ترجمة الرواية العربية ومآزقها الأخلاقية الأدبية

بعد مأساة الحادي عشر من سبتمبر حدثت اندفاعة غربية للتعرّف على العالم العربي

فاروق مردم بيك  -  شهد الراوي  -  أحلام مستغانمي  -  رجاء الصانع
فاروق مردم بيك - شهد الراوي - أحلام مستغانمي - رجاء الصانع
TT

ترجمة الرواية العربية ومآزقها الأخلاقية الأدبية

فاروق مردم بيك  -  شهد الراوي  -  أحلام مستغانمي  -  رجاء الصانع
فاروق مردم بيك - شهد الراوي - أحلام مستغانمي - رجاء الصانع

يهجس معظم الروائيين العرب بترجمة رواياتهم إلى لغات الآخر، لتوسيع دائرة قرائهم، ورفع منسوب احتمالية فوزهم بجائزة عالمية، وهو حق لكل روائي مهما كان موقعه في خريطة الكتابة الروائية العربية. ولكن هذا التدافع الفردي غير المدروس للدخول في نادي الروائيين المترجمين ألا يخل بصورة الرواية العربية لدى الآخر، خصوصاً أن جُل تلك الترجمات إما مدفوعة الثمن أو مؤداة بمقتضى حفلة علاقات عامة مدبّرة؟ وكذلك هل يحق لأي روائي أن يلجأ إلى أي وسيلة، وبأي ثمن مادي أو أخلاقي، ليرى روايته مترجمة إلى لغة أخرى، بمعزل عن أي حيثية إبداعية؟ وما الذي يمكن أن تضيفه تلك الرواية المترجمة، المهملة على مستوى القراءة والنقد من قبل الآخر، إلى سيرة ورمزية الروائي العربي الذي يضع نفسه ومنجزه في موقع المتسوّل؟
الروايات العربية أيضاً المترجمة برعاية مؤسسات ثقافية هل وصلت فعلاً إلى الآخر؟ وهل أحدثت أي صدى يُذكر لدى قراء العالم؟ وأينه ذلك المؤشر القرائي الذي يمكن أن نحتكم إليه لنتعرف على المسافة التي قطعتها الرواية العربية المترجمة في ثقافات الآخرين؟ إذ لا تعليقات إعلامية ولا مراجعات أدبية ولا منصات ثقافية تؤكد الاحتفاء بقيمة تلك المتوالية من الروايات المكدسة في المخازن. وإذ لم يتمكن أي روائي عربي من نادي الروائيين المترجمين من اختراق المشهد الأدبي العالمي، والتحوّل إلى رمز روائي تطارده المحافل الأدبية العالمية، رغم كثافة الترجمات وتنوعها لعدد من الأسماء المتبناة مؤسساتياً، وهو ما يعني وجود خلل إبداعي إما في المنجز الروائي ذاته أو في النص المترجم.
واقع الترجمة للروايات العربية يتحرك بهرم مقلوب، فعوضاً عن سعي الآخر إلى ترجمة جانب من المنجز الروائي العربي بعد الاقتناع بكفاءته الإبداعية، يحدث العكس، حيث يهرول الروائي العربي ومؤسساته الثقافية إلى ترجمة بعض منجزه والتلويح به للآخر، فيما يبدو عرضاً سابقاً للطلب، خلافاً لما تقتضيه قوانين السوق الأدبية. وهنا، يمكن التغاضي عن هنات مثل هذه المبادرات التي تحاول اختراق ذائقة الآخر، وتعريفه بمنتجات أدبية يتفنن في تجاهلها، وعدم الاعتراف بقيمتها الأدبية. إلا أن السؤال ينبثق من زاوية أخرى حول المعيارية المتبعة لترشيح هذه الرواية أو تلك، وعن ميزان العدالة المفقود في التعامل الإبداعي العادل مع مجمل المنجز، الأمر الذي قد يغيّب رواية مستحقة لصالح رواية محمولة على رافعة المصالح والمحسوبيات اللاأدبية.
بعد مأساة الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، حدثت اندفاعة غربية في المقام الأول للتعرّف على العالم العربي من خلال مروياته، ولذلك نشطت الترجمة لعينات روائية معنية بموضوع الإرهاب، ولمتوالية من الروايات المتعلقة بنشأة الأفكار الجهادية، فيما يشبه التقصي الأنثربولوجي والسوسيولوجي والسيكولوجي لشروط إنتاج الفرد العربي الكاره للغرب، المتأهب لتدمير الحضارة الغربية ومنظومتها القيمية. وبالفعل، وجد الآخر ضالته في روايات ذات خطاب مباشر في هذا الحقل، بمعزل عن حرفية الأداء الروائي، أو هذا هو ما أراده الغربي في طور ما يمكن أن يُسمى «الترجمة الاستعمالية». وهو منحى ليس جديداً بالكامل، إذ تُرجمت روايات فلسطينية في مرحلة من المراحل لتفكيك شخصية المناضل الفلسطيني، كما قرئت من منطلقات سياسية واجتماعية، لا من منازعها الفنية. وبالمقابل، أسهمت بعض دور النشر والمؤسسات الأوروبية في الترجمة الانتقائية الغرضية لبعض الأعمال التي شكلت وقوداً لما عُرف بالربيع العربي، ليعود السؤال من منطلق آخر حول الترجمة كفعل ثقافي أخلاقي.
موجات ترجمة الرواية العربية لم تتوقف منذ جيل التأصيل الذي أعقب جيل التأسيس، حيث تُرجمت بعض روايات عبد الرحمن منيف وغسان كنفاني والطيب صالح وصنع الله إبراهيم وغيرهم، إلى جانب مجمل أعمال نجيب محفوظ بعد فوزه بجائزة نوبل، وصولاً إلى الجيل الحالي بارتداداته المتشظية في السوشيال ميديا، حيث تكاثرت الترجمات بموجب دوافع مختلفة تماماً عن شروط التماس التي حكمت المشهد ضمن اعتبارات أدبية، خصوصاً مع دخول الرواية العربية لعبة الأكثر مبيعاً (البيست سيلر) التي شكلت رافعة تجارية لروايات لا تمثل رحيق التجربة الإبداعية، بقدر ما بدت كحيلٍ تسويقية تدفع بالرواية إلى واجهة سوق الرواية المترجمة، وهو الأمر الذي ارتد بسلبية على مكانة وقيمة الرواية العربية في المشهد العالمي، هذا بالإضافة إلى وجود عدد من الروائيين في عواصم غربية مكنتهم مواقعهم وصداقاتهم من فرض رواياتهم ضمن مشاريع ومختبرات الترجمة، وهو ما تسبب في إعطاء صورة مزيفة عن رمزيتهم الأدبية وعن واقع الرواية العربية.
عندما تُترجم (أيام) طه حسين، بتقديم أندريه جيد، يكون للنص صداه الثقافي ورنينه الأدبي لدى الآخر، أما ترجمة منتجات البيست سيلر لأحلام مستغانمي وشهد الراوي ورجاء الصانع، وغيرهن من روائيي وروائيات اللحظة، فلها اعتبارات ثقافية مغايرة تماماً. ولذلك يصعب التفاوض مع أي روائي على استحقاق أو عدم استحقاق روايته للترجمة، كما لا يمكن إقناع أي مؤسسة بعدم كفاءة بعض رواياتها للترجمة، لأنها لا تعكس الصورة الحقيقية للإنسان العربي المسلم المتدنية في الغرب. وبالتالي، لا تحقق شيئاً من وظائف الترجمة، المتمثلة في إطلاع الآخر على أفضل المنتجات الروائية التي من خلالها سيحكم على عافية الرواية العربية، ومدى تماسها على مستوى الموضوع مع القضايا الإنسانية، واستجابتها من الوجهة الفنية لتقنيات الكتابة الحداثية وما بعد الحداثية، بما يترتب على ذلك من الانفتاح على الآخر، ومنازلته في معركة الهامش والمركز الثقافي، على اعتبار أن الترجمة فعل ثقافي نضالي معاند لهيمنة المركز، وليس مجرد محاولة استجدائية لنيل رضاه، وذلك في ظل النجاحات التي باتت تسجلها الأطراف من مختلف الثقافات في الفعل الروائي.
وبموجب هذا التصور الثقافي، تتأكد أهمية نشوء مشاريع نقد الترجمة لمحايثة تيار ترجمة الروايات الآخذ في التعاظم، سواء تلك المتبناة بواسطة مؤسسات ثقافية أو المعتمدة على جهود فردية. وذلك في ظل ظهور جيل من المترجمين الذين يفتقدون إلى الخبرة والرصيد، وربما الأمانة. وهذا المنحى النقدي يجب عليه مساءلة المنتج في مرحلة ما قبل الترجمة، إذ من الطبيعي أن ترشح المؤسسة الروايات الفائزة بالجوائز للترجمة، وإعطاء الأولوية للروايات الأكثر مبيعاً، وهذه مظاهر لا تعكس بالضرورة حيوية المشهد الروائي، لأنها في معظم الأحيان نتاج لعبة ترويجية تواطأ على تأدية فروضها الناشر ولجان التحكيم وقدرات الروائي على تسويق روايته في فضاء السوشيال ميديا. وفي المقابل، لا بد من إيجاد آلية لرصد كفاءة المترجمين، وتحديد مراتبهم في سوق الترجمة، إلى جانب ضرورة تأسيس راصد لقياس أثر الروايات المترجمة في الصحافة والمنابر الثقافية، كما يتوفر ذلك على المستوى الشخصي عند فاروق مردم بيك، المشرف على سلسلة (سندباد) المعنية بترجمة الآداب العربية إلى الفرنسية في دار النشر الفرنسية الشهيرة (آكت سود).
هكذا، تحول سؤال الترجمة من مخرج للانفتاح على العالم، واكتساب الاعتراف بالرواية العربية، إلى مأزق أدبي أخلاقي، إذ لا حوار حول متانة النص الروائي العربي وخصوصيته الثقافية، مقابل لهاث نحو معامل الترجمة. الأمر الذي ينذر بإنتاج روائي يعزز النظرة الإكزوتيكية التي يمتهنها الغربي إزاء المنجز الروائي العربي، وبتسلل الخطاب الاستشراقي إلى عمق الاشتغال الروائي العربي، وتحوله إلى مستعمرات أدبية، بالنظر إلى ما يستشعره الروائي العربي من أهمية القيم المركزية عند الآخر على مستوي الموضوع وتقنيات الكتابة. وكذلك تكريس المفهوم النيئ للمحلية كممرٍ للعالمية، وتضييق هذا المصب -أي العالمية- في حيز الترجمة، لا في الإنتاج الروائي المتسم بالاتساع والحيوية، والقدرة الفنية الذاتية على أن يتشكل كجزء من الذاكرة الإنسانية، أو كقطعة أدبية من النسيج الثقافي العالمي في مرحلة ما قبل الترجمة.

- ناقد سعودي



«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)
TT

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)

تُوّجت الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب، أمس (الخميس)، لتجربتها التي وُصفت بأنها «متفردة» وتمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية باحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»، حيث تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية ثيمات الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما عدّه كثيرون «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في كثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، و«إيروس» و«الحلو المر».


محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
TT

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج فنان سعودي يحمل موطنه معه في كل أعماله، يعبر عن بيئة الأحساء التي نشأ فيها بالصور والأفلام القصيرة وبالرسم وبالأعمال التركيبية، يرسم نخلات رشيقات بالفحم على الجدران ويستخدم تراب الواحة الغنية ويحوّله لعناصر حية تتشكل أمامنا وتختزل تلك العلاقة الأبدية ما بين الفنان وموطنه.

في معرضه الفردي الأول في لندن، الذي يحمل عنوان «القلب عش طير والعقل شبكة عنكبوت» يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

من العنوان يبدأ الفرج في حكاية قصص أعماله التي ينسجها من خيوط الذاكرة والمشاعر والقصص، الجزء الأول من العنوان، «القلب عش الطير»، يعبر عن الدفء والانتماء، بينما العقل، «شبكة العنكبوت»، ينشغل بالأفكار وتشابكاتها وتفريعاتها. بعنوان مثل هذا خارج من قلب الطبيعة يبدأ الفرج الرحلة معنا لاستكشاف معرضه.

من الأعمال في المعرض (الشرق الأوسط)

صور الذاكرة

يتحدث الفنان عن عمل يشغل مساحة ضخمة في العرض وهو عبارة عن مجموعة من الصور الفوتوغرافية الضخمة الموضوعة على الأرض بشكل متسق وفي الخلفية صورٌ أخرى تحتل جدار بأكمله.

تحتل صورة بالأسود والأبيض أغلب مساحة الجدار الخلفي، تصور أحد شوارع مدينته، نرى المباني والأشجار على جانب الطريق، هناك سيارات، ولكنها محجوبة بفعل صور أخرى موضوعة أمامها، تتقاطع صور الشارع مع صورٍ أخرى صغيرة مثبّتة فوقها؛ إحداها لمنظر غروب، وأخرى لطائر، وثالثة لشخص يتسلّق نخلةً لجني ثمارها.

صور من الذاكرة (الشرق الأوسط)

نعبر ببصرنا من الخلفية للمقدمة حيث تتناول بقية الصور مشاهد حياتية منها صور لنساء وأطفال على الشاطئ، رجل يجلس في غرفة تقليدية الطراز ولقطات أخرى.

يحمل العمل عنوان «كل ما أملكه هو هذه الإطارات، وأخشى أن أرمش فأفقدها»، يعبر عن الذاكرة ومحاولة الاحتفاظ بها. يصف الفنان الذكريات بأنها مثل «حفنة الرمل التي تتسرب من بين أصابعنا»، ويلجأ للكاميرا لمحاولة تجميد تلك اللحظات في صور، يقول: «أسرتني فكرة وجود أداة أو جهاز في حياتنا يتيح لنا الإمساك بذلك الشيء الذي نحاول التشبث به، رغم أن محاولاتنا غالباً ما تكون دون فائدة». ثم يضيف: «رغم ذلك أرى أن الكاميرا تمثل أعظم محاولة لالتقاط تلك الجوهرة».

تبدو طريقة عرض الصور أمامنا كمحاولة من الفنان لعيش التجربة مرة أخرى: «يراودني دائماً شعور بالإحباط بسبب الطبيعة ثنائية الأبعاد للصورة الفوتوغرافية، أي طريقة تمثيلها للذاكرة؛ إذ أتمنى لو كان بوسعي الدخول إلى داخل الصورة ورؤية عناصرها واحداً تلو آخر. وفي هذا العمل التركيبي نحاول تجسيد تلك الفكرة؛ حيث توجد صورة قد تظنها للوهلة الأولى، عند دخولك الغرفة، صورةً واحدةً متصلة، لكنك تكتشف عند الاقتراب منها أنها في الواقع مجزأة».

النخلات الباسقات وصورة العائلة (الشرق الأوسط)

الذاكرة تحمل أيضا تأثير المزارع والآبار وأشجار النخيل، تنطبع كلها بشكل أو بآخر في المعرض، تحضر أشجار النخيل في أكثر من عمل مرسومةً بالفحم على الجدران، تبدو نخلاته رشيقة، وتتدلّى ثمارها مثل أقراط الأذن كأنه يصور نساء عائلته، يشير إلى عملٍ أمامنا ويقول: «النخلة هي مثل برج ذاكرة بالنسبة لي؛ تمثل الصمود والقوة، وفيها كثير من العطاء... هي تمثل، بالنسبة إليّ، أشخاصاً من عائلتي».

العمل يصور 4 نخلات ويحمل عنوان «صورة العائلة»، يعلق أنه يجد في النخيل صور الأجداد والجدات ثم يضيف: «... والخالات بالذات، حتى من توفي منهن، أتذكرهن بصورة رومانسية جداً لأنهن من عالم ومن ثقافة مختلفة، ولهن اتصال عجيب جداً بالأرض».

حكاية البلبل

ننتقل لعمل منفصل يعتمد على مستطيل مكون من الرمل على الأرض وتنعكس عليه مشاهد فيلمية، يحمل اسم «تمرة المعرفة». ومرة أخرى نجد أنفسنا في الواحة بنخيلها ورمالها وطيورها، هذه المرة عبر الصورة والصوت والحركة.

يروي الفنان بصوته حكاية العمل ونستمع له خلال العرض عبر السماعات الشخصية، فتغدو التجربة ملموسة جداً، فالفنان - الراوي يحكي لنا شخصياً قصة العمل.

جانب من عمل «تمرة المعرفة» للفنان محمد الفرج (الشرق الأوسط)

لمحمد الفرج شغف بالحكايات والقصص والأمثال الشعبية، شغف يظهر في أعماله المختلفة وفي هذا العمل نعرف أن الحكاية من تأليفه هو شخصياً.

بطل قصته هو البلبل الذي نرى انعكاس صورته وهو يقفز على الرمل أمامنا، يقول الراوي: «يسمع البلبل حكاية متداولة تقول إن في كل نخلة تمرةً واحدة تحمل المعرفة الكونية كلها. مدفوعاً بالرغبة في الحصول على المعرفة يبدأ البلبل في أكل جميع الثمار في النخيل، وبالفعل يجد التمرة المنشودة ويأكلها ويحصل على المعرفة كما أراد، ولكنه يكتشف أن المعرفة حمل ثقيل جداً. عندما نعرف كل شيء تتحول المعرفة إلى نقمة. نفقد الدهشة والاكتشاف والفضول. عندما تعرف كل شيء، لا تعود قادراً على تغيير أي شيء».

يشير الفنان إلى فكرة القصة، خطرت له بعد نقاش مع أبناء شقيقته الذين تفاخروا بأنهم بمقدورهم معرفة كل شيء بفضل «تشات جي بي تي»، ويعلق: «الفيلم رسالة لي قبل أن يكون رسالة للناس، بأن لا تحاول أن تتحكم في كل شيء، واترك الحياة تسير بإيقاعها الطبيعي».

بالنسبة للبلبل كانت المعرفة الكاملة حملاً لم يستطع حمله فقرر التخلص منه ولجأ لصديق من الطيور ليساعده: «قال له صديقه تعال معي لنخرج للبرّ وسوف أعلمك ما يجب أن تفعله، هناك في الصحراء الخالية أشعل الصديق ناراً، وقال للبلبل: غرد بكل ما تعرفه في النار فهي سيدة النسيان»، ويغرد البلبل وينسى كل ما تعلمه.

ما تعبر عنه الرمال

في جانب من العرض 3 صور تلعب الرمال فيها دور البطولة، تُظهر تشكيلات مختلفة من الرمل، يطلق عليها الفنان عنوان «الرمال الزاحفة».

الفكرة خلف العمل أيضاً تأخذنا لعالم يعرفه الفرج جيداً، ويرتبط بذكريات الطفولة بشكل كبير: «الأمر بسيط للغاية؛ تأخذ حفنة من الرمل، وترميها في الهواء، وتلتقط صورة لها وهي تشكّل منحوتةً تدوم لجزءٍ من الثانية. هي مستوحاة من لعبة يمارسها الأصدقاء في لحظات اللهو. تتحول اللعبة البسيطة لدى محمد الفرج إلى سؤال عميق يحتاج لإجابة: تمثل (الرمية) السؤال، بينما تمثل الصورة التي تلتقطها للرمال المتساقطة الإجابة. الأمر أشبه بزيارة قارئة الطالع التي ترمي الحجارة لتخبرك بشيء ما؛ وما يتشكل من أشكال هو ما تبحث عنه... إنها سلسلة مثيرة للاهتمام للغاية بالنسبة لي؛ لأن الأشكال الناتجة عنها مذهلة وغير عادية».

«الرمال الزاحفة» ولهو الطفولة (الشرق الأوسط)

نخرج من المعرض محمّلين بصورٍ ومعانٍ وإحساسٍ بأننا زرنا واحة الأحساء عبر مشاعر محمد الفرج ولقطاته وتصاحبنا كلماته: «أنظر إلى مفهومي (الوطن) و(العائلة) بمعناهما الأوسع؛ فالحشرات هي أقاربي المفقودون منذ زمن بعيد والذين يرغبون في العيش على حسابي، والأبقار جيراني الصاخبون الذين بيني وبينهم (خلافات)، أما الطيور فتسأل عن أحوالي دائماً».


آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)
TT

آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)

الإعلان عن فوز الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب»، الخميس، أعاد تسليط الضوء على تجربتها التي تمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية كباحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»؛ إذ تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

الأديب البارز محمد سلماوي عدّ آن كارسون بمنزلة «الشاعرة التي حوّلت الكلاسيكيات إلى مختبر للفكر المعاصر كما خلقت منه أشكالاً إبداعية حديثة، ومن ثم جاء فوزها بجائزة (نوبل) تتويجاً لمسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، ترسخ خلالها اسمها كواحد من أكثر الأصوات الأدبية إثارة للتفكير في عصرنا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «علاقتها بالعالم القديم بدأت في المدرسة الثانوية، عندما وافق مدرس اللاتينية على تعليمها اليونانية خلال استراحة الغداء بناء على طلبها، وقد حصلت على الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية عام 1981، كما درّست الأدب اليوناني واللاتيني في جامعات كبرى مثل ماكغيل وبرينستون».

فوز آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب 2026» (لجنة نوبل)

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية «ثيمات» الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر، مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما اعتبره كثيرون بمنزلة «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في الكثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، وهي مفردة تعني «الليل» باليونانية القديمة، وتستعيد فيه صدمة فقدها شقيقها المقرب منها.

وأعربت كارسون مراراً، عبر تصريحات إعلامية، عن أنها «لا تسعى إلى مجابهة الموت أو تحديه كقدر محتوم يختطف أحباءنا، وإنما تسعى بكل بساطة لأن تصنع من العجز عن مواجهته حالة أدبية خاصة تتميز بالصدق في التعبير عما يكتنف الروح من جراح لا تبرأ بسهولة».

وُلدت الأديبة المتوجة بـ«نوبل» عام 1950 بمدينة تورنتو، ومن أشهر مؤلفاتها «سيرة ذاتية للأحمر» الذي تتناول فيه وحشاً يظهر في أسطورة «هيركليز» الشهيرة بجناحين حمراوين ويبعث على الخوف، لكنه يتحول عبر سطورها إلى كائن يمتلك مشاعر إنسانية، على نحو يدعو للتعاطف معه.

وأشار الشاعر والمترجم المصري عبد الرحيم يوسف الذي ترجم لآن كارسون كتاب «إيروس- الحلو المر»، الصادر 1986، والمأخوذ عن أطروحتها للدكتوراه بعنوان «أحب وأكره إذن أنا موجود»، إلى أنها «تتناول مفهوم الرغبة والعاطفة عند اليونانيين القدماء»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عالمها الإبداعي في نفس الوقت لا ينفصل عن إنسان العصر الذي تناقش أزماته الوجودية بعقل الباحثة وروح الشاعرة».

«إيروس» من الأعمال المترجمة لآن كارسون (غلاف الكتاب المترجم)

وعدّ الناشر المصري محمد البعلي، مدير دار «صفصافة» التي صدر عنها كتاب «إيروس»، فوز كارسون بمنزلة «انتصار للأدب الرفيع والجاد والذي يلامس هموماً حقيقية يعاني منها إنسان العصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنها «لم تراهن يوماً على البعد التجاري، ولم تلهث أمام (الموضات) الأدبية مثل (الأكثر مبيعاً)، وركزت فقط على التعبير عن مشاعرها بصدق».

وأوضح سلماوي أنه «ربما كان أهم ما يميز الأديبة الكندية هو رفضها القاطع للتصنيفات الأدبية، والتي قد يضع عليها البعض لافتة (رواية) أو (شعر)، حيث نجد أنها تدمج القصيدة بالنثر بالمقال بالترجمة بالتصوير الدرامي... فضلاً عن تعاونها مع فنانين بصريين ومصممي رقص ومخرجي أوبرا».

ولفت إلى أنها «دائماً ما كانت تردد أن الأدب ليس وظيفته (تخدير القارئ) وإنما (تحريك عقله)، وربما لهذا السبب بالضبط، بعد أربعين عاماً من الكتابة، لا تزال نصوصها تشعرنا بأننا نقرأ أدباً مختلفاً لم يُكتب من قبل».