«كانون» يفتخر بـ«فلسطينيته» ويجعل الذواقة يحلمون بطاولة فيه بنيويورك

بعد المطاعم اللبنانية ووجبات البحر المتوسط

TT

«كانون» يفتخر بـ«فلسطينيته» ويجعل الذواقة يحلمون بطاولة فيه بنيويورك

مناخ المطاعم في نيويورك هو الأكثر تنافسية، ليس فقط لتنوعها الذي يضم تقريباً كل المذاقات العالمية، وإنما أيضاً لكثرتها. ويضم مشهد مطاعم نيويورك تعددية غير متاحة في أي موقع آخر داخل أميركا، من مطاعم صينية ويابانية وهندية وإيطالية إلى وجبات أميركية سريعة ومطاعم شرق أوسطية يتخفى بعضها تحت اسم مطاعم البحر المتوسط.
ونظراً لوجود جالية يهودية كبيرة في نيويورك، تنتشر أيضاً مطاعم تخدم هذه الجالية وتوفر لهم وجبات «كوشر». ولا يخلو المشهد كذلك من مطاعم عربية ولبنانية توفر الوجبات «الحلال» لزبائنها.
ولكن الجديد في مشهد مطاعم نيويورك هو مطعم فلسطيني جديد يفتخر بالهوية الفلسطينية، ويقدم أطباقاً من المطبخ الفلسطيني. والمثير في المطعم أنه من الصعب الحجز فيه لأنه يبدو محجوزاً بالكامل كل ليلة. المطعم اسمه «كانون»، وهو اسم الموقد الفلسطيني التقليدي، ويملكه شاب فلسطيني اسمه طارق كان يعمل في الأصل محاسباً، وتحول قبل فترة إلى الاستثمار في المطاعم. ويملك طارق مطعمين آخرين في ضواحي نيويورك، ولكنهما يقدمان أكلات إيطالية تقليدية من جزيرة صقلية.
ويقع «كانون» في منطقة تشيلسي (في مانهاتن)، واعتبر البعض أنها مخاطرة أن يبدأ مطعم فلسطيني في مدينة نيويورك، نظراً لتكوينها الديموغرافي الذي قد يكون معادياً للفكرة. ولكن طارق نجح في التحدي، بل إنه غير المفاهيم السائدة عن المطاعم العربية السائدة في المدينة التي تتبع أطعمة الشوارع، ولا يقبل عليها إلا العرب، وتقدم أطعمة رخيصة.
«كانون» جاء إلى المشهد حديثاً، وسرعان ما انتشرت شهرته بصفته مطعماً فاخراً يقدم وجبات شهية. وهو يضرب الفكرة السائدة التي كانت جامعة نيويورك تحاول نشرها في بحث عن مطاعم المدينة، حيث أشار البحث إلى أن سكان المدينة لديهم استعداد لدفع أكثر من ضعف الثمن لتناول طعام يهودي في المدينة، بدلاً من الطعام العربي.
المطاعم الفلسطينية السابقة في نيويورك كانت تبدو مندسة بين المطاعم الشرق أوسطية، ولم تكن تعلن عن هويتها بصراحة، بل اكتفت بتقديم وجبات شرق أوسطية أو بحر متوسطية. وكان من النادر العثور على مطعم عربي يعلن أنه فلسطيني، إلا في أطراف المدينة ربما، مثل مطعم «تامورين» الذي يقع في الحي الشعبي بروكلين.
وفي بروكلين أيضاً اشتهر مطعم آخر، اسمه «شيفز تيبل»، يملكه فلسطيني من يافا اسمه مو عيسى، ولكنه اختار أن يقدم وجبات فرنسية ويابانية، ويتخلى عن المطبخ الفلسطيني. وهذا يعزز شجاعة طارق في اختياره تقديم الوجبات الفلسطينية في مطعمه من قلب مانهاتن. وهو لا يقدم مطعمه على أنه من النوع الفاخر، وإنما يترك نوعية الطعام تتحدث عن نفسها بصفته مطعماً يقدم نوعية شيقة من الوجبات بأسعار لا تقل عن المطاعم اليهودية المنتشرة في المدينة.
وحاول بعض الإسرائيليين التقصي عن هذا المطعم الذي يقدم نفسه بهوية غير معهودة في نيويورك، ولكن طارق شرح لهم ببساطة أن الأمر لا يتعلق بهوية أو أهداف سياسية، فهو يستقبل زبائن من جميع الجنسيات، ومن بينهم يهود وعرب، وأكد طارق أن تناول الطعام في «كانون» هو بعيد تماماً عن السياسة.
ويتجنب طارق المواجهات، خصوصاً مع الإعلام الإسرائيلي الذي يتابعه، ويقول إنه لا يتقصى كثيراً من أخبار المنطقة لأنها «توجع القلب»، على حد قوله. فالجميع يعتقد أن لديه حلولاً للصراع في فلسطين، ولكن الاستماع لهم يؤكد أن الأزمة سوف تراوح مكانها، ولذلك اختار طارق أن يركز على الطعام الذي لا يختلف عليه اثنان، ويرفض الخوض في القضايا السياسية.
ومن أسباب النجاح لمطعم مثل «كانون» أن الأميركيين بوجه عام اكتشفوا أن الأكلات العربية ليست فقط لذيذة الطعم، وإنما أيضاً صحية. والموجة السائدة في نيويورك الآن هي البحث عن الطعام الصحي. وكان افتتاح كثير من مطاعم الشرق الأوسط في المدينة وراء التعرف على وجبات عربية، وتزايد الإقبال عليها.
كما أن نيويورك الآن تعد مدينة كونية مصغرة بها كل أجناس العالم، وتربط الإنترنت بينها وبين العالم. وتعرف سكان نيويورك منذ أكثر من 3 عقود على سندويتشات الفلافل والشاورمة، ويعتبرونها المنافس الأفضل للبرغر السريع و«الهوت دوغز» التي تشتهر بهما المدينة تقليدياً.
ولكن هذه المواصفات العالمية في وجبات المدينة تقدمت خطوات أخرى في السنوات الأخيرة، كما يقول طارق، إلى درجة أن البعض يطلب الزعتر الفلسطيني من جنين وطولكرم، ويجده متاحاً في نيويورك.
ويعرف طارق أن الوجبات الفلسطينية أكثر تعقيداً من مجرد وجبات الشوارع التي يعرفها أهل نيويورك، وهي تحتاج إلى كثير من الوقت والجهد لتحضيرها. وكل محتويات هذه الوجبات يجب أن تكون طازجة، كما أن اللحوم المستخدمة يجب أن تكون من أفضل النوعيات.
ولذلك يرتفع مستوى أسعار مطعم «كانون» عن أسعار المطاعم الأخرى التي تقدم الفلافل والشاورمة كوجبات يومية.
ويبلغ ثمن وجبة رئيسية ومقبلات بين 40 و50 دولاراً، وتشمل التكلفة العمل من موقع أرستقراطي مثل تشيلسي ترتفع فيه الإيجارات. ومنذ افتتاح «كانون» في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي والموقع محجوز بالكامل يومياً. ويرى طارق أن أفضل دعاية للمطعم هي شهادة زبائنه، وأنه لا يتكلف أي دعاية أو علاقات عامة خاصة بالمطعم.
ومن مزايا العمل في نيويورك أن زبائن المطاعم يريدون تجربة وجبات جديدة. ويقول طارق إن المطعم الفلسطيني يشتهر في نيويورك، بعكس لو افتتح مطعماً صينياً في قريته الفلسطينية، فهناك لن يدخل أحد إلى المطعم الصيني. في نيويورك، يبحث البعض دوماً عن مطاعم ومذاقات جديدة لتجربتها.
العناية بالتفاصيل أيضاً من أسباب نجاح المطعم الفلسطيني «كانون»، حيث يذهب طارق يومياً إلى سوق منتجات الفلاحين في ميدان «يونيون سكوير» في نيويورك، ويختار بنفسه الخضراوات التي يحتاج إليها المطعم. ويتذوق أحياناً بعض الخضراوات بنفسه قبل التعاقد عليها للتأكد من نكهتها ونوعيتها، وهو يقوم بالمهمة بنفسه لعدم وجود العمال الذين لديهم الخبرة الكافية بوجبات الشرق الأوسط، وهي من الصعوبات التي تعترض نشاطه في افتتاحه لأكثر من مطعم. ومن بين فريق العمل معه لا يوجد إلا عامل واحد فقط من أصل فلسطيني من رام الله.
ولكن ما الذي دعا طارق إلى الذهاب والإقامة في نيويورك؟ يؤكد في أكثر من تعليق إعلامي أن التفرقة في إسرائيل ضد الفلسطينيين هي السبب، فهو من عائلة تضم 4 أشقاء و4 شقيقات تعيش في قرية في شمال إسرائيل، وتعمل بالزراعة على مساحة 50 دونماً تملكها.
وكان طارق يعمل في المزرعة من الخامسة صباحاً حتى موعد المدرسة التي ذهب إليها في عمر الثامنة. وفي الجامعة، درس طارق الاقتصاد والمحاسبة في جامعة القدس، ثم عمل محاسباً في شركات، منها برايس ووترهاوس. وعمل طارق معيداً في الجامعة إلى أن حصل على ماجستير إدارة الأعمال. وتنقل طارق في عدة مدن فلسطينية، ولكن رغم رغد العيش، فإنه كان يشعر دوماً بأن المعاملة لم تكن بناء على قدراته وكفاءاته، ولكن بناء على عدم القبول له لأنه عربي.
«التفرقة موجودة (في إسرائيل)، وأنا عانيت منها في جوانب متعددة، حتى عندما أردت استئجار شقة». ومهما كانت درجة نجاح العربي، فهو سيظل «الآخر» في عيون الآخرين داخل إسرائيل. وقرر طارق الذهاب إلى نيويورك في أول رحلة له للمدينة التي صادف سفره إليها يوم 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وتحولت رحلته إلى كندا، ليصل إلى نيويورك بعد ذلك بـ3 أيام.
وبعد وصوله، وتجربة المعيشة في المدينة، اكتشف طارق معنى أن يعيش الإنسان حراً، أن يتحدث بأي لغة يشاء، ويتحرك بحرية وبلا رقابة. وبلا تردد، قرر طارق أنها المدينة التي يريد أن يعيش فيها، وبدأ أعماله حتى انتهى به المطاف لافتتاح مطعمه الفلسطيني، بعد رحلة كفاح كان يعمل خلالها يومياً من الخامسة صباحاً حتى ساعات الليل المتأخرة.

- وجبات مطعم «كانون» بها لمسات مبتكرة
يقول طارق إن زبائن المطعم يطلبون وجبات تقليدية، ولكن بلمسات عصرية. فبدلاً من حشو أوراق العنب بالأرز أو الأرز واللحم، يقدم مطبخ «كانون» أوراق العنب المحشوة بالفريك الذي يعده أفضل من الناحية الصحية.
ويقدم المطعم أيضاً وجبة المجدرة التي يقدمها بشكل جديد يشبه كرات البطاطس المقلية، مع إضافة الجبن الأبيض. ولا تخلو طاولة في المطعم من الحمص الذي يصفه طارق بأنه الأفضل في نيويورك.
ومن الوجبات الأخرى «المحمرة» التي تحتوي على الفلفل والرمان والمكسرات. ويصنع المطعم اللبنة الخاصة به، وفق وصفة فلسطينية بالزعتر كانت تقدمها والدته الفلسطينية. ويضيف طارق أن التبولة التي يقدمها مطعمه تختلف عن الأنواع الأخرى لأنها تحتوي على نكهات الليمون وعلى حبوب الرمان.
ويقول طارق إن الوجبة المفضلة لديه على قائمة الطعام هي الكفتة التي يتم طهيها في الفرن، وتأتي بصلصة الطحينة. ومن الوجبات المشهورة الأخرى «المقلوبة» التي تتكون من أرز بسماتي ولحم ضأن وباذنجان وقرنبيط وجزر وطماطم وتوابل.
ويقدم طارق الوجبات التي تروق لزبائن نيويورك، ولا يملي عليهم أكلات غير معهودة، ولذلك فهو لا يقدم الملوخية التي لا يقبلها الأميركيون، على الرغم من أنها وجبة فلسطينية وشرق أوسطية مشهورة.
ومن الحلويات التي يشتهر بها مطعم «كانون» الكنافة، وهو يقدمها فردية لمن يطلبها، وليست جزءاً من صينية كبيرة، كما تفعل المطاعم الأخرى. وهو يقدم 3 أنواع من الكنافة، ومعها عسل السكر الذي يضيف منه الزبائن الكمية التي تروق لهم إلى أطباق الكنافة. والسبب كما يقول هو أن «أهل نيويورك يتبعون ريجيماً (حمية غذائية) طوال الوقت، ولا يفضلون كميات كبيرة من السكر».


مقالات ذات صلة

الشيف عمر السيف: المطبخ السعودي كنز لم يُستثمر بعد

مذاقات الشيف عمر السيف: المطبخ السعودي كنز لم يُستثمر بعد

الشيف عمر السيف: المطبخ السعودي كنز لم يُستثمر بعد

في كل مرة تُعرض فيها صورة طبق على الشاشة، تمرّ سريعاً... تُرى، تُعجب، ثمَّ تُنسى. لكن ما يقدّمه الشيف عمر السيف لا يمرّ بهذه السرعة

أسماء الغابري (جدة)
مذاقات من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

في مطابخ الأسر المصرية يكاد يكون الأرز رفيقاً دائماً للمائدة، وأحد أكثر المكونات التصاقاً بـ«الطبخة البيتية».

نادية عبد الحليم (القاهرة)
مذاقات الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)

طهاة عالميون يكشفون عن الطبق الذي غيَّر حياتهم

يمر كل طاهٍ عظيم بلحظة يحوّل فيها طبق واحد مسار رحلته في عالم الطهي؛ طبق يثير الفضول أو يتحدى التقاليد أو يكشف عن قوة النكهة بطريقة لم يختبرها أحد من قبل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات جلسات خارجية في معظم مطاعم فيينا (الشرق الأوسط)

«فيينا بايتس» حملة تعرّف الزوار بالأطباق والمطاعم النمساوية

تفاجئ مدينة فيينا الساحرة بالتاريخ، والثقافة، والموسيقى والعمارة، والطبيعة الخلابة زوارها هذا العام من خلال إبراز جانب آخر يتمثل في مشهد الطهي المتجدد.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
مذاقات سالو... أطباق تبدو مكلفة في أجواء بعيدة عن التكلفة

سالو... أطباق تبدو مكلفة في أجواء بعيدة عن التكلفة

من الصعب إيجاد مطعم يقدم أطباقاً عصرية وراقية ولكن في أجواء بسيطة، فالمعروف عن المطاعم التي تقدم مأكولات شبيهة باللوحات الفنية ونكهات تضاهي المطاعم المكللة...

جوسلين إيليا (لندن)

الشيف عمر السيف: المطبخ السعودي كنز لم يُستثمر بعد

رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
TT

الشيف عمر السيف: المطبخ السعودي كنز لم يُستثمر بعد

رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)

في كل مرة تُعرض فيها صورة طبق على الشاشة، تمرّ سريعاً... تُرى، تُعجب، ثمَّ تُنسى. لكن ما يقدّمه الشيف عمر السيف لا يمرّ بهذه السرعة؛ لأن ما يضعه أمامك ليس طعاماً فقط، بل تجربة كاملة محمّلة بالشعور.

يقول السيف لـ«الشرق الأوسط»: «لا أريد للناس أن يكتفوا بالمشاهدة... أريدهم أن يشعروا». بهذه الفكرة تبدأ حكايته.

لم يدخل السيف هذا العالم من بوابة الطهي التقليدي، ولا عبر وصفات محفوظة أو مسار واضح، بل كانت البداية فضولاً، وتجربة، ورغبة في الابتكار. ثم جاءت اللحظة التي أعادت تعريف كل شيء: «اكتشفت أن الطبخ ليس مجرد أكل... بل هو لغة وثقافة وهوية». من هنا تغيّر الاتجاه، وبدأ البحث في مساحة أقرب إليه... الثقافة السعودية. ويضيف: «لدينا كنز ثقافي كبير، لكنه لم يُستثمر بالشكل الذي يستحقه».

محاكاة صندوق أفندي كامل بكيك الأفندي (إنستغرام)

حين تصبح المبخرة قطعة تُؤكل في إحدى تجاربه، لم يقدّم طبقاً تقليدياً، بل صنع مشهداً كاملاً من الذاكرة: مبخرة سعودية مصنوعة من الشوكولاته، وطفل يحمل الحلوى... أيضاً من الشوكولاته. المشهد بسيط في ظاهره، لكنه مشبع بالدلالات: رائحة البيوت، وتفاصيل الضيافة، وصورة «ولد الحارة» بكل ما تحمله من دفء وعفوية. يقول: «لم تكن مجرد تصاميم... كانت تحكي قصة: من نحن؟ وما قيمنا؟ وكيف كنا نعيش؟».

هندسة الطبق... أو كيف يُبنى الإحساس

يعتمد في عمله على ما يسميه «هندسة الطبق»: تفكير دقيق في الشكل، وتوزيع العناصر، وتوازن الألوان، واستخدام الفراغ. كل ذلك لا يأتي لإبهار العين فقط، بل لتهيئة تجربة تبدأ بصرياً وتستمر شعورياً.

فالطبق، في هذه الحالة، يتحول إلى مساحة تعبير، لا إلى مجرد وجبة.

مبخرة بالشوكولاته (إنستغرام)

الصحراء... حيث يصبح الطبق صادقاً

لا يقدّم أعماله داخل استوديوهات مغلقة، بل يخرج بها إلى الصحراء، وإلى الخيام، وإلى البيوت القديمة.

هناك، حيث التفاصيل حقيقية، يتكوّن المشهد. يقول: «لا أختار المكان لأنه جميل فقط بل لأنه يحمل شعوراً». ويضيف: «إذا أردت أن تنقل إحساساً حقيقياً، فلا بد أن تضعه في بيئة صادقة». في هذه المساحات، لا يكون الطبق عنصراً منفصلاً، بل يصبح امتداداً للمكان.

ضد السرعة... وضد «الترند»

في عالم اعتاد على استهلاك الطعام بوصفه محتوى سريعاً، يطرح رؤية مختلفة تماماً: «الناس اعتادت أن ترى الطبخ كشيء سريع وعابر... بينما أراه قصة وهوية». هذا الطرح خلق تحدياً واضحاً: كيف يمكن إبطاء عين اعتادت السرعة؟ الحل جاء عبر التوازن: محتوى بصري جذاب يحمل في داخله رسالة أعمق.

مُجسَّم ولد الحارة بالشوكولاتة (إنستغرام)

ما بعد المشاهدة... اللحظة الأهم

بالنسبة له، لا يُقاس النجاح بعدد المشاهدات، بل بما يبقى بعد انتهاء المشهد؛ في اللحظة التي يدرك فيها المتلقي أن التراث ليس ماضياً جامداً، بل مادة يمكن تطويرها وتحويلها إلى مشاريع معاصرة. يقول: «يمكن أن تنسى كلمات كثيرة، لكن من الصعب أن تنسى طعماً أو شعوراً». هنا تكمن قوة الطعام.

فهو يدخل إلى الذاكرة مباشرة، ومن خلاله تنتقل القيم: الكرم، والعادات، وتفاصيل الحياة اليومية، دون حاجة إلى شرح.

ولا يفصل بين الإبداع والاستدامة: «الإبداع يجذب، والاستمرار يحتاج إلى فكر اقتصادي». لهذا يعمل على تطوير محتوى يمكن أن يتحول إلى تجربة أو منتج، يضمن بقاء الفكرة وانتشارها.

ما يخطط له يتجاوز حدود الشاشة. يسعى إلى تقديم تجربة متكاملة يعيشها المتلقي بكل حواسه؛ فلا يرى القصة فقط، بل يكون جزءاً منها. «أبغى الشخص يعيش القصة، مو بس يشوفها».

في النهاية، ما يقدّمه عمر السيف لا يتوقف عند حدود الطبخ، بل يفتح سؤالاً أعمق: ماذا يحدث عندما تُقدَّم الهوية على طبق؟


من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز
TT

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

في مطابخ الأسر المصرية يكاد يكون الأرز رفيقاً دائماً للمائدة، وأحد أكثر المكونات التصاقاً بـ«الطبخة البيتية».

ورغم بساطته، فإن الأرز يحمل حضوراً كثيفاً يتكرر معه مشهد «الكمية المتبقية» التي قد لا تجد طريقها إلى طبق جديد بالنسبة للكثيرين؛ حيث تتراجع إلى الثلاجة لبضعة أيام قبل أن تنتهي في سلة المهملات، وسط اعتقاد راسخ بأن بقايا الأرز فقدت قيمتها، ولم تعد صالحة لأي استخدام.

غير أن هذا الاعتقاد، كما يؤكد الطهاة، يبدد فرصة مدهشة لإعداد أطباق شهية ومشبعة يمكن أن تغير ملامح مائدة كاملة من دون تكلفة أو جهد يُذكر.

وهو ما دفع بعض الطهاة المصريين نحو تقديم أفكار مبتكرة متنوعة، تعيد تقديم الأرز المتبقي باعتباره عنصراً مساعداً على صنع وجبات لذيذة ومنزلية الطابع، من تلك الوصفات التي تحمل دفء البيوت وذكريات الجدات، أو قد تكون مستلهمة من أطباق عالمية

الشيف المصري وليد السعيد (الشرق الأوسط)

الأرز بطبيعته قادر على امتصاص النكهات، وعلى حمل التوابل واحتضان المكونات الجديدة، بحيث يتحول مع كل لمسة بسيطة إلى طبق يولد من جديد، وفق الشيف وليد السعيد، مشيراً إلى «أن هذا هو ما جعل كثيراً من المطابخ العالمية تنظر إلى (الأرز البايت) أو الأرز المتبقي من طبخة حضرت قبل يوم أو أكثر، باعتباره مادة خاماً جاهزة لابتكار وصفات لافتة، تعكس ذوقاً جديداً وروحاً مختلفة».

وتنسجم هذه الرؤية مع موجة عالمية تدعو إلى التقليل من الهدر، والنظر إلى فائض الطعام بوصفه جزءاً من مطبخ واعٍ لا مجرد بقايا منسية.

وبالنسبة للشيف المصري، فإن الأرز لا يبدو مجرد طبق جانبي بقدر ما هو مكون مرن يصلح أن يكون أساساً لوجبة كاملة، كما يمكن أن يتحول إلى عنصر ثانوي يضبط توازن النكهات داخل الطبق. ويرى «أنه لا حاجة لتكرار الطهي يومياً، ولا مشكلة في طهو كمية إضافية عمداً من الأرز لاستخدامها خلال الأسبوع».

في السلطة يلعب الأرز دور المساحة العازلة بين الحموضة والملوحة والبهارات

ويرجع ذلك إلى أن الخبرات المنزلية تؤكد أن أفراد الأسرة غالباً لن يتعرفوا إلى أن الوجبة الجديدة خرجت من بقايا الأمس، طالما منحتها لمسة نكهة مشرقة تعيد إليها الحياة. وقد تكون تلك اللمسة عصرة ليمون، أو رشة زيت زيتون، أو بعض الأعشاب الطازجة، أو بهارات غير مألوفة.

ومع ذلك، يبقى الالتزام بمعرفة حدود سلامة الطعام أمراً مهماً؛ فإذا بقي في الثلاجة فترة طويلة أو ظهرت عليه علامات التلف، فالسلامة أولى من التجربة.

سلطة التاكو أو الكوب

ويرى الشيف أن كثيراً من وصفات الشارع الآسيوي والعربي، خصوصاً تلك التي تعتمد على المقلاة الساخنة، صُممت أصلاً لتناسب الأرز المطهو مسبقاً، ويلفت إلى أن «الحيلة الذهبية» تكمن في طرح السؤال التالي قبل أن يصل «الأرز البايت» إلى نهاية عمره في الثلاجة: إلى أي طبق يمكن أن ينتمي بعد تعديلات بسيطة؟

هنا يبدأ الشيف بأبسط الأفكار وأكثرها نجاحاً، وهي إضافته إلى السلطات؛ فمن خلال توزيع قليل من الأرز على طبق السلطة، يتحول الطبق من مقبلات إلى وجبة متكاملة، خصوصاً إذا أضيف إليها بروتين موجود في الثلاجة مثل الدجاج المشوي المفتت، أو قطع اللحم المتبقية من اليوم السابق.

ويمكن أيضاً الاعتماد على السلطة اللاذعة مثل سلطة التاكو أو الـ«كوب»؛ حيث يلعب الأرز دور «المساحة العازلة» بين الحموضة والملوحة والبهارات؛ فيمنح الطبق تماسكاً وتوازناً مطلوبين.

ثم ينتقل السعيد إلى طبق آخر يجد فيه الأرز المتبقي فرصة لظهور جديد، وهي العصيدة أو الكونغي، وهو طبق دافئ يمكن تحضيره في دقائق، ويقترحه دائماً لمساءات العطلات.

ويقدم وصفة سريعة، وهي طهي بقايا الأرز مع الماء أو المرق حتى يبدأ في التفتت، ويتحول إلى مزيج كريمي، ثم تضاف إليه مكونات تمنحه طابعاً شرق آسيوي أو عربياً بحسب الرغبة. مع إضافة بعض الخل، والصويا الخفيفة، وزيت الفلفل الحار، والبصل الأخضر، والفول السوداني المطحون، وربما نقانق أو بواقي دجاج أو بيضة نصف مسلوقة.

ويؤكد السعيد أن «الكونغي» من الأطباق التي تتسع لأي إضافة تقريباً؛ فحتى الخضراوات المطبوخة مسبقاً أو بقايا اللحم يمكن أن تتحول إلى لمسة قيمة بداخله.

وصفات تقدم الأرز المتبقي في وجبات لذيذة ومنزلية الطابع من شيف وليد السعيد (الشرق الأوسط)

«ياكي أونيغيري» اليابانية

وفي مساحة أخرى من مطبخ السعيد، يظهر الأرز المقرمش، ويقدم طريقته قائلاً: «بوضع الأرز في مقلاة مدهونة بالزيت، وضغطه على هيئة طبقة واحدة، ثم تركه حتى يبرد ويتماسك». ويتابع: «يتحول عبر القلي الخفيف إلى كعكات ذهبية مشابهة لـ(ياكي أونيغيري) اليابانية، ويمكن تقديمها مع شرائح السلمون أو التونة النيئة المتبلة، أو حتى الأفوكادو، مع رشة صويا أو زيت فلفل حار».

ويشير إلى أن «تناسب هذه الطريقة أيضاً إضافته للسلطات على هيئة (فتات مقرمش) يمنحها ملمساً مختلفاً ورائحة جوزية خفيفة».

أما الأرز المقلي بنسخه المتعددة، فهو الوصفة الأكثر انسجاماً مع بقايا الأرز، كما يوضح السعيد، ومنها أرز السلمون بالكيمتشي، وأرز الدجاج، أو النسخ النباتية التي تعتمد على التوفو والخضراوات فقط.

ويرى أن سر نجاح الأرز المقلي هو أن يكون الأرز (بارداً) ومتروكاً لليلة داخل الثلاجة؛ فذلك يمنع تلاصقه مع باقي المكونات، ويمنحه قدرة على القرمشة عند ملامسته لحرارة المقلاة.

ويختتم السعيد أفكاره بوصفة «الحشوة» التي يستثمر فيها الأرز ليصبح جزءاً من مزيج سميك غني بالنكهة، موضحاً: «إضافة الأرز إلى حشوات الخضراوات أو الدواجن تمنحها ثراءً وقواماً ممتلئاً».

بقايا الريزوتو فرصة ثمينة لتحضير الأرانشيني

«الأرانتشيني الإيطالية»

أما الشيف عصام راشد، فيميل إلى المزج بين المذاق الشرقي والمتوسطي، ويرى أن الأرز المتبقي يصلح لأن يكون مادة خاماً لأطباق غير متوقعة.

ويبدأ بما يسميه «الوجبة الكاملة في مقلاة واحدة»؛ إذ يُحمّر الثوم والحمص في قليل من الزيت، ثم يُعاد الأرز نفسه إلى المقلاة حتى يصبح مقرمشاً ومليئاً بنكهة التحمير، قبل أن يُخلط مع خليط الحمص والثوم.

وتُضاف إليه فواكه مجففة مثل التمر أو المشمش أو الكرز، مع الكاجو المحمص، وينتهي بطبقة من الزبادي الكثيف مع عصرة ليمون.

ويرى أن هذا الطبق «يجمع بين الشرق والغرب في وصفة واحدة»، كما يناسب الوجبات السريعة التي لا تتطلب وقتاً أو إعداداً معقداً.

ويشير راشد إلى أن الريزوتو من الأصناف التي يصعب الاحتفاظ بها لليوم التالي؛ بسبب فقدان قوامها الكريمي، لكنه يراها فرصة ثمينة لتحضير «الأرانشيني الإيطالية»، وهي كرات الأرز المحشوة بالموزاريلا والمقلية، ويعتبرها «طريقة أنيقة» لإعادة تقديم بقايا طبق فاخر دون أن يفقد رونقه.

الأطباق المتوسطية

وتمتد أطباق راشد إلى الأطباق المتوسطية، فيقترح الاستفادة من بقايا الخضراوات عبر تقطيعها إلى مكعبات وتحضير طبق أرز متوسطي نباتي غني بالطماطم والفلفل والأعشاب.

ويشير إلى أن إضافة صلصة مناسبة قد تغير هوية الطبق بالكامل؛ فمثلاً، يمكن تحويل بقايا الديك الرومي إلى طبق جديد بإضافة صلصة التوت البري، أو صلصة مشابهة، ثم تقديمه فوق أرز الياسمين الساخن.

ثم ينتقل راشد إلى الأطباق المكسيكية، حيث يعلّق بأن الأرز المتبقي «وُلد ليكون داخل البوريتو»؛ فبدلاً من لف الخضراوات بخبز التورتيلا، يتم مزج الأرز مع الجبن والطماطم والفاصوليا والبصل؛ مما يمنح الحشوة تماسكاً وطعماً غنياً.

ويلفت راشد إلى أن «نجاح إعادة تدوير بقايا الأرز يعتمد على بعض القواعد التي تؤثر مباشرة في طعمه وقوامه؛ فإعادة التسخين في المايكروويف، رغم سهولته، قد تفسد المذاق، بينما يمنح التسخين في الفرن أو المقلاة فرصة أفضل للحفاظ على جودته».

وانتهى راشد إلى أن الاحتفاظ بمواد أساسية في المطبخ مثل الفاصوليا المعلَّبة والمكسرات والحمص قد يساعد في تحويل الأرز المتبقي إلى وجبة غنية بالبروتين دون مجهود إضافي.


طهاة عالميون يكشفون عن الطبق الذي غيَّر حياتهم

الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)
الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)
TT

طهاة عالميون يكشفون عن الطبق الذي غيَّر حياتهم

الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)
الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)

يمر كل طاهٍ عظيم بلحظة يحوّل فيها طبق واحد مسار رحلته في عالم الطهي؛ طبق يثير الفضول أو يتحدى التقاليد أو يكشف عن قوة النكهة بطريقة لم يختبرها أحد من قبل. بالنسبة إلى البعض إنه مذاق البيت، الذي يمثل مصدر إلهام لعمر من الطهي، وبالنسبة لآخرين إنه إبداع جريء يعيد تعريف ما يمكن أن يصبح عليه الطعام. اكتشف الأطباق التي ساعدت في رسم وتحديد مسار أولئك الطهاة البارزين على مستوى العالم.

الشيف علي الغزاوي

لقد غيَّر طبق الكبّة النيئة كل شيء بالنسبة لنا، فهو بمثابة النظير الشامي لطبق التارتار البقري المفري جيداً أكثر مما هو مقطّع يدوياً. وأعدّه باستخدام لحم بقري متبّل بمزيج من الريحان والبردقوش والنعناع، ثم أضع في النهاية إلى جواره على الطاولة البرغل المقرمش والبصل المخلل وكريمة الثوم الخفيفة. بدلاً من البصل والثوم النيئين اللذين قد يكون لهما مذاق قوي، يحقق ذلك توازناً بفضل المذاق الحلو البسيط الكريمي. وأقدم هذا الطبق مع باقة من الخس والنعناع الطازج وقرون البازلاء والتي تُزرع جميعاً في المطعم، إلى جانب وضع لمسة أخيرة من زيت الزيتون من بلدتي إربد التي يوجد بها شجر زيتون يزيد عمره على 1200 عام. إن الكبّة النيئة في عمّان طبق رئيسي في مطابخ العائلة، وقد أردت أن أمنح المطعم روحاً أردنية. وأقدم عملاء، كانوا يتفادون اللحم النيء، على تجربته هنا للمرة الأولى وقد أحبوه. لم يكن بالنسبة لي مجرد طبق مميز، بل نقطة تحول يلتقي فيها التقليد بالابتكار، وتجتمع من خلاله الهوية الأردنية بالتأثيرات الخارجية في طبق واحد.

الشيف كلفين تشيونغ (أفضل 50 مطعما)

الشيف كلفين تشيونغ

عندما أفكر في نقاط التحول في مسيرتي المهنية، دائماً ما يعيدني عقلي إلى بلدة دينانت الهادئة في بلجيكا والتي تشبه البلدات في القصص، حيث حصلت على أول وظيفة لي خارج مطاعم عائلتي. حتى ذلك الحين كنت قد نشأت في مطابخ والدي الصينية في تورنتو وشيكاغو اللتين كانتا تتسمان بالقسوة والطابع الحضري. كانت بلجيكا على العكس من ذلك تماماً، فهي هادئة غنية بالخضرة ومتصلة بالأرض بشكل عميق. كانت توجد بمحاذاة المطعم حديقة من الخضراوات، والأهم من ذلك بِركة مياه صغيرة، حيث كنا نضع السلمون الحي. كان السلمون المرقط الأزرق من أطباقنا المميزة، حيث كنا نصطاد السمك قبل لحظات من طهوه ونسلقه مع الخل والأعشاب التي نحضرها من حديقتنا. لقد كان طبق يحمل مذاق النهر والريف. لقد غيّرني هذا الطقس، فحينما يطلبه أحد رواد المطعم، كان عليّ مغادرة المطبخ، واصطياد سمكة سلمون مرقط على مرأى من الجالسين في قاعة الطعام، ثم أنظفه وأعدّه. لم تكن هناك طرق مختصرة، فقط احترام الحياة التي تم أخذها، ومسؤولية توقيرها من خلال الدقة والنكهة. لقد علمتني تلك التجربة أن الطعام أكبر من مجرد طريقة، إنه قصة واتصال بين الأرض والمنتج والطاهي والعميل.

الشيف غاريما أرورا (أفضل 50 مطعما)

الشيف غاريما أرورا

بالنسبة لي طبق «تندوري ستوري» هو طبق غيّر مساري. إنه يوجز كل ما نحاول تقديمه إلى عملائنا. لطالما انجذبت إلى الخضراوات والفاكهة؛ لأن الطهو الهندي يتضمن طريقة جميلة في التأكيد على أعمق نكهات البلاد، ومن طرقي المفضلة للقيام بذلك الطهو على النار فهي طريقة واضحة وبدائية، ومع ذلك غير متوقعة وتحويلية. إن المكون الأساسي في طبق «تندوري ستوري» هو فاكهة الدوريان. ربما يقول البعض إنه يناسب أصحاب الذوق الخاص، لكنني أعتقد أن ذلك يعتمد على الطريقة التي تطهوه بها. بينما يتعلق بهذا الطبق تحديداً، نشويه في فرن التندور حتى يتحول إلى هذا الزبد المدخّن الذي يشبه نخاع العظم. إن مشاهدة العملاء وهم يتناولون القضمة الأولى، ورؤية هذا المزيج من الاندهاش والمتعة من أفضل المشاعر في العالم. يعتمد هذا الطبق على مكون يتضمن تحدياً، ويجعل منه طعاماً تصعب مقاومته. إنه دليل على أنك إذا ظللت فضولياً واخترت المخاطرة وواصلت السعي سوف تقدم شيئاً استثنائياً. أعتقد أنه يربط بين الهند وتايلاند، ويمزج بين طرق الطهي الهندية التقليدية على النار وثمرة الدوريان التايلاندية المحبوبة من أجل تكوين صنف جديد تماماً. إنه لا يزال على قائمة الطعام الخاصة بنا حتى اليوم.

الشيف مانو بوفارو (أفضل 50 مطعما)

الشيف مانو بوفارو

إن الطبق الذي غيّر كل شيء بالنسبة لي هو الجزر، الذي يرد في آخر قائمة الطعام بمطعم «مانو». عندما قدمته للمرة الأولى أثار الدهشة، بل والارتباك أيضاً. كيف يمكن لنوع من الخضراوات أن يلعب دور البطولة في نهاية تجربة تذوق طعام؟ وسرعان ما لاقى إعجاباً؛ لأنه كشف عن شيء أساسي هو القوة والعمق ومذاق الأومامي في مكون كثيراً ما يتعامل الناس معه على أنه عنصر ثانوي. لقد مثّل هذا الطبق بالنسبة لي نقطة تحول.

لقد أوضح أن المطبخ لا يحتاج إلى لحم أو سمك لترك أثر وإثارة مشاعر، وأن صنفاً من الخضراوات قادر على أن يحمل رمزية وذكرى وقوة إبداعية. لقد أصبح الطبق الذي أشتهر وأتميز به، وشعاراً للفلسفة التي توجّه أسلوبي في الطهي، ويظل على قائمة الطعام ليوضح كيف يمكن لمكون بسيط أن يصبح سامياً وراقياً.

الشيف آنا روس (أفضل 50 مطعما)

الشيف آنا روس

أول طبق يمكنني تذكر طهوه هو المعكرونة المحشوة بالبطاطس السائلة والمقدمة داخل مرق مع سمك السلمون المرقط المطهو على البخار، وبيض السلمون، والكراث (الثوم المعمر) البري. لقد جذب الانتباه بفضل طريقة طهوه الفنية التي تتضمن حشو عجين ببطاطس سائلة. بعد ذلك كان أهم ما في الأمر هو سرد الرواية ورفع مكانة سمكة لم تكن منتشرة كثيراً في المنطقة. نظراً لوجود السلمون المرقط في كل مياه سلوفينيا، يظل الكثير من العملاء يفضّلون المأكولات البحرية على السمك الطازج. لقد كان إعداد هذا الطبق مهماً للغاية لأنني أدركت قوة التركيز على المكونات المحلية في مقابل ما نتصور أنه منتشر ويحظى بشعبية.

الشيف إدغار نونيز (أفضل 50 مطعما)

الشيف إدغار نونيز

لقد كان الجزر المعتّق نقطة تحول في مسيرتي في الطهي. عندما قدمته للمرة الأولى منذ 15 عاماً استقبله الناس على أنه شيء خارج عن المألوف، بل عدّه البعض مثيراً للجدل؛ لأن قلة من الناس في ذلك الوقت كانوا يتوقعون أن يتم التعامل مع نوع متواضع من الخضراوات بالاحترام نفسه الذي تحظى به مكونات فاخرة. لقد كانت عملية إعداده دقيقة، حيث كان يُعتّق الجزر، ويُعدّ بطريقة تكشف عن عمق غير متوقع وتعقيد ونكهة. وما بدا بسيطاً على السطح كان فعلياً بمثابة بيان يوضح مقاربتي للطهو التي تتضمن منح أهمية لما يتم تجاهله في أحوال كثيرة. أرى الجزر المعتّق طبقاً رئيسياً يوجز فلسفة ويفتح الأبواب لاحتمالات جديدة. رغم أنه لم يعد على قائمة الطعام، لا يزال تأثيره في عملي موجوداً، ويظل مصدر إلهام يوجّه طريقة إعدادي للأطباق.

الشيف إدغار نونيز (أفضل 50 مطعماً)

الشيف علي غزاوي (أفضل 50 مطعماً)

الشيف مانو بوفارو (أفضل 50 مطعماً)

الشيف كلفين تشيونغ (أفضل 50 مطعماً)

الشيف آنا روس (أفضل 50 مطعماً)

الشيف غاريما أرورا (أفضل 50 مطعماً)