سناء دراوشة... أبرز {حكم عربي} في الدوري الإسرائيلي

أكدت أنها واجهت الكثير من الصعاب وكسرت أسنانها من أجل أن تثبت أنها قادرة على إدارة مباريات للرجال

سناء في جامعة دي مونتفورت بمدينة ليستر الإنجليزية لدراسة القانون الرياضي  -  سناء أثناء إدارتها لإحدى مباريات الرجال بالدوري الإسرائيلي
سناء في جامعة دي مونتفورت بمدينة ليستر الإنجليزية لدراسة القانون الرياضي - سناء أثناء إدارتها لإحدى مباريات الرجال بالدوري الإسرائيلي
TT

سناء دراوشة... أبرز {حكم عربي} في الدوري الإسرائيلي

سناء في جامعة دي مونتفورت بمدينة ليستر الإنجليزية لدراسة القانون الرياضي  -  سناء أثناء إدارتها لإحدى مباريات الرجال بالدوري الإسرائيلي
سناء في جامعة دي مونتفورت بمدينة ليستر الإنجليزية لدراسة القانون الرياضي - سناء أثناء إدارتها لإحدى مباريات الرجال بالدوري الإسرائيلي

تتذكر سناء دراوشة التجربة الأكثر عنفاً في حياتها، وهي اللحظة التي اضطرت فيها في عام 2013 إلى التدخل لإنهاء معركة بين ثلاثة من لاعبي كرة القدم، وفي أثناء ذلك أصيبت بعدما تلقت ضربة طائشة بالكوع في فمها. تقول دراوشة عن ذلك: «لقد كُسرت أسناني. صحيح أنني قمت بإصلاحها، لكنها ما زالت بحاجة إلى مزيد من التقويم».
وتشير دراوشة إلى الأسنان التي كسرت في تلك المعركة، وهي تضحك أثناء إجراء هذا الحوار معها بعد ظهر يوم بارد في جامعة دي مونتفورت في مدينة ليستر الإنجليزية. ويبدو الأمر كما لو أنها قد أصبحت قادرة أخيراً على الاسترخاء، بعد أن تحدثت لمدة ساعة كاملة عن كل ما مرت به. وقد تحدثت عن الكثير من الأشياء الخطيرة، وبالتالي لم يكن من الغريب أن تتحدث بطريقة جادة ونبرة حادة أثناء هذا الحوار.
عندما كانت دراوشة في العشرين من عمرها، أصبحت أبرز حكم عربي في إسرائيل، وهو إنجاز كبير تطلب منها التغلب على الشدائد والمواقف الصعبة وسوء المعاملة والاعتراضات العائلية. وكان من الممكن لأي شخص في مكانها أن يشعر باليأس والإحباط، لكنها بدلاً من ذلك قاومت وحققت ما تريد، وتسعى الآن وهي في الثامنة والعشرين من عمرها لمساعدة النساء الأخريات على تحقيق أحلامهن. كما التحقت بجامعة دي مونتفورت لدراسة الماجستير من الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) في الإدارة والقانون والرياضة.
تقول دراوشة: «إذا كنت امرأة عربية في إسرائيل، فأنت تشعرين بأن الرياضة ليست لك. أريد إنشاء البنية التحتية اللازمة للنساء لكي يتمكن من ممارسة الرياضة بمستوى جيد، وكذلك الخروج باستراتيجية تزيد من عدد الفرق الرياضية للنساء. هناك بالفعل بعض الفرق النسائية، لكن عددها قليل للغاية، وخاصة في كرة القدم».
وتضيف «أقوم بإجراء هذه الدورة التدريبية حتى أتمكن من معرفة ما يحدث خارج إسرائيل، وفهم الأسباب التي تجعل النساء تفتقر إلى الإدارة والقيادة في عالم الرياضة».
يذكر أن دراوشة هي واحدة من أشقاء سبعة، وقد ولدت في مدينة عرابة الزراعية في المنطقة الشمالية لفلسطين. وكانت طفولتها سعيدة، لكنها كانت مماثلة لحياة معظم السيدات العرب اللائي نشأن في هذه البلاد، فهذا المجتمع الصغير لا يشكل سوى نحو 21 في المائة من عدد السكان ويتركز بشكل كبير في مناطق محددة، حيث يمكن أن تكون الموارد محدودة. وعلى حد تعبير دراوشة «أن تكون عربياً في إسرائيل فهذا يجعلك تشعر بأنك شخص من الدرجة الثانية».
وتضيف «لا أعتقد أن كثيرا من الناس خارج إسرائيل يعرفون أننا موجودون من الأساس. عندما جئت إلى ليستر قال لي الناس: كيف يمكن أن تكوني عربية مسلمة ويهودية في نفس الوقت؟ وكان يجب أن أشرح لهم أنني عربية مسلمة أعيش في إسرائيل».
وكان من الممكن أن تعاني دراوشة كثيرا وتشعر بالنقص والظلم، لكنها قررت بدلاً من ذلك أن تنجز شيئا في حياتها، وركزت جهدها بالكامل على كرة القدم. وعندما كانت في السادسة عشرة من عمرها، عملت في مجال التدريب قبل أن تنتقل للعمل في مجال التحكيم حتى تتمكن من الاستمرار في ممارسة الرياضة أثناء السفر عبر إسرائيل من أجل مواصلة دراستها.
وكان هناك بالفعل عدد قليل من السيدات من أصول عربية يعملن في مجال التحكيم في الدوريات الأدنى في إسرائيل عندما قررت دراوشة دخول هذا المجال. وخضعت دراوشة لدورة تدريبية في مجال التحكيم أعدها الاتحاد المحلي لكرة القدم عام 2010، وبعد الانتهاء من تلك الدورة، قامت بتحكيم أول مباراة في يناير (كانون الثاني) 2011، والتي كانت بين فريقين من دوري نوار في البلاد، وهي المسابقة التي تقام للرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و20 عاماً. وسارت الأمور على ما يرام، لكن الأمر لم يكن كذلك في المباراة التالية التي تولت دراوشة تحكيمها، ومن المفارقات أن هذه المباراة كانت بين فريقين عربيين.
تقول دراوشة: «في مجتمعنا، من غير المقبول أن تعمل النساء في مجال التحكيم. لم يكن هؤلاء الرجال معتادين على اللعب تحت قيادة نسائية، وبالتالي كانوا يصرخون طوال الوقت، وكانوا يقولون: ماذا تفعلين هنا؟ يجب ألا تكوني هنا! أنت تتخذين قرارات خاطئة! لقد جعلوني أشعر بأنه لم يكن يتعين علي أن أعمل في مجال التحكيم».
وكانت هذه التجربة صعبة للغاية على فتاة مراهقة في ذلك الوقت، وقد تطلب الأمر تدخل صديق للعائلة وزميلة لها في مجال التحكيم لكي يمنعاها من الاستسلام واعتزال هذه المهنة تماما. تقول دراوشة عن ذلك: «لقد راقبني صديق وأنا أقوم بتحكيم إحدى المباريات ورأى أن كل ما أحتاجه هو أن أكون أقوى داخل أرض الملعب. وقال لي: إذا ارتكبت خطأ، فلا تشعري بالقلق واستمري في العمل، وثقي تماما في أنك ملكة هذه اللعبة».
وترك هذا الكلام أثرا كبيرا في نفس دراوشة، التي نجحت بعد وقت ليس بالطويل في أن تقوم بتحكيم مباريات في دوري الدرجة الخامسة بإسرائيل. وفي مارس (آذار) 2012، تم ترقيتها لكي تُحكم مباريات في دوري الدرجة الرابعة، وهو ما كان يعد بمثابة لحظة تاريخية بالنسبة لها. تقول دراوشة: «المرأة العربية لم تقم مطلقا بتحكيم مباريات في دوري الدرجة الرابعة، وكنت أنا أول من يقوم بذلك. وفجأة، بات الصحافيون يرغبون في إجراء حوار معي. ولم أكن قد مررت بمثل هذه التجربة من قبل».
وسرعان ما انتقلت دراوشة للتحكيم في دوري الدرجة الثالثة. ولم يكن هذا دليلا على موهبتها فحسب، لكنه كان دليلا أيضا على إصرارها، الذي خضع لمزيد من الاختبار القاسي بسبب معارضة شقيقها، فادي، للعمل في مجال التحكيم. تقول دراوشة عن ذلك: «لقد كان يعرف كيف يتحدث لاعبو كرة القدم إلى الحكام، وأنهم قد يتحدثون بطريقة عدوانية للغاية، وشعر بأنه لا يمكنني التعامل مع ذلك. لقد أخبرني بأنه لا يوافق على أن أعمل في مجال التحكيم، وعندما أخبرته بأنني سأعمل في هذا المجال على أي حال، خاصمني لمدة عام».
وتضيف «كان الأمر صعباً للغاية بالنسبة لي، لأننا عائلة يحب أفرادها بعضهم بعضا وتربطنا علاقات جيدة. لقد كنا نجلس بجانب بعضنا البعض أثناء تناول الوجبات، ونتحدث سويا طوال الوقت، وفجأة توقفت عن الحديث مع شقيقي. لم يكن يتحدث معي وكان يترك مائدة الطعام إذا جلست عليها، وهو الأمر الذي جعلني أشعر بأنني قد خسرته».
واعترض فادي أيضاً على ارتداء أخته سروالا قصيرا كجزء من الزي الرسمي للحكام. تقول دراوشة عن ذلك: «هذا أمر غير مقبول بالنسبة للمرأة المسلمة، وبالنسبة لأخي لم يكن مقبولاً أن أرتدي سروالا قصيرا أمام 22 رجلاً». وقد حاولت دراوشة التغلب على هذه المشكلة عن طريق إرسال طلب للجنة الحكام للسماح لها بارتداء سروال طويل تحت الزي الرسمي، لكن الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم رفض هذا الطلب.
وفي نهاية المطاف، تقبل فادي فكرة عمل شقيقته في مجال التحكيم، ينطبق نفس الأمر على والديها، عمر ونورا، بعد معارضة بدائية. ومع ذلك، كان من الممكن أن يغير فادي ووالداه رأيهم بعدما حدث لدراوشة عندما تولت تحكيم مباراة الديربي في دوري الدرجة الثالثة بين طمرة وكابول في ديسمبر (كانون الأول) 2012، وكان كابول متقدما بنتيجة هدفين مقابل هدف وحيد عندما ألغت دراوشة هدف التعادل الذي أحرزه نادي طمرة، بعدما رفعت المساعدة الراية معلنة أن الهدف جاء من تسلل واضح.
وتتذكر دراوشة ما حدث قائلة: «حاول بعض لاعبي طمرة مهاجمة مساعدتي، لذلك أشهرت البطاقة الحمراء وخمس بطاقات صفراء في وجه لاعبي الفريق الذين هاجموها. كما طردت أحد أفراد الطاقم التدريبي لنادي طمرة لأنه كان يصرخ في وجهي وفي وجه مساعدتي».
وتضيف «وبعد صافرة النهاية، كان لاعبو طمرة لا يزالون غاضبين، واضطر رجلان من أفراد الأمن لمرافقتي إلى غرفة الحكام خوفا من هجوم اللاعبين علي. ولحسن الحظ أنه كان هناك أفراد من رجال الشرطة لتأمين المباراة - لأنها كانت مباراة ديربي مهمة - وأوقفوا اللاعبين».
ثم جاءت المباراة التي اضطرت دراوشة بعدها لإجراء عملية جراحية في أسنانها. وكانت هذه المباراة بين فريقي هبوعيل إكسال وهبوعيل عسفيا في دوري الدرجة الثالثة، وكانت الأمور تسير بشكل طبيعي إلى أن دخل حارس مرمى هبوعيل عسفيا في مشادة قوية مع اثنين من لاعبي هبوعيل إكسال، وتصادف أنهما شقيقان، وقد تسبب كوع أحدهما في إصابة دراوشة في أسنانها. تقول دراوشة عن ذلك: «كانت هذه المباراة منقولة على الهواء مباشرة، لذلك شاهد أفراد عائلتي ما حدث، ولم يكونوا سعداء بالمرة».
وبالتالي، أصبحت دراوشة نفسها تفكر في اعتزال مجال التحكيم، ويعود السبب في ذلك إلى ما تعرضت له في هذه المباراة من ناحية وإلى الضغوط التي تتعرض لها خارج الملعب بسبب عملها في هذا المجال من ناحية أخرى. لكن مرة أخرى، كانت لديها إرادة كبيرة وإصرار على عدم الاستسلام، وفي النهاية واصلت العمل حتى قامت بتحكيم أكثر من 100 مباراة، وعلى الرغم من أنها لم تقم بالتحكيم في الدوري الممتاز أو دوري الدرجة الأولى، فإنها تركت بصمة كبيرة في عالم التحكيم في إسرائيل. والآن، يوجد 10 حكمات عربيات في الدوري الإسرائيلي، ويتواصل معظمهن مع دراوشة من أجل الحصول على الدعم والمشورة.
ورغم ذلك، ترى دراوشة أن هذا ليس كافيا، لذا فإنها تريد أن تفعل المزيد بعد الانتهاء من الدورة التدريبية التي تستمر لمدة عام وتنتهي في سبتمبر (أيلول) المقبل، ورغم أن دراوشة شخصية انطوائية وهادئة، لكن لديها رغبة هائلة في تحقيق النجاح، وهي الصفة التي تعتقد أنها اكتسبتها من العمل في مجال التحكيم.
وتقول دراوشة: «قبل العمل في مجال التحكيم، كنت شخصية هادئة وخجولة، لكنني الآن واثقة ومستعدة لأن أقول ما أريد وأفعل ما أريد. ما أريده هو تمكين المرأة، لأنه عندما تقوم بتمكين المرأة، فإنها ستقوم بتمكين بناتها، اللائي سيفعلن نفس الشيء مع بناتهن. هذا هو طموحي - أن يكون لي تأثير يستمر عبر الأجيال».


مقالات ذات صلة

«البريمرليغ»: كوفنتري سيتي يكتسح نيوكاسل برباعية

رياضة عالمية ستيفن مفوني يحتفل برابع أهداف كوفنتري في مرمى نيوكاسل (رويترز)

«البريمرليغ»: كوفنتري سيتي يكتسح نيوكاسل برباعية

فاز كوفنتري سيتي على ضيفه نيوكاسل يونايتد 4-1، الاثنين، ضمن منافسات الجولة السادسة من الدوري الإنجليزي لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (كوفنتري (إنجلترا))
رياضة عالمية ساندرو كولينوفيتش فرحاً بهدف فوز تورينو على أودينيزي (إ.ب.أ)

«الدوري الإيطالي»: أودينيزي يخسر للمرة الرابعة توالياً

واصل فريق أودينيزي السقوط في فخ الخسارة للمباراة الرابعة على التوالي بالسقوط بنتيجة 1-2 أمام مضيّفه تورينو في ختام منافسات الجولة السادسة من الدوري الإيطالي.

«الشرق الأوسط» (تورينو (إيطاليا))
رياضة عالمية تعادل مثير حسم موقعة ليفانتي وإشبيلية بمدينة فالنسيا (إ.ب.أ)

«لا ليغا»: بهدف في الدقيقة «100»... ليفانتي يخطف تعادلاً مثيراً من إشبيلية

فرط فريق إشبيلية في فوز ثمين كان بمتناوله بالتعادل 3-3 مع مضيّفه ليفانتي ضمن منافسات الجولة الثامنة من الدوري الإسباني لكرة القدم، مساء الاثنين.

«الشرق الأوسط» (فالنسيا (إسبانيا))
رياضة عالمية الأسترالي غراهام أرنولد مدرب منتخب العراق (رويترز)

الاتحاد العراقي يجدد الثقة بالمدرب الأسترالي أرنولد

جدّد الاتحاد العراقي لكرة القدم الثقة بالمدرب الأسترالي غراهام أرنولد المشرف على المنتخب الوطني «لضمان التحضير الأمثل لنهائيات كأس آسيا 2027».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
رياضة عربية الاستقلال الإيراني هزم الغرافة القطري بالدوحة (الاتحاد الآسيوي)

«النخبة الآسيوي»: الغرافة القطري يخسر على ملعبه أمام الاستقلال الإيراني

خسر فريق الغرافة القطري على ملعبه ووسط جماهيره أمام الاستقلال الإيراني بنتيجة 1 - 2 ضمن منافسات الجولة الثانية من مجموعة الغرب بدوري أبطال آسيا للنخبة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.


إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
TT

إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)

جدد إيقاف برنامج «البلدوزر» الذي يقدمه الكابتن مجدي عبد الغني على شاشة قناة «الشمس» المصرية عقب مشادة كلامية بين ضيفيه الرياضيين ربيع ياسين وأسامة حسن الجدل حول «التعصب الكروي» إعلامياً.

وقرر «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» إيقاف برنامج «البلدوزر» بناءً على توصيات من لجنة الشكاوى مع استدعاء الممثل القانوني للقناة، وإلزام جميع وسائل الإعلام بمنع ظهور ضيفي البرنامج ربيع ياسين وأسامة حسن لحين انتهاء التحقيقات بشأن «المخالفات التي حدثت بحلقة، السبت.

وجاء قرار الإيقاف بالتزامن مع استدعاء «نقابة الإعلاميين» فريق عمل البرنامج، الذي يضم مقدم الحلقة ومعدها ومخرجها، إلى جانب الضيفين اللذين يتكرر استضافتهما في البرنامج، مساء كل سبت. ووصف نقيب الإعلاميين طارق سعدة، في بيان صدر، الأحد، ما حدث خلال الحلقة بأنه «لا يليق بالإعلام الرياضي المصري».

«الأعلى للإعلام» يوقف برنامج مجدي عبد الغني على قناة «الشمس» الفضائية (الهيئة الوطنية للإعلام)

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها إيقاف برنامج رياضي بسبب تصريحات حدثت على الهواء، فسبق أن أوقف المجلس برنامج «كورة كل يوم» الذي يقدمه كريم حسن شحاتة على خلفية «مخالفة الأكواد والمعايير الإعلامية»، كما مُنع نجم النادي الأهلي أحمد بلال من الظهور لمدة 3 أسابيع مع تغريم القناة 50 ألف جنيه (الدولار يساوي 52 جنيهاً في البنوك) لمخالفة «الأكواد الإعلامية».

وشهدت حلقة مجدي عبد الغني المُلقب بـ«البلدوزر» مشادة كلامية خلال نقاش رياضي بشأن حظوظ الأهلي في المنافسة على لقب الدوري، بعدما أعلن ربيع ياسين توقعه تتويج الفريق بالبطولة، وهو ما دفع أسامة حسن للرد عليه بعبارة «ابقى قابلني»، ومع استمرار الحوار، وجه ياسين سؤالاً حاداً إلى حسن حول موقفه إذا حصد الأهلي اللقب، لتتصاعد حدة النقاش، وتتبادل الأطراف عبارات غاضبة.

وحاول مجدي عبد الغني احتواء الموقف وتهدئة الطرفين، لكن ياسين غادر الاستوديو على نحو مفاجئ، ليضطر البرنامج إلى قطع الحلقة، والذهاب إلى فاصل إعلاني. وبحسب المقاطع التي نشرتها القناة عبر حسابها على «يوتيوب»، عاد ياسين إلى الاستوديو بعد انتهاء الفاصل، واستؤنفت الحلقة.

وقال نقيب الإعلاميين طارق سعدة لـ«الشرق الأوسط» إن النقابة قررت استدعاء فريق العمل بسبب ما صدر من تجاوزات في الحلقة، مؤكداً أن موقف النقابة مرتبط بالعاملين في المجال الإعلامي بشكل مباشر وفق الاختصاصات التي حددها القانون.

ربيع ياسين (حسابه على «فيسبوك»)

وبحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط» فإن لجنة الشكاوى بـ«الأعلى للإعلام» ستتخذ قراراً نهائياً خلال الأيام القليلة المقبلة بعد استكمال التحقيقات فيما حدث من «تجاوزات على الهواء» بعد الاستماع لجميع الأطراف على أن يصدر بيان رسمي في وقت لاحق.

وترى ليلى عبد المجيد العميد أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة أن «ظاهرة التوتر والمشادات في البرامج التلفزيونية لا تقتصر على البرامج الرياضية، لكنها تأخذ حيزاً أكبر في هذا النوع من البرامج بسبب حالة التعصب المرتبطة بالمجال الرياضي، سواء بين الإعلاميين أو الجمهور.

وأوضحت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الخلاف في الرأي يجب أن يظل داخل إطار الحوار، من دون رفع الصوت أو الدخول في مشادات»، مشيرة إلى أن «بعض البرامج شهدت في فترات سابقة اشتباكات بين الضيوف وصلت إلى حد التعدي الجسدي، وهو أمر تراه مرفوضاً تماماً».

وأضافت أن «خطورة هذه الممارسات لا تتوقف عند حدود الحلقة، وإنما تمتد إلى الجمهور والأجيال الجديدة التي تشاهدها؛ لأنها تقدم نموذجاً سلبياً للتعامل مع الاختلاف، وتحول الحوار من تبادل للأفكار إلى صراع ومواجهة»، لافتة إلى أن «ذلك قد يسهم في زيادة حالات التعصب والتطرف التي تظهر في الملاعب، خصوصاً في كرة القدم؛ ما يجعل ظهور هذه النماذج على شاشة التلفزيون يرسخها بدلاً من مواجهتها».

أسامة حسن (حسابه على «فيسبوك»)

وأشارت عبد المجيد إلى «أهمية تدخل الجهات المعنية بعد التحقيق في مثل هذه الوقائع، وفرض عقوبات تتناسب مع طبيعة المخالفة»، موضحة أن «عقوبات الإيقاف أو المنع لفترات محددة لم تنجح حتى الآن في القضاء على الظاهرة؛ ما يستدعي عقوبات أكثر حدة، وقد يصل الأمر، في الحالات المتكررة، إلى المنع النهائي»، معتبرة أن «تطبيق عقوبة صارمة على حالة أو حالتين قد يسهم في الحد من هذه الظواهر السلبية».