وزير الخارجية الصومالي: تكتل البحر الأحمر سيواجه الإرهاب والقرصنة وتهريب السلاح

عوض قال لـ«الشرق الأوسط» إن «السعودية أكبر داعم لنا منذ الاستقلال»

وزير الخارجية الصومالي أحمد عيسى عوض
وزير الخارجية الصومالي أحمد عيسى عوض
TT

وزير الخارجية الصومالي: تكتل البحر الأحمر سيواجه الإرهاب والقرصنة وتهريب السلاح

وزير الخارجية الصومالي أحمد عيسى عوض
وزير الخارجية الصومالي أحمد عيسى عوض

أشاد وزير الخارجية والتعاون الدولي في الصومال أحمد عيسى عوض، بالدور الكبير الذي تقوم به المملكة العربية السعودية في العالمين العربي والإسلامي، مشيراً إلى أن المملكة تعد أكبر داعم للصومال منذ الاستقلال.
وفي حديث مع «الشرق الأوسط»، تحدث عوض عن إطلاق الكيان الجديد للدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، وقال إنه سيواجه تحديات جمّة منها الإرهاب والقرصنة، والهجرة غير الشرعية، وتهريب السلاح والتلوث البحري، مشيراً إلى أن اختيار الرياض مقراً له يأتي لأن السعودية دولة محورية في هذا المجلس.
وتحدث السفير عوض كذلك عن مستجدات الأوضاع في منطقة القرن الأفريقي، والعلاقة بين الصومال ودول الجوار، ورياح التغيير والانفتاح بين دول القرن الأفريقي وكذلك عن الأحداث المتوقعة في هذه المنطقة خلال العام الجاري والتغييرات التي قد تنتج عن ذلك، وعن توجهات سياسة الصومال الخارجية. كما تحدث أيضاً عن الخلاف البحري بين الصومال وكينيا الذي تنظر فيه محكمة العدل الدولية والمتوقع صدور حكمها منتصف هذا العام.

> تم الإعلان رسمياً عن إطلاق مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، وشاركت فيه ممثلاً عن الصومال، فما فكرة هذا التكتل الجديد وأهدافه؟
- بدأت جهود إطلاق هذا المجلس منذ أكثر من سنة ويجمع 8 من الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، وهي: السعودية، ومصر، والأردن، والسودان، وجيبوتي، واليمن، والصومال وإريتريا. واتفقت على أن يكون مقر المجلس في العاصمة السعودية الرياض باعتبارها الدولة الرائدة والمحورية في المجلس.
ومن أهدف المجلس الأساسية التنسيق والتشاور حول هذا الممر المائي الحيوي الذي يمثل أهمية اقتصادية وتجارية واستثمارية للاقتصاد العالمي بأكمله، باعتبار البحر الأحمر المعبر الرئيسي للتجارة العالمية بين دول شرق آسيا وأوروبا.
وأشير هنا أيضاً إلى أن الأخطار والتحديات التي تواجه الدول الأعضاء في هذا المجلس متشابهة ومترابطة، وأبرزها القرصنة، والإرهاب، والهجرة غير الشرعية، وتهريب السلاح، والتلوث البحري، وكلها أخطار حقيقية تستوجب من هذه الدول التعاون ليكون هذا الممر المائي آمناً، لأنه لا يؤثر فينا فقط وإنما على أجزاء كبيرة من العالم.
نحن الآن أنهينا مرحلة التوقيع على الميثاق، وستتلوه الخطوات العملية لجعل هذا المجلس تكتلاً سياسياً وأمنياً واقتصادياً في منطقة البحر الأحمر وخليج عدن، فهذا المجلس يضم كتلة بشرية وجغرافية مهمة والصومال حالياً مؤهل ومستعد لأن يلعب دوراً بارزاً في هذا المجلس.
> هناك تكتل ثلاثي آخر يتشكل في منطقة القرن الأفريقي يضم إثيوبيا والصومال وإريتريا، فهل هذا بديل مصغر عن منظمة الـ«إيقاد»؟
- هذا تعاون ثلاثي في مجالات معينة وليس بديلاً عن منظمة الـ«إيقاد» (معنية بالسلام في منطقة القرن الأفريقي وتتكون من 8 دول)، فالـ«إيقاد» منظمة قائمة وفاعلة وتتحول حالياً إلى تكتل اقتصادي يماثل التكتلات الاقتصادية الإقليمية في القارة الأفريقية. الدول الثلاث تجمعها حالة خاصة في المنطقة، فالصومال وإثيوبيا كانتا في حالة عداء طويل، وكذلك الحال بين إثيوبيا وإريتريا. وهذان النزاعان هما الأطول في القارة الأفريقية في التاريخ الحديث، حتى إن العالم كاد يصل إلى قناعة بأن هذه المنطقة ميؤوس منها، ونحن أدركنا خطورة ذلك على مستقبل الشعوب في هذه المنطقة ولذلك نريد أن نتجاوز هذا الصراع وأن نفتح صفحة جديدة بين الدول الثلاث.
> ألا يبدو أن القيادات في الدول الثلاث (إثيوبيا والصومال وإريتريا) وبالذات القيادة الإثيوبية تقفز فوق عقود من العداء والصراعات وربما بضغوط خارجية كما يقال، دون التمهيد لذلك في إجراء مصالحة حقيقية تتجاوز الأنظمة إلى الشعوب؟
- ليس هناك قفز على التاريخ ولا على الأحداث، وليس هناك ضغوط خارجية أدت إلى هذا الانفتاح بين الدول الثلاث، وإنما هو إدراك منّا أنه لا يمكن الاستمرار في هذا الطريق المسدود الذي أدى إلى إفقار شعوبنا والتخلف في كل المجالات، فيما العالم يتغير من حولنا، فخيار الانفتاح كان ضرورياً وإلا فإن الزمن كان سيتجاوزنا، ونحن تصارحنا في هذا الأمر واتفقنا على إنهاء هذه القطيعة للأبد.
صحيح أننا شهدنا حالة عداء قومية وسياسية ودينية، ليس لعقود فقط، وإنما لقرون أيضاً، ولكن إلى متى نكون رهينة للتاريخ ومحبوسين فيه في وقت يتغير فيه العالم من حولنا، وليس بمقدورنا تغيير الجغرافيا، وأصارحك القول بأننا كصوماليين من أكثر المستفيدين من أي انفتاح في المنطقة. فالصوماليون يشكّلون القومية الثانية في شرق أفريقيا (بعد الأورمو) وموزعون في كلٍّ من إثيوبيا وكينيا وجيبوتي، إضافة إلى جمهورية الصومال، والصوماليون هم الذين يقودون النشاط التجاري في المنطقة وهم عنصر مهم في النشاط الاقتصادي. وسياسياً الصوماليون لهم دور بارز في النشاط السياسي في هذه الدول وهم مواطنون أصليون فيها كغيرهم من القوميات الأخرى. فالصومال والصوماليون كانوا أكبر ضحية للنزاع في القرن الأفريقي الطويل في السابق، ولأسباب متعددة. ومن الطبيعي أن يكونوا من أكبر المستفيدين من الانفتاح السياسي والاقتصادي والثقافي فيها أيضاً.
على سبيل المثال، فإن التنقل بين مقديشو وأديس أبابا وأسمرا يستغرق حالياً ساعات قليلة، بينما كان ذلك مستحيلاً قبل وقت قصير، والكل مندهش الآن كيف حصل ذلك، ولكننا أنفقنا جهداً كبيراً في تحقيق هذا الأمر.
> من المتوقع أن تشهد منطقة القرن الأفريقي أحداثاً مهمة في العام الجديد (2020)؛ انتخابات في كل من الصومال وإثيوبيا وجيبوتي، وكذلك صدور قرار محكمة العدل الدولية حول خلاف الحدود البحرية بين كينيا والصومال، فكيف تقرأون هذه الأحداث المتوقعة؟
- هذا العام مهم لمنطقة القرن الأفريقي والأحداث التي ذكرتها في سؤالك تؤثر بشكل كبير في المنطقة. وبخصوص الانتخابات فإنه ومع تقديرنا للتجربة الديمقراطية في كل دولة في المنطقة وخصوصياتها، لكن ما يهمنا هو أن يكون هناك تداول سلس وسلمي للسلطة في جميع دول المنطقة ومشاركة سياسية حقيقية لكل مكونات هذه الدول، وذلك من شأنه أن يسهم في استقرار المنطقة. وفيما يخص حكم محكمة العدل الدولية فإننا نؤمن ونتمسك بحقنا في ملكية المنطقة التي تنظر فيها المحكمة ونثق بأن يصدر الحكم لصالح الصومال.
وإضافة إلى ذلك، فهذا العام يصادف الذكرى الستين لاستقلال الصومال، وهذه فرصة لمراجعة هذه المسيرة واستخلاص الدروس، وتصحيح الأخطاء على الأصعدة كافة. وكذلك هذا العام يصادف الذكري العشرين لميلاد الجمهورية الصومالية الثالثة، في مؤتمر المصالحة الذي عُقد في مدينة «عرتا» بجيبوتي، وهذا المؤتمر أنهى الفراغ السياسي الذي حصل نتيجة الحرب الأهلية، وهذا المؤتمر كان القاعدة الأساسية للحكم في الصومال خلال العقدين الماضيين. وهذه أيضاً فرصة أخرى للتقييم والمراجعة. وأنتهز الفرصة هنا لتوجيه الشكر إلى الشعب الجيبوتي والرئيس إسماعيل عمر جيلي، الذي سخّر موارد دولته لمساعدة الصوماليين على الخروج من الحرب الأهلية وتأسيس نظام حكم مستقر خلال السنوات العشرين الماضية.
> ما أهم ثوابت السياسة الخارجية للصومال؟
- الصومال كانت معروفة تاريخياً بالحياد الإيجابي في سياساتها الخارجية، ونحن نستمر في هذا النهج مهما استطعنا. تبدأ علاقتنا الخارجية مع دول الجوار التي نتشارك معها العيش في منطقة جغرافية مضطربة، لكنها واعدة من حيث المستقبل الاقتصادي. نعمل على تقليل الخلافات إلى أدنى حد ممكن وتوسيع آفاق التعاون. فعلاقتنا بدول الجوار ليست فقط مجرد حدود جغرافية، وإنما هي أيضاً تشابك علاقات بشرية وثقافية ولغوية ودينية. ومن الطبيعي أن ينشأ من هذه العلاقة المتشعبة حساسيات في بعض المجالات وبالتالي نريد احتواءها بشكل ودي.
الثابت الآخر في السياسة الخارجية للصومال هو فصل العلاقة بين علاقتنا بالدول الشقيقة والصديقة وبين علاقة هذه الدول بعضها ببعض، فنحن دولة مستقلة لها مصالح متفاوتة مع الدول، ولذلك نحاول تجنب الدخول في محاور، حفاظاً على مصالحنا، ولأننا لسنا قادرين على تحمل تبعات المحاور سواء دولياً أو إقليمياً.
> حدِّثنا عن العلاقة بين الصومال والمملكة العربية السعودية.
- العلاقة بين المملكة والصومال علاقة تاريخية وممتازة في جميع الجوانب، وتطورت على مدار العقود. وبحكم منصبي فأنا أعلم الكثير عن هذه العلاقة. وأود أن أقول هنا معلومة قد لا يعلمها الكثيرون، وهي أن المملكة العربية السعودية هي أكبر داعم للصومال في التاريخ الحديث ومنذ الاستقلال قبل 60 عاماً وحتى يومنا هذا.
وهذا الدعم لا يقتصر على الجانب المادي فقط وإنما الجوانب السياسية والثقافية أيضاً، ولذلك فإن المملكة هي أقرب الدول إلينا وعلاقتنا بها كانت ثابتة ولم تتغير، وفي الوقت الحالي وقفنا مع المملكة في جميع المناسبات ولا نزال. ووقوفنا مع المملكة مبدأ أساس في السياسة الصومالية بغض النظر عمن يحكم الصومال ونقف ضد كل محاولة لاستهداف المملكة، أولاً لما تمثله من مكانة رمزية في العالم العربي والإسلامي وثانياً لكونها أكبر داعم للصومال.
وحالياً يلعب «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» دوراً كبيراً في مساعدة الشعب الصومالي، وتبلغ المشاريع التي نفّذها المركز منذ تأسيسه والتي هي قيد التنفيذ أكثر من 40 مشروعاً، بتكلفة قدرها 184 مليون دولار.
> وماذا عن العلاقة مع دولة الإمارات العربية المتحدة؟
- العلاقات بين الصومال والإمارات كانت مزدهرة لوقت طويل، ونحن ممتنون لدولة الإمارات لوقوفها معنا ودعمها للصومال في كثير من المجالات. صحيح أنه حدث سوء تفاهم في عدد من القضايا خلال الشهور الماضية، وكانت هناك محاولات لاحتواء سوء التفاهم هذا، بمساعدة جهات صديقة للطرفين، ونحن حريصون على العلاقة مع دولة الإمارات، وأن تعود إلى سابق عهدها، فالذي يجمعنا أكبر من الذي يفرق بيننا. وبصراحة أنا أعتقد شخصياً أنها سحابة صيف وستزول قريباً بإذن الله. ولقائي مع سفير دولة الإمارات –وهو في نفس الوقت عميد السلك الدبلوماسي في الصومال- جاء في إطار اللقاءات الروتينية بيني وبين السفراء المعتمدين في مقديشو، لمتابعة القضايا المشتركة، ونكنّ له ولقيادة دولة الإمارات احتراماً وتقديراً كبيرين.
> كيف تقيّم أداء السياسة الخارجية للصومال بعد غياب طويل عن المحافل الإقليمية والدولية؟
- تم تحسين العلاقات بين الصومال ودول الجوار، ونجحنا في إزالة كثير من الحواجز، قطعنا شوطاً كبيراً في جهود إعفاء الديون الخارجية التي كانت تكبّل الدولة الصومالية.
جواز السفر الصومالي استعاد مكانته لدى عديد من الدول الأوروبية والأفريقية والآسيوية التي كان بعضها يتحفظ عليه. وكذلك أعدنا عمل البعثات الدبلوماسية في الخارج والتي وصل عددها الآن إلى 40 بعثة دبلوماسية.
ونجحنا أيضاً في إقناع عدد من الدول الكبرى بإعادة بعثاتها الدبلوماسية إلى الصومال ومن بينها الولايات المتحدة والصين وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وأعادت فتح سفاراتها في مقديشو.
وأود أن أشير هنا إلى أن 7 دول عربية لها بعثات دبلوماسية مقيمة في مقديشو، إضافةً إلى مكتب بعثة الجامعة العربية. وأنتهز الفرصة هنا لتوجيه رسالة إلى الدول العربية الشقيقة لتعزيز حضورها في الصومال وإعادة فتح سفاراتها للمساهمة في وقوف الصومال على قدميه مرة أخرى واستعادة مكانته الدولية.

> عمل السفير عوض، الذي يحمل الجنسية الكندية أيضاً، في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في السودان لمدة 10 سنوات، (2006 - 2015). عُيّن بعدها سفيراً للصومال في واشنطن من 2015 – 2018، وتم تعيينه وزيراً للخارجية والتعاون الدولي في يناير (كانون الثاني) 2018، وهو أكاديمي متخصص في العلوم السياسية ودراسات السلام والأمن.



أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.


تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
TT

تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)

لا يزال اليمن يحتل موقعاً متقدماً ضمن قائمة الدول الأكثر تضرراً من أزمة الجوع الحاد عالمياً، في ظل مؤشرات دولية متزايدة التحذير من تفاقم الأوضاع الإنسانية واتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي، مع استمرار الصراع، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتراجع التمويل الدولي المخصص للبرامج الإغاثية؛ الأمر الذي يضع ملايين السكان أمام تحديات معيشية غير مسبوقة.

وأظهرت تقارير دولية حديثة أن اليمن يُصنَّف ضمن البلدان التي تشهد مستويات مرتفعة للغاية من انعدام الأمن الغذائي، لا سيما ضمن مستوى «الطوارئ»، وهو ثاني أخطر تصنيف قبل المجاعة وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، في وقت تسجل فيه بعض المناطق حالات دخلت مرحلة «الكارثة»، وهي أخطر مستويات الجوع التي تهدد حياة السكان بصورة مباشرة.

وتعكس هذه المؤشرات عمق الأزمة الغذائية التي تضرب البلاد منذ سنوات، في ظل تشابك عوامل داخلية وخارجية أسهمت في إنهاك قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، ودفعت شرائح واسعة من السكان إلى الاعتماد شبه الكامل على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.

وتضع البيانات الدولية اليمن في مقدمة الدول الأكثر تأثراً بالأزمات الغذائية على مستوى العالم، حيث يواجه ملايين اليمنيين أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة، مع اتساع الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة والقدرة المحدودة على الاستجابة لها.

سوق شعبية في صنعاء حيث العاصمة اليمنية الخاضعة للحوثيين (الشرق الأوسط)

ويرى مراقبون أن استمرار الانقلاب الحوثي وما خلّفه من دمار واسع للبنية الاقتصادية والإنتاجية، أسهما بصورة مباشرة في تقويض الأمن الغذائي، خصوصاً مع تراجع النشاط الزراعي، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل، إلى جانب الزيادات المستمرة في أسعار السلع الأساسية.

كما أدى تراجع مصادر دخل الأسر، وانكماش فرص العمل، وتدهور القدرة الشرائية بفعل الأزمات الاقتصادية المتراكمة، إلى دفع ملايين اليمنيين نحو مستويات أكثر هشاشة، خصوصاً في المناطق الريفية والأشد تأثراً بالنزاع، حيث تتراجع فرص الوصول إلى الغذاء والخدمات الأساسية بشكل متزايد.

ويؤكد مختصون في الشأن الإنساني أن الأزمة لم تعد مقتصرة على نقص الغذاء فقط، بل أصبحت أزمة مركبة ترتبط بسوء التغذية، وضعف الخدمات الصحية، وتراجع شبكات الحماية الاجتماعية؛ ما يضاعف من خطورة الوضع على الفئات الأكثر ضعفاً، وفي مقدمتها الأطفال والنساء.

تراجع التمويل

في موازاة ارتفاع الاحتياجات، تواجه المنظمات الإنسانية تحدياً كبيراً يتمثل في تقلص التمويل الدولي المخصص لبرامج الإغاثة؛ وهو ما انعكس مباشرة على حجم ونطاق التدخلات الإنسانية المنفذة على الأرض.

ويؤكد مراقبون أن انخفاض التمويل دفع كثيراً من الجهات الإغاثية إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية والتغذوية، وإعادة ترتيب أولوياتها بما يركز على الحالات الأكثر إلحاحاً؛ ما ترك أعداداً كبيرة من الأسر خارج نطاق الدعم المنتظم، رغم تزايد حاجتها إلى المساعدة.

جبايات الحوثيين تسببت بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية (الشرق الأوسط)

كما أسهم تراجع التمويل في الحد من قدرة المنظمات على تنفيذ برامج مستدامة تعزز الأمن الغذائي، مثل دعم سبل العيش، وتوسيع مشاريع المياه، وتحسين الخدمات الصحية، وهي تدخلات كان من شأنها الحد من تفاقم الأزمة وتخفيف الاعتماد على المساعدات الطارئة.

ويرى خبراء أن استمرار فجوة التمويل، بالتوازي مع تعقيد البيئة الإنسانية، قد يدفع بمزيد من المناطق إلى أوضاع أكثر خطورة، خاصة مع استمرار التحديات المرتبطة بوصول المساعدات وارتفاع تكلفة العمليات الإنسانية في بلد يعاني هشاشة واسعة في بنيته الخدمية والاقتصادية.

مرحلة حرجة

في تحذير جديد، وصف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الوضع الإنساني في اليمن بأنه وصل إلى «نقطة تحول حرجة»، مشيراً إلى أن ملايين السكان يواجهون خطر الانزلاق نحو مستويات أشد من الجوع الحاد إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لاحتواء الأزمة.

وحسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن نحو 22.3 مليون يمني باتوا في حاجة إلى مساعدات إنسانية وحماية، في حين لا يزال أكثر من 18 مليون شخص معرضين لمستويات حادة من الجوع، في مؤشر يعكس اتساع رقعة الأزمة بصورة غير مسبوقة.

تراجع حصص العائلات اليمنية من المعونات الإنسانية (أ.ف.ب)

وتتزامن هذه المؤشرات مع تحديات صحية متفاقمة، في ظل تعثر النظام الصحي واستمرار عمل نسبة محدودة من المرافق الطبية بشكل جزئي؛ ما يضع ملايين السكان أمام مخاطر مزدوجة تجمع بين نقص الغذاء وضعف القدرة على الحصول على الرعاية الصحية الأساسية.

وتحذّر المؤسسات الدولية من أن استمرار هذا الوضع دون استجابة واسعة النطاق سيقود إلى تداعيات إنسانية خطيرة، تشمل ارتفاع معدلات سوء التغذية، وزيادة معدلات الوفيات المرتبطة بالجوع والأمراض، واتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية في مختلف أنحاء البلاد.

وفي ظل هذه الصورة القاتمة، تتزايد الدعوات إلى تكثيف الاستجابة الإنسانية الدولية، ودعم برامج الأمن الغذائي والتغذية، وتعزيز سبل العيش والخدمات الأساسية، بصفتها خطوات ملحة للحد من تفاقم الأزمة ومنع انزلاق مزيد من اليمنيين إلى حافة المجاعة.