طلاب الجامعات في طهران يطالبون خامنئي بالتنحي

إيران تعلن اعتقال أشخاص لدورهم في كارثة الطائرة... والسفير البريطاني مهدد بالطرد

طالبات إيرانيات يحملن الزهور بينما أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع  أمام مدخل جامعة أمير كبير في طهران أول من أمس (أ.ف.ب)
طالبات إيرانيات يحملن الزهور بينما أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع أمام مدخل جامعة أمير كبير في طهران أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

طلاب الجامعات في طهران يطالبون خامنئي بالتنحي

طالبات إيرانيات يحملن الزهور بينما أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع  أمام مدخل جامعة أمير كبير في طهران أول من أمس (أ.ف.ب)
طالبات إيرانيات يحملن الزهور بينما أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع أمام مدخل جامعة أمير كبير في طهران أول من أمس (أ.ف.ب)

امتدت الاحتجاجات الطلابية المنددة بـ«الحرس الثوري» والمرشد الإيراني علي خامنئي، إلى جامعة طهران، أكبر الجامعات الإيرانية، وذلك في سياق الغضب المتنامي على إسقاط طائرة ركاب بصاروخ أرض - جو، ما أدى إلى مقتل 176 راكباً بعد لحظات.
وركزت هتافات الطلاب المنددة بالسلطات على المرشد علي خامنئي، المسؤول الأول في البلاد، على مدى العقود الثلاثة الأخيرة، فيما تصاعدت أزمة السفير البريطاني في طهران. وردد المحتجون هتافات، منها «اغربوا عن وجوهنا يا رجال الدين!» وأخرى تتوعد باسترداد إيران، والثورة والعصيان، رداً على ما اعتبروه فشلاً في الإصلاح، والاستفتاء على تقرير مصير نظام ولاية الفقيه.
وكان عزل المرشد الإيراني ومقاطعة الأجهزة الخاضعة لصلاحياته، مثل هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيراني، بيت القصيد في رابع أيام أحدث احتجاجات تشهدها إيران.
في الأثناء، أفادت صحيفة «همشهري»، المنبر الإعلامي لبلدية طهران، أن المرشد الإيراني علي خامنئي سيكون خطيب جمعة طهران هذا الأسبوع.
وهذه المرة الأولى التي يعود فيها خامنئي لمنبر صلاة الجمعة، التي تعتبر مناسبة دينية وسياسية في إيران، بعد 8 سنوات.
وتدخل الاحتجاجات مرحلة متقدمة، بوصولها إلى جامعة طهران الكبيرة، التي تعتبر من رموز الأحداث الكبيرة في إيران. وقبل جامعة طهران، شهدت جامعات في العاصمة ومدن أخرى في أنحاء البلاد، حراكاً غاضباً يطالب بإسقاط النظام.
وبموازاة جامعة طهران، واصل الطلاب وقفاتهم الاحتجاجية في عدد من جامعات طهران وأصفهان.
وأظهرت مقاطع مصورة على مواقع التواصل الاجتماعي تصدي الشرطة بعنف لبعض المظاهرات. وأظهرت لقطات ضرب الشرطة لمحتجين بالهراوات، وجرحى يجري نقلهم، وبرك دماء في الشوارع، ودوي إطلاق نار. وذلك في وقت تصر الشرطة الإيرانية على نفي إطلاق النار من عناصرها على المتظاهرين. ولم تعلق بدورها قوات «الباسيج» التي تشارك إلى جانب الشرطة على تلك التقارير.
وقال المتحدث باسم القضاء الإيراني، غلام حسين إسماعيلي، أمس، إن 30 شخصاً اعتقلوا في الاحتجاجات، لكنه أضاف أن السلطات ستبدي تسامحاً مع «المتظاهرين بشكل قانوني».
وقبل تصاعد الأزمة مع الولايات المتحدة بعد مقتل القيادي في «الحرس الثوري» قاسم سليماني، شهدت إيران موجة احتجاجات غاضبة ضد تدهور الوضع المعيشي، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. وتمتنع إيران عن إعلان الإحصائية الرسمية للقتلى والمعتقلين، بعدما شنت حملة قمع، وصفت بالأكثر دموية على مدى 40 عاماً من الثورة الإيرانية. وقال 3 مسؤولين إيرانيين لوكالة «رويترز» إن 1500 قتلوا في الاحتجاجات بأوامر مباشرة من المرشد علي خامنئي. وقال نائب في البرلمان حينذاك إن عدد المعتقلين بلغ 7 آلاف شخص.
ومنذ مقتل سليماني أبرز قائد عسكري إيراني ومؤسس شبكة القوات المتحالفة مع إيران في المنطقة، في هجوم شنته طائرة مسيرة، واجهت إيران تصاعداً في المواجهات مع الغرب، واحتجاجات في الداخل، بلغ كلاهما مستويات تكاد تكون غير مسبوقة في تاريخها الحديث، بحسب وكالة «رويترز».
وجاء استهداف سليماني بعد أيام من إطلاق صواريخ على قاعدة أميركية، ما أسفر عن مقتل متعاقد أميركي في ديسمبر (كانون الأول)، وذلك في ضربة بطائرة مسيرة في بغداد يوم 3 يناير (كانون الثاني). ورداً على ذلك، أطلق «الحرس الثوري» 13 صاروخاً باليستياً متوسط المدى على قاعدتين للقوات الأميركية في العراق.
وبعد أيام من الإنكار، اعترفت إيران بإسقاط الطائرة أثناء حالة استنفار، بعد ساعات من إطلاقها صواريخ على أهداف أميركية.
وإسقاط طائرة الخطوط الجوية الأوكرانية، الرحلة 752 الأربعاء الماضي، والذي أسفر عن مقتل 176 شخصاً كانوا على متنها، هو أحد أكبر التحديات للنظام الإيراني، في وقت يواجه استياء عاماً من تفشي الفساد والأزمة الاقتصادية، بالتزامن مع تعرضه لعقوبات أميركية خانقة منذ مايو (أيار) 2018.
وأعلن المتحدث باسم القضاء الإيراني، أمس، اعتقال أشخاص يشتبه بضلوعهم بدور في إسقاط طائرة ركاب أوكرانية، واعتقال 30 شخصاً في الاحتجاجات التي تجتاح البلاد منذ أن اعترفت الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري» متأخراً بالخطأ الذي ارتكبته.
وقال إسماعيلي إنه جرى بالفعل اعتقال بعض من اتهموا بالاضطلاع بدور في كارثة الطائرة. ولم يحدد المشتبه بهم أو يذكر عدد المعتقلين.
بدوره، وعد الرئيس حسن روحاني بإجراء تحقيق متعمق بشأن إسقاط الطائرة، الذي وصفه بأنه «خطأ لا يغتفر»، وأدلى بحديث بثه التلفزيون اليوم هو الأحدث في سلسلة اعتذارات من قيادة، نادراً ما تقرّ بأخطائها. وقال في كلمته أمس: «اعتراف القوات المسلحة الإيرانية بخطئها خطوة أولى طيبة». وأضاف أن إيران ستعاقب كل الضالعين في إسقاط الطائرة، وتابع أن حكومته «مسؤولة أمام الشعب الإيراني والدول الأخرى التي فقدت رعايا في الحادث» بحسب «رويترز».
وأغلب الذين كانوا على متن الطائرة إيرانيون أو يحملون جنسية مزدوجة. وحددت كندا وأوكرانيا وبريطانيا ودول أخرى كانت لها رعايا على متن الطائرة موعداً لعقد اجتماع يوم الخميس في لندن لبحث اتخاذ إجراء قانوني ضد إيران.
وأظهرت أحدث لقطات مصورة على مواقع التواصل الاجتماعي المحتجين يتجمعون منذ السبت ومدن أخرى ويحرقون صور سليماني، في وقت، أطلقت السلطات حملة دعائية باعتبار سليماني بطلاً قومياً، ما فُسر أنه محاولة للرد على احتجاجات نوفمبر.
وذكر التلفزيون الإيراني الرسمي أن مسؤولين بقطاع الطيران من كندا، التي قتل 57 من‭ ‬ مواطنيها في تحطم الطائرة، ومن إيران وأوكرانيا، اجتمعوا في طهران اليوم لبحث التحقيق.
ومن المقرر أن تجتمع الدول الخمس، التي قتل رعايا لها في تحطم الطائرة الأوكرانية، غداً في لندن، بحسب وزير خارجية أوكرانيا، لبحث اتخاذ إجراء قانوني.
في شأن متصل، تفاعلت قضية السفير البريطاني، راب ماكير، بعد توقيفه لساعات، يوم السبت، على هامش تأبين الضحايا في مدخل جامعة أمير كبير، ما شكل شرارة الاحتجاجات.
وبعد 3 أيام من التلاسن بين طهران ولندن حول توقيف السفير، صعدت عدة أطراف إيرانية، أمس، الدعوات لطرد السفير.
واتهمت الخارجية الإيرانية على دفعات سفير بريطانيا بالمشاركة في تجمع «غير قانوني» وهو ما نفاه السفير. وقال إنه كان يشارك في وقفة لتأبين ضحايا الطائرة الأوكرانية. ووصفت لندن احتجازه بأنه انتهاك للأعراف الدبلوماسية.
وقال الجهاز الدبلوماسي الإيراني، في بيان: «لن نكتفي باستدعاء السفير إذا تدخل في الشؤون الداخلية». وذلك بعد يوم من استدعاء السفير.
ونقلت «رويترز» عن المتحدث باسم السلطة القضائية قوله لصحافيين إيرانيين، أمس، عندما سُئل عن السفير البريطاني: «بناء على اللوائح الدولية، ‭‭‭‭ ‬‬‬‬فإن السفير البريطاني لدى إيران عنصر غير مرغوب فيه». ونقل التلفزيون الرسمي تصريحات إسماعيلي. وقال إسماعيلي إن «احترامنا للمواثيق الدولية لن يكون أحادي الجانب» وأضاف: «لن نجامل أحداً، ولو كان يحمل حصانة دبلوماسية».
وبعد إسماعيلي بساعات، طالب المدعي العام الإيراني محمد جعفر منتظري بطرد السفير البريطاني. ونقلت وكالة «إسنا» الحكومية عنه القول: «يجب على الحكومة أن تطرد السفير البريطاني على وجه السرعة».
وقال منتظري إن «حضور سفير بلد آخر في تجمع غير قانوني لبعض الخارجين على الأعراف، غير مقبول لنا إطلاقاً، وهذه الخطوة تتحمل الملاحقة».
وستكون وزارة الخارجية الإيرانية هي المسؤولة عن إعلان أي تحرك لطرده. وقال وزير الخارجية البريطاني، دومينيك راب، إن لندن لم تتلق إلى الآن أي إخطار رسمي بأن ماكير ربما يتم طرده، مضيفاً أن أي إجراء من هذا القبيل سيكون مؤسفاً.
ولم يكن القضاء الجهة الوحيدة التي هاجمت السفير البريطاني أمس. ونقلت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن أحمد علم الهدي، خطيب الجمعة وممثل خامنئي في مدينة مشهد: «أفضل شيء يمكن أن يحدث له» وإلا ربما مزقه أنصار القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني إرباً.
وقدّم نواب في البرلمان الإيراني، مشروع قرار عاجلاً، لطرد السفير البريطاني، وإلزام الحكومة بخفض مستوى العلاقات من مستوى السفير إلى القنصل.
ودعا ممثل أصفهان أحمد سالك إلى طرد السفير البريطاني. وقالت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» إن 20 نائباً وقّعوا القرار. فيما ذكرت وسائل إعلام إيرانية أن عدد الموقعين وصل إلى 50 نائباً.
وقال موقع «ألف» الإخباري، إن النائب الإصلاحي مصطفى كواكبيان الذي يرأس جمعية الصداقة البرلمانية البريطانية - الإيرانية، طالب بطرد السفير البريطاني. ومن بين النواب، أشارت وسائل الإعلام إلى النائب المعتدل، علي مطهري وعضو لجنة السياسة الخارجية، علاء الدين بروجردي.
وتبادلت بريطانيا وإيران السفراء بعد شهرين على توقيع الاتفاق النووي في 2015. وتدهورت العلاقات بين البلدين، في زمن الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، بعدما اقتحم أعضاء «الباسيج» الطلابي السفارة البريطانية ومقر إقامة السفير البريطاني، في 29 نوفمبر 2011 ودمروا ممتلكاتها. وجاء الحادث بعد ساعات من تمرير قرار في البرلمان الإيراني بتقليص العلاقات، ما أدى إلى سحب عدد من الدول الأوروبية سفراءها من طهران.
وتواصلت بموازاة ذلك، ردود الأفعال في إيران. ونشر «بيت السينما الإيرانية» بياناً يدين فيها هجوم التلفزيون الإيراني على المخرجة رخشان بني اعتماد وباران كوثري، على إثر دعوتهما لوقفات تأبين ضحايا الطائرة. كما نشرت نقابة الصحافيين في طهران بياناً تحذر فيه من تحول وسائل الإعلام إلى «بوق» للسلطات، في إشارة إلى تشديد القيود على وسائل الإعلام.



علي لاريجاني… مهندس التوازنات في منظومة الحكم الإيرانية

صورة نشرها موقع لاريجاني من مقابلة صحافية في نهاية سبتمبر الماضي
صورة نشرها موقع لاريجاني من مقابلة صحافية في نهاية سبتمبر الماضي
TT

علي لاريجاني… مهندس التوازنات في منظومة الحكم الإيرانية

صورة نشرها موقع لاريجاني من مقابلة صحافية في نهاية سبتمبر الماضي
صورة نشرها موقع لاريجاني من مقابلة صحافية في نهاية سبتمبر الماضي

في تاريخ الجمهورية الإسلامية، برزت شخصيات سياسية كثيرة في الواجهة، لكن قلة منها تنجح في البقاء داخل دائرة هرم السلطة وأجهزة صنع القرار لعقود طويلة. علي لاريجاني السياسي المحافظ كان واحداً من تلك الشخصيات التي لا تختفي تماماً عن المشهد، حتى عندما تبدو خارج السلطة. فمنذ التسعينات ظلَّ اسمه يتكرَّر في أكثر الملفات حساسية في إيران: الإعلام الرسمي، المفاوضات النووية، البرلمان، وأخيراً عاد لمجلس الأمن القومي.

لم يكن لاريجاني سياسياً شعبوياً ولا خطيباً ثورياً، بل أقرب إلى نموذج رجل الدولة داخل النظام. رجل يعرف بنية السلطة الإيرانية المعقدة، ويعرف أيضاً حدود الحركة داخلها. ولهذا بقي حاضراً في مفاصل الحكم بينما تعاقبت أجيال سياسية مختلفة، من الإصلاحيين إلى المحافظين المتشددين.

وفي خضم الحرب الجارية بين إيران وإسرائيل، عاد اسم لاريجاني إلى الواجهة مع مقتل المرشد علي خامنئي وتولي نجله، إلى أن أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بثقة عالية أن الضربات الإسرائيلية استهدفته في طهران.

صورة نشرها موقع لاريجاني في 24 يناير الماضي بعد محادثاته مع قائد «الحرس الثوري» محمد باكبور الذي قتل خلال الضربات الأولى

وحتى لحظة كتابة هذه السطور لم يصدر تأكيد رسمي إيراني نهائي حول مقتله، لكن إدراج اسمه بين أهداف الغارات يعكس موقعه داخل هرم السلطة الإيرانية.

سواء تأكدت تلك التقارير أم لا، فإن مسيرة لاريجاني السياسية تبقى مفتاحاً لفهم طبيعة الحكم في إيران، حيث تتداخل السياسة والأمن والدين في منظومة معقدة من المؤسسات.

نشأة في قلب الثورة

وُلد علي لاريجاني عام 1957 في مدينة النجف العراقية، حيث كانت عائلته تقيم في محيط الحوزة العلمية الشيعية. والده المرجع الديني ميرزا هاشم آملي كان من الشخصيات المعروفة في الأوساط الدينية، وارتبط بعلاقات وثيقة مع رجال الدين الذين قادوا الثورة في إيران.

بعد انتصار الثورة عام 1979 انتقلت العائلة إلى إيران، لتبدأ مرحلة جديدة في حياة أبنائها الذين دخلوا مؤسسات الدولة الجديدة. وقد برز عدد من أبناء العائلة في مواقع مهمة، أبرزهم صادق آملي لاريجاني الذي أصبح لاحقاً رئيساً للسلطة القضائية قبل أن يتولى رئاسة مجمع تشخيص مصلحة النظام.

لكن صعود علي لاريجاني لم يكن نتيجة النفوذ العائلي فقط. فقد جمع بين الخلفية الدينية والتعليم الأكاديمي والعمل السياسي المبكر. حصل على دكتوراه في الفلسفة الغربية من جامعة طهران، وهي خلفية فكرية غير مألوفة نسبياً في صفوف النخبة السياسية الإيرانية.

هذا التكوين الفلسفي منح خطابه السياسي طابعاً مختلفاً. فهو يستخدم لغة تحليلية هادئة، بعيدة عن الخطاب الثوري الصاخب الذي يميز كثيراً من السياسيين الإيرانيين.

من «الحرس الثوري» إلى إدارة الإعلام

بدأ لاريجاني مسيرته السياسية في أوساط «الحرس الثوري» خلال السنوات الأولى للجمهورية الإسلامية. هذه التجربة المبكرة وفرت له فهماً عميقاً لطبيعة المؤسسة العسكرية التي تعد أحد أهم مراكز القوة في النظام الإيراني.

لكن انتقاله لاحقاً إلى المجال الثقافي والإعلامي كان نقطة تحول مهمة. ففي منتصف التسعينات عيّنه المرشد علي خامنئي رئيساً لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية.

ويعد هذا المنصب أحد أكثر المواقع حساسية في الدولة. فالتلفزيون الرسمي في إيران ليس مجرد مؤسسة إعلامية، بل أداة مركزية في تشكيل الخطاب السياسي والثقافي للنظام الذي يمثله المرشد.

خلال نحو عقد من إدارة هذه المؤسسة اكتسب لاريجاني خبرة كبيرة في إدارة السردية العامة للنظام، وفي التعامل مع الأزمات الإعلامية. كما بنى شبكة علاقات واسعة داخل مؤسسات الدولة.

المفاوض النووي... ورئاسة البرلمان

ظهر اسم علي لاريجاني على الساحة الدولية عندما تولى منصب أمين مجلس الأمن القومي للمرة الأولى في منتصف العقد الأول من الألفية. وفي هذا الموقع أصبح كبير المفاوضين الإيرانيين في الملف النووي، حيث قاد جولات تفاوض مع الدول الأوروبية بشأن برنامج إيران النووي في مرحلة كانت طهران تحاول فيها تجنب مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على برنامجها النووي.

غير أن تلك المرحلة انتهت بخلافات متصاعدة مع الرئيس محمود أحمدي نجاد، الذي كان يميل إلى مقاربة أكثر تشدداً في إدارة الملف النووي. ففي حين سعى لاريجاني إلى إبقاء قنوات التفاوض مع القوى الغربية مفتوحةً وإدارة الأزمة عبر مسار دبلوماسي حذر، تبنّى أحمدي نجاد خطاباً أكثر صدامية ورفض أي مرونة يمكن أن تُفسَّر داخلياً بوصفها تراجعاً أمام الضغوط الدولية.

ومع اتساع الفجوة بين المقاربتين داخل مؤسسات الحكم، تحوّل الخلاف إلى صدام سياسي حول أسلوب إدارة الملف النووي نفسه، وانتهى باستقالة لاريجاني من منصبه عام 2007.

لكن التوتر بين الرجلين لم يتوقَّف عند هذا الحد. فعندما أصبح لاريجاني رئيساً للبرلمان في عام 2008، دخل في مواجهة سياسية متكرِّرة مع حكومة أحمدي نجاد، في واحدة من أكثر مراحل التوتر وضوحاً بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في تاريخ الجمهورية الإسلامية. فقد انتقد البرلمان الذي كان يقوده أداء الحكومة في ملفات اقتصادية وإدارية عدة، بينما ردَّ أحمدي نجاد وأنصاره باتهام البرلمان بعرقلة سياسات الحكومة.

الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد يلقي كلمة أمام البرلمان برئاسة لاريجاني فبراير 2013

وخلال تلك السنوات تحوَّلت جلسات البرلمان أحياناً إلى ساحة سجال علني بين الطرفين، وتبادلا انتقادات حادة في وسائل الإعلام. وبلغ هذا التوتر ذروته في واحدة من أشهر لحظات الصراع السياسي داخل النظام عندما اندلع تلاسن علني بين أحمدي نجاد ولاريجاني خلال جلسة برلمانية، في مشهد نادر نسبياً في الحياة السياسية الإيرانية، كشف عن عمق الانقسام داخل التيار المحافظ نفسه.

كما تصاعدت المواجهة في حادثة أثارت جدلاً واسعاً عندما عرض أحمدي نجاد خلال جلسة في البرلمان شريط فيديو قال إنه يتضمَّن أدلةً على تورط مقربين من عائلة لاريجاني في قضايا فساد، في خطوة عُدّت حينها تصعيداً غير مسبوق في الصراع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. وقد ردَّ لاريجاني بانتقادات حادة للرئيس، عادّاً أن استخدام منصة البرلمان لتصفية حسابات سياسية يضر بمكانة المؤسسات، في واحدة من أكثر المواجهات العلنية حدة داخل النظام الإيراني.

لم يكن ذلك الخلاف مجرد نزاع شخصي، بل عكس صراعاً أوسع داخل المعسكر المحافظ بين نهجين مختلفين: نهج شعبوي تصادمي ميّز خطاب أحمدي نجاد خصوصاً بعد توليه ولاية ثانية عقب احتجاجات الحركة الخضراء الإصلاحية، ورؤية أكثر مؤسسية وبراغماتية حاول لاريجاني تمثيلها داخل مؤسسات الدولة. كما كشف هذا الصراع عن خلاف أعمق حول أسلوب إدارة الدولة، بين خطاب يعتمد المواجهة والتعبئة الشعبية، ورؤية تركز على دور المؤسسات والتوازن بين مراكز القوة داخل النظام.

ورغم حدة تلك المواجهات، فإنها لم تؤدِ إلى خروج لاريجاني من دائرة السلطة، بل أسهمت في ترسيخ صورته بوصفه أحد السياسيين المحافظين القادرين على إدارة التوازنات داخل النظام، حتى في مواجهة رئيس كان يتمتع آنذاك بدعم شعبي واسع.

قاسم سليماني... من البراغماتية إلى الميدان

إلى جانب مسيرته السياسية، ارتبط اسم علي لاريجاني بعلاقات وثيقة مع شخصيات محورية داخل المؤسسة الأمنية الإيرانية، وعلى رأسهم قائد «فيلق القدس» السابق، قاسم سليماني، مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري».

لاريجاني يعانق قاسم سليماني (أرشيفية - موقع البرلمان)

فقد جمع الرجلين تقاربٌ داخل المعسكر المحافظ، خصوصاً خلال السنوات التي أعقبت الاتفاق النووي عام 2015. ولعب سليماني دوراً في حشد دعم داخل التيار المحافظ لتمديد ولاية لاريجاني على رأس البرلمان في تلك المرحلة، في وقت كان الاتفاق النووي يثير فيه انقساماً واضحاً داخل المحافظين بين مؤيديه ومعارضيه.

لم تكن تلك العلاقة مجرد تقارب شخصي، بل عكست موقع لاريجاني داخل شبكة التوازنات التي تربط المؤسسات السياسية بالأجهزة الأمنية في إيران. فخلفيته المبكرة في «الحرس الثوري»، إضافة إلى خبرته الطويلة في إدارة الملفات الاستراتيجية داخل مجلس الأمن القومي والبرلمان، جعلته أحد السياسيين القلائل القادرين على التحرك بين دوائر القرار المدني والعسكري في آن واحد. وبينما كان سليماني يمثل الذراع العسكرية لنفوذ إيران الإقليمي، خصوصاً في العراق وسوريا ولبنان، قدَّم لاريجاني نفسه في المقابل كواجهة سياسية قادرة على إدارة التوازنات داخل مؤسسات الدولة.

وبهذا المعنى، عكست العلاقة بين الرجلين تقاطعاً بين مسارين داخل النظام الإيراني: مسار القوة العسكرية الذي مثّله «فيلق القدس»، ومسار الإدارة السياسية داخل مؤسسات الدولة. وقد رأى بعض المراقبين في هذا التقاطع أحد الأسباب التي ساعدت لاريجاني على الحفاظ على موقعه داخل منظومة الحكم، حتى في لحظات الانقسام داخل المعسكر المحافظ نفسه.

صراع داخل المعسكر المحافظ

مع مرور الوقت أصبح لاريجاني جزءاً من صراع أوسع داخل التيار المحافظ الإيراني. فقد ظهر جناح أكثر تشدداً يقوده سياسيون مثل سعيد جليلي، الذين كانوا يعارضون أي مرونة في الملف النووي.

لاريجاني لدى تقديم أوراق ترشحه لانتخابات الرئاسة في مقر الانتخابات الإيرانية بطهران مايو 2024 (أ.ف.ب)

وانعكس هذا الصراع في الانتخابات الرئاسية. فقد حاول لاريجاني الترشُّح للرئاسة أكثر من مرة، لكنه اصطدم بقرار مجلس صيانة الدستور استبعاده من السباق في عامَي 2021 و2024. وأثار إقصاؤه جدلاً واسعاً داخل إيران. فالرجل كان جزءاً من المؤسسة السياسية لعقود، ومع ذلك مُنع من الترشُّح لمنصب الرئاسة.

وكشف هذا التطور حدود التوازنات داخل النظام. فقبول شخصية داخل المؤسسات لا يعني بالضرورة السماح لها بالوصول إلى قمة السلطة التنفيذية.

عودة رجل الدولة بعد الحرب

بعد سنوات من العمل في البرلمان، بقي لاريجاني على هامش أجهزة صنع القرار عندما أصدر خامنئي مرسوماً بتعيينه مستشاراً، وهو دور حصل عليه بعض الرؤساء وقادة الأجهزة العسكرية في نهاية مهامهم، لكن لاريجاني عاد بقوة إلى مركز القرار الأمني عندما عُيِّن أميناً للمجلس الأمن القومي في أعقاب التغييرات الأمنية إثر حرب الـ12 يوماً بين إيران وإسرائيل.

وجاءت عودته في لحظة حساسة بالنسبة لإيران. فقد تزامنت مع تصاعد التوتر الإقليمي، واندلاع مواجهة عسكرية مع إسرائيل، وارتفاع الضغوط الدولية على البرنامج النووي الإيراني.

رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف مع سلفه علي لاريجاني في افتتاح البرلمان الحالي خلال مايو 2024 (أ.ف.ب)

وينظَر إلى تعيينه بأنه محاولة لإعادة إدخال عنصر سياسي في إدارة الملف الأمني، بعد فترة شهدت صعوداً أكبر لدور العسكريين داخل مؤسسات القرار. كما جاء التعيين في إطار إعادة هيكلة أوسع للأجهزة الأمنية، بما في ذلك تشكيل لجنة دفاع عليا داخل مجلس الأمن القومي.

هذه الخطوة فسّرها بعض المسؤولين الإيرانيين باعتبارها ضرورة فرضتها ظروف الحرب، بينما رأى فيها آخرون رسالة سياسية إلى الغرب بأن إيران لا تزال تفضِّل إدارة أزماتها عبر السياسة والدبلوماسية.

رجل المنظومة

أحد أسباب بقاء لاريجاني في قلب النظام طوال هذه السنوات هو قدرته على بناء شبكة علاقات واسعة داخل المؤسسات المختلفة. فهو يحتفظ بعلاقات مع «الحرس الثوري» بحكم خلفيته الأمنية، ويتمتع بثقة نسبية لدى مكتب المرشد، كما يملك خبرة طويلة في العمل البرلماني. وجعلته شخصية مفيدة في لحظات الأزمات، خصوصاً عندما يحتاج النظام إلى شخصيات قادرة على التواصل بين مراكز القوة المختلفة.

لكن هذه القدرة على التكيُّف مع موازين القوى داخل النظام جعلت بعض منتقديه يرونه نموذجاً لسياسي يتقن البقاء داخل المنظومة أكثر مما يسعى إلى تغييرها.

ويصعب تصنيف علي لاريجاني ضمن التيارات السياسية التقليدية في إيران. فهو ليس إصلاحياً بالمعنى السياسي للكلمة، لكنه أيضاً لا ينتمي إلى التيار المحافظ الأكثر تشدداً.

الأقرب إلى توصيفه أنه محافظ براغماتي. رجل يعمل داخل المنظومة ويقبل بقواعدها، لكنه يحاول في الوقت نفسه إدارة توازنات تسمح ببعض المرونة في السياسة الخارجية. هذه البراغماتية كانت مصدر قوته ومصدر الجدل حوله في الوقت نفسه.

نهاية مفتوحة في زمن الحرب

إعلان إسرائيل استهداف لاريجاني خلال الضربات على طهران يعكس المكانة التي يحتلها داخل منظومة الحكم الإيرانية. فاستهداف شخصية بهذا الوزن السياسي يشير إلى أن الحرب لم تعد تقتصر على المواقع العسكرية، بل تمتد إلى دوائر القرار السياسي. ويأتي الإعلان غداة إصدار مرسوم للمرشد الجديد يؤكد بقاء

لكن بغض النظر عن مصير تلك الضربة، فإن دور لاريجاني في السياسة الإيرانية كان قد ترك بصمته بالفعل.

فهو يمثل نموذجاً لنخبة سياسية نشأت داخل الثورة واستمرت في العمل ضمن مؤسساتها لعقود. وفي نظام سياسي شديد التعقيد مثل النظام الإيراني، حيث تتداخل المؤسسات الدينية والعسكرية والسياسية، كان سر بقاء لاريجاني في دائرة القرار هو قدرته على فهم تلك الشبكة المعقدة والتحرك داخلها من دون الاصطدام المباشر بها. ولهذا السبب ظل اسمه، حتى في أكثر اللحظات اضطراباً في تاريخ إيران الحديث، مرتبطاً بصناعة التوازنات داخل الدولة.


مجتبى خامنئي يرفض مقترحات لوقف النار مع واشنطن

غبار ودخان يتصاعد بعد غارة جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء(شبكات التواصل)
غبار ودخان يتصاعد بعد غارة جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء(شبكات التواصل)
TT

مجتبى خامنئي يرفض مقترحات لوقف النار مع واشنطن

غبار ودخان يتصاعد بعد غارة جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء(شبكات التواصل)
غبار ودخان يتصاعد بعد غارة جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء(شبكات التواصل)

قال مسؤول إيراني كبير إن المرشد الجديد مجتبى خامنئي رفض مقترحات نقلتها دولتان وسيطتان إلى طهران لخفض التوتر أو وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، مشترطاً أن تأتي إسرائيل والولايات المتحدة «راكعتين».

وأوضح المسؤول، في تصريحات لوكالة «رويترز» الثلاثاء، أن موقف خامنئي بشأن الثأر من الولايات المتحدة وإسرائيل كان «حازماً وجاداً للغاية» خلال أول اجتماع يتناول السياسة الخارجية منذ توليه المنصب، من دون أن يوضح ما إذا كان المرشد الجديد قد حضر الاجتماع شخصياً.

وأضاف المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أن دولتين وسيطتين نقلتا إلى وزارة الخارجية الإيرانية مقترحات تتعلق بـ«خفض التوتر أو وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة»، من دون أن يقدم تفاصيل إضافية عن مضمون تلك المقترحات أو هوية البلدين الوسيطين.

وبحسب المسؤول، رد خامنئي بأن «الوقت لن يكون مناسباً للسلام إلى أن تُجبر الولايات المتحدة وإسرائيل على الرضوخ وقبول الهزيمة ودفع التعويضات».

ويمسك المرشد في إيران بالقرار النهائي في شؤون الدولة، ولم تُنشر صور جديدة لمجتبى خامنئي منذ اختياره قبل أكثر من أسبوع من قبل مجلس من رجال الدين خلفاً لوالده علي خامنئي.

وقال بعض المسؤولين الإيرانيين إنه أصيب بجروح طفيفة في الغارات التي أودت بحياة والده، في حين أشار مسؤولون أميركيون إلى أنه أصيب بجروح بالغة.

ودخلت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثالث بعدما أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن ألفي شخص، من دون أن تلوح نهاية قريبة لها في الأفق. ولا يزال مضيق هرمز الحيوي مغلقاً إلى حد كبير، في وقت يرفض بعض حلفاء الولايات المتحدة طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب المساعدة في إعادة فتح الممر البحري، الأمر الذي دفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع وأثار مخاوف من موجة تضخم جديدة.

وفي أول رسالة عامة له منذ اختياره، والتي قرأتها مذيعة في التلفزيون الحكومي الأسبوع الماضي، قال مجتبى خامنئي إن مضيق هرمز يجب أن يبقى مغلقاً بوصفه أداة ضغط على «أعداء إيران».

وكانت ثلاثة مصادر قد قالت لوكالة «رويترز» في 14 مارس (آذار) إن إدارة ترمب رفضت جهود حلفاء في الشرق الأوسط لبدء مسار دبلوماسي يهدف إلى إنهاء الحرب مع إيران.


صواريخ إيرانية تتسبب في أضراراً مادية بوسط إسرائيل

صورة مثبتة من مقطع فيديو نشرته وسائل إعلام عبرية لحُفر صغيرة ناجمة عن مواقع سقوط الصواريخ الإيرانية وسط إسرائيل
صورة مثبتة من مقطع فيديو نشرته وسائل إعلام عبرية لحُفر صغيرة ناجمة عن مواقع سقوط الصواريخ الإيرانية وسط إسرائيل
TT

صواريخ إيرانية تتسبب في أضراراً مادية بوسط إسرائيل

صورة مثبتة من مقطع فيديو نشرته وسائل إعلام عبرية لحُفر صغيرة ناجمة عن مواقع سقوط الصواريخ الإيرانية وسط إسرائيل
صورة مثبتة من مقطع فيديو نشرته وسائل إعلام عبرية لحُفر صغيرة ناجمة عن مواقع سقوط الصواريخ الإيرانية وسط إسرائيل

سُمعت في القدس، الثلاثاء، انفجارات بعيدة أعقبت دوي صافرات الإنذار في شمال إسرائيل بعد رصد إطلاق صواريخ إيرانية، وفق ما أفاد صحافيو «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال الجيش في بيان: «رصدت قوات الجيش صواريخ أُطلقت من إيران تجاه أراضي دولة إسرائيل، تعمل أنظمة الدفاع على اعتراض التهديد».

من جهتها، نقلت صحيفة «تايمز اوف إسرائيل» العبرية عن خدمات الإنقاذ في إسرائيل، أن ذخائر عنقودية ناتجة من صاروخ باليستي إيراني تسبّبت في أضرار بمواقع عدة في وسط إسرائيل.

من جهتها، قالت خدمة الإسعاف «نجمة داود الحمراء» إنه لم تُسجّل أي إصابات.