المترجم صلاح نيازي: ليست هناك قاعدة في الترجمة

ترجم ما يعتبرها كثيرون أهم رواية في القرن العشرين بالعربية

صلاح نيازي
صلاح نيازي
TT

المترجم صلاح نيازي: ليست هناك قاعدة في الترجمة

صلاح نيازي
صلاح نيازي

تحتاج الأعمال الأدبية العويصة والمُضلِّلة من طراز «يوليسيس» الملأى بالمعميّات والإحالات والهوامش الكثيرة إلى فريق عمل أو مؤسسة بكاملها كي تتبنى ترجمة هذا النص الأدبي من لغته الأم إلى اللغة العربية. لكن الناقد والمُترجم العراقي صلاح نيازي قام بهذه المهمة الشاقة وحده، مستعينا بالمصادر والمراجع الإنجليزية المتوافرة بلندن، ومعتمدا على بعض أصدقائه الخبراء المتخصصين في أدب جويس وروائعه الفنية وبالذات «يوليسيس» التي يعتبرها نقّاد الأدب أهم رواية صدرت في القرن العشرين.
لم يترك المترجم صلاح نيازي شاردة أو واردة في هذا النص الإشكالي إلاّ وسأل عنها، مستوضحا عن دلالاتها ومعانيها الخفيّة. ومَنْ يُمعن في قراءة الهوامش مع متن الرواية سوف يكتشف من دون شكّ حجم الجهد الأسطوري الذي بذله نيازي في ترجمة هذا النص الذي وصل إلى مستوى التُحفة الروائية وترك تأثيرا بالغا على الكُتّاب المعاصرين له والذين جاءوا من بعده. لم يكن نيازي أول من ترجم هذه الرواية، فلقد سبقه فهمي جمعة الذي ترجم أجزاء مبتسرة منها، وطه محمود طه الذي ترجمها بالكامل «مُمصِّرا» الكثير من حواراتها. أما ترجمة نيازي فهي أنموذج للدقة والفرادة والإتقان. ولمناسبة صدور الجزء الثالث من هذه الرواية التقينا نيازي وكان لنا معه هذا الحوار:
* ما سرّ تعويلك الدائم في الترجمة على تقنية النص التي تفضي بك إلى الدقة في التقاط المعنى.. وما هي الغضاضة في ترجمة ما هو مُترجَم إذا وجد المترجِم زاويةً جديدة لقراءة النص المُترجم غير مرّة؟
- مرّت الترجمة العربية بمرحلتين في الأقل، كما يبدو. كان المترجم في المرحلة الأولى يسأل نفسه: ما الذي قاله تشوسر، أو ما الذي قاله شكسبير، أو ما الذي قاله جويس؟ إنه يحاول أن يفهم المعنى بالدرجة الأولى، ثم يضعه بلغة عربية خالصة لا أثر فيها لخصائص النص المترجَم.
المرحلة التالية الحالية هي تبيّن تقنية النص ومحاولة نقلها إن أمكن. أي أن المترجم في هذه المرحلة يسأل نفسه: كيف قال تشوسر أو شكسبير أو جويس المعنى؟ الفرق واضح بين المقاربتين في الترجمة، أي بين ما الذي قاله المؤلف، وبين كيف قاله. المنفلوطي مثلا كان يتوسل المعنى عن طريق مترجم آخر يدلّه على المعنى مشافهة، وما عليه إلا أن ينقله إلى العربية دون الاعتناء بكيفية القول أو صيغته. كذلك فعل فيتزجيرالد حين ترجم رباعيات الخيام إلى الإنجليزية، ولم يكن يعرف الفارسية.
لا ريب نجح المنفلوطي بين القراء، ونجح فيتزجيرالد وكذلك أحمد رامي، لأن القراء في المراحل السابقة كانوا مأخوذين بفضول من نوع خاص، فضول معرفة ما تفكر به الشعوب الأخرى أي التعرف على المعاني بالدرجة الأولى. أما وقد تطورت العلوم شتاها والمختبرات وأنابيقها، ونظريات علم النفس ومشافيها، فلا بد من الإمعان في التعمق بالتقنيات. تقنية النص وحدها تكشف، من باب تحصيل الحاصل، عن معان جديدة غائصة بعمق.
ولأن الكُتّاب إنما يختلفون عن بعضهم بعضا بالتقنية. إذن، قلت، ليكن ديدني التركيز على هذه الخصيصة المهملة تقريبا في النقد العربي، أي خصيصة التقنية. منذ البدايات الأولى كنت مسحورا بما يولده العقل الباطن من أساليب من تقنيات قولية وصياغات أسلوبية. أي كيف، مثلا، تبدأ القصيدة؟ كيف تتطوّر؟ كيف تكمّل دورتها؟ ما الألفاظ التي استعملها الشاعر؟ ما الألوان التي ركّز عليها؟ ما الإيقاعات وتدرجاتها الصوتية؟ ما الحواس التي وظفها، وكيف انصهرت ببعضها بعضا كما عند رامبو في بوتقة واحدة، وكيف انفصلت عن بعضها بعضا كما في مسرحية «ماكبث» وهو أخطر تفكك مرعب للحواس في تاريخ الأدب.
التقنية هي من مبرراتي الضرورية لترجمة الأعمال الضخمة مرة ثانية، كأعمال شكسبير ويوليسيس. من نافلة القول أن ترجمة ما تُرجم ديدن قديم وسُنّة جارية في الأدب الإنجليزي. خذ ترجمات المسرحيات الإغريقية وعدد ترجماتها. خذ المعلقات وعدد مترجميها إلى الإنجليزية. حتى شكسبير نفسه أعاد صياغة «هاملت» التي كانت من تأليف مسرحي آخر. أما في العربية فقد ترجمت بعض أعمال شكسبير عدة مرات منذ ترجمة خليل مطران. فأي غضاضة في ذلك إذا وجد المترجم زاوية جديدة لقراءة النص؟ إنه إثراء.
* لماذا تعتبر «يوليسيس» نصا مُضللا، زلقا أو حتى خريطة بلا أسماء؟
- حينما تكون لديك معايير للجمال فلديك مقاييس، لكن وأنت أمام «يوليسيس» تحتاج إلى معايير جديدة لأن خصائص هذه الرواية أو فنّيتها لا تنتمي إلى أي خصائص أخرى. لذا يصعب تقنينها أو رسم خطوط بيانية لها. بوصلتها في داخلها إذا صحّ التعبير. تقنيات يوليسيس جديدة ولا حصر لها. في كل حلقة تقنية مختلفة، ثماني عشرة حلقة بثماني عشرة تقنية. حتى في الحلقة الواحدة تقنيات منوعة لأنها تتعامل مع تيار الوعي ولا تدري ما الذي يطلع عليك به هذا التيار الجارف العجيب. إنها رواية القرن العشرين فأي عجب.
مثلا في الفصل السابع عشر الذي انتهيت منه للتو اهتمام حريص ودقيق بالعلوم، وكأن الرواية استحالت إلى رواية علمية بحت. وما هي إلا أسطر حتى تنقلب إلى وقائع فلكية يختلط فيها العلم بعلم النجوم والدين والأساطير والمعتقدات الشعبية.
في السماء، ما هي أبعاد النجوم؟ متى تظهر؟ متى تختفي؟ كم سرعتها؟ وعلى الأرض ما هو الماء؟ وكيف يتكوّن؟ لماذا اهتم بلوم بطل الرواية بالماء؟ لماذا نقله؟ لماذا أحبّه؟ هل الماء ديمقراطي؟ ما هي أوجه ديمقراطيته؟
تقنية جويس في هذه الحلقة تعتمد على ما يسمى باللغة الإنجليزية (Catechism)، وهي تقنية كان يستعملها رجال الدين في كراريسهم التعليمية في تعليم الدين عن طريق السؤال والجواب. هذه التقنية لا علاقة لها بالحلقة التاسعة التي عُنيت بـ«هاملت» تأريخا وفلسفة وسيكولوجية. رواية «يوليسيس» وإنْ اختلفت حلقاتها مبنى ومعنى إلا أنها كالأعضاء البشرية تختلف عن بعضها بعضا لكنها بمجموعها تكون هيكل الإنسان. وبما أنه لا يمكن إيجاد تعريف واحد ينطبق على كل إنسان فإن رواية «يوليسيس» تكوين خاص تعريفه فيه لا يشبه أي تعريف آخر.
* هل تكمن صعوبة «يوليسيس» في متنها أم في هوامشها الكثيرة؟
- القارئ العربي الآن مع الهوامش أسعد حالا من القارئ الإنجليزي بالتأكيد. ما يحدث في هذه الرواية أن الكلمة حتى إذا كانت مفهومة وبسيطة فإنها ليست مفهومة ولا بسيطة. القاموس لا ينفع. جويس من أكبر علماء اللغة الإنجليزية، ويُتقن عدة لغات مثل السنسكريتية واللاتينية والكلتية والإغريقية والفرنسية والإيطالية، من ناحية، ومتبحر في عشرات الثقافات. ولديه الثقافة الموسيقية فقد كان موسيقيا، والعلوم الطبية لأنه درس الطب. الكلمة عند جويس في هذه الحالة معبأة بأغرب التداعيات التي تقودك إلى حوادث تاريخية ودينية وجغرافية وموسيقية وأوبرالية وما إلى ذلك، وهذا هو وجه التضليل أولا.
أما التضليل الآخر الذي يخيف فهو حين ينهمك في حديثٍ ما يستمر وتستمر معه فإذا بك تدرك بعد صفحات أنه كان قد انتقل إلى موضوع آخر بفعل تيار الوعي. الصعوبة هنا أن تعرف متى انتقل وأين انتهى.
* ما حدود الاجتهاد في ترجمة المصطلحات والعبارات والجُمل العويصة التي تصادفك أثناء الترجمة؟
- ليست هناك قاعدة في الترجمة. هي عملية يشترك فيها الدماغ مع الرئة مع الدورة الدموية مع المزاج، بالإضافة إلى الثقافة. لا بدّ من دوزنة نفسك قبل الشروع في الترجمة. حينما تترجم تنتفي كل النظريات السابقة، والحديث هنا عن الترجمات الجليلة القدر، المعقدة الإبداع. لا تستطيع أن تقول إنّ نظرية ما يجب أن تُتبع. لو قرأت كل كتب لغتك في كيفية تقبيل امرأة فإنّك في أتون التقبيل تنسى كل نظرية تعلمتها وتبتكر أو ترتجل أنت نوعية القُبل.
بالنسبة لي لا بدّ لي من دوزنتي، كما أشرت إلى ذلك سابقا. العقل، العاطفة، القلب، الرئة، لا بدّ لها أن تنسجم في إيقاع موحّد. أبسط ما يقال عنه تأليف موسيقي. حين يغيب المترجم بغير وعي منه، يبدأ بسماع أصوات من داخل النص لا علاقة لها بالأصوات الخارجية، ويتعرف على ألوان يعز إيجاد مثيل لها خارج النص.
* هل يتوجب على المترجم إدراك تقنيات التأليف الروائي والمسرحي والشعري والقصصي قبل ترجمة النصوص الأدبية؟
- يتوجب ونصف. أتمنى أن تكون الترجمة بهذا الأسلوب. قراءة النظريات النقدية ليست هي كل شيء، لكنها تودع في نفسك الثقة. النص الجديد عادة يأتي بنظرياته الترجمية والنقدية، وإلا كان تقليدا لنص سابق. النص الأصيل لا يشبه إلا نفسه. كالإنسان لا يشبه إلا نفسه وإن تماثل شكلا. حتى هذه النظريات الطالعة من النص نفسه تختلف إذا ترجمتَ صباحا عما تترجمهُ ظهرا أو ليلا، الترجمة تختلف من وقت لآخر، ومن حالة نفسية لأخرى. فرحك وحزنك وقلقك سيظهر في ترجمتك لا محالة. قلنا آنفا إن المترجم ناقد أو لا بدّ أن يكونه، وإلا سيكون عالم آثار يجمع الكيان ولكنه لا ينحته.
* ما الصعوبة الكامنة في الحلقة الخامسة عشرة التي اعتبرتها شَرَكا حقيقيا؟
- أبسط صعوباتها أن جويس نقل النص من صيغته الروائية إلى صيغة مسرحية. أصوات وأصوات أصداؤها مختلفة إذا صح التعبير. هنا أنطق جويس حتى الجمادات. لها ما للإنسان من آراء. عالم واقعي لكنه يبدو أبعد ما يكون عن الواقع. مثلا امرأة تتحول إلى رجل على المسرح أمامك، وبالعكس. التليفون يتكلم، كذلك شجر الطقسوس. جويس كما قلنا متخصص في العلوم الطبية. الحلقة الخامسة عشرة معنية بطلاب الكلية الطبية واستهتاراتهم، ومعنية بالنساء والولادة وعسر الولادة والآلام والعلاجات بتفصيلات لا يمكن أن يجاريها مترجم عربي لأننا نفتقر إلى قواميس طبية مشابهة. إذا خرج جويس من معجم المستشفى المفصل ودخل في علم الفلك والكواكب بتفاصيل منهكة تجد نفسك في حيرة أكبر. أضف إلى ذلك ما يستعمله جويس من مصطلحات دينية كاثوليكية، وطقوس وتراتيل، هي جديدة على مترجم مثلي، والقاموس العربي ملجأ غير آمن.
* يقول «ت.س. إليوت»: «أنت أمام الطبيب إنسان فإذا تمددت وبنّجت على طاولة التشريح فأنت شيء»..
- كنت أقف أمام النص بهذه المثابة وكأنها عملية جراحية لا تحتمل التهاون أو الخطأ. لا بدّ من الدقة. لا بدّ من الصبر. قد لا ينطبق ما نتداوله في العامية «العجلة من الشيطان» إلا على ترجمة «يوليسيس». إنها مثل زراعة شجر الزيتون لا بدّ لجني ثمره من سنين، كذلك «يوليسيس» شجرة زيتون، وليست محاصيل فصلية. حاولت بإخلاص أن أكون أمينا لتقنيات جويس من ناحية، وحريصا كل الحرص على إفادة القارئ. عسى أن أكون قد حالفني الحظ في التوفيق بين جويس والقارئ العربي وهما أغرب طرفي معادلة واجهتهما في حياتي.



سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر
TT

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية المولودة سنة 1949، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب الاكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية الأولى «زينات في جنازة الرئيس» المنشورة في 1986، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، وصوت متميز، ودرجة عالية من الحرفية الفنية لفتت الأنظار إليها من وقت مبكر.

تشكلت واعيتها في زمن جمال عبد الناصر (1952-1970) وما تميز به من اتجاه وطني، عروبي، اشتراكي، شبه علماني، والذي انتهى مع هزيمة 1967 ووفاة ناصر في 1970، ثم عاصرت فترة أنور السادات (1970-1981)، وحسني مبارك (1981-2011)، وهما الفترتان اللتان شهدتا الانهيار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية.

وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص في كتاباتها ألا تصور الفترة الناصرية تصويراً مثالياً، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحولات المجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بداية من عصر السادات فصاعداً. إن الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية تبقى دائماً قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجاً وثيقاً باهتمامها الأكبر، وهو وضعية المرأة في المجتمع. والحق أنه عند سلوى بكر ليست محنة المرأة في المجتمع إلا عرضاً من مرض أكبر يعاني منه المجتمع بأكمله، والعلاج الذي تنشده هو علاج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها.

في عالم سلوى بكر الرجال والنساء جميعاً هم رفاق في المعاناة على يد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن المرأة تنفرد وحدها بكونها ضحية لقمع إضافي على يد الرجال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد المجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تماماً كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معاً بحرمانهم من الحريات الأساسية ومن حقوقهم الإنسانية. على أنه في عالم سلوى بكر من الطبيعي أن يكون اضطهاد المرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، وما لديها من حكايات تقصها نسمعه دائماً من خلال واعية نسائية، على الأقل في المراحل المبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في المرحلة المتأخرة للنظر في الوضع المجتمعي والإنساني من منظور يجاوز ما تمليه المعطيات التقليدية للنظرة النسوية.

غير أن الاضطهاد يستدعي المقاومة، وما من شك أن نساء سلوى بكر هن مقاومات من الطبقة الأولى، وتتفاوت أساليب مقاومتهن من العنف حدَّ القتل كما في رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» (1991)، إلى الهروبية التي تتخذ عادة شكل الانسحاب من عالم الواقع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يقاومن، بل وينتصرن، من خلال سلوكيات أقل تطرفاً من الجنون والقتل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة على التأقلم، وعلى النجاة والاستمرارية في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة من التفوّق المزعوم للقوة الذكورية، فهي ترينا مرة بعد أخرى في قصصها أن المرأة هي مكمن القوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع بالمرتبة العليا في تراتبية القوى في المجتمع.

على أنه ينبغي ألا نُغفل أن ليس كل الرجال في أعمال الكاتبة مُضطهِدين للنساء، بل الكثيرون منهم يُصوَّرون ضحايا للنظام المجتمعي تماماً مثل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها لا تدين الرجال كجنس، لكنها تدين الأفكار المسبّقة في المجتمع التي نقبلها وكأنها طبيعية وهي ليست كذلك (مجلة «نصف الدنيا»، 15 سبتمبر/ أيلول 1991). غير أنه ليس من بين رجال الكاتبة مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالباً ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الفساد من حولهم، أو أنهم مغرقون في المثالية، أو شديدو الصلابة أو الهشاشة فينكسرون. وغالباً ما يقع إنقاذهم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما في قصة «أرانب» (1994)، وفي رواية «ليل ونهار» (1997)، على سبيل المثال. غير أنه في المحك الأخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعاً ضحايا الواقع الاجتماعي الفظّ لمصر المعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة الاقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم في البيئة العمرانية للقاهرة التي صار يغلب عليها الفظاظة والقبح والاكتظاظ.

هذه النوعية المتدنية للحياة وسط بيئة عمرانية قبيحة خانقة هي ذاتها ما تجعل طلب الجمال مسعًى مشتركاً لدى العديد من شخصياتها، وهي أيضاً ما تجعله هاجساً معاوداً في أعمالها. ويرتبط بهذا المسعى أيضاً حنين إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها الأول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حين كان هناك حس وطني قوي، وأهداف قومية، وتكافل اجتماعي، وليبرالية فكرية (على الرغم من غياب الحرية السياسية)، وحين كانت مفاهيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي تُعد وصمة عار، وأيضاً حين كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال المعماري ورونق الشوارع والمساحات العامة الذي تميزت به في النصف الأول من القرن، وحين كانت الثقافة الرفيعة غاية تتبناها الدولة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء المعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تلاه من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إلا فيما بعد، وفي ظل التحول الآيديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنين إلى مصر ما قبل السادات ومبارك الذي نجده عند بعض شخصياتها، كما على سبيل المثال في القصة ذات العنوان الموحي «عن الروح التي سُرقتْ تدريجياً» (1989).

تتضح المعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها الأولى «زينات في جنازة الرئيس» (1986). هي بالتأكيد ليست عدوة للرجال (وهو ما قد نشعر به أحياناً في قصص نوال السعداوي بالمقارنة)، ولكنها تميل إلى تصوير المرأة تصويراً مثالياً، فهي عندها البطل الاجتماعي، والجنس الأقدر على النجاة من كوارث الحياة. نساؤها كثيراً ما يتعرضن للخيانة من قِبَل الرجال، عمداً أو عن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق الموت أو الطلاق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والذي قد يتمادى أحياناً، فيصل إلى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بطلات قصصها من نساء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لغة عامية محوّرة بما يناسبهن. كما أن حبكات قصصها لا تلتزم بالتسلسل الزمني. وقد يبدو أسلوبها السردي فوضوياً بسبب القطع المتكرر لانسياب الحكي، والاستطراد، ثم العودة لمواصلة القصة، والذي ربما هو من تأثير يوسف إدريس على الكاتبة الشابّة، إلا أن هذا كله ليس إلا فوضى منظمة يُقصد بها حفز القارئ للتفكير في الموقف ومحاولة تفسيره خارج المعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللاحقة.

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة الأولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن

من ضمن قصص المجموعة الأولى قصة بعنوان «نونة الشعنونة». في هذه القصة المبكرة، وفي قصة أخرى مزامنة لها بعنوان «إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء» في مجموعتها الثانية «مقام عطية»، والتي نُشرت في نفس سنة المجموعة الأولى (1986)، تقدم لنا الكاتبة مجازاً لمحنة المرأة المتحررة سيبقى طويلاً في أعمالها اللاحقة: مجاز الجنون، وهو مجاز مزدوج الفاعلية؛ لأنه يخدم نقيضين في آنٍ، هما المضطهَد والمضطهِد. فبالنسبة للمضطهِد (بالكسر)، وصم الثائر على الأعراف والتقاليد، كاشف الزيف المجتمعي؛ وصمه بالجنون هو آلية نافعة ومريحة للضمير. أما في حالة المضطهَد (بالفتح)، فالجنون وسيلة للهروب من الضغوط المجتمعية غير المحتملة والصراعات غير القابلة للفوز، كما أنه وسيلة لتأكيد الذات بواسطة الرفض النهائي لمتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلانية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عند سلوى بكر هو أداة انعتاق، أداة تحرر.

هذا الأثر المحرِّر للجنون نجد له وصفاً في قصة لاحقة لسلوى بكر «الدود في حقل الورد» (مجموعة «عجين الفلاحة»، 1992)، والتي تُفتتح بهذه الكلمات: «هي تكره الجنون. تخافه. ترتعب من فكرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بما يشتهي، وترى العين ما تود رؤيته، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان والمكان» (ص23). تلك خواطر امرأة على شفا الجنون، لكنها لم تفقد عقلها تماماً بعد، ومن هنا خوفها من عواقب الحرية التي تنجم عن الجنون. أما حين يكتمل الجنون، فإن الحرية الناجمة عنه تصبح مطلقة لا يعوقها عائق. وهذا هو المعنى الذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتأكيداً للذات، وليس مجرد استسلام لضغوط فوق طاقة الاحتمال.

في عالم سلوى بكر تفهم النساء بعضهن، ويقدمن لبعضهن العضد الذي ينكره عليهن الرجال، ويواصلن مهمة العيش والبقاء برغم كل العقبات التي يضعها في طريقهن الرجال والمجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حق المعرفة أنه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الذكورية، لكنهن يبقين على استعداد لأن «يَجْنُنَّ».


التفلسف على الماء

باشلار
باشلار
TT

التفلسف على الماء

باشلار
باشلار

نشرت جريدة «الشرق الأوسط» في صفحة «ثقافة وفنون» مادة عن كتاب «النيل، نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت، وهو عمل يرصد حضور النهر في المخيال الأوروبي عبر العصور، وتقول الزميلة رشا أحمد التي استعرضت الكتاب أنه «جمع بين الدقة الأكاديمية والأسلوب السردي حيث لا يكتفي بتتبع تاريخ النيل بوصفه نهراً جغرافياً، بل يحاول أن يكشف كيف تحوّل عبر القرون إلى رمز ثقافي وفكري، وكيف ظل حاضراً في الفن والدين والخيال بوصفه شريان حياة لا ينضب».

اللافت في سيرة المؤلف هي اللحظة التي بدأت فيها علاقته بالماء أصلاً. لم يكن ذلك على ضفاف النيل، بل في مدينة بيرجن النرويجية المطيرة، حين أدرك ذات صباح خريفي أن الأمطار التي تحيط به لا تشكّل الطقس فقط، بل تشكِّل الحياة نفسها. من تلك اللحظة تحوَّل اهتمامه من تاريخ العالم إلى تاريخ الماء بوصفه الشرط الخفي الذي تقوم عليه المجتمعات وتتشكل حوله الحضارات. لقد اكتشف أن ما يبدو يومياً عابراً، كالمطر الذي لا ينقطع، قادر على أن يعيد تشكيل نظرة كاملة إلى تاريخ الإنسانية. تبدو هذه الفكرة للوهلة الأولى أقرب إلى العلوم الاجتماعية منها إلى التأمل الفلسفي، لكنها تفتح سؤالاً أعمق.

هايدغر

فالحضارات الكبرى لم تقم حول أفكار، بل حول مصادر الماء. المدن الأولى نشأت على ضفاف الأنهار، والزراعة استقرت حيث يمكن التحكم في الري، والطرق التجارية سارت على دروب مجاري المياه قبل أن ترسمها الخرائط. كان النهر دائماً الرحم الذي يلد المدينة، والمؤسس لانبثاق الحياة وابتداء التاريخ. ما إن يستقر مجرى الماء حتى يستقر معه شكل من أشكال الحياة، كأن الجغرافيا المائية ترسم تخوماً خفية لما يمكن أن ينشأ من عمران وثقافة. وحتى في العصور الحديثة، حين ظن الإنسان أنه تحرر من الطبيعة بفضل التقنية، ظل الماء شرطاً صامتاً لا يمكن تجاوزه، يظهر حضوره الحاسم كلما ندر وجوده.

لكن الماء لم يبقَ في حدود الجغرافيا والتاريخ. فحين بدأ الإنسان يتساءل عن أصل العالم، كان من الطبيعي أن يتجه نظره إلى العنصر الذي تقوم عليه الحياة كلها. منذ طاليس لم يعد الماء شرط الحياة وحده، بل صار مرشحاً لأن يكون أصل الوجود نفسه. لم يكن قوله إن «الماء أصل الأشياء» حكماً فيزيائياً بالمعنى الحديث، بل محاولة أولى للعثور على مبدأ واحد يفسّر الكثرة والتحول. اختيار الماء لم يكن اعتباطياً، فهو العنصر الذي يمنح الحياة ويتخذ أشكالاً متعددة ويتحوّل من حال إلى حال، وكأن أصل العالم ينبغي أن يكون قادراً على التحول مثل العالم نفسه.

بعده سيجعل هيراقليطس النهر صورة الوجود ذاته. العالم عنده ليس بنية ثابتة بل تدفّق دائم، ولهذا صار النهر مثاله الأشهر: «لا يمكنك أن تنزل النهر نفسه مرتين». الماء هنا لم يعد أصل الأشياء بل التغيّر الذي يحكمها جميعاً، وصار التدفق لا الثبات هو الحقيقة الأعمق. أما أفلاطون فسيضع الماء ضمن عالم التكوّن والتحوّل، العالم الذي لا يستقر على صورة نهائية، بينما سيعيد أرسطو الماء إلى نظام العناصر، مانحاً إياه موضعه الطبيعي في بنية الكون وسعيه إلى الاستقرار. وهكذا ظل الماء حاضراً في التفكير الفلسفي، لا بوصفه مادة فحسب، بل بوصفه مثالاً يتيح تأمل الحركة والهوية والزمان الذي يجري كالماء.

وفي فلسفات الشرق، خصوصاً عند أبي الطاوية لاو تسو، سيبلغ التأمل في الماء ذروة رمزية مختلفة. الماء هو النموذج الأعلى للحكمة، لأنه يلين ولا ينكسر، وينساب إلى أدنى المواضع دون عرقلة، ومع ذلك يتغلب في النهاية رويداً رويداً على أصلب الأشياء. وفي العصر الحديث سيعود الماء مادة للتأمل الداخلي، حين رآه باشلار عنصراً للحلم والذاكرة والعمق. في كتابه «الماء والأحلام» يصفه بأنه مادة خيال حميمة تشكّل الوعي الباطن. فالماء لا يعكس العالم الخارجي فقط، بل يوقظ طبقات خفية من التجربة الداخلية.

وحين تأمل هايدغر النهر لم ينظر إليه كعنصر طبيعي فحسب، بل كموضع يتشكل فيه سكن الإنسان وينكشف فيه العالم، حيث يجتمع المكان والزمان والسكن في مجرى واحد. في شروحه لهولدرلين، تحدث عن الراين لا كجسم طبيعي، بل على أنه «مكان ظهور» للتاريخ والشعب والسكن. النهر عنده ليس ماءً جارياً فقط، بل مجال تنكشف فيه علاقة الإنسان بالأرض والسماء. وفي مثال (الجسر) في محاضرة «البناء والسكن والتفكير» عندما يتحدث عن جسر فوق نهر، يقول إن الجسر لا يربط ضفتين فقط، بل يكشف المكان ويجمع الأرض والسماء والبشر والقداسة. النهر هنا جزء مما يسميه «الرباعي». أي أن الماء يدخل ضمن بنية انكشاف العالم لا كموضوع مستقل. الإنسان لا يوجد في فراغ بل يسكن عالماً. والأنهار من أبرز المواضع التي يتشكل فيها هذا السكن، لأنها تجمع الطبيعة والتاريخ والفعل البشري.

ومع كل قراءة جديدة يعود الماء ليذكّر الفكر بأن أكثر الأشياء بساطة في التجربة قد تكون أكثرها عمقاً في المعنى. بهذا المسار الطويل انتقل الماء من كونه عنصراً طبيعياً إلى رمز وجودي، وما بدأ عند ضفاف الأنهار بوصفه شرطاً للحياة صار في الفلسفة سؤالاً عن أصل العالم ومعناه. لم يكن النهر مجرد خلفية صامتة للتاريخ، بل أحد عناصره الخفية التي تعمل في العمق، ومن حضوره اليومي انبثق سؤال التفكير نفسه. والنيل، مثل سائر الأنهار الكبرى، يضعنا أمام هذه الحقيقة القديمة المتجددة، أن الإنسان لم يعش إلى جوار الماء فحسب، بل فكَّر من خلاله أيضاً. وحين نعيد النظر إلى الماء لا بوصفه مورداً طبيعياً فقط، بل بوصفه أحد مفاتيح فهم علاقتنا بالعالم، يتضح أن التفلسف عليه ليس ترفاً ذهنياً، بل محاولة لقراءة الحياة في منبعها الأول.


العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر
TT

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات، لكنها جاءت مشحونة بتأملات فلسفية وخواطر إنسانية تمزج الشجن بالسخرية على هامش تجربة حقيقية يستند إليها العمل وهو إقامة المؤلف لمدة عشرة أيام كاملة في فندق بمدينة لندن كإجراء احترازي وهو «العزل» عند سفره إلى بريطانيا في أثناء جائحة كورونا التي ضربت العالم قبل سنوات.

في الطبعة الجديدة من العمل الصادرة عن دار«ميدياتوبيا»، يروي المؤلف مذكراته في ردهات أغرب معتقل وسمه باسم «زنزانة العزل»، حيث ينسج تفاصيل وحدته القاسية، يوماً بيوم، ودقيقة بدقيقة، لتتفجر من بين سطوره مفارقات المشاعر الإنسانية وأكثرها شجناً.

تتصاعد سطوة العزلة في وجدانه حتى تضيق بها الروح، فيتساءل بمرارة عما إذا كان من الممكن أن يخرج من هذا الحصار معافىً، أم أن جراح النفس سترافقه إلى عيادات الأطباء بعد العناق الأول للحرية، ومن ذا الذي سيرمم وهن جسده، ويداوي عضلاته التي تيبست، وأقدامه التي أثقلها التورم من فرط المكوث خلف قضبان الصمت.

يكتسب النص قيمته من الحكي الحميم عبر لغة بسيطة تتخفف من الجماليات والزخارف البلاغية، فما تستهدفه هو نقل ضغط اللحظة وأشواق الروح عبر عين بارعة في التقاط التفاصيل الصغيرة والمفارقات الدرامية، وكأن «العزل» رغم قسوته فتح نوافذ للتأمل في الذات والحياة والواقع الإنساني برمته.

في تقديمها للكتاب، ترى الكاتبة سكينة فؤاد أن التعبير عن تلك التجربة بلغ ذروة الصدق، حتى كادت أن تتوحد مع آلام كاتبها وهو يدير تفاصيل حياته الرتيبة داخل زنزانة ضيقة؛ حجرة هي العالم بأسره، يمارس فيها طقوس بقائه، ولا ينقصه فيها شيء سوى الحرية، أثمن ما يهبه الوجود.

وتضيف: «هي سطور مست أعماقي، وأثق أنها ستوقظ الصدى ذاته في نفوس كل الذين كبلتهم قضبان فُرضت عليهم قسراً، ليصرخوا مع المؤلف في تساؤل وجودي حارق: كيف قهرتُ نفسي كل هذه السنوات ثم أشكو من هذا السجن الرمزي؟ أنا خبير في تضييع الحرية، وما العزل إلا عينة مما أكابد!».

ويروي محفوظ كيف أنه لم يكن يبالي مطلقاً حين طرقت أصابعه لوحة المفاتيح لتدوين هذه اليوميات وأن يسعى لنشرها في كتاب؛ فقد كان كل ما يشغله حينها هو التنفيس عن الضيق الذي يشعر به، وتفريغ ما يعانيه من كبت، فمنذ الطفولة، لم يجد لي صديقاً يتفهمه كالقلم، وظلت هذه العلاقة وطيدة حتى بعد أن استبدل بريشته أزرار الكمبيوتر. بدأ بنشر اليومية الأولى مقتضبةً على «فيسبوك»، فحظيت باهتمام بعض الأصدقاء، ما دفعه لإتباعها بالثانية ثم الثالثة والرابعة، مع إضافة مزيد من التفاصيل المادية والحسية، ومع ازدياد التفاعل، وجد في هذا التدوين الأنيس والسلوى لروحه.

في اليوميات يتذكر أنه عند هبوط الركاب من الطائرة وتوجههم إلى فندق قريب، وُجّه كل راكب إلى طاولة مستقلة لملء بيانات نظامه الصحي والغذائي، حيث استمعوا إلى شرح أحد الموظفين، من خلف قناعه، حول طبيعة وسير الحياة في هذا «السجن الفندقي». أوضح الموظف أن خروجه للتريض مشروط بالحصول على تصريح مسبق من أقرب حارس لغرفته أو من إدارة الأمن، كما أكد أن موظف أمن سيرافقه لضمان التزامه بقيود التباعد، مع ضرورة ارتداء الكمامة باستمرار خارج الغرفة، ومنع التدخين نهائياً بداخلها، مع توفير بدائل النيكوتين لمن يحتاج إليها.

شملت التحذيرات منع استقبال أي ضيوف داخل الغرفة، أو الدخول لغرف نزلاء آخرين من خارج دائرته المقربة، وبدلاً من ذلك، يمكنه التواصل مع عائلته وأصدقائه عبر تطبيقي «زووم» أو «سكايب»، مستفيداً من شبكة الإنترنت المجانية المتاحة في الغرف.

أشار الموظف في ختام حديثه إلى أن فنادق العزل تحظى باهتمام الرأي العام، ما قد يدفع وسائل الإعلام للتواصل معه، وأكد أن له كامل الحرية في التحدث إليهم أو الرفض، مشدداً على ضرورة احترام خصوصية النزلاء والموظفين، وعدم التقاط أي صور لهم دون إذن مسبق.

ويحق للفندق الاحتفاظ بأي بريد يصل إلى النزيل في حال الاشتباه بوجود خطر على الصحة أو الأمن، على أن يتم تسليمه له عند المغادرة ما لم تتم إعادته للمرسل، كما أن المشروبات الكحولية متاحة عبر خدمة الغرف، مع التأكيد على عدم الإفراط في تناولها لضمان قدرة النزلاء على الاستجابة لتعليمات الحراس.

أوضح الموظف كذلك أن عمال النظافة ممنوعون من دخول الغرف، لذا تقع مسؤولية التنظيف على عاتق النزيل باستخدام الأدوات والمساحيق المتوفرة بالغرفة، كما تشمل تكلفة العزل غسل سبع قطع ملابس صغيرة فقط بمغسلة الفندق طوال فترة الإقامة.

وبالأخير، نجح النص في تحويل العزلة إلى فضاء للتأملات والتداعي الحر في لحظة نفسية مشحونة بالخوف والقلق، مع التطرق بطريقة غير مباشرة إلى أزمات تعاني منها الأجيال الجديدة مثل الانطوائية، والرهاب الاجتماعي، فضلاً عن أثر غياب دور الأهل، ما جعل العمل يلامس واقع الشباب العربي.