أينَ اختفى محمد عابد الجابري؟

بعد 9 سنوات على رحيله

محمد عابد الجابري
محمد عابد الجابري
TT

أينَ اختفى محمد عابد الجابري؟

محمد عابد الجابري
محمد عابد الجابري

حمل ديسمبر (كانون الأول) في أيامه الأخيرة ذكرى رحيل أسماء كبيرة إبداعياً وفنياً وفكرياً أيضاً، محمد عابد الجابري واحد من تلك الأسماء التي لم يكن رحيلها سوى بداية لسؤال كبير ومتجدد: ماذا بعد؟
لم يكن محمد عابد الجابري مفكّراً عادياً، ولم يكن كاتب رأي أو مؤلفاً لمجموعة من كتب الفلسفة، بل كان في نظر الكثيرين مدرسة فكرية قائمة بذاتها، ومختلفة عن غيرها من تيارات الفكر السائدة في العالم العربي. لقد حفر الجابري اسمه في ذاكرة الحقيقة كثائر فلسفي حقيقي رفضَ بشدة كل القوالب الموروثة عن منظومة التفكير التقليدية، التي رسّخت لعقود وربما لقرون متعاقبة فكرة النقل المتواتر، وأقصت العقل من كل أدواره الحيوية في الخلق والتجديد والسؤال.
بعد رحلة طويلة امتدت لأكثر من 30 سنة، وأثمرت أكثر من 30 مؤلفاً مرجعياً في الفلسفة والتراث والفكر الإسلامي، كان الجابري على موعد مع الرحيل أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2010. غاب الجابري يومها وبقيت أسئلته المؤرقة حاضرة في فضاء النقاش العام والخاص، على حدّ سواء.
واليوم، بعد تسع سنوات مرّت على هذا الرحيل الكبير، بعد تسع سنوات عاشها عالمنا العربي بظروفها العاصفة سياسياً واجتماعياً، وبمعطياتها المريرة، نتساءل بحرقة: هل ما يزال العقل العربي محتاجاً إلى الإصلاح، أم أن الهدم بات شرطاً مسبقاً لإعادة البناء؟ وهل لا يزال الحديث عن العقل العربي ككتلة واحدة ممكناً أصلاً، وسط فوضى المفاهيم، وفي ظل كل هذه الانتماءات الطائفية والعرقية التي استيقظت فجأة في قلب عالم عربي تبعثره النَّزَعات والنزاعات؟ هل غاب العقل والنقل معاً، وحضرت العاطفة بمعناها التاريخي؟ ووسط كل هذا الجزر المعرفي الحاد ببلداننا، ومع صعود موجات التطرف والانغلاق التي باتت تحاصر حتى النّوايا: تُرَى أين اختفى تراث محمد عابد الجابري، ولِمَ غابت عنّا أفكاره الحيّة؟
لقد دعا الجابري كثيراً إلى إعادة قراءة التراث على نحو حيادي متبصّر لا تحضر فيه العاطفة كعنصر مشوّه للحقيقة، ولا يعني الحياد هُنا أن ننفصل عن وجودنا وكينونتنا الاجتماعية والوجدانية في علاقتنا الجدلية مع تراث الأسلاف، كما لا تعني إعادة القراءة أن نقع في قطيعة مع التاريخ، بل لعلها فرصة لبعث صلة الوصل من جديد بيننا وبين معطيات التاريخ التي نحن جزء من سياقها المتصل، فالعقل العربي، كما يرى الجابري، عقلٌ ماضوي يحن للأصول بوعي... ويحن إليها من دون وعي.
إنَّ الدعوة لإعادة القراءة والفهم تقتضي أن تخرج مجتمعاتنا من سجن التقليد، وهو مسار يقتضي من الفكر العربي أن يغادر خانة «العقل المستقيل» التي جعلته منفصلاً عن اللحظة المعرفية، وعن سؤال الراهن وقضايا العصر والحضارة، إنها دعوة من الجابري لإعادة الإحساس بوجودنا وسط عالم متسارع التحولات... وهي في الوقت نفسه دعوة لمراجعة تلك المتون التراثية التي تسكنها الخرافة، وتجعل من قرّائها مريدين لا باحثين أحراراً عن الحقيقة. إنَّ المصالحة التي يدعو لها البعض لا ينبغي أن تكون مع التراث، لأن ذلك يعني التطبيع مع مكامن الخلل فيه، لكن المصالحة مطلوبة دائماً مع التاريخ الذي نرتبط به في كل الأحوال، وعلينا قراءة أحداثه بموضوعية تنسجم مع رغبتنا في التحرر من قيود الانغلاق والتخلف وعبادة الأساطير النصّيّة... تلك الأساطير القاتلة التي أجرمت في حق عقولنا.
لم يكن الجابري يخفي توجّسه من معطيات المستقبل، لا سيما تلك التي تتعلق بمستقبل الدولة العربية وما يتهددها من أخطار يرجع معظمها إلى أزمة الخطاب السياسي في ظل منظومة مؤسساتية تعيد اجترار نفس الأنساق التقليدية، وتغلفها بقوالب مستحدثة لا حداثية.
ناقش الجابري، في هذا الصدد، مفهوم «العصبية»، مستحضراً منظور ابن خلدون، غير أنه كان أكثر تفاؤلاً إزاء قدرة الدولة في العالم العربي على التخلص من وهم العصبية الدينية كعنصر وحيد للجمع والوحدة... فالاتحاد لا تحدده العصبية فقط، بل هو ممكن أيضاً في إطار تعاقدي مدني حديث يضمن حريات الأفراد، ويتيح للمختلفين حقهم في الشعور بوجودهم المختلف وسط الجماعة. يمكن كذلك للدولة في العالم العربي أن تقوي من وجودها بشرعية العدالة والقيم الحديثة القائمة على مبادئ الحرية والتعايش وآليات الحوار والتبادل. نستحضر كل هذه الأفكار في أدبيات الجابري، ونحن نرى اليوم جيلاً جديداً من العصبيات الفئوية تنهش أجساد قسم كبير من الدول العربية، وتسعى لإقامة دويلات داخل الدولة الواحدة. لم يتغير المنطق كثيراً، فالعصبية لا تزال هي المحرك الأساسي لمشروعات هذه الدّويلات. نرى اليوم كيف تبسط سلطة الميليشيات الطائفية سيطرتها على دول بكاملها في العالم العربي، لقد اعتقلت هذه الميلشيات مفهوم المواطنة، وأنهت عمل المؤسسات، وأعادت عدداً من بلداننا إلى مرحلة «ما قبل الدولة»، يحدثُ كل ذلك نتيجة لاستغلال هذا النوع من «العصبية» البراغماتية في سياقات سياسوية ضيقة تعتاش على الأمراض الطائفية، وتجعل من مسألة الولاء للخارج وأجنداته وجهة نظر تُحترم!
من هنا تكمن خطورة الأدوات التقليدية التي أهملت الدولة العربية مسار تطويرها، وأهملت معها وظيفة التجديد. إنّ أهم ما يمكننا أن نقف عنده اليوم في أدبيات الجابري هو الحاجة الملحة للنقد، فهو السبيل الوحيد لإعادة بعث الحياة في قلب مجتمعات عربية أنهكها الجمود، والنقد هنا يشبه عملية رياضية منطقية تستند في حيثياتها إلى قاعدة اشتغال نفعيّة تقبل العناصر الإيجابية، حتى وإن كانت وليدة الماضي، وتلفظ في الوقت نفسه كل الشوائب التي حملتها أمواج النّقل، وعلقت بذاكرتنا الجماعية، بل وتحكمت في محرّك الوعي وعطلته عن العمل.
إن العالم العربي هو أحوج ما يكون اليوم إلى خطاب العقل الشفاف الذي لا ينتمي إلا لذاته الواعية، ولا يصبو سوى للحقيقة الصافية دون تشويه ودون خرافة... «نحن لا نمارس النقد من أجل النقد، بل من أجل التحرر من كل ما هو ميّت أو متخشب في كياننا العقلي وإرثنا الثقافي»، قال الجابري ذلك قبل سنوات عديدة، فما الذي سنقوله نحن اليوم.
- كاتب وشاعر من المغرب



«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»

«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»
TT

«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»

«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»

في العدد 718 (سبتمبر/أيلول - أكتوبر/تشرين الأول 2026) من مجلة «القافلة» السعودية التي تصدرها شركة «أرامكو»، يتأمل الدكتور عبد الله المطيري معنى السياحة بوصفها حالةً وجودية تتجاوز التنقل، والترفيه، مستكشفاً جذورها اللغوية، والفلسفية.

كما يتتبّع الكاتب محمود مبشر، نشأة صناعة الورق في سمرقند، مستعرضاً الجدل حول أصولها، وتطورها، وكيف أسهمت تحسينات الصُنّاع السمرقنديين في إنتاج الورق الذي أصبح ركيزةً لازدهار التأليف، والنسخ، وانتشار المعرفة في الحضارة الإسلامية.

الإرهاق الوظيفي

وتطرح قضية العدد مسألة «الإرهاق الوظيفي»؛ عن جذوره، وتداعياته، وطرق تشخيصه، وسبل الوقاية منه، والتعافي. كما يتتبّع فريق «القافلة» جذور المفهوم منذ ظهور «الوهن العصبي»، وصولاً إلى تبلور مصطلح (Burnout)، والاعتراف به من منظمة الصحة العالمية، مستعرضاً أسبابه النفسية، والاقتصادية، والمهنية. حيث يميّز هادي الدخيل بين ضغوط العمل الطبيعية والاستنزاف المزمن، ويتحدث عن العلامات الخفية للإرهاق، وتطوّرها التدريجي. ويناقش الدكتور أحمد الخلف آثار الإرهاق الوظيفي في الصحة النفسية، والجسدية، والحياة الشخصية، وسبل الوقاية، والتعافي. أما نايف الفهد، فإنه ينظر إلى المشكلة من زاوية المنظمات، مؤكداً ارتباطها بثقافة العمل، وأساليب الإدارة، وتوزيع الأعباء.

عالم التوحش الرقمي

في أدب وفنون، تناقش بثينة العيسى حال النشر في عالم التوحش الرقمي، وكيف أسهمت الفيديوهات القصيرة واقتصاد الانتباه في تراجع القراءة.

وتشير العيسى إلى دراسةٍ أميركية امتدت من 2003 حتى 2023، وجد فيها الباحثون أنَّ «القراءة من أجل المتعة» بين الشَّباب قد انخفضت بنسبة 40 في المائة خلال عشرين عاماً. وربطت هذه الدِّراسة بوضوحٍ بين تطوُّر البيئة الرقمية وتراجع القراءة.

وقالت: ليس من المبالغة القول إنَّ شركات التكنولوجيا قد نجحت في توجيه الضربة الأقسى للكتاب عبر التاريخ، ووحده المستقبل سيكشف إن كانت ضربةً قاصمة أم لا، وإن كان الكتاب قادراً على النَّجاة هذه المرة أم لا، وبأي شكلٍ؟ وما الثمن؟ لكن الضربة أسوأ من (...) إلقاء مخطوطات «بيت الحكمة» في نهرِ دجلة على يد المغول؛ إذ لم ينجح أيٌّ من هؤلاء في التسبّب في نكوصٍ قرائي بنسبة 40 في المائة، مهما أرادوا ذلك.

وتقول الكاتبة: الكتاب كائنٌ مشاغب، رعوي، ولا يمكن ضبطه، ينجو باستمرارٍ من المنع، والحرق، والغرق، ويتحالف مع الورّاقين من حفظة الذاكرة، ومع القراصنة، والمهرِّبين، والصعاليك إن اقتضى الأمر. تمتَّع الكتاب، عبر التاريخ، بمرونة قتالية مدهشة، وقد انتصر غالباً أمام الفاشية، لكنه اليوم يحاربُ خصماً مختلفاً تماماً، وفي معركةٍ مختلفة تماماً، وبأدواتٍ مختلفة تماماً، فهل سينجو؟ ومرَّة أخرى: بأي شكل؟ وما الثَّمن؟

وتضيف: هذا شيءٌ لم نتخيل أن نقوله في يومٍ من الأيام، لكننا لو خُيّرنا بين الرقابة الكلاسيكية والعيش في مناخ رقمي مملوء بالكتب التي لا يقرأها أحد، لاخترنا الرقابة في شكلها الأوَّل، الواضح، والصريح؛ لأن محاربتها أسهَل، ولأنها لا تخفي آثارها بهذه البراعة، ولا تجعل الواحد منّا يشعرُ بفشله الشخصي بسبب اعتلالٍ بُنيوي في المنظومة. ففي حين تستهدف الرقابة الكلاسيكية منع الكتب نفسها، تعمل المنصات الرقمية على تقويض قدرتنا على القراءة، من دون أن تضطر إلى منع كتابٍ واحد، أو شيطنته. وقد وجدت نبوءة راي برادبيري في روايته «451 فهرنهايت» فرصةً للتحقق أخيراً: «لست مضطراً إلى حرق الكتب لتدمير الثقافة، كل ما عليك فعله أن تُوقف الناس عن قراءتها».

وتقول العيسى: لقد نجح رأس المال الحر، في الشمال العالمي «المتحضّر»، في تحقيق ما لم تنجح الرقابة في تحقيقه قط. وتضيف: من الواضح أننا لا نعيش في عالم أورويل القائم على القمع الصريح، بل في عالم هكسلي الذي يرتكز على التخدير، والترفيه المتواصل، فما الذي حدث فعلاً؟ وأين نحن من نبوءة أورويل في رواية «1984»، بأن وسيلة التحكّم في الأفراد هي الألم، ونبوءة هكسلي في رواية «عالم جديد شجاع» التي تصوّر المتعة وسيلةً للتحكّم في الأفراد؟ وبعبارة موجزة: خشي أورويل أن يدمِّرنا ما نكرهه، وخشي هكسلي أن يدمِّرنا ما نحبُّه.

آداب وفنون

وفي هذا العدد من «القافلة» يتتبّع بدر الدين عرودكي المسيرة الإبداعية للكاتبة الفرنسية نيللي آلار، من التمثيل، وكتابة السيناريو، إلى الرواية. وفي زاوية شعر نقرأ نصًّا للشاعرة جيهان عمر. ويناقش ياسر مدخلي إدارة المشاريع الإبداعية، والتحوّل الذي يشهده القطاع الثقافي السعودي من نشاط إبداعي إلى صناعة اقتصادية. ويستعرض خليل صويلح سيرة أبي خليل القباني، رائد المسرح العربي الحديث، ورحلته من دمشق إلى القاهرة، وشيكاغو. ويتتبّع يوسف الحربي تحوّل العمل الفني من منجز جمالي إلى أصلٍ استثماري، ودور المزادات والإعلام ورأس المال في صناعة قيمته السوقية. ويناقش حمادي كيروم محاولات اقتباس رواية «مدام بوفاري» سينمائياً، واختلاف رؤى جان رونوار وكلود شابرول وفنسنت مينيلي في نقل عالم فلوبير إلى الشاشة. ويتحدث الدكتور فراس طرابلسي عن تطوّر الموسيقى التصويرية من إضافة جمالية إلى شريكٍ أساسي في بناء السرد السينمائي، وصناعة المعنى. فيما يعرّفنا طاهر الزهراني على تجربة الفنانة السعودية زهرة الغامدي، التي تستلهم أعمالها التركيبية من الأرض، وذاكرة المكان، والطبيعة الجنوبية.

علوم وآفاق

وفي علوم، تناقش الدكتورة ندى الأحمدي تطوّر فهم الأحلام في أبحاث علم الأعصاب الحديثة، وإمكانات «هندسة الأحلام»، وحدودها الأخلاقية. ويتحدث علاء حليفي عن «المدن الإسفنجية»، بوصفها نموذجاً عمرانياً يتعايش مع دورة الماء، ويسهم في الحد من الفيضانات. ويتأمل محمد سناجلة تطورات الحوسبة العاطفية، وإمكان إنشاء «متحف للعواطف» يحفظ آثار المشاعر الإنسانية. فيما يتناول الدكتور فهد المرشدي الفيتامينات، ومصادرها، ومخاطر نقصها، أو الإفراط فيها، مؤكداً أنها ليست بديلاً عن نمط الحياة الصحي. ويتناول محمد الصيعري رهان الحوسبة الكمّية، والتجربة السعودية في هذا المجال، مسلطاً الضوء على إطلاق أول حاسوب كمّي في المملكة، وأول منصة تجارية للحوسبة الكمّية في الشرق الأوسط.

وفي آفاق، يكتب عبد الله الضامن عن «فخ الغضب»، وكيف تستثمر المنصات الرقمية الانفعال والسخط لزيادة التفاعل، فيما يناقش الدكتور خالد حنفي أثر الخوارزميات في صعود الشعبويات الرقمية، وتشكيل الوعي، والسلوك، والهوية. وتتحدث مهى قمر الدين عن تحوّل الهدوء من حاجة إنسانية فطرية إلى سلعة وامتياز في عالم يزداد ضجيجاً. ويأخذنا هشام الحميد إلى كوبا، مستعرضاً ملامحها التاريخية، وعمارتها، وسياراتها الكلاسيكية، وثقافتها النابضة بالموسيقى، والفنون.

وفي «فكرة العدد»، تستعرض مهى قمر الدين تجربة اللوحات البنية على الطرق السريعة في فرنسا، وكيف تحوّلت من أدوات إرشادية إلى وسائط بصرية وثقافية تجمع بين التصميم، والفن، والسياحة، والسلامة المرورية.

ويتحدث ملف العدد عن «النسيان»، بوصفه وظيفةً بيولوجية ضرورية، لا مجرد خلل في الذاكرة. حيث يتناول الدكتور عبد الله العقيبي دور النسيان في التكيّف، واتخاذ القرار، والفرق بين النسيان الطبيعي والمرضي، كما يستعرض حضوره في الأدب، والفنون، والذاكرة الجمعية، ومحاولات الإنسان مقاومته بالكتابة، والتقنية، وصولاً إلى دوره في تشكيل التجربة الإنسانية، والهوية الفردية.


الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
TT

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)

سيزور الملك تشارلز ملك بريطانيا والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الأربعاء، المعرض الذي يضم نسيج بايو التاريخي، وهو عمل مطرز يعود إلى ما يقرب من 1000 عام ويصوّر غزو وليام الأول، وهو من أجداد الملك، لإنجلترا في عام 1066.

وبموجب اتفاق مع الحكومة الفرنسية، تمت إعارة النسيج، الذي يبلغ طوله 70 متراً، إلى المتحف البريطاني من مقره في شمال فرنسا ليُعرض على الأراضي الإنجليزية لأول مرة منذ صنعه.

ويروي هذا النسيج المطرز الأحداث التي قادت إلى معركة هيستنغز الشهيرة وهزيمة الملك الأنغلوسكسوني هارولد الثاني على يد النورمان. ويعتقد المؤرخون أن الأسقف أودو شقيق وليام أمر بصنع النسيج وأن خياطات إنجليزيات في منطقة كنت تولين تطريزه.

وينحدر جميع ملوك إنجلترا منذ ذلك الحين، بمن فيهم الملك تشارلز، من نسل وليام. ويمثل غزوه لإنجلترا آخر غزو ناجح للبلاد، ويعتبر عام 1066 من أشهر الأعوام في تاريخها.

وكان الإقبال كبيراً على مشاهدة هذه التحفة الفنية التي تعود إلى العصور الوسطى لدرجة أن الدفعة الأولى من التذاكر، التي قد يصل سعرها إلى 33 جنيهاً إسترلينياً، نفدت بالكامل، مما حقق إيرادات تقارب 2.5 مليون جنيه إسترليني (3.4 مليون دولار) ليصبح هذا أكثر معارض المتحف بيعاً للتذاكر.

وقال قصر بكنغهام إن الملك تشارلز وزوجته الملكة كاميلا سينضم إليهما ماكرون وزوجته، إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام، لتفقد النسيج الطويل ودراسة أبرز مشاهده، مثل تتويج هارولد غودوينسون وواقعة قتله الشهيرة بسهم خلال المعركة.

وجرى تأكيد إعارة النسيج في يوليو (تموز) خلال زيارة رسمية أجراها ماكرون إلى بريطانيا، وتعد الخطوة رمزاً لتعزيز العلاقات بين البلدين بعد الخلاف الذي أعقب تصويت بريطانيا في 2016 لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي. وتربط الملك والرئيس علاقة ودية.

وقال بورنهام، الذي من المقرر أن يجتمع مع ماكرون في داوننغ ستريت غداً، الخميس، في بيان «تمثل عودة نسيج بايو إلى إنجلترا لحظة تاريخية لبلدينا، وأريد أن يتمكن الناس في كل أنحاء البلاد من الاستمتاع به».

وأضاف: «بينما نحتفل بتراثنا المشترك، سنواصل أنا والرئيس ماكرون تعزيز العلاقة بين بلدينا».

ووصل النسيج إلى بريطانيا في يوليو في رحلة نظمتها فرنسا بعناية، إذ نقل داخل صندوق مكيف ومقاوم للاهتزاز تحت حراسة الشرطة.

ومن المقرر أن يفتح المعرض أبوابه أمام الجمهور في المتحف البريطاني في العاشر من سبتمبر (أيلول) حتى يوليو من العام المقبل.


حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب
TT

حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب

يردد بعض النقاد المنحازين للحداثة وما بعدها، وصف الشعراء الذين تطفح قصائدهم بالعاطفة بالشعراء الغنائيين، ويبدو أن هذه الصفة ليست مدحاً، بل هي جزء من مؤاخذتهم على القصيدة الغنائية. وكأن الغنائية، في هذه الرؤية، قد أصبحت تهمة نقدية ينبغي للشاعر الحديث أن يتخلص منها، أو على الأقل أن يخفف من حضورها في قصيدته، حتى لا يُحسب على الشعر الذي ينتمي إلى مرحلة شعرية تجاوزتها الحداثة في نظرهم.

وليس الاعتراض هنا على مصطلح «الغنائية» في ذاته، فهو مصطلح نقدي أصيل، وله حضوره في تاريخ الشعر العربي والعالمي، وإنما على الحمولة التي أُضيفت إليه في بعض التصورات النقدية الحديثة؛ إذ لم يعد يدل على طبيعة التجربة الشعرية وارتباطها بالذات والانفعال والموسيقى، بل صار يُستعمل أحياناً بوصفه علامة على تقليدية القصيدة وذاتيتها، ولم يبلغ ـ في تصور بعض النقاد ـ درجة كافية من التعقيد أو الانفتاح أو التشظي.

والغريب أن العاطفة، التي كانت في تاريخ الشعر واحدة من أهم عناصر الشعرية، أخذت تُعامل في بعض القراءات الحديثة بحذر شديد، وكأن حضورها الكثيف يهبط بالنص من مرتبة الشعر إلى مرتبة البوح. وهنا يقع خلط واضح بين العاطفة بوصفها مادة إنسانية، والتعبير الساذج عنها بوصفه ضعفاً فنياً. فليست المشكلة أن يكون الشاعر عاطفياً، وإنما المشكلة في كيفية تحويل العاطفة إلى بناء شعري قادر على تجاوز الانفعال الشخصي إلى تجربة إنسانية قابلة للتلقي والتأويل.

فامرؤ القيس والمتنبي وأبو تمام وأبو فراس والمعري، وغيرهم من كبار الشعراء، لم يكونوا غرباء عن ذواتهم ومشاعرهم، بل إن جانباً كبيراً من خلود شعرهم جاء من قدرتهم على تحويل التجربة الخاصة إلى لغة تتجاوز صاحبها. وحتى في الشعر الحديث، لا يمكن فهم كثير من التجارب الشعرية الكبرى من دون الاعتراف بمركزية الذات والانفعال والحنين والحزن والحب والاغتراب. إن قصيدة السياب، مثلاً، لا تفقد حداثتها لأنها مشبعة بالعاطفة، كما أن شعر محمود درويش لا يصبح أقل حداثة لأن الذات والحب والوطن والذاكرة حاضرة فيه بقوة.

محمود درويش

المشكلة إذن ليست في الغنائية، وإنما في اختزال الشعر إليها. فإذا كانت القصيدة مجرد انفعال مباشر، فقد تكون معرضة للفقر الفني مهما كان موضوعها. أما إذا استطاع الشاعر أن يصوغ انفعاله في صورة ورمز وإيقاع وتركيب لغوي ودلالي، فإن الغنائية تصبح عنصراً من عناصر الشعرية، لا نقيضاً لها.

واللافت أن بعض النقاد الحداثيين بالغوا في الاحتفاء بالتجريب واللغة المنفلتة من المرجع، وجدوا أنفسهم أحياناً أسرى ثنائية مصطنعة: قصيدة غنائية قديمة في مقابل قصيدة حداثية، وذات شاعرة في مقابل نص مستقل، وموسيقى في مقابل تفكيك، ووضوح في مقابل غموض. وكأن الحداثة لا تتحقق إلا بإقصاء ما سبقها، لا بإعادة قراءته واستثماره وتجاوزه بصورة إبداعية.

والحقيقة أن الشعر لا يتقدم بإلغاء خصائصه الأولى، وإنما بإعادة تشكيلها. فالقصيدة الحديثة تستطيع أن تكون غنائية وتجريبية في الوقت نفسه، وأن تحتفظ بالعاطفة من دون أن تقع في المباشرة، وأن تستثمر الإيقاع من دون أن تكون أسيرة النموذج الموروث، وأن تجعل من الذات منطلقاً لرؤية تتجاوز الذات.

ومن هنا تبدو تسمية الشاعر بـ«الغنائي» بحاجة إلى قدر من التروي النقدي. فإن أريد بها وصف طبيعة شعره، فهي تسمية مشروعة لا تحمل ذماً ولا مدحاً في ذاتها. أما إذا أريد بها إدانة الشاعر لأنه يمنح العاطفة والذات مساحة واسعة في تجربته، فإن الأمر يتحول من توصيف نقدي إلى حكم مسبق تحكمه ذائقة آيديولوجية أو حداثية معينة.

ولعل أخطر ما في هذه النظرة أنها تنقل مركز الحكم من النص إلى التصنيف؛ فيُقرأ الشاعر أولاً بوصفه غنائياً أو حداثياً أو ما بعد حداثي، ثم يُقرأ شعره على ضوء التصنيف، بدل أن يكون النص نفسه هو الذي يفرض أدوات قراءته. وهنا يفقد النقد شيئاً من وظيفته الأساسية؛ لأن الناقد لا يعود مكتشفاً لجماليات النص وطرائق اشتغاله، بل يصبح موظفاً في منظومة تصنيفية جاهزة.

إن الشعر في جوهره لا يُقاس بكمية العاطفة فيه، ولا بكمية العقل، ولا بدرجة اقترابه من الحداثة أو ابتعاده عنها، وإنما بقدرته على تحويل التجربة الإنسانية إلى لغة ذات قيمة جمالية ودلالية. ولذلك لا ينبغي أن تكون الغنائية تهمة، كما لا ينبغي أن تكون الحداثة شهادة جودة تلقائية.

فقد تكون القصيدة غنائية، لكنها عميقة ومركبة ومفتوحة على أسئلة الإنسان والوجود، وقد تكون حداثية في شكلها ومصطلحاتها، لكنها فقيرة في التجربة والانفعال. وفي الحالتين لا تنقذ التسمية النص من الحكم النقدي، ولا تدينه. وحده النص هو الذي ينبغي أن يكون في قفص الاتهام، لا الشاعر بسبب انتمائه إلى طريقة شعرية أو حساسية جمالية معينة.

إن النقد الحقيقي لا يسأل الشاعر: لماذا كنت غنائياً؟ بل يسأل: ماذا صنعت بغنائيتك؟ وكيف حولت عاطفتك إلى شعر؟ هنا فقط يصبح الحكم جمالياً وفنياً، بعيداً عن المحاكمات المسبقة التي تجعل من بعض خصائص الشعر العربي تهماً ينبغي التخلص منها لمجرد أنها لا تنسجم مع ذائقة نقدية عابرة.