انخفاض أسعار النفط قد يدفع السياسات المالية لدول الخليج نحو التقشف

تراجع الإنفاق العام وعجز الميزانية أبرز المخاطر

انخفاض أسعار النفط قد يدفع السياسات المالية لدول الخليج نحو التقشف
TT

انخفاض أسعار النفط قد يدفع السياسات المالية لدول الخليج نحو التقشف

انخفاض أسعار النفط قد يدفع السياسات المالية لدول الخليج نحو التقشف

يؤجج الهبوط الحاد لأسعار النفط مخاوف دول منتجة للنفط حول العالم على ميزانيتها وسياستها المالية، وسط قلق متنام بشأن الحركة السعرية الهبوطية للخام. وبدت تلك المخاوف في دول الخليج أكثر إلحاحا في ظل اعتماد ميزانياتها على الخام لتمويل الجزء الأكبر من الموازنات العامة للبلاد.
وهبط سعر خام برنت إلى أدنى مستوياته في 47 شهرا منتصف الشهر الحالي، لينزل عن 84 دولارا للبرميل مع ضعف النمو العالمي. وسجل النفط أكبر خسائره اليومية في أكثر من ثلاث سنوات أيضا بعد أن خفضت وكالة الطاقة الدولية توقعاتها للطلب العالمي على الخام لعامي 2014 و2015. وتلقي زيادة المخزونات الأميركية بظلالها على أسعار الخام. وأظهرت بيانات للحكومة الأميركية زيادة كبيرة في مخزونها، الأمر الذي أحبط تعافيا لأسعار النفط التي سجلت أدنى مستويات سعرية خلال الأعوام الأربعة الماضية. وقالت إدارة معلومات الطاقة الأميركية يوم الأربعاء الماضي إن مخزونات الخام ارتفعت إلى 7.11 مليون برميل متخطية تنبؤات المحللين بزيادة قدرها 2.7 مليون برميل، وكانت هذه ثاني زيادة أسبوعية على التوالي في مخزونات الخام الأميركي.
وأظهر تحليل لميزانيات الدول الخليجية الست أن السيناريو الأكثر سوءا هو انخفاض أسعار النفط دون مستوى 75 دولارا للبرميل، حيث ينتظر أن يؤدي هذا لتغيير على المدى القريب في السياسات المالية لبعض دول مجلس التعاون الخليجي، وعلى المدى المتوسط في بعض البلدان الأخرى. وتوقع محللون لـ«الشرق الأوسط» أن يؤثر انخفاض أسعار النفط على الدول الخليجية بدرجات متفاوتة وفقا لاعتماد الحكومات على النفط في تمويل الميزانيات، وإن كانت معظم البلدان ستشهد تأثرا فوريا في معدلات الإنفاق العام، مع احتمال لجوء بعض الدول إلى تسييل أصول مملوكة لها لتمويل العجز المنتظر.
والنفط يشكل ما يربو على نصف الناتج المحلي لدول الخليج مجتمعة بنسبة 49 في المائة، وتمتلك دول مجلس التعاون أكبر احتياطي نفطي عالمي يقدر بـ486.8 مليار برميل، بما يعادل 35.7 في المائة من إجمالي الاحتياطي العالمي من النفط، وما نسبته 70 في المائة من إجمالي الاحتياطي العالمي لأوبك، وفق آخر التقارير الصادرة عن وكالة الطاقة الدولية.
وتعتمد موازنات الدول الخليجية بشكل كبير على سعر برميل النفط في احتساب موازناتها العامة، حيث يحدد سعر البرميل ما إذا كانت الموازنة ستحقق فائضا أم عجزا في نهاية السنة المالية. وتهتم الدول المنتجة للبترول بصفة عامة بسعر تعادل برميل النفط مع ميزانيتها، وهو سعر برميل النفط الذي تحتاجه كل دولة حتى لا تشهد ميزانيتها عجزا ماليا وتضطر إلى الاستدانة أو استخدام موارد أخرى كالاحتياطات المالية لتغطية وسد العجز.
وتختلف تقديرات سعر التعادل بين الجهات والمنظمات، فعلى سبيل المثال فإن صندوق النقد الدولي قدر سعر تعادل السعودية العام الحالي عند 85 دولارا للبرميل، فيما يضع البنك الأهلي التجاري السعودي هذا السعر في مستويات 87.5 دولارا للبرميل، ويضعه مصرف «أبيكورب» المملوك للدول العربية المصدرة للبترول بنحو 95 دولارا، فيما تشير تقديرات «دويتشه بنك» الألماني إلى أن تقديرات أسعار النفط اللازمة لتحقيق التوازن في ميزانيات 2014 تبلغ في الكويت 75 دولارا للبرميل، وفي الإمارات 70 دولارا، وفي السعودية 93 دولارا، وفي قطر 65 دولارا، وفي سلطنة عمان 102 دولار، والبحرين 119 دولارا.
ويظهر تحليل «الشرق الأوسط» لميزانيات دول مجلس التعاون الخليجي حلول الكويت بالمرتبة الأولى خليجيا من حيث الاعتماد على النفط الذي شكل نحو 64 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العام المالي المنصرم، فيما احتلت دولة قطر المرتبة الثانية في تلك القائمة حيث بلغت نسبة القطاع النفطي من الناتج المحلى نحو 54 في المائة. وجاءت عمان في المرتبة الثالثة بين تلك الدول حيث هيمن القطاع النفطي على 49 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وحلت المملكة العربية السعودية في المرتبة الرابعة بين تلك القائمة بنسبة 47 في المائة، فيما جاءت الإمارات في المرتبة الخامسة من حيث إسهام القطاع النفطي بنسبة بلغت 33 في المائة، وحلت البحرين المركز الأخير في القائمة بنسبة 28 في المائة.
وقال تقرير لمعهد أكسفورد للطاقة، تلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه، إن المملكة العربية السعودية ستحقّق عجزا في موازنتها في حال تراجعت أسعار النفط إلى 83 دولارا للبرميل. وأضاف المعهد في تقريره أن وصول سعر البرميل النفط إلى 83 دولارا للبرميل سيؤدي إلى حدوث عجز قدره 56.8 مليار دولار، مضيفا أنها قد تحتمل انخفاض أسعار النفط في المدى القريب، بفضل تراكم الأصول الأجنبية الكبيرة لديها.
وقال جياس جوكينيت، اقتصادي أول لدى معهد الصيرفة العالمي، إن «هبوط أسعار النفط سيلقي بظلاله مباشرة على الإيرادات والفوائض المالية للدول الخليجية، ولكن مع الوضع في الاعتبار خصوصية كل دولة من حيث حجم الإنتاج والفوائض المالية الموجودة فعليا والتي يمكنها رفد موارد الميزانية في مثل تلك الأوقات التي تنخفض فيها أسعار النفط».
وحققت دول مجلس التعاون فائضا ماليا ناهز الـ147 مليار دولار خلال عام 2013، فيما سجلت البحرين عجزا ماليا بلغت قيمته 1.3 مليار دولار.
وجاءت على رأس قائمة الأعلى بالفوائض المالية بين دول التعاون المملكة العربية السعودية بنحو 55 مليار دولار، مستحوذة على نحو 37 في المائة من إجمالي الفائض المالي لدول الخليج العام الفائت. بينما جاءت دولة الكويت في تلك القائمة في المرتبة الثانية بفائض مالي بلغ نحو 34.1 مليار دولار، مثلت ما نسبته 23 في المائة من الإجمالي. وحلت ثالثا دولة الإمارات بفوائض قدرت بنحو 29.7 مليار دولار مستحوذة على 20 في المائة من إجمالي الفوائض. واستحوذت دولة قطر على المرتبة الرابعة بنسبة 17 في المائة حيث بلغت فوائضها هذا العام نحو 25.3 مليار دولار، وحلت بالمرتبة الأخيرة سلطنة عمان بنحو 4 مليارات دولار مثلت نسبة 3 في المائة.
وتظهر حسابات «الشرق الأوسط» بلوغ فوائض الميزانية في دول الخليج الست مجتمعة نحو 10.6 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في 2013. وفي حال احتساب أسعار النفط عند مستوى 75 دولارا للبرميل في المتوسط لدول المجلس فإن تلك الفوائض قد تتراجع إلى 8.3 في المائة من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي في 2014. ويضيف جوكنيت أنه «في دولة على غرار السعودية لن نرى عجزا في الميزانية على المدى القريب على الرغم من معدلات الإنفاق المرتفعة على المشروعات الحكومية في ظل وجود رصيد قوي من الاحتياطيات الأجنبية، وقد يمثل الأمر معضلة لدول أخرى على غرار سلطنة عمان والبحرين حيث ينتظر أن نرى تباطؤا في وتيرة الإنفاق الحكومي خلال الفترة المقبلة».
وتاريخيا، لم تنج دول الخليج من عجز الموازنة في أوقات انخفاض أسعار النفط. وتشير بيانات التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2004 إلى أن العجز بموازنات الدول النفطية في عامي 1998 و1999 كان ملحوظا، ففي السعودية بلغ 8.8 في المائة و6 في المائة على التوالي، وفي الكويت لنفس العامين كان 4.6 و13.5 في المائة، وفي الإمارات 16.1 و14.5 في المائة.
ويقول أرغون شوكالا، الخبير الاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط لدى «ماكسويل ستامب»، إنه «طالما تميز إنفاق الدول الخليجية بالسخاء في الفترة التي ارتفعت فيها أسعار النفط ووصلت لذروتها على مدى الأعوام الماضية، وقد نرى تراجعا في السياسات المالية لدول المجلس على مدار الأعوام المقبلة، مع الوضع في الاعتبار أن الهبوط في أسعار النفط قد يدفع بعض الدول إلى اللجوء إلى الاحتياطيات الضخمة أو ربما تسييل أصول مملوكة لها بالخارج».
ووفقا لمعهد الصيرفة الدولية فقد ارتفعت معدلات الإنفاق لدول الخليج بنسبة بلغت 8.2 في المائة في عام 2013، مقارنة بالعام السابق عليه، في ظل توقعات بنموها بنسبة تبلغ 4.8 في المائة في 2014. ويضيف شوكالا ردا على سؤال لـ«الشرق الأوسط» حول تأثير عجز الميزانية في حال حدوثه على دول مجلس التعاون، قائلا «سيختلف التأثير بكل تأكيد من بلد إلى آخر، لكننا قد نرى رفعا في برامج الدعم عن الطاقة، وهو ما سيصاحبه ارتفاع الضغوط التضخمية».
وترى وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني أن الآثار المترتبة على تراجع أسعار النفط ستكون بين محايدة وسلبية للعديد من الدول الخليجية. وأضافت الوكالة أن انخفاض الأسعار سيؤثر على جودة الائتمان السيادي بدرجات متفاوتة وتحديدا لدول البحرين وعُمان الأكثر عرضة للتعديل نحو الانخفاض المحتمل لتصنيفاتها السيادية بسبب تراجع إنتاج النفط فيهما.
* الوحدة الاقتصادية لـ«الشرق الأوسط»



الصادرات غير النفطية السعودية تقفز 22 % في يناير

ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (واس)
ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (واس)
TT

الصادرات غير النفطية السعودية تقفز 22 % في يناير

ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (واس)
ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (واس)

أظهرت بيانات التجارة الدولية الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء لشهر يناير (كانون الثاني) 2026 تحقيق السعودية نمواً لافتاً في قطاع الصادرات غير النفطية؛ حيث ارتفعت قيمتها شاملة إعادة التصدير بنسبة 22.1 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، لتستقر عند 32.6 مليار ريال (نحو 8.69 مليار دولار).

ويعكس هذا الأداء المرن نجاح الجهود المبذولة لتنويع القاعدة الاقتصادية؛ حيث ارتفعت نسبة الصادرات غير النفطية إلى الواردات لتصل إلى 40.0 في المائة، مقارنة بنحو 34.9 في المائة في يناير 2025.

وتعود هذه الطفرة في الأداء غير النفطي بشكل أساسي إلى القفزة الكبيرة في نشاط «إعادة التصدير»، الذي سجل نمواً قياسياً بنسبة 95.5 في المائة ليبلغ 15.8 مليار ريال (نحو 4.21 مليار دولار)، وهو ما يمثل أعلى مستوى شهري لهذا النشاط منذ بداية عام 2017، وقد تركز هذا النمو في قطاع الآلات والأجهزة والمعدات الكهربائية وأجزائها، الذي نما بنسبة 78.2 في المائة ليستحوذ وحده على 46.1 في المائة من إجمالي السلع المعاد تصديرها.

وفي المقابل، سجلت الصادرات الوطنية غير النفطية (باستثناء إعادة التصدير) انخفاضاً بنسبة 9.9 في المائة لتصل إلى 16.7 مليار ريال (نحو 4.45 مليار دولار).

وعلى صعيد المؤشرات الكلية، بلغ إجمالي الصادرات السلعية للمملكة في يناير نحو 98.7 مليار ريال (نحو 26.32 مليار دولار) بنمو محدود قدره 1.4 في المائة. وجاء هذا النمو المحدود متأثراً بتراجع الصادرات النفطية بنسبة 6.4 في المائة لتنخفض قيمتها إلى 66.1 مليار ريال (نحو 17.62 مليار دولار)، مما أدى لتقلص حصة النفط من إجمالي الصادرات إلى 67.0 في المائة مقابل 72.6 في المائة في العام السابق.

وأدى هذا التباين في أداء القطاعات، مع ارتفاع الواردات بنسبة 6.5 في المائة لتصل إلى 81.4 مليار ريال (نحو 21.70 مليار دولار)، إلى انخفاض فائض الميزان التجاري السلعي بنسبة 17.5 في المائة ليبلغ 17.3 مليار ريال (نحو 4.61 مليار دولار).

وفيما يخص الشركاء التجاريين، واصلت الصين تصدر القائمة كوجهة رئيسية لصادرات المملكة بنسبة 15.1 في المائة، تلتها الإمارات بنسبة 12.9 في المائة، ثم الهند بنسبة 9.8 في المائة. كما احتلت الصين المرتبة الأولى في قائمة الواردات بنسبة 31 في المائة.

أما على مستوى المنافذ الجمركية، فقد برز مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة كأهم منفذ للصادرات غير النفطية بحصة بلغت 19.3 في المائة، بينما تصدر ميناء الملك عبد العزيز بالدمام منافذ الاستيراد بنسبة 27.7 في المائة من إجمالي الواردات السلعية للمملكة.


شراكات عابرة للقارات تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي في أميركا اللاتينية

جانب من الجلسات في اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)
جانب من الجلسات في اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)
TT

شراكات عابرة للقارات تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي في أميركا اللاتينية

جانب من الجلسات في اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)
جانب من الجلسات في اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)

تدخل أميركا اللاتينية مرحلة توصف بأنها «لحظة استثمارية حاسمة»، وسط تصاعد الاهتمام العالمي وتزايد الفرص، في وقت يؤكد فيه قادة ومسؤولون أن تحويل هذا الزخم إلى نمو طويل الأمد يتطلب بيئة تنظيمية واضحة، وشراكات استراتيجية، ورؤية تتجاوز المدى القصير.

وخلال اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي «FII PRIORITY Miami» الذي عُقد تحت عنوان «النظام الجديد لأميركا اللاتينية»، شدد رئيس اللجنة التنفيذية والرئيس التنفيذي بالإنابة لمعهد مبادرة مستقبل الاستثمار ريتشارد أتياس على أن المرحلة المقبلة «لن تُحدَّد بالكلمات، بل بالقرارات والشراكات والاستثمار والشجاعة»، في إشارة إلى التحولات العميقة التي يشهدها الإقليم.

وأكدت جلسات القمة أن شهية الاستثمار في أميركا اللاتينية باتت «حقيقية ومتنامية»؛ حيث أشار إيلان غولدفاين، رئيس بنك التنمية للبلدان الأميركية، إلى تشكّل ممر استثماري عابر للقارات، مدفوعاً بارتفاع الطلب واستعداد عدد من الدول لتبني أطر استثمارية متوافقة مع المعايير العالمية.

ولفت إلى أن القمة تمثل منصة لربط المستثمرين بالفرص، معتبراً أن «نمو الإنتاجية» سيكون العامل الحاسم في تحقيق قفزات اقتصادية، مع إمكانية وصول بعض الدول إلى معدلات نمو تتراوح بين 5 و6 في المائة.

إصلاحات تشريعية

وفي قطاع الطاقة، برزت أهمية البيئة التشريعية كعامل رئيسي لجذب الاستثمارات؛ حيث أكدت نائبة رئيس فنزويلا ديلسي رودريغيز أن «اليقين القانوني» يمثل حجر الأساس لاستقطاب رؤوس الأموال، مشيرة إلى إصلاحات قانونية شملت قطاع الهيدروكربونات. وكشفت أن بلادها استقطبت أخيراً أكثر من 120 شركة طاقة، معظمها من الولايات المتحدة، إلى جانب شركات من الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا وأوروبا.

اتفاقيات التجارة وتشكيل الأسواق

وتُسهم الاتفاقيات التجارية في تسريع زخم الاستثمار، إذ أشار نوربيرتو جيانغراندي، رئيس مجلس إدارة «مينيرفا فودز»، إلى قرب دخول اتفاقية الاتحاد الأوروبي و«ميركوسور» حيز التنفيذ، ما سيؤدي إلى إنشاء واحدة من كبرى مناطق التجارة الحرة في العالم، تضم أكثر من 700 مليون مستهلك.

ووصف جيانغراندي البرازيل بأنها «ملاذ آمن» في ظل التقلبات العالمية، لافتاً إلى النمو الكبير في صادرات اللحوم، التي ارتفعت من 50 ألف طن مطلع الألفية إلى نحو 5 ملايين طن متوقعة هذا العام. وأكد أن هذا التوسع يعتمد على الابتكار والتكنولوجيا، إلى جانب الكفاءات البشرية، مع تعزيز الإنتاج دون الإضرار بالموارد الطبيعية.

رأس المال البشري أساس النمو

في المقابل، يتزايد التركيز على الاستثمار الاجتماعي باعتباره محركاً أساسياً للنمو؛ حيث أكدت ماريا خوسيه بينتو، نائبة رئيس الإكوادور، أن بلادها انتقلت من اعتبار الإنفاق الاجتماعي «تكلفة» إلى اعتباره «استثماراً في النمو الاقتصادي». وأوضحت أن الأولويات تشمل مكافحة سوء التغذية المزمن، وتعزيز التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية للمياه والصرف الصحي.

وأشارت إلى أن كل دولار يُستثمر في معالجة سوء التغذية يمكن أن يحقق عائداً يصل إلى 23 دولاراً مستقبلاً، داعية المستثمرين إلى تبني منظور طويل الأمد يركز على تنمية رأس المال البشري.

شراكات طويلة

من جانبه، شدد المدير العام للأميركتين في وزارة الاستثمار السعودية عبد الرحمن بكر على أن التحدي لا يكمن في قرار الاستثمار بحد ذاته، بل في «كيفية الاستثمار»، مشيراً إلى أن تنوع الأسواق داخل أميركا اللاتينية يتطلب فهماً عميقاً لكل مدينة ودولة على حدة.

وقال إن بناء شراكات طويلة الأمد، وتعزيز الحضور المحلي، وفهم الخصوصيات الاقتصادية لكل سوق، تمثل عناصر أساسية للنجاح، مؤكداً أن الهدف لا يقتصر على تمويل المشاريع، بل يمتد إلى دعم الاقتصادات في مسار نموها.

رؤية مشتركة

وخرجت القمة إلى أن تحقيق الإمكانات الكاملة لأميركا اللاتينية يتطلب مواءمة بين رأس المال والسياسات والموارد البشرية ضمن رؤية مشتركة طويلة الأمد. ومع توافر الشراكات الاستراتيجية، والأطر التنظيمية الواضحة، والتركيز المتزايد على رأس المال البشري، تبدو المنطقة في موقع مؤهل لتحويل الفرص الناشئة إلى نمو مستدام وقابل للتوسع.


رئيس «مبادرة مستقبل الاستثمار»: قمة ميامي منصة عالمية لفهم تحولات الاقتصاد الدولي

أتياس خلال تدشين اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار (الشرق الأوسط)
أتياس خلال تدشين اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار (الشرق الأوسط)
TT

رئيس «مبادرة مستقبل الاستثمار»: قمة ميامي منصة عالمية لفهم تحولات الاقتصاد الدولي

أتياس خلال تدشين اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار (الشرق الأوسط)
أتياس خلال تدشين اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار (الشرق الأوسط)

مع استعدادها للانطلاق الرسمي، اليوم (الخميس)، أكد الرئيس التنفيذي بالإنابة وعضو مجلس إدارة مؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار» ريتشارد أتياس أن قمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي «FII PRIORITY Miami» تمثل منصة عالمية لفهم تحولات الاقتصاد الدولي، في ظل تسارع حركة رأس المال والتكنولوجيا عبر الحدود، مشدداً على أن دور المؤسسة يتجاوز النقاش إلى التأثير العملي في مسارات الاستثمار.

وقال أتياس، في لقاء إعلامي على هامش القمة المنعقدة في ميامي الأميركية، إن القمة استهلت أعمالها بجلسة خاصة حول «النظام الجديد لأميركا اللاتينية»، استجابة لاهتمام متزايد بدور المنطقة، لافتاً إلى أن ميامي باتت «نقطة التقاء استراتيجية بين شمال وجنوب القارة الأميركية»، ومركزاً لإعادة توجيه الاستثمارات. وأضاف أن الجلسات شهدت مشاركة قادة أعمال ومسؤولين سياسيين، إلى جانب اجتماعات مغلقة بين المستثمرين.

رقم قياسي

وأشار أتياس إلى تسجيل رقم قياسي في عدد المشاركين، يقترب من 1900 مشارك، بينهم نحو 40 في المائة من خارج الولايات المتحدة، رغم التحديات المرتبطة بالسفر، خصوصاً من الشرق الأوسط، مؤكداً أن «الإقبال يعكس تعطشاً عالمياً لفهم اتجاهات رأس المال والفرص الجديدة».

وفيما يتعلق بأبرز توجهات القمة، قال إن النقاشات هذا العام أصبحت «أكثر نضجاً وواقعية»، خاصة في ملف الذكاء الاصطناعي، موضحاً أن الحديث لم يعد نظرياً كما في السابق، بل بات يركز على التطبيقات العملية، مثل مراكز البيانات واستخدامات الذكاء الاصطناعي في القطاعات المختلفة، حيث «يمكن تتبع أين تتجه الاستثمارات فعلياً».

وأضاف أن العملات الرقمية لا تزال حاضرة بقوة، إلى جانب تنامي الاهتمام بقطاع السياحة، الذي وصفه بأنه «يشهد نمواً رغم التحديات العالمية».

تنطلق الخميس فعاليات اليوم الأول من قمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)

وانطلقت القمة التي تعقد تحت شعار «رأس المال المتحرك»، بجلسات تحضيرية متخصصة حول أسواق أميركا اللاتينية، في وقت تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والجيوسياسية عالمياً، وتزداد فيه وتيرة انتقال الاستثمارات والأفكار عبر الحدود والقطاعات.

وتتناول القمة في جلساتها محاور رئيسية تشمل «حواراً افتتاحياً» مع ياسر الرميان محافظ صندوق الاستثمارات العامة السعودي، وجلسة «الجغرافيا الجديدة للاستثمار»، إلى جانب بحث العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية والخليج.

كما تركز على التحولات التكنولوجية والمالية، من الذكاء الاصطناعي إلى العملات المستقرة، مروراً بدور رأس المال الخاص، وفرص الأسواق السعودية، إضافة إلى استكشاف آفاق أفريقيا وبروز فئات أصول جديدة مدفوعة بالتقنيات المتقدمة.

جيل جديد

وبالعودة إلى الرئيس التنفيذي بالإنابة وعضو مجلس إدارة مؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار»، الذي أكد بروز جيل جديد من رواد الأعمال الشباب، الذين باتوا يقودون شركات تدير مليارات الدولارات، قال: «ميامي أصبحت منصة لاكتشاف القادة الجدد للاقتصاد العالمي»، مضيفاً أن بعض هؤلاء بدأوا مشاريعهم العام الماضي وأصبحوا اليوم لاعبين رئيسيين في السوق.

إطلاق مؤشر لرأس المال المتحرك

وفي سياق تعزيز دورها كمحرك للتحولات الاستثمارية، أعلنت مؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار»، وهي مؤسسة عالمية غير ربحية بذراع استثمارية ترتكز على «إحداث أثر في الإنسانية»، إطلاق «مؤشر رأس المال المتحرك» (CMI) خلال قمة ميامي، بوصفه أداة عالمية مبتكرة لرصد وتحليل تدفقات رأس المال عبر الحدود والقطاعات والتقنيات.

ويهدف المؤشر إلى تقديم رؤية غير مسبوقة لصنّاع القرار حول كيفية توظيف رؤوس الأموال طويلة الأجل، من خلال متابعة الاستثمارات المعلنة والمُلتزم بها في مجالات حيوية تشمل الذكاء الاصطناعي والطاقة والابتكار الحضري والغذاء وتقنيات إطالة العمر.

ويرتكز المؤشر على 6 محاور رئيسية، منها كفاءة حركة رأس المال وجودته وشموليته واستعداده للمستقبل، بما يتيح تقييماً أعمق لا يقتصر على حجم التدفقات، بل يمتد إلى أثرها في خلق قيمة مستدامة.

وقال أتياس إن المؤسسة أسهمت في تحفيز صفقات تتجاوز قيمتها 170 مليار دولار، ما يمنحها فهماً دقيقاً لمسارات رأس المال عالمياً، مضيفاً أن المؤشر الجديد «سيحوّل هذه المعرفة إلى أداة استراتيجية توفر وضوحاً واتجاهاً واستشرافاً في بيئة اقتصادية معقدة».

ومن المقرر استكمال تطوير المؤشر بالتعاون مع شركاء دوليين، على أن يُطلق بشكل كامل خلال النسخة العاشرة من مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض نهاية أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، في خطوة تعكس توجه المؤسسة نحو تقديم أدوات عملية تُسهم في توسيع الوصول إلى المعرفة الاستثمارية وتعزيز الشفافية والشمولية في فهم حركة الأموال عالمياً.

عقد الصفقات

كما شدد على أن القمة تتيح بيئة للتعاون والتعلم، حيث يجتمع المنافسون لتبادل الرؤى والخبرات، موضحاً أن «المنصة لم تعد فقط للحوار، بل أيضاً لعقد الصفقات»، مع توقع الإعلان عن استثمارات بمليارات الدولارات خلال أيام القمة في قطاعات متعددة، منها الذكاء الاصطناعي والسياحة.

وحول اختيار ميامي، قال أتياس إن المدينة أصبحت مركزاً عالمياً يربط بين الأسواق، مشيراً إلى أن استراتيجية المؤسسة تقوم على تنظيم فعاليات في مراكز اقتصادية مختلفة، مع بقاء الرياض الحدث الرئيسي السنوي.

وشدد الرئيس التنفيذي بالإنابة وعضو مجلس إدارة مؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار» على أن العالم، رغم التحديات، «يظل قادراً على التكيف»، وأن القمة تسعى إلى تزويد قادة الأعمال بما يشبه «بوصلة جديدة» لفهم اتجاهات الأسواق خلال الأشهر المقبلة، مضيفاً أن «الحوار والتواصل في أوقات عدم اليقين أصبحا أكثر أهمية من أي وقت مضى».