غضب يمني... ودعوات لإنهاء الانقلاب عسكرياً

TT

غضب يمني... ودعوات لإنهاء الانقلاب عسكرياً

أثار الهجوم الحوثي على مسجد في أحد معسكرات الجيش اليمني في محافظة مأرب، موجة غضب شعبية واسعة، عبَّر عنها السياسيون والناشطون اليمنيون والقادة العسكريون الذين توعدوا بالرد المناسب على الهجوم الذي وصفوه بـ«الغادر».
وطالب الناشطون والسياسيون اليمنيون الحكومة الشرعية وقادة الجيش بسرعة تحريك جميع جبهات القتال ضد الجماعة الحوثية، لإنهاء الانقلاب عسكرياً، بعد أن فشلت كل مساعي السلام في إقناع الجماعة الحوثية بإنهائه سلمياً.
واعتبر الناشط والكاتب اليمني همدان العليي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن تحرير صنعاء هو الرد المناسب على الهجوم الحوثي، إذ قال إن ذلك «سيحمي مأرب والمخا وبقية المناطق المحررة، وإلا سيعود لها الحوثي، والمسألة وقت لا أكثر، اليوم أو بعد سنة أو بعد سنتين أو ثلاث أو أربع» بحسب تعبيره. وأضاف العليي: «في الوقت الذي يلتقي فيه الرئيس عبد ربه منصور هادي بالمبعوث الأممي، من أجل العمل على تعزيز فرص السلام، يقتل الحوثي أكثر من مائة يمني، ويتسبب في إعاقات لأكثر من 80 آخرين».
وتابع قائلاً: «في الوقت الذي يبحث اليمنيون والعالم فيه عن سلام، يستغل الحوثي كل لحظة وكل فرصة وكل ريال يمني، للعمل من أجل الحرب والتمدد والسيطرة والتجريف الفكري». ودعا الكاتب والناشط العليي اليمنيين إلى سرعة حسم المعارك مع الجماعة الانقلابية، وقال: «يجب أن يفهم اليمنيون أنهم إذا لم يذهبوا إلى صنعاء بهدف تحريرها، فسوف يعود الحوثي إلى المخا وإلى مأرب والجوف لاستعادتها؛ لأن الحوثي على الأقل في الوقت الحالي لن يترك مدن النفط والغاز (مأرب والجوف) ولن يترك أهم موقع استراتيجي مطل على البحر، وهي المخا».
أما الباحث والكاتب اليمني عزت مصطفى، وهو رئيس مركز «فنار» لبحوث السياسات، فيرى أن «أهم رد يمكن أن يناقشه اليمنيون اليوم، هو إصلاح منظومة الشرعية بكافة مؤسساتها، وخصوصاً المؤسسة العسكرية، بما يضمن عدم انحيازها أو تجييرها لصالح مشروعات تنظيمية ضيقة أو فئوية فاسدة».
وقال مصطفى في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «إن الحديث عن رد دون إصلاح المنظومة هو حديث عن رد لذر الرماد، وسيكون فاقداً لجدواه وأثره ومكاسبه المحتملة». وبينما شدد مصطفى على «أهمية إجراء مراجعة كبيرة وشاملة وعملية على أسس علمية ومهنية ووطنية»، قال إن ذلك «هو السبيل الوحيد لإعادة بث روح الأمل في نفوس اليمنيين بإمكانية التحرير، وكسر ميليشيات الحوثي الإرهابية، وهو الرد الأمثل على إجرامها؛ لأنه سيقي من وقوع جرائم جديدة، وسيمضي لإكمال التحرير وقطع هذه الجريمة الحوثية من أساسها».
بدوره، قال الباحث والكاتب السياسي اليمني الدكتور فارس البيل: «إن الحديث عن رد مناسب يستلزم أن تكون هناك رؤية مناسبة، وقدرة ملائمة، واستعداد تام»، وهي الأمور التي قال إنه لا بد من أن تكون موجودة لدى الشرعية.
وأضاف البيل في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «بمثل ذلك يمكن الحديث بشكل مثالي عن ضرورة الرد العسكري القوي، أو ضرورة التصحيح الفوري لمسلك القيادة، على الأقل في الجبهات ووزارة الدفاع، إن لم تكن الإقالات والمحاسبة، أو هناك الأعلى، كالحديث عن إنهاء مسار التفاوض السياسي، وإيقاف التعاون مع المجتمع الدولي والأمم المتحدة، وغيرها من الرؤى، أو حتى أصوات الشارع والناس التي نادوا بها ونفَّسوا عن غضبهم عبرها».
ويعتقد البيل أن كل ما سبق من الردود «بمستوياتها منطقية، أو على الأقل ليست متطرفة أو بعيدة عن الواقع»؛ لكنه استدرك بأن «الأرضية التي ينبغي أن تبني الرد وتتحمله هشة؛ وبالتالي فإن الحديث عن ردود مثل هذه أتصورها كالحرث في البحر، من قيادة لم تحقق أدنى مستوى مما ينبغي منها، رغم كل هذا الدعم المهول مادياً ومعنوياً وعسكرياً ولوجستياً من المملكة العربية السعودية والتحالف». وتابع البيل: «الرد المرتجى والمطلوب الذي لن يكون مجرد فورة مؤقتة مهما بلغت قوته، هو أن تمتلك الشرعية زمام المبادرة، أن تستعيد عافيتها وأرضيتها، وأن تُشعر الإنسان اليمني المكلوم أنها معبرة عنه وعن مستقبله ومستقبل بلاده».
ودعا الباحث والكاتب اليمني البيل إلى ضرورة الخروج يمنياً مما وصفه بـ«حالة الفساد والمحاصصة والتنازع الحزبي، والسلبية القاتلة في الأداء والإدارة، إلى التصدي للمهام بجدية وأمانة» معتقداً أن ذلك سيشعر اليمنيين بأن هذه السلطة، مهما بلغت جرائم الحوثي في حقه، ستحافظ على بلاده، وعلى كيان الدولة، ومؤسساته، وعلى حقوقه، وستستعيد الدولة وتهزم الحوثي.
من جهته، ذكر الكاتب والمحلل السياسي محمد الصلاحي، أن الميليشيات الحوثية لم تراعِ حرمة المكان في بيت من بيوت الله، فقصفت مسجداً في المعسكر، وهو ما اعتادت عليه في انتهاك حرمة المساجد ودور العبادة، من خلال قصفها وتفجيرها في أكثر من مدينة، كما أنها لم تراعِ قبل هذا حرمة النفس، فكثير من ضحايا هذه الجريمة مدنيون، كما هو الحال في ضحايا إرهابها وإجرامها في كل اليمن طوال سنوات الحرب.
وأضاف الصلاحي لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الجريمة تعكس بوضوح الوضع السيئ الذي تعيشه الميليشيات الحوثية، وهي تبحث عن أي فعل مهما كان قبحه لتُعلِّق عليه انتصاراً أمام أفرادها الذين يعانون الانهزام النفسي جراء تلاحق هزائمهم في الميدان، وضاقوا ذرعاً من الوضع المأساوي الذي تسبب فيه الحوثي.
وقال الصلاحي إن «الميليشيات الحوثية في الرمق الأخير، فجغرافياً الحرب تضيق عليها في كل الجبهات، والهزائم تلاحقها، في نهم، وجبهات الساحل الغربي، وفي صعدة أيضاً باتت قوات الجيش على مقربة من مسقط رأس زعيمها عبد الملك الحوثي، إضافة إلى أن معظم الجغرافيا اليمنية خارج سيطرتها بعد تحريرها في الشهور الأولى من الحرب، وهذا الوضع العسكري المأساوي بالنسبة لها أفقدها تركيزها، وأسقط صورتها الزائفة التي صنعتها أمام العامة من أنصارها، لذلك تلجأ لارتكاب أي فعل لا أخلاقي في الحرب، لحرف الأنظار عن رؤية مشهد انكسارها الذي يتلاحق يوماً بعد آخر، وفي محاولة بائسة لتزييف واقع انهزامها».
وشدَّد الصلاحي على أن «الحرب أخلاقيات وقيم وأعراف؛ لكن الميليشيات الحوثية لا تؤمن بهذا، ولا تُقره، فطبيعتها الميليشياوية تستند على دموية أفعالها، وتختار ضحاياها من كل فئات الشعب، لا يردعها عن جرائمها وازع ديني ولا أخلاقي ولا عُرف».


مقالات ذات صلة

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
TT

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، خلال اتصالٍ هاتفي مع نظيرته الكندية أنيتا أناند، الجمعة، مستجدات التصعيد في المنطقة، والجهود المبذولة للحفاظ على الأمن والاستقرار.

من جانب آخر، بحث وزير الخارجية السعودي، في اتصالٍ هاتفي تلقاه من نظيره الكوري الجنوبي جو هيون، تطورات التصعيد في الشرق الأوسط، والموضوعات ذات الاهتمام المشترك.

إلى ذلك، أشاد سفراء الدول الأوروبية في الرياض بالجهود التي تبذلها السعودية لصون الأمن والاستقرار بالمنطقة، والحفاظ على أمن أراضي المملكة، والتصدي بكفاءة لكل الهجمات الإيرانية السافرة.

أوضح الاجتماع موقف السعودية تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها (واس)

وأوضح اجتماع عقده المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي مع سفراء الدول الأوروبية، في الرياض، مساء الخميس، موقف المملكة تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها.

وجدَّد السفراء خلال الاجتماع إدانة بلدانهم للاعتداءات الإيرانية الغاشمة على السعودية ودول الخليج، وأخرى عربية وإسلامية، مُعربين عن تقديرهم للمساعدة التي قدمتها المملكة لإجلاء مواطنيهم وتسهيل عودتهم إلى بلدانهم.

حضر الاجتماع من الجانب السعودي، السفير الدكتور سعود الساطي وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية، والسفير عبد الرحمن الأحمد مدير عام الإدارة العامة للدول الأوروبية.


السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.