«سلالم ترولار» رواية الواقع الموازي الذي يتجاوز الخيال

من روايات القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية

«سلالم ترولار» رواية الواقع الموازي الذي يتجاوز الخيال
TT

«سلالم ترولار» رواية الواقع الموازي الذي يتجاوز الخيال

«سلالم ترولار» رواية الواقع الموازي الذي يتجاوز الخيال

ثمة روايات كثيرة تحلّق في الخيال، لكنها تنطلق من الواقع أو تتلاقح معه لتشيّد واقعاً موازياً لا يمكن قراءته إلا بشكل مجازي من دون التفريط بمعطياته الحقيقية التي قد تستدعي نظيراً للبطل المركزي أو أي شخصية مُساندة في النص السردي. ورواية «سلالم ترولار» لسمير قسيمي الصادرة عن «منشورات المتوسط» بميلانو التي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية هي من هذه الروايات الإشكاليّة التي تعتمد كلياً على فكرة بناء «الواقع الموازي» الذي يمتحّ كثيراً من الخيال، لكنه يظل متشبثاً بالواقع الآسيان الذي ينتقده، ويمعن في رسم صورته الممسوخة التي شوّهها القادة المؤلَهون الذين هبطوا من الأعالي وهيمنوا على شعوبهم بسياسة الكذب والتضليل والإيهام.
تنحصر ثيمة الرواية باختفاء الأبواب والنوافذ من العاصمة التي يُرمَز لها بـ«المدينة الدولة» فتُنهَب البيوت والثُكنات والمحال التجارية والمباني الحكومية ولم يصمد منها إلا قصر الحكومة، كما يفرّ السجناء من سجونهم ومعتقلاتهم فيختلط الحبال بالنابل، لكن ما إن يستردّ الكاتب موهبته مباشرة بعد قراءته رسالته المتأخرة خمس سنوات حتى يشرع بالكتابة فتعود الأبواب والنوافذ إلى أماكنها وينحسر ضجيج الشارع لينعم بالهدوء والسكينة ثانية. ومثلما يكمن الشيطان في التفاصيل، فإن أهمية هذه الرواية تكمن في ثيماتها الفرعية التي تؤثث المتن السردي الذي يروي قصة كل شخصية على انفراد سواء في واقعها الحقيقي أو في الواقع الموازي الذي صنعتهُ مخيّلة الروائي سمير قسيمي.
يشتمل الفصل الأول من الرواية على الشخصية المركزية جمال حميدي كما يضع بين أيدينا الخيوط الخفيّة لشخصية أولغا التي تنطوي على بضعة أسرار تتكشف تباعاً، إضافة إلى موح بوخنونة وإبراهيم بافولولو، واثنين متشابهين يدّعي أحدهما أنه شقيق إبراهيم، الذي وافته المنيّة، وجاء لكي يأخذ كل ما له علاقة بتجارته وملابسه التي وضعتها أولغا في محفظة وثلاث حقائب. ولكي نمهّد الطريق إلى القارئ لا بد من القول بأنّ حورية التي سيُطلق عليها اثنان اسم «أولغا» قد وُلدت لأبوين مجهولين ثم تبنّاها السيد إبراهيم بافولولو ومنحها لقبه، وبعد ثلاث سنوات تأكدّ بما لا يقبل الشك أنها مُصابة بالبَرَص، لكن ذلك لا ينفي أن الدماء التي تسري في عروقها هي دماء نبيلة تجعل منها إلهة أو نصف إلهة على أقل تقدير.
لم تكن أولغا جميلة لكنّ المُضّلِلين جعلوها كذلك وأولهم جمال حميدي، كما أغدقوا عليها لقب الشاعرة وهي أبعد ما تكون عن الشعر لأنها غير موهوبة أصلاً، وحينما يقع الحادث المروّع والأليم لجمال حميدي ويُصبح مُقعَداً ونصف عَنِّين تطلّقه وتتركه لحال سبيله، فهو بوّاب رفض طوال أكثر من عشرين عاماً أي نوع من الترقية لأنه كان معتزاً بهذه المهنة التي لا تكلّفه سوى النظر إلى وجوه الداخلين والخارجين إلى مبنى وزارة الثقافة والتلصص عليهم، وقد درّب حاسته السمعية حتى بات يمتلك ذاكرة صوتية مُرهفة يميّز فيها أصوات البشر والحجر والشجر والحيوانات الأليفة التي تقترب من الوزارة أو من محل سكناه.
ينتمي إبراهيم بافولولو إلى جماعة اللامرئيين الذين لا ينتبه إليهم أحد، وهو أصلاً بلا أصدقاء مكتفياً بذاته وابنته حورية التي عادت إلى اسمها الحقيقي بعد أن تخلّت عن اسم أولغا الذي حصلت عليه لأنها تشبه النساء الروسيات في البياض وقوّة الجسم. ثمة أفكار مهمة في الفصل التمهيدي، من بينها ابتكار مُواطن بلا رأس، تحتل بطنه مساحة أكبر من جسده يتمتع بكل الحقوق من بينها سكن بلا مُقابل، وظيفة بلا مؤهلات، علاج مجاني وربما يكون إبراهيم أنموذجاً «للرجل - البطن».
يحتل الكاتب أهمية خاصة في هذه الرواية رغم أنه يبيع كتاباته كي يؤمّن هاجس العيش، فقد أنجز سبع روايات وباعها إلى «الرجل صاحب اسمه»، وبقي هو متخفياً ومجهولاً. وحينما ننبش في تاريخه الشخصي نكتشف أن أمه قد ماتت قبل سبعة أعوام ثم انصرف إلى حياته الخاصة حيث أحبَّ، وتزوّج، وأنجب، وكتب روايات، وسافر إلى الخارج، لكن الظاهرة الفارقة في حياته الإبداعية أنّ الكتابة ارتبطت لديه بالوحدة والانطواء. ولو دققنا في بعض التفاصيل فسوف نكتشف أنها لا تختلف عن تفاصيل الروائي سمير قسيمي نفسه، فكلاهما انتقل من الريف إلى وسط العاصمة، كما أنهما في السنّ نفسها تقريباً، ولعل الاثنين يخشيان انطفاء وهج الموهبة.
بعد أن اختفت الأبواب والمنافذ في العاصمة كلها هبّ مواطنون «بلا رؤوس» من الذين ابتكرتهم الحكومة حديثاً وذهبوا إلى جمال حميدي بوصفه عميد البوّابين، وأهمّ رجل في المدينة الآن فأخبرهم: «انتابني اليوم شعور غامض بحدوث الأمر»، وخطب فيهم لساعتين من دون أن يأتي على ذكر الأبواب والنوافذ المتوارية، فمواطنو «المدينة الدولة» لا يحتاجون إلى إجابات وإنما إلى رجل يُوهمهم بأنه يملك تلك الإجابات التي تخدّرهم وتجعلهم يشعرون بالخط الوهمي الذي يفصل بين عالمهم وعالم الأوغاد. اقترح جمال تشكيل أبواب بشرية تحول بين الآلهة والهمج الراغبين في اقتحام قصر الحكومة.
لا بد من الإشارة إلى أنّ الكاتب اقتنى من بائع جوّال صورة لرجل زنجي وظل يفكر فيه، ومع ذلك بدأ يكتب بلا توقف ولا يعود إلا برواية كاملة يبعثها إلى الرجل صاحب اسمه. ورغم رواياته السبع يشعر بأنه ليس كاتباً وإنما مجرد رجل تعثّر بالكلمات.
تتشكّل الانعطافة الأساسية في حياة جمال حميدي حينما يدعوه «الرجل الضئيل» ويخبره بأنه معجب بجرأته حين يقف أمام الكاميرا ويُوهم الناس بأنه يملك حلولاً لمشكلاتهم، فهو بخلاف السحرة والمشعوذين ورجال الدين قادر على أن يصدّق خِدَعهُ وأوهامه، لكنه يحتاج إلى شخص مثل «الرجل الضئيل» كي يدّربه على عدم قول الحقيقة من دون أن يكون كذّاباً فيخصص له ثلاث ساعات يومياً ويعلِّمه كل حِيل السياسة ودروبها، فالشعوب تفضّل دائماً أن تعيش في واقع موازٍ يُوهمها بالقدرة على تحقيق مصيرها.
كلما يتقدّم الكاتب في روايته يتراجع ضجيج الشارع وتظهر الأبواب والنوافذ تباعاً في شقته ذات الغرفتين المحتفيتين بعزلته، وبعد عشرين يوماً تستعيد المدينة أبوابها ونوافذها المختفية بينما تُشارف روايته الجديدة على الانتهاء، غير أن الرجل صاحب اسمه لا يردّ على مكالمات الكاتب ورسائله البريدية. وفي الوقت ذاته تعلن نشرات الأخبار عن قبول السيد جمال حميدي بتسيير الدولة لحين انتخاب رئيس جديد. يسقط حميدي من كرسيّه في حضرة الرجل الضئيل الذي بقي مستمتعاً بمشاهدته وهو غارق في عجزه. ينتقم الرجل الضئيل من عصام كاشكاصي شرّ انتقام حينما جعله يعيش على الهامش، لكنه يعترف بأنه ظل عصياً على الموت. أما جمال حميدي فقد أعاد أولغا إلى عصمته بينما تمكّن سكّان المدينة الدولة من استبدال وصفهم «الغاشي» بالشعب الذي استحقوه عن جدارة. أما الكاتب الذي اقتنى صورة الزنجي غريجا فسوف نكتشف في خاتمة المطاف أنها وجه الكاتب نفسه الذي قرّر أن يكتب اسمه الحقيقي على الرواية التي تحمل عنوان «سلالم ترولار» لمؤلفها سمير قسيمي.



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».