ترمب يدعو إلى وقف محاكمته في مجلس الشيوخ

بيلوسي تقول إنه عُزل للأبد... و«النواب» لإرسال بنود العزل هذا الأسبوع

الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى فعالية انتخابية في أوهايو الخميس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى فعالية انتخابية في أوهايو الخميس (أ.ف.ب)
TT

ترمب يدعو إلى وقف محاكمته في مجلس الشيوخ

الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى فعالية انتخابية في أوهايو الخميس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى فعالية انتخابية في أوهايو الخميس (أ.ف.ب)

فاجأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجمهوريين بمطالبتهم بوقف إجراءات عزله. وقال ترمب في سلسلة من التغريدات أمس (الاثنين): «كثير من الأشخاص يعتقدون أن عقد محاكمة في مجلس الشيوخ من دون أدلة تذكر ولا جرائم، يعطي إجراءات العزل المزيفة وحملة مطاردة الساحرات الديمقراطية مصداقية لا تتمتع بها في الوقت الحالي. أنا أوافق على هذا!». وتابع ترمب: «لا يجب السماح بالمضي قدماً في إجراءات العزل. لم أرتكب أي خطأ. كان تصويتاً حزبياً من دون أي أصوات جمهورية وهذا لم يحصل من قبل!».
من جهتها، قالت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي: «لقد قمنا بعملنا ودافعنا عن دستور الولايات المتحدة. نأمل أن يسير مجلس الشيوخ على خطانا». وأكدت بيلوسي في مقابلة مع شبكة «أي بي سي» أنه وبغض النظر عن محاكمة مجلس الشيوخ، فإن مجلس النواب عزل الرئيس الأميركي للأبد. واستفزت هذه التصريحات ترمب، الذي غرّد قائلاً: «لماذا يجب أن يرتبط اسمي بالعزل في وقت لم أرتكب فيه أي خطأ؟ اقرأوا نصوص الاتصالات! هذا غير عادل لملايين الناخبين!».
وهذه هي المرة الأولى التي يدعو فيها ترمب مجلس الشيوخ إلى عدم عقد محاكمة، وهو كان في السابق يحث الجمهوريين على إنهاء محاكمته بسرعة ويركز بشكل أساسي على مهاجمة بيلوسي. وقد وصفها مؤخراً بأنها رئيسة مجلس النواب الأسوأ في التاريخ الأميركي.
ولم يكن الجمهوريون يتوقعون هذا التغيير في استراتيجية ترمب، فهم تنفسوا الصعداء الأسبوع الماضي، عندما أعلنت بيلوسي أنها سوف تفرج عن بنود العزل هذا الأسبوع. وبدأت القيادات الجمهورية في مجلس الشيوخ الاستعداد لعقد محاكمة تاريخية بعد تسلم المجلس الملف. وكانت رئيسة مجلس النواب أعلنت يوم الجمعة الماضي، وبعد طول انتظار أن المجلس سيصوت هذا الأسبوع لإرسال بندي الاتهام بحق ترمب إلى مجلس الشيوخ. وقالت بيلوسي في رسالة كتبتها إلى الديمقراطيين في المجلس يوم الجمعة: «لقد سألت رئيس اللجنة القضائية جارولد نادلر أن يطرح مشروع قرار لتعيين ممثلين في المحاكمة وإرسال بندي الاتهام إلى مجلس الشيوخ».
إعلان بيلوسي يعني أن زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ ميتش مكونيل يستطيع البدء بإجراءات محاكمة ترمب، بمجرد تسلمه مشروع قرار مجلس النواب. يأتي هذا الإعلان بعد عملية شدّ حبال طويلة بين مكونيل وبيلوسي، التي كانت تحاول الضغط على زعيم الأغلبية لاستدعاء شهود من الإدارة الأميركية قبل بدء المحاكمة. الأمر الذي رفضه مكونيل كلياً، عادّاً أن أي قرار باستدعاء شهود أو المطالبة بمستندات جديدة يجب أن يحصل بعد بدء المحاكمة.
وكان مكونيل أعطى بيلوسي مهلة حتى نهاية الأسبوع الحالي لإرسال بنود العزل إلى المجلس والبدء بمحاكمة الرئيس، وقال: «إن لم يتم إرسال البنود، سوف أنتقل إلى نقاش مسائل أخرى في المجلس، وسوف أفترض أن الديمقراطيين في مجلس النواب محرجون من المضي قدماً». وواجهت بيلوسي في الأيام الأخيرة ضغوطاً متزايدة من صفوف حزبها الديمقراطي للإفراج عن بنود العزل، وإرسالها إلى مجلس الشيوخ، حيث دعا رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب آدم سميث، وهو من حلفاء بيلوسي المقربين، رئيسة المجلس إلى إرسال بندي الاتهامات إلى مجلس الشيوخ. وقال سميث: «في نهاية المطاف وكما يسيطر الديمقراطيون على الأغلبية في مجلس النواب، فإن الجمهوريين يتمتعون بالأغلبية في مجلس الشيوخ. حان الوقت كي نرسل بنود العزل إلى المجلس وأن نلقي بمسؤولية المحاكمة على (زعيم الأغلبية) ميتش مكونيل».
كما دعا عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين بيلوسي إلى إرسال بنود العزل إليهم بأسرع وقت ممكن. فقالت كبيرة الديمقراطيين في اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ دايان فاينستاين: «كلما انتظرنا أصبح الموضوع أقل استعجالاً. إذا كان الموضوع جدياً وملحاً أرسلي البنود إلينا. إذا لم يكن جدياً وملحاً، لا ترسليها». وكان الديمقراطيون يأملون بأن يؤدي إعلان مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون استعداده للإدلاء بإفادته أمام الكونغرس إلى تغيير رأي مكونيل باستدعاء شهود، لكن هذا الأخير أصر على موقفه ورفض التجاوب مع المطالب الديمقراطية.
بيلوسي كانت قررت عدم إرسال بنود العزل إلى مجلس الشيوخ بعد موافقة مجلس النواب عليها، في خطوة فاجأت الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء. وقالت بيلوسي حينها: «لن أرسل بنود الاتهامات التي صوّتنا عليها إلى مجلس الشيوخ قبل أن أطّلع على أطر المحاكمة». وقد تمكنت بيلوسي من الاستفادة من إجراءات مجلس النواب الدستورية لتأجيل ملف العزل، فضمن هذه الإجراءات التي يجب أن تحصل قبل تسلم مجلس الشيوخ رسمياً ملف العزل، تصويت إجرائي في مجلس النواب لتعيين نواب مسؤولين عن المحاكمة وتسليم الملف لمجلس الشيوخ.
قرار بيلوسي حينها أثار حفيظة مكونيل، فقال في خطاب لاذع في المجلس: «إن الإجراءات التي اعتمدها الديمقراطيون أدت إلى أول عزل حزبي منذ الحرب الأهلية. إن الديمقراطيين خائفون من تسليم مجلس الشيوخ ملف العزل، لأنهم قاموا بعمل أرعن في تحضيرهم للملف». ولا يعني الإفراج عن إجراءات العزل أن المواجهة بين الحزبين ستنتهي.
فقد كرر زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر إصراره على استدعاء شهود مثل ميك مولفاني كبير موظفي البيت الأبيض، وبولتون، وروبرت بلير ومايكل دافي من مكتب الموازنة والإدارة في البيت الأبيض. وقال شومر إنه سيسعى جاهداً إلى طرح استدعاء الشهود في جلسات المحاكمة على التصويت في المجلس، مشيراً إلى أن هذه الاستدعاءات ستأتي في شكل مذكرات جلب يصدرها كبير قضاة المحكمة العليا جون روبرتس الذي سيترأس جلسات المحاكمة التاريخية.
وقد رفض مكونيل هذه المطالب قائلاً: «نحن لا نخلق إجراءات العزل بل نحكم عليها. إن وظيفة مجلس النواب التحقيق وواجبه أن ينظر في القضية التي ستقلب إرادة الناخبين الأميركيين». وتابع مكونيل: «إن وظيفة مجلس الشيوخ ليست البحث عن أدلة وطرق لإدانة الرئيس». ما يتحدث عنه مكونيل هو الدور الذي حدده الدستور لكل من مجلسي النواب والشيوخ. فوظيفة مجلس النواب تقضي بجمع الأدلة والتصويت على عزل الرئيس فيما تقضي وظيفة مجلس الشيوخ عقد جلسات محاكمة لتحديد ما إذا كان يجب خلع الرئيس من منصبه بسبب الاتهامات التي يواجهها، أم لا.
لكن الدستور لا يحدد أطر المحكمة، بل يترك الأمر بيد زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ. وقد قال شومر إنه سيضغط لطرح مطالبه على التصويت خلال جلسات المحاكمة، وبما أن هذه المطالب ستحتاج إلى الأغلبية البسيطة للموافقة عليها، فهذا يعني أن الديمقراطيين بحاجة إلى انضمام بعض الجمهوريين المعتدلين إلى صفوفهم. وفي حال تعادل الأصوات، ستكون الكلمة الأخيرة لكبير قضاة المحكمة العليا جون روبرتس الذي سيترأس جلسات المحاكمة.
وفي هذه الجلسات سيؤدي أعضاء مجلس الشيوخ دور هيئة المحلفين، ويستمعون إلى إفادات المسؤولين عن ملف العزل في مجلس النواب من ديمقراطيين وجمهوريين وشهودهم. ولن يتمكن أعضاء المجلس من طرح أسئلة مباشرة خلال جلسات المحاكمة، بل عليهم كتابة هذه الأسئلة وتسليمها إلى كبير القضاة الذي هو بدوره يطرحها على مسؤولي الملف. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب كرّر مطالبته باستدعاء نائب الرئيس الأميركي جو بايدن ونجله هنتر إلى جلسات المحاكمة، الأمر الذي رفضه بايدن كلياً، واتهم ترمب بمحاولة تشتيت الانتباه عن قضية عزله والاتهامات التي يواجهها. وبعد الانتهاء من جلسات المحاكمة، يصوت المجلس على قرار خلع الرئيس أو تبرئته، ويحتاج القرار إلى ثلثي الأصوات، الأمر المستحيل نسبياً نظراً لسيطرة الجمهوريين على المجلس.



مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
TT

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

قالت لجنة حماية الصحافيين، الأربعاء، إن 129 من الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام قُتلوا خلال أداء عملهم، العام الماضي، وإن ثلثي القتلى سقطوا بنيران إسرائيلية.

وأضافت اللجنة، في تقريرها السنوي، أن 2025 كان العام الثاني على التوالي الذي يشهد عدداً قياسياً مرتفعاً من القتلى الصحافيين، والثاني على التوالي أيضاً الذي تتحمل فيه إسرائيل مسؤولية مقتل ثلثيهم. واللجنة منظمة مستقلة، مقرها نيويورك، توثق الهجمات على الصحافيين، حسبما أفادت به وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت اللجنة إن نيران إسرائيل أودت بحياة 86 صحافياً في 2025، معظمهم من الفلسطينيين في قطاع غزة. وأضافت أن 31 آخرين من العاملين قُتلوا في هجوم على مركز إعلامي لجماعة الحوثيين في اليمن، فيما مثل ثاني أكثر الهجمات إزهاقاً للأرواح التي سجّلتها اللجنة على الإطلاق.

وكانت إسرائيل أيضاً مسؤولة عن 81 في المائة من 47 حالة قتل صنّفتها لجنة حماية الصحافيين على أنها استهداف متعمّد أو «قتل». وأضافت اللجنة أن الرقم الفعلي ربما يكون أعلى من ذلك، بسبب قيود الوصول التي جعلت التحقق صعباً في غزة.

ولم يرد الجيش الإسرائيلي على طلب للتعليق. وسبق له القول إن قواته في غزة تستهدف المسلحين فقط، لكن العمل في مناطق القتال ينطوي على مخاطر كامنة. واعترفت إسرائيل باستهداف المركز الإعلامي باليمن، في سبتمبر (أيلول)، واصفة إياه في ذلك الوقت بأنه ذراع دعائية للحوثيين.


أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
TT

أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأسترالية، اليوم الأربعاء، إنها طلبت من أسر الدبلوماسيين الأستراليين في إسرائيل ولبنان مغادرة البلدين، مشيرة إلى تدهور الوضع الأمني في المنطقة.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، قالت «الخارجية الأسترالية» إن «الحكومة توصي مواطنيها في لبنان وإسرائيل بدراسة المغادرة في ظل الخيارات التجارية المتاحة»، مشيرة إلى أن الحكومة عرضت أيضاً «مغادرة طوعية لأفراد عائلات مسؤوليها العاملين في الأردن وقطر والإمارات».

وتلقّى لبنان تحذيرات من أن تشنّ إسرائيل الحليفة للولايات المتحدة، ضربات تستهدف بنيته التحتية في حال التصعيد بين طهران وواشنطن وتدخل «حزب الله» لمساندة داعمته إيران، بحسب ما قال وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، الثلاثاء.

وصعّدت الدولة العبرية أخيراً من وتيرة ضرباتها التي تستهدف «حزب الله» في لبنان، رغم وقف إطلاق النار الذي يسري بينهما منذ أكثر من عام، وأعقب حرباً مدمّرة تكبّد فيها الحزب خسائر باهظة على صعيد الترسانة والهيكلية القيادية.

وفي وقت تعزز الولايات المتحدة انتشارها العسكري في الشرق الأوسط، حذّرت إيران من أنها ستردّ «بقوة» على أي هجوم عليها، وأن اعتداء من هذا النوع قد يؤدي إلى «حرب إقليمية».

وقال رجّي، الثلاثاء، لوسائل إعلام في جنيف: «هناك مؤشرات على أن الإسرائيليين قد يضربون بقوة في حال التصعيد، بما في ذلك ضربات محتملة على بنى تحتية استراتيجية مثل المطار».

وجدد رجي موقف السلطات اللبنانية الذي أعرب عنه رئيس الوزراء نواف سلام بأن «هذه الحرب لا تعنينا»، في إشارة لمواجهة أميركية إيرانية محتملة.


الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)

ألقى الرئيس الأميركي الراحل، دوايت أيزنهاور، في عام 1953 خطاباً مهماً في الأمم المتحدة بعنوان: «الذرّة من أجل السلام». اقترح أيزنهاور التخلّي عن السلاح النووي، وتحويل الطاقة النووية لخدمة السلام والبشرية. لم تترجَم هذه المبادرة على أرض الواقع. ففي عام 1962، وخلال الأزمة الكوبيّة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، عايش العالم ولمدة 13 يوماً، شبح إمكانيّة القضاء على البشريّة بأكملها.

غيّرت الأزمة الكوبيّة ديناميكيّة امتلاك وضبط السلاح النوويّ. وعليه، كان لا بد من خلق إطار مُتفق عليه بين الجانبين لتجنّب الحسابات الخاطئة، وذلك عبر التواصل المستمرّ، كما خلق آليّات مراقبة وتحقّق. لم تلغِ الأزمة الكوبيّة سباق التسلّح النوويّ. لكنها في الحدّ الأدنى نظّمت هذا السباق.

تفجير نووي تجريبي أميركي في صحراء نيفادا (أ.ب)

أظهرت الأزمة الكوبية بشكل فاضح هشاشة الردع النوويّ. وكي لا تُترك الأمور على غاربها، أفرزت الأزمة الكوبيّة الأمور التالية: الخط الساخن بين العملاقين، ومعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النوويّة (1963)، ومعاهدة عدم انتشار السلاح النوويّ (1968)، ومعاهدتي سالت (SALT) وستارت (START) لاحقاً. وعليه، قد يمكن استنتاج بعض سلوكيات (نمطيّات) القوى العظمى فيما خصّ السلاح النوويّ أو غيره من المخاطر على العالم، وعلى أمنها القوميّ في الوقت نفسه، وهي: لا تتّفق القوى العظمى بعضها مع بعض على تنظيم قطاع ما مؤثّر في عناصر القوة الخاصة بها (Elements of Power)، إلا بعد أن يبدأ هذا القطاع بتشكيل خطر مباشر على أمنهم القومي. حصل هذا الأمر مع النووي، وقد يحصل مستقبلاً مع غزوة الذكاء الاصطناعي الخطيرة لكل مَرافق الحياة ضمن الصراع الجيوسياسيّ؛ وإذا تفرّدت القوى العظمى بامتلاك سلاح مؤثّر يُغيّر موازين القوى لصالحها، فهي تمنع الآخرين من الحصول عليه. وإذا حصل عليه الآخرون فهي تحاول منع انتشاره إلى دائرة أوسع، إنْ عبر الردع أو الضبط بواسطة المعاهدات (Treaties). من هنا الحجم الصغير للنادي النوويّ في العالم حالياً، والمُرشح إلى مزيد من التوسّع في ظلّ تداعي النظام العالمي القديم وضوابطه... ألَا تندرج الأزمة الحالية مع إيران ضمن هذا الإطار؟

في التجربة النووية الصينيّة الأخيرة 2020، تتّهم الولايات المتحدة الأميركية الصين بأنها أجْرت في عام 2020 تجربة نووية شمال غربي الصين. لكن لماذا الاتهام اليوم وبعد 6 سنوات؟ هذا مع العلم أن آخر تجربة نوويّة قامت بها الصين، تعود إلى عام 1964.

غواصة نووية أميركية من طراز «أوهايو» لدى توقفها في أحد مرافئ أستراليا 30 يوليو 2025 (إ.ب.أ)

كما تتّهم أميركا الصين بأنها تُحدّث ترسانتها، وتسعى للحصول على أسلحة نووية من الجيل الحديث، ومنها السلاح التكتيكي. فكيف يُحلَّل هذا الوضع في ظلّ التحولات الجيوسياسية في عالم اليوم؟

تمنع معاهدة «الحظر الشامل للتجارب النوويّة» (1996) القيام بأي تفجير نووي، لغرض عسكري أو سلميّ. وقد وقّعت كل من أميركا والصين على هذه المعاهدة، لكنهما لم يُصدّقا عليها كما تتطلّب الأصول القانونيّة كي تصبح نافذة. وبهدف المراقبة والضبط للتجارب النوويّة، أفرزت المعاهدة نظام مراقبة (NDDS) يَستخدم تقنيات متعددة: زلزالية، وصوتية مائية وغيرها، والهدف هو المراقبة والإبلاغ عن أي خرق للمعاهدة، وذلك عبر منظومة مجسّات موزّعة عبر العالم، وفي 337 موقعاً. تجمع هذه المجسات الداتا اللازمة في حال توفّرها، وترسلها إلى المركز الأساسي في فيينا للتحليل وتوزيع الخلاصة على الدول الموقِّعة على المعاهدة.

يختلف الخبراء حول إجراء الصين هذه التجربة. والأغلب أنه لا يمكن نفي، أو تأكيد المعلومة. لكن لماذا؟ لم تُرصد التجربة إلا من مركز واحد موجود في كازاحستان (PS23) وعلى الحدود مع الصين. رصد هذا المركز هزة أرضية بقوة 2.75 على مقياس ريختر وعلى مسافة 720 كيلومتراً داخل الأراضي الصينيّة، وهي هزّة خفيفة، اللهم إلا إذا كانت الصين تملك التكنولوجيا الحديثة لإجراء التجربة النووية وتخطّي نظام الرصد.

تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في عدد التجارب النوويّة بـ1121 تجربة، تليها روسيا بـ981 تجربة. أما الصين فتحتلّ المركز الخامس بـ48 تجربة فقط.

تملك الصين حالياً، وحسب بعض المصادر، نحو 600 رأس نوويّ. وهي تأتي في الترتيب بعد كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة الأميركيّة، لكنها تعد الأسرع في تصنيع الرؤوس النوويّة وذلك بمعدّل 100 رأس سنويّاً. والهدف هو الوصول إلى امتلاك 1000 رأس نووي بحلول عام 2030.

في التحوّل الصيني الجيوسياسيّ

يعود الفكر النووي الصيني، مثل مشروع امتلاك السلاح النووي، إلى الزعيم الراحل ماو تسي تونغ، الذي عدّ ذلك ضرورة للأمن القومي الصيني، والهدف كان الردع. وعليه، أطلق مشروع ما يُسمّى «قنبلتان وقمر اصطناعي واحد». قنبلة ذريّة، وأخرى هيدروجينيّة. كما القدرات الصاروخيّة-الفضائيّة. فكان أوّل اختبار نووي عام 1964. وفي هذا الإطار، ارتكزت العقيدة النوويّة الصينيّة على الأعمدة التالية: السلاح النووي لا يستخدم إلا للدفاع عن النفس وبعد الهجوم النووي عليها؛ ولن تسعى الصين إلى إلا التكافؤ (Parity) مع كل من روسيا وأميركا في عدد الرؤوس النوويّة، بل أن تتجاوز الضربة الأولى، مع القدرة على الردّ بعدها. وكي تُحقّق الصين مستوى ردعيّاً نوويّاً موثوقاً، عملت على تأمين «ثالوث الإطلاق»، (Triad) عبر البرّ والبحر كما الجوّ.

صواريخ «دي إف 5 سي» النووية الصينية خلال عرض عسكري في بكين 3 سبتمبر 2025 (رويترز)

في التسريع إلى الوضع الجيوسياسي الحالي

تغيّرت صين الرئيس تشي جيبينغ عن صين المؤسس ماو تسي تونغ. هي الآن تريد الخروج من قرن الذلّ، للتربّع على المرتبة الأولى عالمياّ وفي كل الأبعاد. تريد الصين الحالية استعادة جزيرة تايوان تحت مبدأ «دولة واحدة بنظامين». يؤمن الرئيس تشي بأن أحد أهمّ مقاييس القوة للدولة العظمى، وفي الظرف الحالي، هو عدد الصواريخ النوويّة التي تملكها هذه الدولة. وعليه، وبعد سقوط كل الضوابط والمعاهدات المتعلّقة بتنظيم وإدارة السلاح النووي، كان آخرها معاهدة (نيو-ستارت) التي انتهى مفعولها في 5 فبراير (شباط) 2026، تحرّرت الصين من أي ضوابط قانونيّة، فهي لا تملك آلاف الرؤوس كي تنضوي في النادي الأميركي-الروسي، حتى ولو طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب منها ذلك، لكنها تملك أكثر ممن هم في الترتيب الاخير للائحة الأعضاء في النادي النووي العالمي.

بكلام آخر يريد الرئيس تشي مزاوجة القوة الاقتصاديّة (ثاني اقتصاد بعد أميركا) والبشرية والإنتاجيّة، كما التحكّم بسلاسل التوريد في كثير من القطاعات، مع مستوى نووي متقدّم. كما يريد رسم منطقة نفوذ في محيطه المباشر. من هنا الحديث عن السلاح النووي التكتيكي. فلماذا يحق للرئيس ترمب العودة إلى عقيدة مونرو (1823)، ولا يحق لتشي إطلاق عقيدة صينية جديدة؟ لكن الأكيد، أن الرئيس تشي، وبعد مراقبة الحرب الروسية-الأوكرانية وأخذ الدروس منها، استنتج أن كميّة (كما تنوّع) الرؤؤس النووية مهمة لتحقيق الأهداف الجيوسياسيّة. كما أن استعمال الردع النووي (الاستراتيجي، التكتيكي)، والتهديد بالاستعمال كما يفعل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هو عامل مهم لحماية الحرب التقليديّة (Conventional War). فهل تنطبق هذه المقولة على عملية استرداد تايوان؟

صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية خلال عرض عسكري في موسكو (أرشيفية - رويترز)

في السلوك المُضاد للصين وروسيا

ترتكز المعضلة الأمنيّة (Security Dilemma) على ديناميكيّة خاصة بها لا يمكن ضبطها عادةً. فإذا حصلت الصين على قوة إضافية، فهذا يعني أنها تهدّد أمن الدول المجاورة. لذلك تسعى الدول المجاورة إلى أمرين مهمّين هما: التحالف للتعويض (Ganging up) أو السعي إلى الحصول على سلاح يُعوّض النقص ويُعيد التوازن. فهل ستسعى اليابان إلى السلاح النوويّ وهي قادرة، خصوصاً بعد التقارب بين الصين وروسيا، ورعايتهما لكوريا الشمالية؟ وهل ستسعى كوريا الجنوبيّة إلى امتلاك السلاح النووي وهي قادرة، وهي المُطوّقة بثلاث دول نوويّة معادية (الصين، وكوريا الشمالية، وروسيا)؟

في المقلب الآخر الأوروبيّ، هل ستسعى ألمانيا إلى امتلاك السلاح النوويّ، وهي قادرة تكنولوجياً، وذلك في ظل التحوّل الأميركيّ؟ هل ستسعى بولندا للسلاح النوويّ؟ هل يكفي السلاح النووي الفرنسي - الإنجليزي لخلق مظلّة نوويّة لحلف «الناتو» في حال غياب المظلّة النوويّة الأميركيّة؟

في الختام، يعيش العالم مرحلة انتقالية بين نظام عالمي هش لم يعد يتناسب مع التحوّلات الكبرى، ونظام مُرتقب لم يتشكّل بعد. وفي ظل غياب كامل للشرطي العالمي بعد تراجع «العم سام» عن هذه الوظيفة. يبدو أن السلاح المُضاعف للقوّة (Force Multiplier) إن كان بالنسبة إلى القوى الإقليمية الكبرى، كما للقوى الصغرى، يتمثّل جليّاً في السعي إلى امتلاك السلاح النوويّ.

Your Premium trial has ended