الشيخ سلمان الصباح: الإعلام الخليجي يتجه نحو كشف خطر الإرهاب الذي يتربص بالمنطقة

وزير الإعلام الكويتي لـ {الشرق الأوسط}: آن الأوان لتفصيل ميثاق يراعي المستجدات ويرسم خريطة توازن بين الحرية والأخلاق المهنية

الشيخ سلمان صباح السالم الحمود الصباح
الشيخ سلمان صباح السالم الحمود الصباح
TT

الشيخ سلمان الصباح: الإعلام الخليجي يتجه نحو كشف خطر الإرهاب الذي يتربص بالمنطقة

الشيخ سلمان صباح السالم الحمود الصباح
الشيخ سلمان صباح السالم الحمود الصباح

أكد وزير الإعلام الكويتي أن الإعلام الخليجي يتجه حاليا إلى كشف خطر الإرهاب الذي يهدد أمن المنطقة، ونشر مبادئ الفكر الإنساني المتسامح والعقلاني في نفس الوقت، مشيرا إلى أن بلاده منطلقه الرئيس في تفكيره واهتمامه. وقال الشيخ سلمان صباح السالم الحمود الصباح، وزير الإعلام وزير الدولة لشؤون الشباب، في حوار لـ«الشرق الأوسط»: «حان الوقت لتفصيل ميثاق إعلام عربي عصري يضع خريطة طريق تحكم أدبيات الإعلام الحر والهادف والصادق». وعلى الصعيد الكويتي قال وزير الإعلام: «إن رسالة الإعلام لدينا تقوم على نبذ ومحاربة الإرهاب، والدعوة إلى الحوار والإيمان بالرأي والرأي الآخر»، مشيرا إلى أن تشابكات الواقع تتطلب منه موقفا وطنيا عربيا صادقا يراعي مصالح الأمة العليا، ويكون إعلاما عصريا منصفا للقضايا الإنسانية العادلة.
وأضاف: «إن أبرز التحديات التي تواجه صناعة الإعلام العربي هو مدى قدرته على مواكبة نظيره العالمي العصري والحر والمنفتح واللاهث وراء الحدث، سواء كان سياسيا أو عسكريا أو اقتصاديا أو رياضيا أو فكريا أو فنيا».
وعلى المستوى الرسمي العربي أكد الصباح أن توحيد خطاب إعلامي عربي بات صعبا بالنظر إلى الظرف المُعقّد الذي تمرّ به المنطقة العربية، في ظل بعض التحالفات الإقليمية، ومراعاة كل دولة لمصالحها، التي ربما تتعارض مع مصالح دول عربية أخرى.
فيما يلي نصّ الحوار:

* تقلّدت وزارة الإعلام في وقت عصيب تمرّ به المنطقة على المستوى الدولي والإقليمي والخليجي.. برأيكم ما أبرز القضايا التي تشغل بالكم وتستقطع جزءا من تفكيركم حاليا، ولماذا؟
- من المؤكد أن المنطقة العربية تمرّ بظرف عصيب، وربما كان واحدا من أصعب الظروف التي كُتب على شعوب المنطقة اجتيازها في القرن الواحد والعشرين. ولأن العالم بات يحيا مفهوم «القرية الكونية» كأصدق ما يكون ذلك، واحتل الإعلام الحر ووسائل التواصل الاجتماعي الحيز الأكبر والأهم في حياة الناس، وانعكس ذلك واضحا على تأثير وتأثر كل دولة بما يحيط بها؛ فإن بلدي الكويت هي المنطلق الرئيس في تفكيري واهتمامي، وأعني بذلك مصالحها وشعبها، وهذا لا ينفصل أبدا عن وصلها الطيب بشقيقاتها من الدول العربية، وباقي دول العالم، خاصة أن اختيار هيئة الأمم المتحدة أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الصباح، قائدا إنسانيا، وفي سابقة عالمية، واختيار الكويت كمركز للعمل الإنساني، يحتم على الإعلام الكويتي، وعلي شخصيا، العمل الجاد والمدروس لتكريس هذين المفهومين. كما أن توجيهات أمير البلاد باعتبار الشباب الرهان الأهم للمستقبل يجعل جزءا كبيرا من تفكيري ينصرف إلى المشاريع الفكرية والثقافية والفنية التي تخدم هذا التوجّه، وتقدم للعالم نماذج كويتية شبابية مبدعة، وقادرة على لفت الأنظار بعطائها المميّز.
* في ظل الواقع كيف تنظرون إلى الدور الذي يضطلع به الإعلام الكويتي تجاه القضايا المصيرية والوطنية، فضلا عن دوره في ترسيخ قيم وحضارة الأمة؟
- إن تشابكات الواقع المعقدة التي تحياها منطقتنا العربية، تتطلب من الإعلام الكويتي، وعموم مراكز الإعلام العربية، موقفا وطنيا عربيا صادقا يراعي مصالح الأمة العربية العليا من جهة، ويضع مستقبل شعوبها على رأس الأولويات. ويكون إعلاما عصريا يتصف بالمصداقية وإنصاف القضايا الإنسانية العادلة، مؤمنا بدور الحوار البنّاء، وأن السلم والسلام هما الرسالة الأسمى لشعوب الأرض. على أن الإعلام الكويتي وعلى امتداد تاريخه المعروف لديكم عمِل ويعمل على ترسيخ قيم وتراث الأمة العربية والإسلامية الأجمل، فكرا وأدبا وفنا. وليس أدل من ذلك على تشرّف الكويت بتكليف من جامعة الدول العربية بالنهوض بإنجاز «الخطة الشاملة للثقافة العربية»، إضافة إلى إصدارات دولة الكويت منذ انطلاق مسيرة مجلة «العربي» عام 1958، وتاليا «سلسلة من المسرح العالمي»، ولاحقا إصدارات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، كسلسلة عالم المعرفة وعالم الفكر، والتي لعبت وتلعب دورا كبيرا في تشكيل الوعي العربي.
* تعاني المنطقة العربية اليوم الإرهاب الفكري والإرهاب المسلح، ما هي استراتيجيتكم في تبني خط إعلامي يسهم في تعزيز السلام والأمن إقليميا ودوليا؟
- لا أقول جديدا حين أشير إلى أن الكويت كانت على الدوام واحة أمن وأمان، وأنها ومنذ استقلالها عام 1961 ارتضت لنفسها خطا سياسيا وإعلاميا حرّا وصادقا وإنسانيا يقف إلى جانب العدل والسلام والفكر النيّر ونصرة قضايا الشعوب العادلة. وأنها كانت على الدوام تنبذ وتُدين الإرهاب بكل أشكاله وممارساته. وليس تتويج أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد من قِبل الأمم المتحدة بلقب «القائد الإنساني» إلا اعترافا وتأكيدا للدور الكبير الذي لعبه منذ كان وزيرا للخارجية وصولا إلى يومنا الراهن، وانعكاس ذلك الدور على الكويت سياسيا وإعلاميا. إن الخط الإعلامي الذي تتبناه جميع وسائل الإعلام الكويتية المرئية والمسموعة والمقروءة، يقوم على نبذ ومحاربة الإرهاب، والدعوة إلى الحوار والإيمان بالرأي والرأي الآخر. وهي في سبيل ذلك لا تتوانى عن بث البرامج الداعية لذلك، وتنظيم وعقد المؤتمرات والندوات الفكرية والثقافية العربية والعالمية التي ترسخ المعاني الأسمى للدين الإسلامي، وعموم الفكر الإنساني النيّر والمنفتح على الخير والحرية والعدالة.
* ما أبرز التحديات التي تواجه صناعة الإعلام العربي عامة، وعلى مستوى الخليج والكويت خاصة؟ وهل من استراتيجية تواثق عليها وزراء الإعلام العرب؟ وهل بالضرورة أن يتوحّد خطاب الإعلام العربي؟
- أبرز التحديات التي تواجه صناعة الإعلام العربي هو أن يواكب صناعة الإعلام العالمي العصري والحر والمنفتح واللاهث وراء الحدث، سواء كان سياسيا أو عسكريا أو اقتصاديا أو رياضيا أو فكريا أو فنيا. إن معايشة الإنسان العربي لعصر الفضاء المفتوح وثورة المعلومات جعلته على وصل واتصال بالحدث الإنساني العالمي، وبالتالي فإنه ما عاد يرضى بمستوى أدنى من ذلك. وهذا بدوره وضع تحديا حقيقيا أمام صناعة الإعلام العربي عامة، والخليجي الكويتي خاصة، يتمثل في محاولة خلق حالة من التنمية الثقافية والإعلامية تستند إلى ضخ مزيد من الدعم المالي والإداري للمؤسسة الثقافية والإعلامية، لرعاية وتشجيع أي أنشطة أو مؤتمرات تتصل بالفكر والثقافة والفنون، إضافة إلى مزيد من الرعاية والتشجيع للأنشطة الشبابية بوصفها الرهان الأهم للمستقبل. إن السياسة التي تواثق عليها وزراء الإعلام العرب يُفترض أنها قامت أساسا على احترام خصوصية أوضاع كل قطر عربي، ومحاولة التعاون الإعلامي لخدمة القضايا المصيرية المشتركة للأمة العربية. ولكن، وكما يعلم الجميع، فإن توحيد خطاب إعلامي عربي بات صعبا بالنظر إلى الظرف المُعقّد الذي تمرّ به المنطقة العربية، وبعض التحالفات الإقليمية، ومراعاة كل دولة لمصالحها، التي قد تتعارض مع مصالح دول عربية أخرى. وأرى أنه قد حان الوقت لتفصيل ميثاق إعلام عربي عصري يأخذ بالحسبان جميع الظروف المستجدة عربيا وعالميا، ويضع خريطة طريق تحكم أدبيات الإعلام الحر والهادف والصادق.
* برأيكم إلى أين يتجه الخطاب الإعلامي الخليجي عامة والكويتي خاصة؟ وأين نجح وأين أخفق؟ وما المعالجة المطلوبة لتصحيح مساره؟ وإلى أي مدى هناك أهمية لتوحيد الإعلام الخليجي وإعطاء صورة نمطية للمجتمع الخليجي؟ وكيف يمكن تحقيق ذلك؟
- الإعلام الخليجي بعامة في الوقت الراهن يتجه إلى مزيد من كشف خطر الإرهاب الذي يتربص بالمنطقة، ويُفترض به السعي الجاد لنشر الفكر الإنساني المتسامح والعقلاني. فالإرهاب والعنف اللذان يتهددان المنطقة لن يولدا إلا الدمار والخراب لشعوب المنطقة. وأظن أن الإعلام الخليجي نجح إلى حد ما في مهمته هذه، وعمِل ويعمل على تحقيقها. وإذا كان البعض يعتقد أن تعدد واختلاف الرؤى الإعلامية الخليجية يُعدّ عيبا أو إخفاقا، فلستُ مع هذا الرأي، فنحن نعيش في عالم منفتح، وللجميع الحق في تبني وجهة النظر التي يؤمن بها، ولو أن الأمنية مشروعة في طرح خليجي وعربي أقرب ما يكون إلى التكامل.
* دخلت وسائط التواصل الاجتماعي بمختلف أنواعها والإعلام الإلكتروني، شريكا منافسا للإعلام التقليدي في نقل الحقائق والإشاعات أحيانا.. برأيكم إلى أي مدى يمثل الإعلام الجديد نقلة في صناعة الإعلام الكويتي، وهل تعتقدون أن وسائل التواصل الاجتماعي مصدر إزعاج أحيانا ولا بد من ضبطها؟
- ما يفرق وسائط التواصل الاجتماعي عن الإعلام هو كونها تمثل رأيا شخصيا، وبالتالي فإن الدقة تبقى مقياسا مهما. فإذا كتب أي شخص تغريدة أو رأيا في أي من وسائط التواصل الاجتماعي، فهو وحده مسؤول عن ذلك، لكن قيام وسيلة إعلام رسمية ببث خبر أو تعليق يعني بين أمور أخرى مسؤولية الدولة عن ذلك، ووضع مصداقيتها على المحك، وهذا يتطلب تحري الحقيقة والدقة والشفافية والمهنية العالية، ومواجهة الجمهور بما يستحق من احترام. ومؤكد أنه لا يغيب عن القراء العرب مدى الانفتاح والحرية التي يتمتع بها الإعلام والصحافة في الكويت، لكن إزعاج بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي قد يكون واردا حين يتجاوز أي شخص حدود الحرية، ويتعرض لثوابت عقائدية أو إنسانية لا يجب المس بها. وربما بات من المهم على الإعلام المتخصص توعية مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي باختلاف فئاتهم، بالأسس والمعايير الصحيحة لاستخدم هذه الشبكات، وبما يجعل من إيصال الحقائق والأخبار والرسائل هدفا نبيلا، ويجعل من التواصل الاجتماعي لغة محبة بين بني البشر أينما كانوا.
* تتطلب بيئة العمل الإعلامي تعزيز وإشاعة قيم حرية التعبير.. ما واقع ذلك وأهميته كويتيا؟ وما المعايير المطلوبة لضبط العمل الإعلامي ليوازن بين متطلبات المرحلة وتطلعات الشعوب والحكومة في آن واحد؟
- يبدو من نافلة القول الإشارة إلى سقف الحرية العالي الذي يتمتع به الإعلام الكويتي بكل صوره، والذي خلق منه واحدا من أهم منابر الحرية في الوطن العربي. والجميع يعلم مقدار الحرية الرفيع الذي تتمتع بها الصحافة الكويتية منذ مطلع الستينات حتى يومنا الحاضر، ما جعلها واحدة من أكثر الصحافات العربية تميزا وشفافية وكشفا للحقيقة. وإذا ما تطرقنا إلى المعايير المطلوبة لضبط العمل الإعلامي، فإن الشفافية والصدق والدقة والمهنية العالية والعصرنة تأتي على رأس هذه المعايير، مع مراعاة المصلحة العليا للدولة وقوانينها، والسعي المشروع لتأكيد الروح الوطنية، ودعم وتشجيع دور الشباب.
* يعتقد البعض أن الإعلام الغربي متقدم جدا لأنه شريك أساسي في بلورة الرأي العام الغربي وصنع القرارات النافذة داخليا وخارجيا.. كيف ترون ذلك مقارنة بالإعلام العربي؟ وهل الأخير شريك في صناعة القرارات المهمة؟ ولماذا؟
- لا شك في أن الإعلام شريك أساسي في بلورة الرأي العام في أي مجتمع من المجتمعات، ومؤكد أن الإعلام العربي، بمختلف توجهاته، لعب ويلعب دورا كبيرا ومشهودا في بلورة رأي عربي، وتحديدا منذ اندلاع ما بات يُعرف بثورات الربيع العربي، لكن ما يجب الوقوف عنده هو أن الإعلام الغربي هو إعلام خاص، وبالتالي فهو يمتلك قدرا أكبر من الحرية وقدرا أكبر من التحرك وفق أجندة ومصالح من يقف وراءه، بينما الإعلام العربي في عمومه هو إعلام حكومي يراعي مصالح الدولة العليا. لكن هذا لا ينفي أبدا أن الإعلام العربي، وأنا هنا أتكلم عن الحالة الكويتية، كان على الدوام جسرا بين القيادة السياسية وأبناء الشعب الكويتي، وأنه يتخذ من قول الحقيقة والشفافية والمهنية العالية مبادئ لا يحيد عنها. كما تجدر الإشارة هنا إلى أننا في دولة الكويت نؤمن بتفعيل لا مركزية الإعلام، ليكون بإمكان كافة المؤسسات الحكومية المساهمة الفعالة ضمن استراتيجية إعلام موحدة. ويأتي دعمنا المستمر للإعلام الخاص، المقروء والمرئي والمسموع، ليشكل بندا أساسيا من بنود تلك الاستراتيجية.
* إلى جانب كونكم وزيرا للإعلام ووزير دولة لشؤون الشباب فإنكم رئيس للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت، فكيف تنظرون إلى ما تتناقله بعض دوائر المثقفين العرب في انحسار وتعثر دور المجلس الوطني في الأعوام القليلة الماضية، وهل من خطة للنهوض بعمل المجلس الوطني وإعادته إلى دوره التنويري المعروف؟
- بداية نحن في الكويت نعتز في الدور الكبير الذي نهض به المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب منذ تأسيسه عام 1973 وعلاقته الرفيعة بالفكر والثقافة والمثقفين العرب، وفيما يخص رأي بعض دوائر المثقفين العرب بانحسار دور المجلس، فنحن نثمّن ذلك ونرى فيه حرصا وثقة طيبين بالمجلس الوطني وبدور الكويت التنويري، وقد يكون فيه شيء من الصحة. ويهمني هنا أن أؤكد لكم بأننا نؤمن تماما بدور الثقافة والفنون، وأن لدولة الكويت تاريخا ثقافيا عربيا يجب المحافظة عليه وتغذيته بمزيد من العطاء الفكري والإبداعي المستمر، لذا فلقد قطعنا شوطا كبيرا في وضع استراتيجية جديدة لعمل المجلس الوطني، وإعادتنا هيكلة جميع قطاعاته بما يتماشى ومراعاة مصلحة وسمعة الكويت الثقافية والفنية، وكلنا ثقة بأن الفترة القادمة ستشهد تغييرا نتمنى أن يكون ملموسا في كل ما يقدمه المجلس الوطني من أنشطة داخل الكويت وخارجها. خاصة أن هناك نقلة كبيرة على مستوى البرامج الثقافية، وكذلك على مستوى إنشاء البنى التحتية، كالمراكز والمجمعات الثقافية، والكويت مقبلة خلال العامين القادمين على افتتاح مركزين ثقافيين كبيرين بمواصفات عالمية عالية، وأعني بذلك، مركز الشيخ جابر الأحمد، ومركز الشيخ عبد الله الجابر. ومن المؤمل أن يكون كلا المركزين بؤرة إشعاع للعمل الفكري والثقافي والفني العربي والعالمي.
* ما هو تقييمكم للدور الذي يقوم به المثقف والأديب في صناعة الواقع الكويتي؟ وهل هو في تراجع أم تنام؟
- الأديب والمثقف الكويتي ينهض بدور كبير في صناعة الواقع الكويتي، سواء على مستوى عمل المؤسسة الرسمية وأعني بها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، أو على مستوى المؤسسة الأهلية وهي رابطة الأدباء الكويتيين، إضافة إلى الجهود اللافتة التي تنهض بها بعض المؤسسات الثقافية الخاصة، كدار الآثار الإسلامية ومؤسسة البابطين ودار سعاد الصباح، إضافة إلى الكثير من الملتقيات الثقافية، وكذلك الدور الرائع الذي ينهض بها المبدع الكويتي في مختلف وجوه الإبداع محليا وعربيا، ومن المؤكد أن هذا مجتمعا يؤثر تأثيرا واضحا في حيوية الساحة الثقافية في الكويت. كما ويمكن تلمس نجاحات المبدع الكويتي من خلال الجوائز العربية الرفيعة التي يحوزها النتاج الإبداعي الكويتي. خاصة أن نتاج الفئة الشابة له حضور كبير وملموس على الساحة الثقافية الكويتية. وهذه الدلائل مجتمعة تشير بما لا يدع مجالا للشك أن جهد المبدع والمثقف الكويتي في تنام، ونتمنى أن يكون تناميا متزايدا دائما.
* ما استراتيجيتكم في دعم ودفع الشباب لتحقيق إشراكهم في صناعة الواقع والمستقبل؟
- إن وجود وزارة دولة لشؤون الشباب يُظهر بشكل جلي مدى الاهتمام الكبير الذي توليه دولة الكويت حكومة وشعبا لدور الشباب، خاصة أن أحد أهم توجيهات أمير البلاد تنادي بدعم وتشجيع المواهب الشبابية، وفسح جميع مجالات الإبداع لهم. خاصة بعد رعايته للوثيقة الوطنية للشباب، وتحويلها إلى الحكومة للعمل من خلال أطرها. ونظرة فاحصة للأنشطة الثقافية والفنية في دولة الكويت، تظهر وتؤكد الدور الكبير الذي يلعبه الشباب في أي من الأنشطة الثقافية والفنية. كما أن أجندة المجلس الوطني، ووزارة الدولة لشؤون الشباب تحرص على تواجد النشاط الشبابي بشكل دائم. إضافة إلى المشاركات الخارجية للشباب المبدع والمثقف الكويتي سواء داخل الوطن العربي أو خارجه.
* يرى البعض أن المثقفين والأدباء يأتون في ذيل قائمة الاهتمام والدعم الحكومي في عدد من البلاد العربية.. ما حقيقة ذلك على مستوى الكويت وهل من شواهد على ذلك؟
- إن اهتمام دولة الكويت بأبنائها النابهين والمثقفين، ليس بحاجة لشهادة، فهو معروف للقاصي والداني، خاصة والحرية المسؤولة التي يتحلون بها وثقة القيادة السياسية بدورهم المنشود. وذلك منذ أن أنشأ شباب من أهل الكويت، وعلى رأسهم الشيخ عبد الله الجابر رحمه الله، النادي الأدبي عام 1924. ثم قيام الأستاذ عبد العزيز الرشيد بإنشاء «مجلة الكويت» عام 1928، وتاليا قيام شباب الكويت في مصر عام 1946. ومنهم الأستاذ عبد العزيز حسين بإنشاء «مجلة البعثة» لتكون صوتا أدبيا للطلبة الكويتيين المبتعثين إلى مصر الغالية. وبعد ذلك الكثير من المشاريع التي تبناها المثقف الكويتي، ولاقت ترحيبا ودعما وتشجيعا من القيادة السياسية. وإذا ما انتقلنا إلى الوقت الراهن، فإن جوائز الدولة التشجيعية والتقديرية التي يقدمها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، والتي تمت مضاعفة قيمتها المادية اعترافا واعتزازا بالدور الكبير للمبدعين من أبناء الكويت. وجوائز مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، والجوائز الكويتية الأدبية والفكرية والفنية الكثيرة، التي تحتفي كل عام بكوكبة من أبناء الكويت المبدعين، خير دليل على اهتمام الدولة بهم. وكذلك إنشاء وزارة دولة لشؤون الشباب، يدلل بشكل جلي على الاهتمام الكبير الذي توليه القيادة السياسية وعلى رأسها أمير البلاد لدور الشباب المبدع والمثقف، أضف إلى ذلك إقامة العشرات من المهرجانات والورش والمؤتمرات الثقافية والفنية والتي يديرها في جلها المبدع الكويتي إنما يقدم دلائل ساطعة على اهتمام الدولة بالمبدع والمثقف الكويتي. إننا في دولة الكويت نرى إلى أن أي مبدع أو مثقف إنما هو رأسمال كبير، ويجب الاهتمام به ورعايته، وأنه صوت فخر للكويت على الساحة الثقافية العربية والعالمية.



«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
TT

«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)

خرج العشرات من موظفي قناة «دويتشه فيله» التلفزيونية الألمانية في مظاهرة في برلين، الخميس الماضي، رفضاً لاقتطاع 21 مليون يورو من ميزانية القناة المموّلة من ميزانية الحكومة السنوية، ما سيؤثر على عشرات الوظائف داخل القناة. وللمرة الثانية خلال سنتين، تقرّر الحكومة الألمانية تخفيض ميزانية تمويل القناة بعدما اقتطعت قبل سنتين 20 مليون يورو، ما تسبب بعمليات طرد جماعية آنذاك لتحقيق أهداف خفض الميزانية.

الاقتطاع الجديد في ميزانية القناة، التي تبث بـ32 لغة مختلفة، سيؤدي إلى إغلاق الخدمة اليونانية بشكل كامل بعد أكثر من 60 سنة على عملها. وحقاً، أثار إغلاق الخدمة اليونانية جدلاً في العاصمة اليونانية أثينا، خاصة أن القناة لعبت دوراً مهماً في التخلص من الديكتاتورية العسكرية في اليونان عام 1974، باصطفافها الواضح إلى جانب اليونانيين الذين كانوا يناضلون في سبيل الديمقراطية.

ثم لعبت القناة، مجدداً، دوراً مهماً إبّان أزمة اليورو عام 2015، وكانت تبث وجهة نظر ألمانيا إلى اليونانيين. ولقد برّر مجلس إدارة القناة قرار إغلاق الخدمة اليونانية بالكامل بالقول إن «اليونان بات بلداً ديمقراطياً وجزءاً من الاتحاد الأوروبي منذ سنوات».

وقف عدد من البرامج

إضافة إلى سبق، سيصار إلى وقف عدد من البرامج في مختلف الخدمات واللغات، ومن أبرزها البرامج الحواري «بتوقيت برلين» الذي يبث بـ4 لغات من بينها العربية. ويستضيف هذا البرنامج صحافيين ومحللين أسبوعياً لتحليل أبرز حدث في الأسبوع. وبإلغاء هذا البرنامج لا يبقى للخدمة للعربية سوى برنامج واحد هو إخباري مسائي يومي، علماً بأن الخدمة ألغت أيضاً نشرات الأخبار التقليدية.

من جهة ثانية، على الرغم من تعهد القناة بأن تخفيض الميزانية إلى 395 مليون يورو، لن يؤدي إلى عمليات طرد جماعية، فإنه سيؤثر على قرابة 160 وظيفة، معظم شاغليها لا يعملون بعقود دائمة. وسيعاد من ثم توزيع هؤلاء وربما تخفيض مرتباتهم.

أيضاً، قد يخسر قرابة 200 موظف يعملون بالدوام الحر (فريلانسر) عملهم نتيجة تخفيض الميزانية، بحسب نقابة «فيردي» التي دعت للمظاهرة الأسبوع الماضي. وذكرت النقابة، وهي الأكبر في ألمانيا، أن الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي «إلى التخلي عن 200 موظف، بشكل أساسي من الذين يعملون بنظام العمل الحر». وانتقدت قرار تخفيض التمويل بالقول إن «هذا سيؤدي إلى خسارة كبيرة في مدى الوصول، وإلى تقوية الأصوات التي تنشر المعلومات المضللة». وبالتالي، اعتبرت أن هذا الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي إلى «خسارة ألمانيا للمنافسة الدولية، كما أن الأصوات التي تدعم القوى الديمقراطية في العالم ستصبح أكثر هدوءاً».

شعار القناة (دويتشه فيله)

من البنية التحتية والإدارة

بحسب مجلس إدارة «دويتشه فيله»، سيأتي أكثر من ثلث إجمالي التخفيضات من البنية التحتية والإدارة، بالإضافة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي. وللعلم، يعطي تمويل القناة من ميزانية الحكومة بُعداً سياسياً لا تحمله القنوات الألمانية الأخرى التابعة للدولة والمموّلة من ضريبة البث التي يدفعها المواطنون ولا تتأثر بالميزانيات السنوية للحكومة.

كارل يونغستين، رئيس مجلس البث في القناة، انتقد قرار الحكومة تخفيض الميزانية المخصصة للقناة، واصفاً القرار بالـ«مؤسف»، وأردف: «بسبب هذا القرار يجب على القناة أن تتوقع انخفاضاً كبيراً في مدى وصولها إلى المشاهدين، وهذا أمر مؤسف للغاية، خاصةً أن روسيا والصين تتوسعان بشكل ضخم في قنوات البروباغندا التابعة للدولة، وانسحاب الولايات المتحدة من البث الدولي يخلق فجوة متزايدة».

ورأى يونغستين أن تخفيض الميزانية «سيضعف وجهات النظر الألمانية والأوروبية دولياً في وقت تسعى فيه أوروبا بشكل طارئ للحصول على شركاء وحلفاء جدد».

كذلك، وصف أشيم ديرك، أمين عام مجلس إدارة قناة «دويتشه فيله»، قرار تخفيض ميزانية القناة بأنه «يتعارض» وتعهدات الحكومة «بتقويتها»، كما يذكر بيان الحكومة الائتلافية التي تشكلت العام الماضي بقيادة حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» بزعامة المستشار فريدريش ميرتس.

وأضاف ديرك أنه «من دون زيادة الميزانية العام المقبل، فإن ارتفاع التكلفة في كل المجالات سيؤثر على نوعية العمل الصحافي والبنية التحتية ومدى الوصول الذي تتمتع به القناة». واعتبر أنه «فقط من خلال تمويل مناسب يمكن لقناة (دويتشه فيله) أن تقدم مساهمة أساسية ناجحة في الصحافة الحرة ومواجهة المعلومات المضللة».

التخفيض يقتصر على السنة الحالية

تخفيض ميزانية القناة يقتصر الآن على العام الحالي، ومن غير المعروف ما إذا كانت الحكومة ستزيد من مخصصاتها لها في ميزانية العام المقبل. ولا تستهدف الحكومة الألمانية ميزانية القناة بحد نفسها، بل تقول إن كل الوزارات عليها تخفيض ميزانياتها بهدف إعادة تحويل بعض التمويل إلى استثمارات تتعلق بالأمن والنمو.

في المقابل، يتعين على إدارة القناة تعديل إنفاقها سنوياً بحسب الميزانية المخصصة لها. وفي العام الماضي مثلاً، خصّصت لها ميزانية أعلى بـ15 مليون يورو عن العام الذي سبق. ولكنها في عام 2024 اضطرت لاتخاذ خطوات بعدما قلصت الحكومة ميزانيتها من 413 مليون يورو إلى 410 ملايين يورو. وأنهيت حينذاك عقود أكثر من 50 موظفاً وتم تقليص ساعات عمل أكثر من 100 موظف آخر. وهذا مع الإشارة إلى أن القناة توظف حالياً أقل بقليل من 4 آلاف موظف.

أخيراً، يبقى أن نذكر أن «دويتشه فيله» تحوّلت في السنوات الماضية، أكثر من مرة، إلى مادة إخبارية دسمة بعد سلسلة من الفضائح ارتبطت بها، خاصة في الخدمة العربية. وإثر فضائح تتعلق بتحرّشات داخل القناة، خرجت قبل 4 سنوات اتهامات لموظفين بـ«معاداة السامية»، وطرد عدد منهم خاصة من الفلسطينيين.

ولكن القناة نفسها اتهمت بعد ذلك بتسييس الاتهامات، وبالحد من حرية التعبير عن الرأي داخل القناة، خاصة فيما يتعلق بانتقاد إسرائيل. وبالفعل، لجأ بعض الموظفين الذين طُردوا واتهموا بـ«معاداة السامية» إلى المحاكم، وكسب منهم معركته ضد القناة التي على الأثر اتهمت بالطرد التعسفي، وفاز عدد منهم بتعويضات مالية.


توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)
TT

توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)

أثار توجه مؤسسات إعلامية للتعاون مع «منصات التنبؤ» تساؤلات مهنية وأخلاقية عدة. وفي حين رأى خبراء أن الاتجاه إلى «أسواق التنبؤ» يعكس رغبة في جذب الجمهور المتعطش للمعرفة، فإنهم حذّروا من «تأثير هذا الانخراط على المصداقية»، مطالبين بوضع أطر قانونية وأخلاقية لتقنين استخدامها.

«أسواق التنبؤ» هي منصات رقمية تتيح للمستخدمين المراهنة على احتمالات وقوع أحداث مستقبلية، من نتائج الانتخابات إلى المؤشرات الاقتصادية. وهي قد تكون «شكلاً خطيراً من أشكال المقامرة، يتيح المراهنة على أحداث واقعية دون قيود أو قواعد اقتصادية وقانونية»، أو «قد تكون بديلاً جيداً لاستطلاعات الرأي إذا ما اعتمدت أطراً قانونية»، وفق تقرير لمعهد «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الإعلام.

للعلم، شهدت الفترة الأخيرة اتجاهاً إعلامياً متزايداً لدمج «أسواق التنبؤ» في غرف الأخبار؛ إذ أعلن عن اتفاقات شراكة بين منصة «كالشي» (كل شيء) للتنبؤ في نيويورك، ومؤسسات إعلامية مثل «سي إن إن»، و«سي إن بي سي»، و«فوكس»، و«أسوشييتد برس»، كما وقعت اتفاقات مماثلة بين منصة «بولي ماركت» وكل من «سبستاك» و«داو جونز».

معهد «نيمان لاب» أفاد بأن منصتي «كالشي» و«بولي ماركت» تعملان على ترسيخ وجودهما في سوق صناعة الأخبار. وعادة ما تستخدمان لغة إخبارية في الترويج للمحتوى على منصات التواصل الاجتماعي مثل «عاجل» و«يحدث الآن»، متبوعة بروابط تتيح للمستخدمين المراهنة على الأخبار، لكن «الكثير منها ينطوي على معلومات مضللة».

ليلى دومة، الباحثة الجزائرية في علوم الإعلام والاتصال، عدّت تنامي اهتمام وسائل الإعلام بما يُعرف بـ«أسواق التنبؤ» انعكاساً لمساعي وسائل الإعلام مواكبة جمهور متعطش للمعلومة الفورية والتحليل الاستباقي، في بيئة تتسم بتسارع الإيقاع الإخباري واحتدام المنافسة.

وقالت دومة في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن «أسواق التنبؤ تبدو أداة جذابة؛ إذ تقدم مؤشرات آنية ومُجمَّعة تستند إلى الحكمة، ما يمنحها جاذبية تحليلية وإمكانات تفاعلية تعزز انخراط الجمهور». وذكرت أن تلك المنصات «توفّر للمؤسسات الإعلامية وسيلة جديدة للرصد الاستراتيجي، تساعدها على استشراف الاتجاهات وتغذية تغطياتها بمقاربات قائمة على الاحتمالات».

إلا أن الباحثة الجزائرية تطرّقت إلى «تحديات عميقة» تواجه الانخراط في «أسواق التنبؤ»، تأتي «المصداقية» في صدارتها. وأوضحت أن «أسواق التنبؤ بطبيعتها، لا تُنتج حقائق مؤكدة، بل تقديرات احتمالية قد تتأثر بعوامل نفسية وسلوكية أو حتى بحملات تضليل منظمة، ما يبرز خطر الخلط بين الخبر والتحليل، أو بين المعلومة والتكهن، وهو ما قد يؤدي إلى إرباك المتلقي وتقويض ثقته بالوسيلة الإعلامية».

دومة شددت أيضاً على «ضرورة وضع تأطير صارم لاستخدام هذه الأدوات داخل غرف الأخبار، من خلال تبني معايير واضحة تضمن الشفافية في عرض المعطيات، وتُبرز طبيعتها الاحتمالية، إلى جانب الحفاظ على مسافة نقدية تحول دون الانزلاق نحو الترويج غير الواعي لنتائج غير مؤكدة».

وأردفت: «يمكن لأسواق التنبؤ أن تشكل إضافة نوعية للعمل الصحافي إذا ما أُحسن توظيفها ضمن مقاربة مهنية متوازنة، تجمع بين الابتكار والمسؤولية»، وشددت على أنه «في حال غياب الضوابط، فإنها قد تتحول من أداة تحليل إلى مصدر تشويش ما يهدد أحد أهم أصول الإعلام الموثوق».

وللعلم، تتيح الشراكات الإعلامية مع «أسواق التنبؤ» ظهور بيانات «منصات التنبؤ» على شاشات المؤسسات الإعلامية، ما يقدّم للمشاهد نظرة على ما يمكن أن يحدث مستقبلاً في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصاد، استناداً لتوقعات الجمهور.

من ناحية ثانية، رأى الدكتور أشرف الراعي، الخبير في الجرائم الإلكترونية وتشريعات الإعلام، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «تصاعد اهتمام المؤسسات الإعلامية العالمية بأسواق التنبؤ لا يُعد مجرد تطور تقني، بل يمثل تحولاً بنيوياً في فلسفة العمل الصحافي».

وأردف أن «الإعلام انتقل من موقع نقل الوقائع إلى دور أكثر تعقيداً يقوم على تحليل الاتجاهات واستشراف السيناريوهات المستقبلية، بالاستناد إلى بيانات جماعية ديناميكية تتشكل في الزمن الحقيقي... وأسواق التنبؤ تمنح وسائل الإعلام مؤشرات، قد تسبق الإعلان الرسمي أو النتائج النهائية، ما يخلق ميزة تنافسية كبيرة في بيئة إعلامية تقوم على السرعة والتأثير»، محذراً من أن «هذا التفوق قد يتحول إلى مصدر مخاطر إذا لم يُضبط ضمن أطر مهنية وقانونية واضحة».

وأشار الراعي إلى أن «التحدي الأبرز يتمثل في تآكل الحدود الفاصلة بين الخبر والتوقع، ما قد يؤدي إلى تضليل الجمهور أو خلق تصورات غير دقيقة عن الواقع، لا سيما إذا قُدّمت مُخرجات أسواق التنبؤ بصيغة حقائق مؤكدة».

ولفت إلى أن «هذه الأسواق قد تكون عرضة للمضاربات المنظمة أو التلاعب بالمعلومات، ما يثير تساؤلات جدية حول مسؤولية المؤسسات الإعلامية حال نشر بيانات أو مؤشرات غير موثوقة».

هذا، ولا يقتصر الأمر فقط على إشكاليات مهنية؛ بل يمتد إلى إشكاليات أخرى قانونية، تتضمن، بحسب الراعي، «المسؤولية المدنية والجزائية عن نشر معلومات مضللة أو غير دقيقة، لا سيما إذا ترتب عليها ضرر بالأفراد أو الأسواق. وقضايا حماية البيانات؛ إذ تعتمد بعض منصات التنبؤ على تحليل بيانات المستخدمين وسلوكهم، ما يفرض الالتزام بالتشريعات الخاصة بحماية الخصوصية وعدم إساءة استخدام البيانات. إضافة إلى إشكالية التلاعب بالأسواق؛ حيث قد تُستغل التغطيات الإعلامية نفسها للتأثير على اتجاهات التنبؤ، ما يخلق دائرة مغلقة من التأثير المتبادل بين الإعلام وهذه الأسواق».

ونبّه الراعي، من ثم، إلى أن هناك بعداً تنظيمياً يتعلق بضرورة تحديد الطبيعة القانونية لـ«أسواق التنبؤ»؛ هل تُعامل كمنصات مالية، أم كأدوات تحليل بيانات، أم كمساحات تعبير؟ وقال إن هذا «التصنيف يترتب عليه خضوعها لأطر رقابية مختلفة، سواء من (هيئات تنظيم الإعلام)، أو الأسواق المالية، أو الجهات المختصة بحماية البيانات».

وشدد على أن «الحفاظ على مصداقية الإعلام في ظل هذا التحوّل يتطلب إعادة تأطير العلاقة مع أسواق التنبؤ، بحيث تُستخدم بوصفها مصدراً تحليلياً داعماً لا بديلاً عن العمل الصحافي القائم على التحقق والتدقيق». ثم دعا إلى «تطوير مدونات سلوك مهنية واضحة، تلزم المؤسسات الإعلامية بالإفصاح عن طبيعة هذه البيانات وحدودها، وعدم تقديمها بوصفها حقائق نهائية».

واختتم الراعي بالقول إن «المرحلة المقبلة تستدعي تدخلاً تشريعياً متوازناً يحقق معادلة دقيقة بين تشجيع الابتكار في الإعلام الرقمي، ومنع إساءة استخدام أدوات التنبؤ، ما يضمن حماية الرأي العام وصون الثقة في وسائل الإعلام، باعتبارها ركيزة أساسية في تشكيل الوعي المجتمعي».


آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
TT

آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي»، وهو عمر النضج لهذه المؤسّسة الثقافية الفريدة من نوعها في العالم، والتي تحتلّ موقعاً جغرافياً متميّزاً في العاصمة الفرنسية، حيث تطلّ على كاتدرائية «نوتردام» ونهر السين وباريس التاريخية. ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، كان لا بدَّ من اللقاء بالرئيسة الجديدة الشابة التي تجيد اللغة العربية وتُبدي اهتماماً بالعالم العربي. ولوجاندر هي أول امرأة تُسند إليها هذه المهمّة البالغة الأهمية، نظراً إلى الدور الذي يضطلع به المعهد، ليس فقط على الصعيد الثقافي والفني واجهةً للثقافة والحضارة العربيتَيْن، وإنما أيضاً لما له من امتدادات على الصعيدين الدبلوماسي والاستراتيجي. من هنا، سعت «الشرق الأوسط» إلى التعرّف على رؤية الرئيسة الجديدة لدور المعهد، وكيفية تحديث صورته وتمكينه من تعميق وظيفته مركز إشعاع ثقافياً وحضارياً في «عاصمة النور»، وجسراً للتواصل والتلاقح بين ضفاف البحر الأبيض المتوسّط وما وراءها، وصولاً إلى الخليج وحتى البحر الأحمر.

مساحةٌ تلتقي فيها الثقافات بلا حواجز (أ.ف.ب)

روابط عضوية بين الفاعلين ثقافياً

تقول الرئيسة الجديدة: «الدول المعنية من الجانبين في (معهد العالم العربي) تستحق فتح فصل جديد. ونحن نأمل، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة. والمهم بالنسبة إليّ هو إعادة بناء علاقة أقوى مع الدول المؤسّسة في العالم العربي. وخلال الـ40 عاماً الماضية، تطوَّرت المَشاهد الثقافية في هذه الدول بشكل كبير. ولذا، أودّ أن نتوصل إلى إقامة روابط وثيقة جداً، بل عضوية، مع جميع الفاعلين في المشهد الثقافي لهذه البلدان». واستطردت: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة، وأصبح له موقعه ودوره، ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

قيادة جديدة لمعهد يبحث عن أفق أوسع (أ.ف.ب)

ومن التحوّلات التي تتوقَّف عندها، عودة سوريا إلى الفضاء الثقافي الذي يُعاد بناؤه، مشيرة إلى أنّ سوريا ستكون حاضرة للمرة الأولى منذ 15 عاماً في «بينالي البندقية للفنّ المعاصر» بجناح يضمّ مجموعة من الفنانين السوريين. ولذا، فإنّ المعهد لا يريد أن يكون بعيداً عن هذه العودة، وهو راغب في مساندتها والتفاعل معها.

أهمية تعليم اللغة العربية

ثمة هدف ثانٍ تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. ففي فرنسا، تُعد اللغة الثانية الأكثر تداولاً، ولها علاقات تاريخية وثيقة بالبلد وباللغة الفرنسية، وكانت لقرون رافداً ثقافياً رئيسياً في أوروبا. وثمة حاجة حقيقية في فرنسا وفي عدد من الدول الأوروبية، حيث الجاليات العربية الراغبة في أن يتعلّم أبناؤها اللغة العربية في معاهد واضحة وشفّافة وحديثة. وبنظرها، فإنّ «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة. وما تريده لوجاندر، في مواجهة الصور النمطية السلبية عن اللغة العربية، التي تعكس إما جهلاً بحامليها أو دوافع سياسية، هو أن يتولّى «المعهد» مهمّة الإسهام في انتشارها، خصوصاً أنه يحتضن مركزاً مُعتَرفاً به لتعليمها، وهو مؤهَّل لمنح شهادات مقبولة رسمياً. وطموحها يذهب أبعد من ذلك؛ إذ تريد أن يُعتَرف بإرث هذه اللغة، وأن يجري «تبنّيها» على المستوى الفرنسي. وقالت حرفياً: «لدينا دور نؤدّيه في هذا المجال، يتمثَّل في إظهار أنه ضمن إطار جمهوري، يمكن لهذا التاريخ واللغة والثقافة أن تجد أبهى صور العرض والتقدير، وهو تقدير لا يزال ينقصها اليوم على الساحة الفرنسية».

لوجاندر في الواجهة... والمعهد على طريق التحوُّل (غيتي)

العالم العربي اليوم

لا يستطيع «المعهد» أن يعيش مع محيطه أو يؤثّر فيه أو يتفاعل معه من دون تقديم إنتاج ثقافي. وما تريد لوجاندر الدفع باتجاهه هو بالفعل «تعزيز الإنتاج الثقافي المشترك»، سواء من خلال المعارض أو الأنشطة الثقافية المتنوّعة، بما يعني «تقديم المساعدة للفنانين الشباب العرب على إيجاد فرص، ومساعدتهم على إنتاج أعمال جديدة، وضمان تداخُل المشهدين الثقافيين (هنا وهناك) من خلال تواصل حقيقي». وتأسف لوجاندر لأنه «لا يزال هناك قدر من الجهل في فرنسا وأوروبا بشكل عام تجاه هذه المَشاهد الثقافية العربية الجديدة. وأنا واثقة أننا قادرون على بناء حداثة جديدة معاً، و(المعهد) هو المكان المناسب لذلك». ولأنّ رئيسته لا تريد إثارة الجدل بشأن فكرتها، فإنها تحرص على توضيحها بشكل كافٍ، وتقول: «ما يهمنا هو الرؤية التي يحملها العالم العربي اليوم، والتي يمكن أن تتفاعل مع المشهد الثقافي الأوروبي والفرنسي. وهذا يمرّ، في نظري، عبر بناء روابط أوثق مع المؤسّسات الثقافية في الجانبين، وليس فقط مع الدول على أنها كيانات سياسية، بل أيضاً مع الفاعلين الثقافيين فيها ومؤسّساتها الكبرى، من أجل إنشاء شبكة تعاون في خدمة الثقافة».

الفكرة طَموحة والهدف واضح، لكن ترجمتها إلى واقع تطرح تحدّي التمويل. رئيسة «المعهد»، التي تعمل على إنضاج خطّتها، لديها منذ الآن مجموعة من الأفكار، من بينها استقدام فنانين وعرض أعمالهم، وتأهيل قيّمين على المعارض من المشهد الثقافي العربي، بدلاً من حصر هذه المهمّة بالفرنسيين أو الأوروبيين. وأكثر من ذلك، تشير لوجاندر إلى أنّ «المعهد» بصدد العمل على استحداث مجموعة من الجوائز في قطاعات فنّية متنوّعة، مثل التصميم والأدب والرسم وحتى الموضة، مع توفير إمكانات للإنتاج للفائزين، وإتاحة فضاءات وفرص للعرض، وبناء شراكات مع مؤسّسات فرنسية وغير فرنسية، إضافة إلى توفير إقامات فنيّة للفائزين في فرنسا وأوروبا. والهدف «اكتشاف مواهب ورؤى جديدة ورعايتها، وربطها بالمشهد الثقافي الفرنسي والأوروبي، وفتح آفاق جديدة أمامها».

هنا... تصبح الثقافة لغة مشتركة (أ.ف.ب)

إبراز المنطقة الخليجية

تشمل هذه الرؤية أيضاً دول الخليج، التي لم تحظَ بالقدر الكافي من اهتمام «المعهد»، وهو ما تسعى الرئيسة الجديدة إلى معالجته؛ إذ تؤكد تشجيع التعاون الوثيق مع المنطقة، مشيرة إلى وجود «إمكانات كبيرة للتعاون مع المتاحف الخليجية وإقامة شراكات معها». وتلاحظ أنّ المتاحف التي نشأت في السنوات الأخيرة «رائعة، لكنها تفتقر إلى برمجة واضحة للمعارض أو للأنشطة». كما ترصد معرض الرياض الدولي بوصفه فرصة للتعاون، مشدِّدة على رغبتها في «دخول المعهد إلى الفضاء الخليجي ومشهده الثقافي». وفي هذا السياق، تسعى لوجاندر إلى نفض الغبار عن المتحف وتحديثه.

تحدّي التمويل

كلما كبرت المشاريع، تضاعفت الحاجة إلى تمويلها. ويعيش «المعهد» تاريخياً حالة عجز مالي دأبت وزارة الخارجية الفرنسية على تغطيته. وإنما لوجاندر تؤكد ثقتها باستدامة وضعه المالي، مشيرة إلى نجاحه في تطوير موارده الذاتية من خلال المعارض والأنشطة؛ إذ بات ضمن أبرز 5 متاحف في باريس، ويستقبل ما لا يقلّ على مليون زائر سنوياً. وإلى جانب الدعم المالي السنوي من الدولة الفرنسية، يمتلك «المعهد» صندوقاً بقيمة 51 مليون يورو موظّفاً في أحد البنوك، يوفّر عائدات سنوية، وقد تكوَّن هذا الصندوق من إسهامات الدول العربية.

وتسعى الرئيسة إلى تطوير الموارد المالية لتمويل الأنشطة الجديدة، مع الحرص على أعلى درجات الشفافية في إدارة الميزانية. ومن هنا، تدفع نحو حوكمة جديدة ونظام إداري محدَّث، مع طرح فكرة إنشاء «مجلس أمناء» أسوة بالمؤسسات الأميركية الكبرى، وتعزيز شبكة الداعمين، عبر إشراك شخصيات وهيئات فاعلة في المشهد الثقافي من المجتمع المدني في الجانبين.

صورة «المعهد» بعد 10 سنوات

سؤال أخير لرئيسة المعهد يتناول رؤيتها له بعد 10 سنوات. ويأتي ردها حاملاً كثيراً من الطموحات؛ إذ ترى فيه «محوراً نتمكن من خلاله من ربط مختلف هذه الفضاءات الفنّية والثقافية العربية والفرنسية والأوروبية»، بحيث «يوفّر مساحة تتيح التلاقي والتفاعل». كما تسعى إلى تطوير المتحف الذي يضمه «المعهد» وفق «مفهوم جديد وحديث، يدمج بشكل أفضل الفنون المعاصرة والحديثة (من الجانب العربي)، التي لم نُبرزها بما يكفي حتى الآن. ومن أولوياتنا أن نمنحها حقّها من الاهتمام».

وتضيف لوجاندر: «أرنو إلى أن نستضيف هذا الإبداع المعاصر داخل مؤسّستنا، ثم نعمل على نشره وتشجيعه خارجها أيضاً. ومنطق الجوائز يوفّر دعماً ملموساً للفنانين الشباب». لذلك، ستعمل على «اقتناء أعمال المبدعين العرب الشباب وإنتاجاتهم، فيكون «المعهد» أفضل واجهة لعرض إنتاج هذا الجيل المعاصر».

وأخيراً، ترى في «المعهد» «فضاءً يشعر فيه الفرنسيون بالراحة، فيجدون فيه ما يعكس جانباً من هويتهم، ويجعلهم يتعرَّفون إلى أنفسهم من خلاله».