبار الاستعدادات لانتخابات الكونغرس، عادت إيران إلى تلفزيون «فوكس» اليميني، أكثر القنوات اهتماما بإيران. ونشرت صور متظاهرين ضد إصابة نساء بجروح في هجمات بأحماض قاتلة ومشوهة بتهمة عدم ارتداء الحجاب.
واهتم تلفزيون «فوكس»، أيضا بالعدو الأول: روسيا. وأكثر من تغطية.
خبر غواصات سويدية اعترضت طائرات روسية فوق بحر البلطيق، بينما يستمر البحث عن غواصة روسية في بحر البلطيق، أيضا، يعتقد أنها كانت تتجسس على سفن حلف الناتو.
ومع نهاية الأسبوع، صارت الهجمات الإرهابية قريبة من الأميركيين. وذلك عندما أطلق شخص النار داخل مبنى البرلمان الكندي في العاصمة أوتاوا. بعد أن أطلق النار، وقتل جنديا كان يحرس النصب التذكاري، بالقرب من مبنى البرلمان، وكان الهجوم وقع في واشنطن. صارت قناة «سي إن إن»، وقنوات أخرى، تنقل مناظر مباشرة من أوتاوا، وخصوصا صور من داخل مبنى البرلمان لنواب ونائبات تجمعوا داخل قاعة اجتماعات، ووضعوا كراسيهم خلف الباب لمنع دخول الإرهابي (قتل داخل البرلمان).
ومع نهاية الأسبوع، أيضا، نشرت صحيفة «واشنطن بوست» خبرا في أعلى الصفحة الأولى، وأعادت إلى الأذهان موضوعا كاد كثير من الناس ينسوه، أو نسوه فعلا: إدانة 4 موظفين سابقين في شركة «بلاك ووتر» في قضية تتعلق بقتل 14 مدنيا عراقيا عام 2007، اعتقادا بأنهم كانوا يريدون مهاجمة فريق من جنود وحرس «بلاك ووتر». وتعددت التعليقات بين غاضب «لأننا نريد نسيان حرب العراق»، وبين مؤيد «للذراع الطولى للعدالة الأميركية».
ومع نهاية الأسبوع أيضا عادت أخبار العنف الأميركي داخل أميركا:
في بيلشوك (ولاية واشنطن)، أطلق طالب مسلح النار على زملائه، وقتل واحدا، وجرح آخرين، ثم قتل نفسه. ومرة أخرى، كان الحادث مثيرا، ولاحقته كاميرات القنوات التلفزيونية الرئيسية، ونقلت صورا مباشرة له.
ومع نهاية الأسبوع بالإضافة إلى هلع العنف في الداخل والخارج عاد هلع إيبولا: ثبتت إصابة طبيب في مدينة نيويورك بفيروس إيبولا وكان عاد من غينيا، حيث اشترك في حملة «أطباء بلا حدود» وكأن نيويورك تحتاج إلى هلع جديد: تابعت كاميرات التلفزيونات الحدث دقيقة بدقيقة: شقة الرجل المطاعم التي أكل فيها قاعة الرياضة التي تدرب فيها، سيارات التاكسي التي استقلها (اتصل سائقون قلقون، ووصفوا شخصا، أو أشخاصا).
وبسبب الهلع، سارع العمدة وعقد مؤتمرا صحافيا، وطمأن، أو حاول أن يطمئن الناس.



البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.