المترجم صلاح نيازي: ليست هناك قاعدة في الترجمة

ترجم ما يعتبرها كثيرون أهم رواية في القرن العشرين بالعربية

صلاح نيازي
صلاح نيازي
TT

المترجم صلاح نيازي: ليست هناك قاعدة في الترجمة

صلاح نيازي
صلاح نيازي

تحتاج الأعمال الأدبية العويصة والمُضلِّلة من طراز «يوليسيس» الملأى بالمعميّات والإحالات والهوامش الكثيرة إلى فريق عمل أو مؤسسة بكاملها كي تتبنى ترجمة هذا النص الأدبي من لغته الأم إلى اللغة العربية. لكن الناقد والمُترجم العراقي صلاح نيازي قام بهذه المهمة الشاقة وحده، مستعينا بالمصادر والمراجع الإنجليزية المتوافرة بلندن، ومعتمدا على بعض أصدقائه الخبراء المتخصصين في أدب جويس وروائعه الفنية وبالذات «يوليسيس» التي يعتبرها نقّاد الأدب أهم رواية صدرت في القرن العشرين.
لم يترك المترجم صلاح نيازي شاردة أو واردة في هذا النص الإشكالي إلاّ وسأل عنها، مستوضحا عن دلالاتها ومعانيها الخفيّة. ومَنْ يُمعن في قراءة الهوامش مع متن الرواية سوف يكتشف من دون شكّ حجم الجهد الأسطوري الذي بذله نيازي في ترجمة هذا النص الذي وصل إلى مستوى التُحفة الروائية وترك تأثيرا بالغا على الكُتّاب المعاصرين له والذين جاءوا من بعده. لم يكن نيازي أول من ترجم هذه الرواية، فلقد سبقه فهمي جمعة الذي ترجم أجزاء مبتسرة منها، وطه محمود طه الذي ترجمها بالكامل «مُمصِّرا» الكثير من حواراتها. أما ترجمة نيازي فهي أنموذج للدقة والفرادة والإتقان. ولمناسبة صدور الجزء الثالث من هذه الرواية التقينا نيازي وكان لنا معه هذا الحوار:
* ما سرّ تعويلك الدائم في الترجمة على تقنية النص التي تفضي بك إلى الدقة في التقاط المعنى.. وما هي الغضاضة في ترجمة ما هو مُترجَم إذا وجد المترجِم زاويةً جديدة لقراءة النص المُترجم غير مرّة؟
- مرّت الترجمة العربية بمرحلتين في الأقل، كما يبدو. كان المترجم في المرحلة الأولى يسأل نفسه: ما الذي قاله تشوسر، أو ما الذي قاله شكسبير، أو ما الذي قاله جويس؟ إنه يحاول أن يفهم المعنى بالدرجة الأولى، ثم يضعه بلغة عربية خالصة لا أثر فيها لخصائص النص المترجَم.
المرحلة التالية الحالية هي تبيّن تقنية النص ومحاولة نقلها إن أمكن. أي أن المترجم في هذه المرحلة يسأل نفسه: كيف قال تشوسر أو شكسبير أو جويس المعنى؟ الفرق واضح بين المقاربتين في الترجمة، أي بين ما الذي قاله المؤلف، وبين كيف قاله. المنفلوطي مثلا كان يتوسل المعنى عن طريق مترجم آخر يدلّه على المعنى مشافهة، وما عليه إلا أن ينقله إلى العربية دون الاعتناء بكيفية القول أو صيغته. كذلك فعل فيتزجيرالد حين ترجم رباعيات الخيام إلى الإنجليزية، ولم يكن يعرف الفارسية.
لا ريب نجح المنفلوطي بين القراء، ونجح فيتزجيرالد وكذلك أحمد رامي، لأن القراء في المراحل السابقة كانوا مأخوذين بفضول من نوع خاص، فضول معرفة ما تفكر به الشعوب الأخرى أي التعرف على المعاني بالدرجة الأولى. أما وقد تطورت العلوم شتاها والمختبرات وأنابيقها، ونظريات علم النفس ومشافيها، فلا بد من الإمعان في التعمق بالتقنيات. تقنية النص وحدها تكشف، من باب تحصيل الحاصل، عن معان جديدة غائصة بعمق.
ولأن الكُتّاب إنما يختلفون عن بعضهم بعضا بالتقنية. إذن، قلت، ليكن ديدني التركيز على هذه الخصيصة المهملة تقريبا في النقد العربي، أي خصيصة التقنية. منذ البدايات الأولى كنت مسحورا بما يولده العقل الباطن من أساليب من تقنيات قولية وصياغات أسلوبية. أي كيف، مثلا، تبدأ القصيدة؟ كيف تتطوّر؟ كيف تكمّل دورتها؟ ما الألفاظ التي استعملها الشاعر؟ ما الألوان التي ركّز عليها؟ ما الإيقاعات وتدرجاتها الصوتية؟ ما الحواس التي وظفها، وكيف انصهرت ببعضها بعضا كما عند رامبو في بوتقة واحدة، وكيف انفصلت عن بعضها بعضا كما في مسرحية «ماكبث» وهو أخطر تفكك مرعب للحواس في تاريخ الأدب.
التقنية هي من مبرراتي الضرورية لترجمة الأعمال الضخمة مرة ثانية، كأعمال شكسبير ويوليسيس. من نافلة القول أن ترجمة ما تُرجم ديدن قديم وسُنّة جارية في الأدب الإنجليزي. خذ ترجمات المسرحيات الإغريقية وعدد ترجماتها. خذ المعلقات وعدد مترجميها إلى الإنجليزية. حتى شكسبير نفسه أعاد صياغة «هاملت» التي كانت من تأليف مسرحي آخر. أما في العربية فقد ترجمت بعض أعمال شكسبير عدة مرات منذ ترجمة خليل مطران. فأي غضاضة في ذلك إذا وجد المترجم زاوية جديدة لقراءة النص؟ إنه إثراء.
* لماذا تعتبر «يوليسيس» نصا مُضللا، زلقا أو حتى خريطة بلا أسماء؟
- حينما تكون لديك معايير للجمال فلديك مقاييس، لكن وأنت أمام «يوليسيس» تحتاج إلى معايير جديدة لأن خصائص هذه الرواية أو فنّيتها لا تنتمي إلى أي خصائص أخرى. لذا يصعب تقنينها أو رسم خطوط بيانية لها. بوصلتها في داخلها إذا صحّ التعبير. تقنيات يوليسيس جديدة ولا حصر لها. في كل حلقة تقنية مختلفة، ثماني عشرة حلقة بثماني عشرة تقنية. حتى في الحلقة الواحدة تقنيات منوعة لأنها تتعامل مع تيار الوعي ولا تدري ما الذي يطلع عليك به هذا التيار الجارف العجيب. إنها رواية القرن العشرين فأي عجب.
مثلا في الفصل السابع عشر الذي انتهيت منه للتو اهتمام حريص ودقيق بالعلوم، وكأن الرواية استحالت إلى رواية علمية بحت. وما هي إلا أسطر حتى تنقلب إلى وقائع فلكية يختلط فيها العلم بعلم النجوم والدين والأساطير والمعتقدات الشعبية.
في السماء، ما هي أبعاد النجوم؟ متى تظهر؟ متى تختفي؟ كم سرعتها؟ وعلى الأرض ما هو الماء؟ وكيف يتكوّن؟ لماذا اهتم بلوم بطل الرواية بالماء؟ لماذا نقله؟ لماذا أحبّه؟ هل الماء ديمقراطي؟ ما هي أوجه ديمقراطيته؟
تقنية جويس في هذه الحلقة تعتمد على ما يسمى باللغة الإنجليزية (Catechism)، وهي تقنية كان يستعملها رجال الدين في كراريسهم التعليمية في تعليم الدين عن طريق السؤال والجواب. هذه التقنية لا علاقة لها بالحلقة التاسعة التي عُنيت بـ«هاملت» تأريخا وفلسفة وسيكولوجية. رواية «يوليسيس» وإنْ اختلفت حلقاتها مبنى ومعنى إلا أنها كالأعضاء البشرية تختلف عن بعضها بعضا لكنها بمجموعها تكون هيكل الإنسان. وبما أنه لا يمكن إيجاد تعريف واحد ينطبق على كل إنسان فإن رواية «يوليسيس» تكوين خاص تعريفه فيه لا يشبه أي تعريف آخر.
* هل تكمن صعوبة «يوليسيس» في متنها أم في هوامشها الكثيرة؟
- القارئ العربي الآن مع الهوامش أسعد حالا من القارئ الإنجليزي بالتأكيد. ما يحدث في هذه الرواية أن الكلمة حتى إذا كانت مفهومة وبسيطة فإنها ليست مفهومة ولا بسيطة. القاموس لا ينفع. جويس من أكبر علماء اللغة الإنجليزية، ويُتقن عدة لغات مثل السنسكريتية واللاتينية والكلتية والإغريقية والفرنسية والإيطالية، من ناحية، ومتبحر في عشرات الثقافات. ولديه الثقافة الموسيقية فقد كان موسيقيا، والعلوم الطبية لأنه درس الطب. الكلمة عند جويس في هذه الحالة معبأة بأغرب التداعيات التي تقودك إلى حوادث تاريخية ودينية وجغرافية وموسيقية وأوبرالية وما إلى ذلك، وهذا هو وجه التضليل أولا.
أما التضليل الآخر الذي يخيف فهو حين ينهمك في حديثٍ ما يستمر وتستمر معه فإذا بك تدرك بعد صفحات أنه كان قد انتقل إلى موضوع آخر بفعل تيار الوعي. الصعوبة هنا أن تعرف متى انتقل وأين انتهى.
* ما حدود الاجتهاد في ترجمة المصطلحات والعبارات والجُمل العويصة التي تصادفك أثناء الترجمة؟
- ليست هناك قاعدة في الترجمة. هي عملية يشترك فيها الدماغ مع الرئة مع الدورة الدموية مع المزاج، بالإضافة إلى الثقافة. لا بدّ من دوزنة نفسك قبل الشروع في الترجمة. حينما تترجم تنتفي كل النظريات السابقة، والحديث هنا عن الترجمات الجليلة القدر، المعقدة الإبداع. لا تستطيع أن تقول إنّ نظرية ما يجب أن تُتبع. لو قرأت كل كتب لغتك في كيفية تقبيل امرأة فإنّك في أتون التقبيل تنسى كل نظرية تعلمتها وتبتكر أو ترتجل أنت نوعية القُبل.
بالنسبة لي لا بدّ لي من دوزنتي، كما أشرت إلى ذلك سابقا. العقل، العاطفة، القلب، الرئة، لا بدّ لها أن تنسجم في إيقاع موحّد. أبسط ما يقال عنه تأليف موسيقي. حين يغيب المترجم بغير وعي منه، يبدأ بسماع أصوات من داخل النص لا علاقة لها بالأصوات الخارجية، ويتعرف على ألوان يعز إيجاد مثيل لها خارج النص.
* هل يتوجب على المترجم إدراك تقنيات التأليف الروائي والمسرحي والشعري والقصصي قبل ترجمة النصوص الأدبية؟
- يتوجب ونصف. أتمنى أن تكون الترجمة بهذا الأسلوب. قراءة النظريات النقدية ليست هي كل شيء، لكنها تودع في نفسك الثقة. النص الجديد عادة يأتي بنظرياته الترجمية والنقدية، وإلا كان تقليدا لنص سابق. النص الأصيل لا يشبه إلا نفسه. كالإنسان لا يشبه إلا نفسه وإن تماثل شكلا. حتى هذه النظريات الطالعة من النص نفسه تختلف إذا ترجمتَ صباحا عما تترجمهُ ظهرا أو ليلا، الترجمة تختلف من وقت لآخر، ومن حالة نفسية لأخرى. فرحك وحزنك وقلقك سيظهر في ترجمتك لا محالة. قلنا آنفا إن المترجم ناقد أو لا بدّ أن يكونه، وإلا سيكون عالم آثار يجمع الكيان ولكنه لا ينحته.
* ما الصعوبة الكامنة في الحلقة الخامسة عشرة التي اعتبرتها شَرَكا حقيقيا؟
- أبسط صعوباتها أن جويس نقل النص من صيغته الروائية إلى صيغة مسرحية. أصوات وأصوات أصداؤها مختلفة إذا صح التعبير. هنا أنطق جويس حتى الجمادات. لها ما للإنسان من آراء. عالم واقعي لكنه يبدو أبعد ما يكون عن الواقع. مثلا امرأة تتحول إلى رجل على المسرح أمامك، وبالعكس. التليفون يتكلم، كذلك شجر الطقسوس. جويس كما قلنا متخصص في العلوم الطبية. الحلقة الخامسة عشرة معنية بطلاب الكلية الطبية واستهتاراتهم، ومعنية بالنساء والولادة وعسر الولادة والآلام والعلاجات بتفصيلات لا يمكن أن يجاريها مترجم عربي لأننا نفتقر إلى قواميس طبية مشابهة. إذا خرج جويس من معجم المستشفى المفصل ودخل في علم الفلك والكواكب بتفاصيل منهكة تجد نفسك في حيرة أكبر. أضف إلى ذلك ما يستعمله جويس من مصطلحات دينية كاثوليكية، وطقوس وتراتيل، هي جديدة على مترجم مثلي، والقاموس العربي ملجأ غير آمن.
* يقول «ت.س. إليوت»: «أنت أمام الطبيب إنسان فإذا تمددت وبنّجت على طاولة التشريح فأنت شيء»..
- كنت أقف أمام النص بهذه المثابة وكأنها عملية جراحية لا تحتمل التهاون أو الخطأ. لا بدّ من الدقة. لا بدّ من الصبر. قد لا ينطبق ما نتداوله في العامية «العجلة من الشيطان» إلا على ترجمة «يوليسيس». إنها مثل زراعة شجر الزيتون لا بدّ لجني ثمره من سنين، كذلك «يوليسيس» شجرة زيتون، وليست محاصيل فصلية. حاولت بإخلاص أن أكون أمينا لتقنيات جويس من ناحية، وحريصا كل الحرص على إفادة القارئ. عسى أن أكون قد حالفني الحظ في التوفيق بين جويس والقارئ العربي وهما أغرب طرفي معادلة واجهتهما في حياتي.



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.