غسان سلامة لـ«الشرق الأوسط»: «برلين» مظلة واقية لتوافقات الليبيين اللاحقة

تحدث عن 3 فروقات جوهرية للقمة المرتقبة... وخطة لتحويل الهدنة إلى وقف إطلاق نار «حقيقي»

غسان سلامة (أ.ف.ب)
غسان سلامة (أ.ف.ب)
TT

غسان سلامة لـ«الشرق الأوسط»: «برلين» مظلة واقية لتوافقات الليبيين اللاحقة

غسان سلامة (أ.ف.ب)
غسان سلامة (أ.ف.ب)

قبل 48 ساعة تقريبا من انعقاد قمة سعى إليها منذ ما يربو على خمسة أشهر من الركض والترتيبات والاجتماعات، يقول الدكتور غسان سلامة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ورئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إن لديه خطة متكاملة لتحويل الهدنة الحالية إلى وقف لإطلاق نار حقيقي لكل العمليات العسكرية في ليبيا، وسيعرضها على قمة برلين المزمع عقدها غدا بحضور كبير، لكي يحصل منها على الموافقة والدعم.
وفي حوار هاتفي أجرته «الشرق الأوسط» مع الممثل الأممي، شدد سلامة على أن قمة برلين «لا تسعى إلى حل المشكلة الليبية بكل جوانبها، هي فقط تسعى إلى إنشاء مظلة دولية حامية لما سيتفق عليه الليبيون». وتحدث سلامة عن أن القمة «ستكون المظلة الواقية لما سيتفق عليه الليبيون في مسارات ثلاثة، اقتصادية وسياسية وعسكرية».
ويأمل سلامة «إنشاء حكومة وحدة وطنية يفرزها الحوار الليبي ـ الليبي خلال الأسابيع المقبلة بحيث نضع حدا لوجود حكومة في طرابلس وحكومة موازية أخرى». ويقول: «نسعى لتوحيد الحكومتين، وإنشاء حكومة وحدة وطنية».
وشدد الممثل الأممي على أنه «هناك عدد كبير من غير الليبيين الذين يقاتلون في الجبهات الليبية، هناك مقاتلون من أكثر من 10 دول، آخرهم كان وصول عدد من المقاتلين السوريين»، مفيدا بأنه جرى وضع خطة أمنية تقضي بخروج كل المقاتلين الأجانب من ليبيا مهما كانت جنسياتهم. فإلى تفاصيل الحوار

> دكتور غسان، ماذا يفرق مؤتمر برلين عن غيره من التجمعات الدولية التي ترمي إلى إخراج ليبيا من أزمتها التي تلمّ بها منذ سنوات؟
- مؤتمر برلين مختلف جوهريا عن كل ما سبق. أولا نحن نعمل على المؤتمر منذ منتصف أغسطس (آب) الماضي، حين جرى لقاء بيني وبين المستشارة الألمانية السيدة أنجيلا ميركل في 15 أغسطس 2019. واتفقنا حينها ألا نعلن عن المؤتمر إلا بعد تجهيزنا كل الوثائق المتعلقة به، لذلك جرت حتى الساعة 5 اجتماعات في برلين على مستوى كبار المسؤولين، كما انعقد اجتماع وزاري على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) الماضي أيضا للتحضير إلى هذه القمة. وبالتالي هذه القمة أخذت 5 أشهر من التحضير الدقيق مع مجموعة من 10 دول بينها الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وأيضا 3 منظمات إقليمية وهي الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي، وبالتالي هي لا تأتي من لا شيء، هي فقط نقطة الوصول بعد خمسة أشهر من العمل المضني للتوصل إلى ترميم الموقف الدولي من المسألة الليبية، وتم ذلك إلى حد كبير في الاجتماع الأخير لكبار المسؤولين الذي عقد في العاشر من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، اليوم السبت سنجتمع مرة أخيرة على مستوى كبار المسؤولين والأحد تجري القمة الساعة الثانية بتوقيت برلين.
الاختلاف الثاني الجوهري في قمة برلين، هو أنها لا تسعى إلى حل المشكلة الليبية بكل جوانبها، هي فقط تسعى إلى إنشاء مظلة دولية حامية لما سيتفق عليه الليبيون، الليبيون سيجتمعون وقد بدأوا في 3 مسارات ليبية خالصة، أولا: مالي واقتصادي وبدأت اجتماعاته في السادس من يناير (كانون الثاني)، أي منذ أسبوعين، الثاني: المسار العسكري والأمني نأمل عقده في القريب العاجل بين خمسة ضباط نظاميين من كل طرف لبحث الأمور العسكرية والأمنية لا سيما بحث تعزيز وقف إطلاق النار وبحث مستقبل التشكيلات المسلحة الموجودة على كامل البلاد، والمسار الثالث أساسي أيضا وهو المسار السياسي، وكما تعلم لقد وضعنا آلية لاختيار المندوبين إلى هذا المسار وبدأ كل من مجلس الدولة ومجلس النواب باختيار مندوبيهم منذ نحو خمسة أيام حيث يكون لكل دائرة انتخابية ممثل عن مجلس النواب وممثل آخر عن مجلس الدولة، وسنجمع هذا المسار السياسي في جنيف آخر هذا الشهر.
إذن الفرق الجوهري الثاني هو أننا فصلنا بحث عملية المظلة الدولية التي ستنشأ في برلين عن الحوار الداخلي الليبي الذي سيحصل في مسارات ثلاثة بدأ العمل عليها جدا منذ مطلع هذا العام.
أما الفرق الثالث الجوهري، هو أن الاجتماعات السابقة كانت تتم ثم يترك لبعثة الأمم المتحدة أن تنفذها منفردة، وبعثة الأمم المتحدة كانت دائما تسعى لكي تحصل على الدعم الدولي الضروري لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه وأحيانا تحصل عليه وأحيانا كثيرة لا تحصل عليه. لكن هذه المرة اتفقنا على مبدأ أساسي وهو أن كبار المسؤولين الذين اجتمعوا منذ أغسطس الماضي سيتحولون بعد قمة برلين يوم الأحد إلى لجنة متابعة، تعمل إلى جانب البعثة لتنفيذ كل ما تم الاتفاق عليه. هذه هي الفروقات الأساسية بين قمة برلين والاجتماعات السياسية التي حصلت في السابق.
> جميع الحلول السياسية في المنطقة دائما تتحدث عن ضمانات التطبيق على الأرض. الآن أنتم جمعتم الأضداد هذه المرة، فهل الهدف هو هذه الضمانات؟
- نعم، هذا هو الهدف، أن تأتي كل الدول المتدخلة وتجتمع معا في برلين، وتتفق على عدد من الأمور منها وقف التدخل في الشؤون الداخلية الليبية، وقف تصدير السلاح، ومنها وقف تصدير المرتزقة، واحترام ما يتفق عليه الليبيون في المسارات الثلاثة التي ذكرتها آنفا.
بالتالي، فإن قمة برلين ستشكل المظلة الواقية لما سيتفق عليه الليبيون، هذا هو المنطق، وتقدمت بهذه الفكرة لمجلس الأمن في آخر شهر يوليو (تموز) الماضي، ووافق مجلس الأمن على خطة العمل التي نفذناها بحذافيرها، إذ أننا فصلنا عملية ترميم الموقف الدولي الذي تهتم به قمة برلين عن المسارات السياسية والعسكرية والاقتصادية الليبية التي تجري بإشراف البعثة في الوقت نفسه. هناك تزامن بين الحوارات الليبية وبين إنشاء المظلة الدولية الواقية، لأن ما حصل في السابق هو أن الأطراف الليبية نفسها استقوت بالخارج، وبالتالي استدعت التدخلات الخارجية، والتدخلات الخارجية بحدوثها زادت من الانقسامات الليبية، هذه الحلقة المفرغة التي دخلت إليها ليبيا منذ مطلع العام 2019 نريد أن نكسرها كسرا باترا، ونقيم مكانها دائرة فاصلة، وهي المظلة الدولية الحامية والتفاهم الليبي الداخلي.
> هناك تساؤلات عن موقف الأمم المتحدة من إرسال تركيا مقاتلين سوريين إلى ليبيا في الوقت الذي يعاني فيه السوريون كثيرا طيلة الأعوام الماضية. فبماذا تطالبون حيال ذلك؟
- هناك عدد كبير من غير الليبيين الذين يقاتلون في الجبهات الليبية، هناك مقاتلون من أكثر من 10 دول، آخرهم كان وصول عدد من المقاتلين السوريين، نحن طبعا وضعنا خطة أمنية تقضي بخروج كل المقاتلين الأجانب من ليبيا مهما كانت جنسياتهم. نحن نعلم أن الوضع القانوني لهؤلاء المقاتلين مختلف جوهريا. هناك شركات أمنية خاصة تعمل إلى صالح هذا الطرف أو ذاك. هناك بعض القوى النظامية تعمل كخبراء ومدربين إلى جانب هذا الطرف أو ذلك. هناك مقاتلون جاءوا لأسباب أيديولوجية للقتال في ليبيا إلى جانب هذا الطرف أو ذلك، كل هذه الفئات من غير الليبيين مهما كان وضعهم القانوني نحن نريد أن يخرجوا من ليبيا خلال الأسابيع المقبلة لكي يتفاهم الليبيون فيما بينهم. وبالتالي، نحن نعارض وجود كل هؤلاء المقاتلين من غير الليبيين سواء كانوا نظاميين أو مرتزقة أو شركات أمنية خاصة.
> ماذا لو سألنا عن الموقف الأميركي حيال قمة برلين؟
- كان هناك تشوش في الموقف الأميركي، لكن هذا التشوش بدأ ينحسر بشكل كبير. كان هناك في البداية تحفظ من مسار برلين كما أطلقته الأمم المتحدة، لكن في الفترة الأخيرة وجدنا الأميركيين أكثر اهتماما مما سبق بمسار برلين وأكثر انغماسا في تفاصيله، وكنت أعلم أن أميركا كانت ستتمثل على مستوى ضعيف جدا في برلين لكن منذ يومين الأميركيون قرروا رفع مستوى تمثيلهم وسيرسلون وزير الخارجية مايك بومبيو ليكون موجودا وهو طلب الالتقاء بنا فور وصوله برلين، وسنتحدث معه ونضعه في صورة الأحداث في ليبيا. أنا أعتقد أن الشرنقة الغامضة إلى حد ما التي كانت فيها السياسة الأميركية بدأت تتبلور منذ أسابيع، وهي الآن أكثر حرصا من أي وقت مضى على إنجاح قمة برلين.
> هناك مسعى بحسب البعض لرئيس برلمان شرق ليبيا بسحب الشرعية من حكومة الوفاق. هل هي ما زالت شرعية برأيكم فهناك دول مثل مصر مثلا طرحت مثل هذا التساؤل؟
- يحق لكل دولة أن يكون لها رأيها. لكن ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا عليه أن يحترم قرارات مجلس الأمن الدولي. وهناك قرار من مجلس الأمن الدولي يعود إلى مطلع العام 2016 يعترف بحكومة الوفاق الوطني حكومة شرعية للبلاد. أنا لا يحق لي كممثل للأمين العام أن أناقض ما يقرره مجلس الأمن الدولي. إذا قرر مجلس الأمن الاعتراف بهذه الحكومة أو حكومة أخرى فعلي أن لا أعارض ذلك القرار. نحن نأمل إنشاء حكومة وحدة وطنية يفرزها الحوار الليبي ـ الليبي خلال الأسابيع المقبلة بحيث نضع حدا لوجود حكومة في طرابلس وحكومة موازية أخرى. نحن نسعى لتوحيد الحكومتين، وإنشاء حكومة وحدة وطنية، ولكن حتى حدوث ذلك الأمر علي احترام قرارات مجلس الأمن الذي ما زال يعترف بحكومة الوفاق الوطني حكومة شرعية للبلاد. ولا يحق لدولة بعينها، وبالتأكيد لا يحق لي أن أعارض مجلس الأمن.
> هل توافق قول المشير حفتر في أن هناك ميليشيات إرهابية تساند حكومة السراج وتنتشر في طرابلس، فما مدى دقة هذه المعلومات؟
- هناك أشكال وأنواع من المقاتلين في ليبيا حاليا. نحن نريد أن يخرج المقاتلون مهما كانت جنسياتهم ومهما كانت آيديولوجياتهم من ليبيا. وهذا ما يريده الشعب الليبي. ويأتي ليبيون كل يوم إلى مكتبنا في طرابلس ويقولون لقد سئمنا من التدخلات الخارجية والمقاتلين غير الليبيين الموجودين على الأرض الليبية، ولذلك، نسعى بكامل قوانا لكي تعود الأرض الليبية ملكا لليبيين دون غيرهم. بهذا المعنى نحن نسعى بكل قوانا في هذا الاتجاه.
> ماذا ستفعل بعد برلين مباشرة؟
- سأُفعّل المسارات التي بدأت في السادس من يناير الحالي، المسار المالي والاقتصادي وهو أساسي في بلد ريعي كما هي ليبيا. وأيضا المسار الأمني في حال سلمني السيد حفتر والسيد السراج لائحة بخمسة ضباط نظاميين من كل جانب أجمعهم فورا في جنيف أجمعهم فورا لكي نتحدث في عملية تحصين وقف إطلاق النار وتحويل الهدنة الحالية إلى وقف نار حقيقي، وأنت تعلم أن هناك فارقا كبيرا بين الهدنة وإطلاق النار، الهدنة قرار فردي لكن وقف إطلاق النار يتطلب العديد من التفاصيل التي يجب التفاوض عليها مثل «متى يحصل وقف إطلاق النار» و«من يراقب وقف النار» وغير ذلك.
> هل تلقيتم دعما بالمساعدة في مسألة وقف إطلاق النار سواء من الأمم المتحدة أو أي من الدول الأخرى على غرار ما يتم في الحديدة على سبيل المثال؟
- أنا ذاهب إلى برلين للمطالبة بذلك، ولدي خطة متكاملة لتحويل الهدنة الحالية إلى وقف لإطلاق نار حقيقي لكل العمليات العسكرية وسأعرضها على قمة برلين لكي أحصل منها على الموافقة والدعم.



تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
TT

تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)

لا يزال اليمن يحتل موقعاً متقدماً ضمن قائمة الدول الأكثر تضرراً من أزمة الجوع الحاد عالمياً، في ظل مؤشرات دولية متزايدة التحذير من تفاقم الأوضاع الإنسانية واتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي، مع استمرار الصراع، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتراجع التمويل الدولي المخصص للبرامج الإغاثية؛ الأمر الذي يضع ملايين السكان أمام تحديات معيشية غير مسبوقة.

وأظهرت تقارير دولية حديثة أن اليمن يُصنَّف ضمن البلدان التي تشهد مستويات مرتفعة للغاية من انعدام الأمن الغذائي، لا سيما ضمن مستوى «الطوارئ»، وهو ثاني أخطر تصنيف قبل المجاعة وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، في وقت تسجل فيه بعض المناطق حالات دخلت مرحلة «الكارثة»، وهي أخطر مستويات الجوع التي تهدد حياة السكان بصورة مباشرة.

وتعكس هذه المؤشرات عمق الأزمة الغذائية التي تضرب البلاد منذ سنوات، في ظل تشابك عوامل داخلية وخارجية أسهمت في إنهاك قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، ودفعت شرائح واسعة من السكان إلى الاعتماد شبه الكامل على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.

وتضع البيانات الدولية اليمن في مقدمة الدول الأكثر تأثراً بالأزمات الغذائية على مستوى العالم، حيث يواجه ملايين اليمنيين أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة، مع اتساع الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة والقدرة المحدودة على الاستجابة لها.

سوق شعبية في صنعاء حيث العاصمة اليمنية الخاضعة للحوثيين (الشرق الأوسط)

ويرى مراقبون أن استمرار الانقلاب الحوثي وما خلّفه من دمار واسع للبنية الاقتصادية والإنتاجية، أسهما بصورة مباشرة في تقويض الأمن الغذائي، خصوصاً مع تراجع النشاط الزراعي، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل، إلى جانب الزيادات المستمرة في أسعار السلع الأساسية.

كما أدى تراجع مصادر دخل الأسر، وانكماش فرص العمل، وتدهور القدرة الشرائية بفعل الأزمات الاقتصادية المتراكمة، إلى دفع ملايين اليمنيين نحو مستويات أكثر هشاشة، خصوصاً في المناطق الريفية والأشد تأثراً بالنزاع، حيث تتراجع فرص الوصول إلى الغذاء والخدمات الأساسية بشكل متزايد.

ويؤكد مختصون في الشأن الإنساني أن الأزمة لم تعد مقتصرة على نقص الغذاء فقط، بل أصبحت أزمة مركبة ترتبط بسوء التغذية، وضعف الخدمات الصحية، وتراجع شبكات الحماية الاجتماعية؛ ما يضاعف من خطورة الوضع على الفئات الأكثر ضعفاً، وفي مقدمتها الأطفال والنساء.

تراجع التمويل

في موازاة ارتفاع الاحتياجات، تواجه المنظمات الإنسانية تحدياً كبيراً يتمثل في تقلص التمويل الدولي المخصص لبرامج الإغاثة؛ وهو ما انعكس مباشرة على حجم ونطاق التدخلات الإنسانية المنفذة على الأرض.

ويؤكد مراقبون أن انخفاض التمويل دفع كثيراً من الجهات الإغاثية إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية والتغذوية، وإعادة ترتيب أولوياتها بما يركز على الحالات الأكثر إلحاحاً؛ ما ترك أعداداً كبيرة من الأسر خارج نطاق الدعم المنتظم، رغم تزايد حاجتها إلى المساعدة.

جبايات الحوثيين تسببت بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية (الشرق الأوسط)

كما أسهم تراجع التمويل في الحد من قدرة المنظمات على تنفيذ برامج مستدامة تعزز الأمن الغذائي، مثل دعم سبل العيش، وتوسيع مشاريع المياه، وتحسين الخدمات الصحية، وهي تدخلات كان من شأنها الحد من تفاقم الأزمة وتخفيف الاعتماد على المساعدات الطارئة.

ويرى خبراء أن استمرار فجوة التمويل، بالتوازي مع تعقيد البيئة الإنسانية، قد يدفع بمزيد من المناطق إلى أوضاع أكثر خطورة، خاصة مع استمرار التحديات المرتبطة بوصول المساعدات وارتفاع تكلفة العمليات الإنسانية في بلد يعاني هشاشة واسعة في بنيته الخدمية والاقتصادية.

مرحلة حرجة

في تحذير جديد، وصف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الوضع الإنساني في اليمن بأنه وصل إلى «نقطة تحول حرجة»، مشيراً إلى أن ملايين السكان يواجهون خطر الانزلاق نحو مستويات أشد من الجوع الحاد إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لاحتواء الأزمة.

وحسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن نحو 22.3 مليون يمني باتوا في حاجة إلى مساعدات إنسانية وحماية، في حين لا يزال أكثر من 18 مليون شخص معرضين لمستويات حادة من الجوع، في مؤشر يعكس اتساع رقعة الأزمة بصورة غير مسبوقة.

تراجع حصص العائلات اليمنية من المعونات الإنسانية (أ.ف.ب)

وتتزامن هذه المؤشرات مع تحديات صحية متفاقمة، في ظل تعثر النظام الصحي واستمرار عمل نسبة محدودة من المرافق الطبية بشكل جزئي؛ ما يضع ملايين السكان أمام مخاطر مزدوجة تجمع بين نقص الغذاء وضعف القدرة على الحصول على الرعاية الصحية الأساسية.

وتحذّر المؤسسات الدولية من أن استمرار هذا الوضع دون استجابة واسعة النطاق سيقود إلى تداعيات إنسانية خطيرة، تشمل ارتفاع معدلات سوء التغذية، وزيادة معدلات الوفيات المرتبطة بالجوع والأمراض، واتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية في مختلف أنحاء البلاد.

وفي ظل هذه الصورة القاتمة، تتزايد الدعوات إلى تكثيف الاستجابة الإنسانية الدولية، ودعم برامج الأمن الغذائي والتغذية، وتعزيز سبل العيش والخدمات الأساسية، بصفتها خطوات ملحة للحد من تفاقم الأزمة ومنع انزلاق مزيد من اليمنيين إلى حافة المجاعة.


حضرموت تشدد قبضتها الأمنية في مواجهة السلاح المنفلت

صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)
صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)
TT

حضرموت تشدد قبضتها الأمنية في مواجهة السلاح المنفلت

صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)
صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)

واصلت قوات «درع الوطن» اليمنية تعزيز حضورها الأمني في ساحل ووادي حضرموت، ضمن تحركات ميدانية واسعة تستهدف ضبط السلاح غير المرخص، وملاحقة محال بيعه، ومنع حمله والتجول به داخل المدن والمناطق السكنية، في إطار مساعٍ متواصلة لترسيخ الاستقرار، وفرض هيبة النظام، وتوسيع مظلة الأمن في واحدة من أكثر المحافظات اليمنية أهمية على المستويين الأمني والاقتصادي.

تأتي هذه الإجراءات ضمن خطة أمنية متكاملة تستند إلى الانتشار الميداني، وتكثيف الحملات التفتيشية، ومداهمة المواقع المشبوهة، إلى جانب إحالة المخالفين إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم، في رسالة واضحة بأن السلطات الأمنية ماضية في إنهاء مظاهر التسلح العشوائي، وتجفيف منابع الاتجار غير المشروع بالأسلحة والذخائر.

وفي وادي حضرموت، نفَّذ اللواء الثاني التابع للفرقة الثانية في قوات درع الوطن حملة أمنية واسعة لمنع حمل السلاح غير المرخص ومصادرته بشكل كامل، شملت المدن الرئيسية والثانوية، وذلك بناءً على توجيهات قائد المنطقة العسكرية الأولى اللواء فهد بامؤمن.

قوات «درع الوطن» اليمنية عززت قبضتها الأمنية في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)

ووفقاً لما أعلنته قيادة الحملة، فإن الأطقم العسكرية تواصل انتشارها الميداني في مختلف مدن ومناطق الوادي، حيث تنفذ عمليات مداهمة للمحال المخالفة، وتضبط حاملي السلاح غير المرخص، وتصادر المضبوطات، تمهيداً لإحالة المخالفين إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية.

وأكدت قيادة الحملة أن الهدف الرئيسي يتمثل في تعزيز الأمن والاستقرار، وفرض هيبة النظام، وحماية السكان من تداعيات انتشار السلاح داخل الأحياء السكنية، مشددةً على أن حمل السلاح داخل المدن بات يمثل تجاوزاً مرفوضاً وخطاً أحمر لن يكون هناك أي تهاون في التعامل معه، مع تأكيد التعامل بحزم مع كل من يخالف التعليمات أو يحاول الالتفاف عليها.

ملاحقة تجارة السلاح

في امتداد لهذه الحملة، واصل اللواء الخامس في الفرقة الثانية بقيادة العقيد عماد الحدادي تنفيذ عملياته الأمنية في مدينة سيئون، حيث أعلن ضبط ومصادرة عدد من الأسلحة غير المرخصة، وإحالة المضبوطين إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

كما كانت الفرقة الثانية، بقيادة مساعد القائد الرائد أحمد الديني، ورئيس عمليات اللواء الثاني المقدم صادق المنهالي، قد نفَّذت حملة أمنية واسعة استهدفت مديريتي القطن وحوره، وشملت مداهمة مواقع مشبوهة، إلى جانب محال تبيع الأسلحة والذخائر بصورة غير قانونية.

وأسفرت تلك الحملة عن مصادرة كميات من الأسلحة والذخائر، وإغلاق عدد من المحال المخالفة التي تمارس تجارة السلاح دون تراخيص، في خطوة تعكس توجهاً أمنياً واضحاً نحو ضرب شبكات الاتجار بالسلاح عند منابعها، وليس فقط الاكتفاء بضبط حامليه في الشوارع والمدن.

إجراءات تفتيش دقيقة لمنع تهريب الأسلحة والذخائر في وادي حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)

وأوضحت قيادة الفرقة الثانية أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية محكمة لاجتثاث ظاهرة حمل السلاح العشوائي، والقضاء على أوكار تجار السلاح، ومنع المظاهر المسلحة التي تشكل تهديداً مباشراً لأمن المديريات واستقرارها، مؤكدة استمرار الحملات خلال الأيام المقبلة لملاحقة كل من يعبث بالأمن العام.

وبالتوازي مع هذه الحملات، واصلت الأجهزة الأمنية في وادي حضرموت تعزيز حضورها المؤسسي في مواجهة الجرائم المنظمة والجنائية، حيث أحالت الإدارة العامة للأمن والشرطة 15 متهماً إلى النيابة الجزائية المتخصصة، على ذمة قضايا جنائية جسيمة جرى ضبطها والتحقيق فيها خلال الشهر الحالي والذي سبقه.

وشملت القضايا المحالة ستة متهمين في قضايا مخدرات، وستة آخرين في قضايا اختطاف، إضافة إلى متهمين في قضية تتعلق بالإضرار بالاقتصاد الوطني، إلى جانب مطلوب للنيابة العامة، وذلك بعد استكمال التحقيقات وجمع الاستدلالات، وتسليم ملفات القضايا مع المضبوطات وفق الإجراءات القانونية المعتمدة.

رفع الجاهزية

في ساحل حضرموت، دشن قائد لواء «الريان» العميد الركن خالد التميمي، الدورة التنشيطية الأولى لمنتسبي اللواء ضمن الخطة التدريبية للعام الحالي، في خطوة تستهدف توحيد المفاهيم العسكرية، وتعزيز الجاهزية والانضباط، ورفع كفاءة الأداء الميداني.

وأكد التميمي خلال افتتاح الدورة أهمية ترسيخ المفاهيم العسكرية الصحيحة، ورفع مستوى الحس الأمني لدى الأفراد، والالتزام بالتفتيش الدقيق للمركبات، واتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة، بوصفها أدوات أساسية في حفظ الأمن ومنع أي تهديدات محتملة.

كما شدد على أهمية العمل بروح الفريق الواحد، وتعزيز روح الزمالة والانضباط بين الأفراد، بوصف ذلك أحد المرتكزات الأساسية لنجاح الوحدات العسكرية في أداء مهامها بكفاءة ومسؤولية، مع التعهد بمواصلة البرامج التدريبية بما يضمن رفع جاهزية القوات لمواجهة مختلف التحديات.

خفر السواحل اليمني في مبادرة لتنظيف حوض ميناء المكلا (الإعلام العسكري اليمني)

في سياق متصل، نفذت قوات خفر السواحل مبادرة ميدانية لتنظيف حوض ميناء المكلا، بالتزامن مع الذكرى العاشرة لتحرير ساحل حضرموت من عناصر تنظيم «القاعدة» الإرهابي، بهدف إزالة المخلفات البحرية من قاع الحوض، والحفاظ على البيئة البحرية وصون نظافة السواحل والموانئ.

وأكدت قيادة خفر السواحل أن ما تحقق من تطوير في قدراتها، بدعم من التحالف العربي بقيادة السعودية، من خلال تزويدها بزوارق حديثة ومنظومات اتصالات متطورة، أسهم في تعزيز قدرتها على تأمين السواحل وحماية الأمن البحري، إلى جانب توسيع مساهمتها في المبادرات البيئية والخدمية المرتبطة بالمصلحة العامة.

Your Premium trial has ended


تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

يزداد المشهد على الساحة السياسية بالصومال تعقيداً مع تمسُّك الرئيس حسن شيخ محمود بإجراء الانتخابات المباشرة التي كانت مقرَّرة هذا العام، رغم وجود معارضة لهذا التوجه وعدم حسمه، رغم إجراء حوارات وطنية على مدى نحو عام، وسط صعوبات أمام الحكومة؛ أبرزها خلافات مع بعض الولايات واعتراف إسرائيلي بأحد الأقاليم.

ويشير خبير في الشؤون الصومالية، تحدَّث لـ«الشرق الأوسط»، إلى تأزم الوضع الصومالي بالفعل داخلياً وخارجياً، داعياً لعقد حوار جاد للوصول لحلول.

والتقى الرئيس الصومالي زعماء تقليديين من مختلف أنحاء البلاد بالقصر الرئاسي، بحسب ما ذكرته «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية، الثلاثاء، مشيداً بدورهم في تحقيق السلام والمصالحة وبناء الدولة والحفاظ على وحدة الشعب.

وأكد شيخ محمود، خلال اللقاء، أنَّه لا يمكن التنازل أبداً عن إعادة السلطة للشعب في اختيار قادته السياسيين، داعياً الزعماء التقليديين إلى دعم إجراء الانتخابات المباشرة لضمان الوصول إلى تمثيل حقيقي ونظام ديمقراطي شفاف.

وقال: «نحن مصممون على أن يحصل الشعب الصومالي على حقوقه الدستورية في اختيار مَن يمثله في السلطة بعد 57 عاماً، حيث سبَّبت الانتخابات غير المباشرة التي جرت في البلاد كثيراً من المشكلات، وعلى رأسها الأمنية».

يأتي ذلك وسط خلافات مع المعارضة بشأن الانتخابات المباشرة، واعتماد الدستور في مارس (آذار) الماضي دون تغيير ما يتعلق بالانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي، أو الحد من صلاحيات الولايات.

ووسط خلافات ممتدة منذ نحو عام، لم تُنهها جولات الحوار، تَشكَّل «مجلس مستقبل الصومال» المعارض في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب اجتماع في نيروبي، وأسَّسه رئيسا جوبالاند وبونتلاند أحمد مدوبي وسعيد دني، وزعيما «منتدى الإنقاذ» المعارض، وهم رئيسا الوزراء السابقان حسن علي خيري وسعد شردون، وعضو البرلمان عبد الرحمن عبد الشكور، وآخرون.

وامتدت الخلافات على مستوى قادة الأقاليم بصورة غير مسبوقة. وأواخر مارس الماضي أعلنت الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة» على مدينة بيدوا، العاصمة المؤقتة لولاية جنوب غرب، ووصول قوات مسلحة للعاصمة «استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين، مؤكدة «أن جهوداً لحلّ مشكلات الولاية قوبلت بمعارضة من الإدارة السابقة».

وبعد تلك الأحداث، نجا شيخ محمود، دون أن يُصاب بأذى، من حادث تعرض فيه هو ومرافقوه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا بجنوب البلاد، مطلع أبريل (نيسان) عقب الإطاحة برئيس الإقليم، في ثاني استهداف تدبره «حركة الشباب» المتشددة وينجو منه رئيس الصومال في غضون عام تقريباً، وفق ما أفادت «وكالة بلومبرغ».

ويعتقد المحلل والكاتب الصومالي، حسن محمد حاج، أن التمسك الرئاسي يزيد من حدة الانقسام مع الولايات المعارضة، في وقت يمنح الدستور الجديد الذي تم إقراره في مارس 2026 الرئيس عاماً إضافياً برفع الولاية لـ5 سنوات، لتنتهي في مايو (أيار) 2027 بدلاً من العام الحالي.

وأمام هذا الإصرار الرئاسي، يرى المحلل الصومالي أنَّ الحل يمكن في إطلاق حوار وطني جاد وشامل يضمن مشاركة الولايات المعارضة، بما فيها بونتلاند وجوبالاند، والاتفاق على نموذج انتخابي هجين يجمع بين الاقتراع المباشر والتوافق العشائري لضمان شرعية الاستحقاقات المقبلة.

ووسط تعقيدات المشهد الداخلي، وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي على تعيين مايكل لوتيم سفيراً لدى الإقليم الانفصالي، أرض الصومال، في إطار عملية توسيع العلاقات مع هذه المنطقة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في أواخر عام 2025، وفقاً لبيان وزارة الخارجية، الأسبوع الماضي.

وتحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر خاص وجيش، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من انعكاسات ذلك على الصومال، وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وليس أمام مقديشو، بحسب المحلل محمد حاج، سوى التحشيد الدبلوماسي والتحالف مع مصر وتركيا لعزل الانفصال دولياً، مضيفاً: «الخطر السيادي ربما يدفع الحكومة والمعارضة لتفاهمات اضطرارية تُعلي المصلحة الوطنية فوق الخلافات الداخلية».