القصائد الطوال في الزمن السريع

في غياب الظاهرة وانقراضها

نزار قباني  - محمد مهدي الجواهري - حسب الشيخ جعفر - يوسف الصايغ
نزار قباني - محمد مهدي الجواهري - حسب الشيخ جعفر - يوسف الصايغ
TT

القصائد الطوال في الزمن السريع

نزار قباني  - محمد مهدي الجواهري - حسب الشيخ جعفر - يوسف الصايغ
نزار قباني - محمد مهدي الجواهري - حسب الشيخ جعفر - يوسف الصايغ

تذكرتُ وأنا أقرأ قصائد عددٍ من الشعراء، سواءٌ من على صفحاتهم الشخصية في «فيسبوك» أو «تويتر» أو «إنستغرام» أو في مجاميعهم المطبوعة حديثاً، القصائد الطوال التي كنا نقرأها للشعراء الكبار، عراقيين وعرباً. ذلك أنَّ قصر معظم تلك النصوص هو السمة الغالبة على معظم نتاج هذه الأجيال، علماً بأنَّ «فيسبوك» مثلاً لا يشترط عدداً محدداً من الحروف، بخلاف «تويتر» الذي يحدد صاحبه بعددٍ محددٍ من الكلمات والحروف، وهي طريقة للتكثيف والاختزال بعيداً عن الثرثرة، وبأقل عددٍ من الكلمات، لهذا أرى أنَّ عدداً لا يُستهان به من الشعراء بدأوا يميلون إلى عددٍ محدودٍ من الأبيات الشعرية، أو مقاطع محددة، لا تتجاوز الأسطر الخمسة أو العشرة.
ومن خلال هذا الكشف البسيط لتجوالنا في حدائق الشعراء، عراقيين وعرباً، نستطيع أنْ نقرأ الواقع السريع الذي يلفُّ المجتمعات، ذلك أنَّ القصائد الطوال إحدى أهم سمات الشاعر «الفحل» في زمن من الأزمان. فقد كان لا يُعتدُّ بالشاعر حتى نهاية السبعينات -كما أظن- إلا إذا كان له نَفَسٌ طويلٌ في كتابة القصائد، بحيث تتجاوز تلك القصائد المائة بيتٍ، كما كان يكتب الجواهري، ومحمد صالح بحر العلوم، وعمر أبو ريشة، وبدوي الجبل، وعرار. فمثلاً، قصيدة «المقصورة» للجواهري ما ضاع منها أكثر مما ثبت في الديوان.
وحين نصل إلى تجربة الحداثة، نجد أنها لم تنج من هذه الظاهرة، فقد رفد السيَّاب الديوان العربي الحديث بمجموعة من القصائد الطوال، مثل «المومس العمياء» و«الأسلحة والأطفال» و«حفار القبور»، وقصائد أخرى هي أقرب إلى مجموعة كاملة. وهذا ما حدث مع البياتي أيضاً، حيث كتب مجموعة من القصائد الطوال، مثل «قمر شيراز» و«بستان عائشة». وكذلك الحال في «حارس الفنار» و«أعماق المدينة» لمحمود البريكان، و«الأخضر بن يوسف» لسعدي يوسف، و«المعلم» ليوسف الصائغ.
وتكاد تكون هذه التجربة ملتصقة بتجربة جيل الريادة أكثر من غيرهم، وقد لخَّصها الشاعر سامي مهدي، بل استغرق في ذكر أسماء شعراء غير معروفين الآن مع قصائدهم الطوال، في مقالة مطولة حول القصائد الطوال وجيل الريادة بكتابه «ذاكرة الشعر». فمعظم ذلك الجيل اتسم بكتابة القصائد الطوال، بل البعض من الشعراء كتب قصيدة واحدة، وطبعها في كتاب بوصفها ديواناً واحداً. وربما كان جبران خليل جبران قد سبق الجميع في قصيدته الطويلة «المواكب» التي خرجت بوصفها ديواناً مستقلاً، كما سبق أنْ قام الجواهري بطباعة ديوان هو عبارة عن قصيدة واحدة، كما في ديوانه «يا نديمي» وديوان «مرحباً أيها الأرق»، وكذلك مجموعة «الصوت» لعبد الرزاق عبد الواحد، وهي عبارة عن قصيدة واحدة، ولكنها طويلة امتدت على صفحات مجموعة كاملة. وهذا ما حصل مع نزار قبَّاني في ديوانه الذي كتبه لزوجته بلقيس بعد مقتلها «قصيدة بلقيس» التي جاء فيها: (بلقيس كانت أجمل الملكات في تاريخ بابل| بلقيس كانت أطول النخلات في أرض العراق| كانت إذا تمشي| ترافقها طواويس| وتتبعها أيائل...)، وهي قصيدة رثائية يختلط فيها وصفه لبلقيس وجمالها بهجائه للزمن العربي الذي كانوا فيه.
وتكاد تشكل القصائد الطوال التي تحولت إلى مجموعة بكاملها ظاهرة في الشعرية العربية، ذلك أن عدداً كبيراً من شعراء الحداثة، وحتى الكلاسيكيين، لديهم مثل هذا التقليد الشعري، وما «جدارية محمود درويش» إلا جزء من هذه الرؤية للعمل الشعري التي تؤمن بالوحدة العضوية والموضوعية للنص الطويل، منطلقين من فكرة أن الشاعر بإمكانه أنْ يحافظ على خيوطه متماسكة مهما امتدت به الصفحات (هذا هو اسمك| قالت امرأة وغابت في الممر اللولبي...).
وقد امتدت مثل هذه التجارب حتى للأجيال القريبة منا، كالجيل الثمانيني. فمثلاً، أصدر عدنان الصائغ مجموعة «نشيد أوروك»، وهي عبارة عن قصيدة واحدة طويلة جداً، وكذلك أصدر عبد الرزاق الربيعي مجموعة أهداها لزوجته الراحلة، وهي قصيدة طويلة أيضاً اسمها «ليل الأرمل»، فيما أصدر الشاعر حسب الشيخ جعفر مجموعة في 2010، هي عبارة عن قصيدة واحدة اسمها «رباعيات العزلة الطيبة»، وكذلك فعل الشاعر ياسين طه حافظ في مجموعته «مخاطبات الدرويش البغدادي» (2014)، وهي تجربة صوفية حاول أن يجمعها في قصيدة واحدة، ولكنها طالت حتى أصبحت مجموعة كاملة.
وربما نجد في تراثنا العربي القديم أوجهاً كثيرة مشابهة لهذا النمط من الكتابة. فقد ظهرت معلقات بمئات الأبيات، وما قصيدة الشنفرى الطويلة «لامية العرب» إلا وجه من هذه الوجوه. ولدينا نماذج كثيرة في تراثنا العربي بهذا النمط، مثل معلقة عمرو بن كلثوم، وامرئ القيس، وقصائد الفرزدق، وآخرين. ولكن حين نصل إلى العصر العباسي، تبدأ هذه الظاهرة بالانحسار لتعدد مناحي الحياة، وتعقد شبكة العلاقات التي تحولت من البداوة إلى المدنية التي لا تحتمل كثيراً من الكلام والثرثرة الفائضة. وبمرور سريع على أهم شعراء العصر العباسي، سوف نجد معظم قصائدهم تتراوح بين العشرين والثلاثين بيتاً، وهي في العموم نسبة متزنة من حيث الكم، وهذا موجود لدى أبي نواس، ومسلم بن الوليد، وأبي تمام، والبحتري، والمتنبي، والمعري، والشريف الرضي، ومهيار الديلمي، وآخرين يمثلون الشعرية العربية في ذلك الوقت.
وحين نحاول أنْ نقارب النص بالحياة التي يعيشها، فأظن أنَّ الزمن يمثل عنصراً مهماً في توجيه الشعراء، وفرض نمط الكتابة على الكتَّاب. فقديماً، تشكل الحياة البدوية بكل تفاصيلها البطيئة، من الرحلة والديار المهجورة وتعب الرحلة حتى يصل إلى الممدوح، مساحة كبيرة تفرض على الشاعر أن يتجول ببطءٍ في قصيدته، كتجواله فوق الرمال والفيافي. وحين نصل للعصر الحديث، سنكون إزاء أزمان مختلفة أيضاً، فيها كثير من الإيقاع البطيء، رغم تحول الحياة من البادية إلى الحاضرة، إلا أن الحياة بقيت في المدينة تسيل بطيئة مملة. وحتى إلى زمنٍ قريبٍ منا، كان الزمن راكداً لا يتحرك، والوقت يمرُّ بطيئاً في النهار وفي الليل، ومنابع المتع قليلة جداً، حيث لم ينشغل العقل كثيراً بالتقنيات الحديثة وتفاصيلها، ذلك أنَّ مرحلة ما قبل «السوشيال ميديا» كانت تسمح للشعراء بأنْ يتحدثوا كثيراً، ويُسمح لهم في بعض المرَّات بأنْ يصلوا إلى مرحلة الهذيان، إذ لا منافس مهم للشعراء في تلك الأيام، أيام الخمسينات، وحتى ما قبل الألفين بقليل، فهم النجوم، أو ما يُسمَّون الآن «بلوكرات».
فقد كان لهؤلاء الشعراء جمهورهم الذي لا يشغله شيءٌ عن نجمه الشاعر، فيتابعه ويقرأ له، ويبقى يستمتع بنصه الطويل، وذلك للوقت الطويل الذي يتمتع به القارئ والكاتب معاً، وبهذا فقد كان الشعراء جزءاً أساسياً من تمثيل عصرهم البطيء، وهذا ليس حكماً قدر ما هو توصيف للأجيال التي مرَّت علينا. أما هذه الأيام، فنادراً ما نحظى بنصٍ طويلٍ لأحدٍ من الشعراء، بل حتى الشعراء الذين كان لهم نمط معين من الكتابة، استطاعت مواقع التواصل الاجتماعي أنْ تسحبهم إلى منطقتها، وتفرض عليهم شروط الكتابة، دون أنْ تصرح بذلك. وبهذا، فإن نمط الكتابة خاضع لنمط الحياة التي نعيشها، وإنَّ الزمن هو الذي يفرض شروطه الإبداعية على الشاعر، وعلى شكل كتابته ومزاجها ومناخها. وكما لكل طريقة محاسنُها ومساوئها، فإنَّ هذه الطريقة في الكتابة لها أيضاً ما لها، وعليها ما عليها، فالتكثيف والإيجاز من خصائص البلاغة، وبالمران الدائم على كتابة عددٍ محددٍ من الأبيات سيتعود المزاج الشعري على تأهيل العقل الشعري على كتابة معينة، بأبياتٍ أو مقاطع محددة فقط، دون أنْ تسمح له بالاستطرادات، أو الحشو اللغوي الزائد (وهذا لا يعني أنَّ النصوص الطويلة عبارة عن هذيانات، بل إنَّها تمثل تجربة معينة من تجارب مبدعينا في طريقها إلى الانقراض)، فضلاً عن أن المقاطع الصغيرة سهلة الحفظ والتداول، وهي تُشبه إلى حد ما في تراثنا الرباعيات، أو الشوارد، أو اليتيم (البيت الذي يُقال ولم يثنِ عليه أحد، فيسير في الركبان بيتٌ واحد ٌ أو بيتان).
أما الملاحظات التي يمكن أنْ تُسجَّل على هذا النمط من الكتابة، فهي غياب المهارة الشعرية التي تتجلَّى في القصيدة عادة، وليس في المقطع الشعري، ذلك أنَّ المقطع الشعري يمثل استجابة سريعة لحادثة ما، أما القصائد فإنَّها تمثل وجهة نظر الشاعر إزاء الحياة والكون والدين بشكل عام. وبهذا، فإنَّ التعود على الكتابة بهذه الطريقة سيحرمنا من الاطلاع على وجهات نظر الشعراء التي لا تمثلُّها المقاطع السريعة التي فرضتها مواقع التواصل الاجتماعي على مزاج الكتابة ونمطها، كما أن أحد العيوب أيضاً يتمثل في أنَّ الكتابة تروُّضها مواقع الإنترنت، وهي تُشبه الرقيب سابقاً، ذلك أنَّ كثيراً من الشعراء كان يصرَّح بأنَّه يكتب قصيدته وبين حروفه وجه الرقيب متسللاً، حاذفاً أو مضيفاً، نظراً للظروف السياسية أو لسياسة الصحيفة أو المجلة، أو الدولة بشكل عام. وبهذا، يتحوَّل «الأنترنت» الذي فتح أبواب الحرية سريعاً للجميع إلى جهة ضاغطة على الكاتب في أنْ يُلقي حمولته بأخف ما يستطيع، وما «تويتر» إلا نموذج هائل لهذا النمط من الكتابة. وهنا، تذكرتُ ما قاله لي أحد الأصدقاء ينصحني بألا أنشر قصائدي الطويلة -نسبياً- على «فيسبوك»، مقترحاً أن أقطع جسد القصيدة إلى مقاطع صغيرة لكي تُقرأ ولا يهرب منها القارئ.



أحمد مجدي: شخصية النرجسي المخادع في «الست موناليزا» استفزتني فنياً

الفنان أحمد مجدي تحدَّث عن دوره في «الست موناليزا» (صفحته على «فيسبوك»)
الفنان أحمد مجدي تحدَّث عن دوره في «الست موناليزا» (صفحته على «فيسبوك»)
TT

أحمد مجدي: شخصية النرجسي المخادع في «الست موناليزا» استفزتني فنياً

الفنان أحمد مجدي تحدَّث عن دوره في «الست موناليزا» (صفحته على «فيسبوك»)
الفنان أحمد مجدي تحدَّث عن دوره في «الست موناليزا» (صفحته على «فيسبوك»)

قال الممثل المصري، أحمد مجدي، إن حماسه للمشارَكة في مسلسل «الست موناليزا» جاء لشعوره بأنَّ العمل يقدِّم تجربةً دراميةً متكاملةً على مستويي النَّصِّ، والرؤية الإخراجية وتركيبة الشخصيات، عادّاً أنَّ هذا النوع من المشروعات هو ما يبحث عنه بصفته ممثلاً يسعى إلى الاشتباك مع شخصيات مُركَّبة ومناطق إنسانية ملتبسة.

وأضاف مجدي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أنه كان يتمنَّى منذ فترة طويلة العمل مع مي عمر، وتَحقَّق ذلك أخيراً في ظروف إنتاجية وفنية مناسبة منحته دافعاً إضافياً للدخول في التجربة بثقة وحماس، خصوصاً في ظلِّ وجود سيناريو وصفه بـ«المُحكم والمكثف» كتبه محمد سيد بشير، «حيث تتوالى الأحداث دون ترهل، ومن دون وجود شخصيات زائدة عن الحاجة، إذ يؤدي كل خط درامي وظيفةً محددةً داخل عالم متشابك تتقاطع فيه المصائر، وتتراكم فيه الدوافع النفسية»، على حد تعبيره.

وأوضح مجدي أن «العمل لا يعتمد فقط على الإثارة الظاهرية أو الصدامات المباشرة، بل يراهن بالأساس على بناء نفسي طويل المدى للشخصيات، وعلى كشف تدريجي لتحولاتهم الداخلية، ما منحني فرصةً حقيقيةً للاشتغال على التفاصيل الدقيقة في الأداء».

أحد الملصقات الترويجية للمسلسل (الشركة المنتجة)

وتحدَّث مجدي مطولاً عن شخصية «حسن»، وعدَّها من أكثر الشخصيات تعقيداً التي تعامل معها، موضحاً أنها «شخصية لا يمكن اختزالها في توصيف أخلاقي بسيط، إذ تجمع بين النرجسية الحادة، والتمركز حول الذات، والقدرة على المراوغة والخداع، لكنها في الوقت نفسه ليست شريرةً على نحو كاريكاتيري أو مباشر، وقوتها الشخصية تكمن في كونها مكتوبةً بحيث تسمح للمُشاهد أن يراها من الداخل، وأن يتتبع كيف تَشكَّلت عبر تراكمات نفسية واجتماعية طويلة، لا عبر حدث واحد حاسم».

وأشار إلى أن «حسن» يمتلك قدرةً عاليةً على تضليل الآخرين، والأهم أنَّه ينجح في تضليل المُتفرِّج نفسه في المراحل الأولى من العمل، إذ يظهر بوصفه شخصاً يبدو بريئاً، حساساً، يبحث عن الحب والاحتواء، قبل أن تبدأ الطبقات الحقيقية للشخصية في الانكشاف تدريجياً، لتظهر دوافع أكثر ارتباطاً بالمال والسيطرة وتحقيق الذات، حتى ولو جاء ذلك على حساب الآخرين، عادّاً أن هذا المسار التصاعدي في كشف الشخصية يخلق نوعاً من الصدمة النفسية المتراكمة لدى المشاهد، ويدفعه إلى إعادة النظر في أحكامه المسبقة وفي طريقة قراءته للشخصيات الدرامية، مشيراً إلى أنه على الرغم من علمه بكراهية الجمهور لشخصية «حسن» بعد مشاهدة العمل، فإنه تحمَّس لها واستفزته فنياً ليقدمها.

وأكد مجدي أن ما يطرحه المسلسل قد يبدو للبعض قاسياً أو مبالغاً فيه، لكنه يرى أن الواقع أكثر قسوةً وتعقيداً مما تسمح به الدراما التلفزيونية، خصوصاً فيما يتعلق بالعلاقات المختلة داخل الأسرة أو في البيئات التي تسودها الأنانية والعنف النفسي، موضحاً أن التجارب الإنسانية في الحياة اليومية تحمل مستويات أعلى من الألم والتشوه النفسي، لكن الدراما تضطر إلى تقديمها في إطار مشوق ومتوازن يحافظ على قابلية المشاهدة ويمنح المتلقي فرصةً للتفاعل لا النفور الكامل.

وحول منهجه في التحضير للشخصية، قال إن السؤال المركزي الذي ظلَّ يرافقه في كل جلسات النقاش مع المؤلف والمخرج هو: لماذا يتصرَّف «حسن» بهذه الطريقة؟ وما الجذور النفسية والتربوية التي أسهمت في تكوين هذا السلوك؟

أحمد مجدي تحدَّث عن الأدوار المُركَّبة (صفحته على «فيسبوك»)

وأضاف أن «كثيراً من الشخصيات النرجسية أو العنيفة تكون في الأصل نتاج خلل مبكر في منظومة التربية أو في الإحساس بالأمان والاحتواء، وهو ما حاول أن ينعكس بشكل غير مباشر في الأداء، وليس عبر خطاب مباشر أو تبرير سطحي»، متوقفاً عند العلاقة بين «حسن» وعائلته بوصفها تُشكِّل العمود الفقري لفهم الشخصية، لا سيما علاقته بأمه التي تجسِّدها الفنانة سوسن بدر.

وأشار إلى أن هذه العلاقة تحمل قدراً عالياً من الالتباس العاطفي والتوتر الصامت، وتكشف عن مناطق حساسة داخل تكوينه النفسي، فتتجاور الحاجة إلى القبول مع الرغبة في السيطرة والتمرد، لافتاً إلى أن الأداء الهادئ والمركب للفنانة سوسن بدر منح هذه العلاقة عمقاً خاصاً، وجعل المَشاهد المشتركة قائمةً على الإيحاء والتراكم أكثر من المواجهة المباشرة.

وأضاف أن العلاقة مع الأب تمثِّل بدورها منطقة جرح داخلي نادر الظهور، لكنها شديدة التأثير، إذ لا تظهر إلا في لحظات محدودة داخل العمل، تكشف عن مرارة دفينة وشعور قديم بالظلم أو الخذلان، عادّاً أن هذه اللحظات هي الأصعب أداءً، لأنَّها تتطلب كسر الصورة الصلبة التي يقدِّمها «حسن» طوال الوقت، وإظهار هشاشته الإنسانية من دون الوقوع في الميلودراما أو التبرير الأخلاقي.

وأكد مجدي أن «الرهان كان دائماً على إبقاء عنصر المفاجأة حياً داخل المشهد الواحد، وعلى ألا تُكشف أوراق (حسن) كاملة في لحظة واحدة، بل أن تتسلل تدريجياً عبر التفاصيل الصغيرة في الأداء»، مشيراً إلى أن مشاهد الأكشن أو الحركة لم تُمثِّل تحدياً كبيراً بالنسبة له، نظراً لوجود فريق متخصص ومخرج يمتلك رؤيةً واضحةً لكيفية تنفيذها، ما جعلها تسير بسلاسة وانضباط، بينما جاءت الصعوبة الحقيقية في المشاهد النفسية الدقيقة التي تتطلب تحكماً عالياً في الانفعال، وتوازناً دقيقاً بين ما يُقال وما يُخفى.

أحمد مجدي قدَّم دوراً له أبعاد نفسيه في المسلسل (الشركة المنتجة)

وأشاد مجدي بتجربته في العمل مع مي عمر، عادّاً أنها تمتلك قدرةً لافتةً على قراءة الإيقاع الدرامي للمشهد، لافتاً إلى أن التفاهم الكبير بينهما انعكس بشكل إيجابي على المشاهد المركبة التي تجمعهما.

واعترف بأن المشاهد الرومانسية تمثل له تحدياً خاصاً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستوى الإنساني، نظراً للفارق بين هشاشة التعبير العاطفي في الحياة الواقعية والوضوح الذي تتطلبه الدراما التلفزيونية.

وفيما يتعلق بفكرة المنافسة في رمضان، أكد مجدي أنه لا ينظر إلى العمل الفني بوصفه سباقاً أو معركة أرقام، بل مساحة للتعبير والتواصل وطرح الأسئلة، عادّاً أن الصناعة الفنية كيان واحد يتشارك مسؤولية تطوير الذائقة العامة وبناء الثقة مع الجمهور، مؤكداً أن نجاح التجارب المتنوعة ينعكس في النهاية على قوة المشهد الفني كله، ويمنح الفنانين مساحة أكبر للتركيز على جوهر عملهم بدل الانشغال بالمقارنات.


«الفاتح صلاح الدين» يعيد نور الشريف إلى أثير رمضان

الفنان نور الشريف (فيسبوك)
الفنان نور الشريف (فيسبوك)
TT

«الفاتح صلاح الدين» يعيد نور الشريف إلى أثير رمضان

الفنان نور الشريف (فيسبوك)
الفنان نور الشريف (فيسبوك)

بعد مرور 11 عاماً على رحليه، يعيد مسلسل «الفاتح صلاح الدين» صوت نور الشريف إلى موجات الإذاعة المصرية وأثير رمضان، حيث تبثّ إذاعة «صوت العرب» المسلسل الإذاعي الأخير الذي سجله، ليذاع للمرة الأولى في الموسم الرمضاني الحالي.

واعتاد متابعو التلفزيون انتظار عمل درامي لنور الشريف كل موسم رمضاني تقريباً، حتى ارتبط نور الشريف في وجدان كثير من المصريين بدراما رمضان. ومن الأعمال الدرامية التي قدمها «لن أعيش في جلباب أبي»، و«الرحايا»، و«الدالي»، و«الحرافيش».

المسلسل أهدته إذاعة قطر لشبكة «صوت العرب»، في إطار التبادل بين شبكة «صوت العرب» والإذاعات العربية. وإلى جانب الفنان نور الشريف يشارك في البطولة نخبة من الفنانين العرب، من بينهم فهمي الخولي من مصر، وجواد الشكرجي من العراق، وهدى حسين من الكويت، ومن تونس لمياء الورتاني، ومن اليمن سالم الجَحْوشي، ومن السودان محمد السني، ومن البحرين عبد الله أحمد، ومن قطر غازي حسين، وعبد الله عبد العزيز، وفهد الباكر، وخالد الحمادي. ومن الأردن عبد المنعم جرار. والمسلسل من تأليف وإخراج أحمد فتح الله.

المسلسل الإذاعي الفاتح صلاح الدين (الهيئة الوطنية للإعلام)

وقال الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، لـ«الشرق الأوسط»، إن «نور الشريف يمثل حالة من النوستالجيا للجمهور، خصوصاً في شهر رمضان الذي كان يحرص على الوجود فيه درامياً، وأحياناً في مسلسلات إذاعية، لكن مسلسل (الفاتح صلاح الدين) له طابع خاص، ولا سيما أنه يقدَّم للمرة الأولى بإذاعة (صوت العرب)، ويضم ممثلين من دول عربية مختلفة، كما يتناول قصة صلاح الدين الأيوبي، المعروف بمواقفه البطولية كرمز للفخر العربي عبر التاريخ».

ويعدّ نور الشريف (1946 - 2015) من أبرز الفنانين المصريين، قدم عدداً من الأعمال السينمائية في بداية حياته، ومن أبرز أعماله السينمائية «ضربة شمس» و«حبيبي دائماً» و«ناجي العلي» و«سواق الأتوبيس» و«غريب في بيتي» و«حدوتة مصرية» و«المصير». كما قدم للإذاعة مسلسلات مثل «سيرة ومسيرة» و«إمبراطور أبو الدهب»، كما قدم أعمالاً درامية تاريخية مهمة؛ من بينها «هارون الرشيد» و«عمر بن عبد العزيز» و«رجل الأقدار عمرو بن العاص».

ولفت الناقد الفني إلى أن هذا المسلسل «يعيد لنا الحالة الاستثنائية في الأداء التي كان يجسدها نور الشريف خلف الميكروفون أو أمام الكاميرا، والتي ارتبطت في أذهان الجمهور بحالة وجدانية أقرب للنوستالجيا، فضلاً عما يمثله من قيمة فنية كبيرة، كما أنه قدم شخصية صلاح الدين بأدء صوتي معبر للغاية عن هذا الرمز التاريخي الكبير».


وادي العقيق في المدينة المنورة... قيمة روحية وجمال طبيعي

اشتهر وادي العقيق بطِيب مائه وعذوبته (واس)
اشتهر وادي العقيق بطِيب مائه وعذوبته (واس)
TT

وادي العقيق في المدينة المنورة... قيمة روحية وجمال طبيعي

اشتهر وادي العقيق بطِيب مائه وعذوبته (واس)
اشتهر وادي العقيق بطِيب مائه وعذوبته (واس)

يُعد «وادي العقيق» بمنطقة المدينة المنورة من أهم المناطق الجغرافية والسياحية التي تتميز بجمال التضاريس وعُرفت عنه عذوبة الماء.

واكتسب «وادي العقيق» شهرته لارتباطه بسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وسُمي «الوادي المبارك»، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أتاني، الليلة، آتٍ من ربي فقال: صلّ في هذا الوادي المبارك».

ويُعد الوادي واحداً من عدة أودية تحمل الاسم نفسه في الجزيرة العربية، لكنه يظل أشهرها. ووفق تقرير لـ«واس»، يتكون الوادي من 3 عرصات: العرصة الكبرى التي تلي مسجد الميقات، والعرصة الوسطى أمام جبال الجماوات؛ وتحديداً أمام جماء أم خالد، والعرصة الصغرى في مجمع الأسيال عند مهبط الدجال.

اشتهر وادي العقيق بطِيب مائه وعذوبته، حتى كان بعض خلفاء بني أمية يحملون الماء إلى دمشق، وسُمي في ذلك الوقت غوطة دمشق لكثرة الأشجار فيه وشدة خضرتها. وسكن على ضفاف الوادي عدد من الصحابة؛ منهم أبو هريرة وسعيد بن العاص، وماتوا به وحُملوا إلى المدينة، ومن التابعين قصر عروة بن الزبير، وقصر سكينة بنت الحسين، ومنها قصور مشيدة إلى وقتنا الحاضر.

يُعد الوادي واحداً من عدة أودية تحمل الاسم نفسه بالجزيرة العربية (واس)

ويشهد الوادي حالياً أعمال تأهيل وتطوير، بإشراف من هيئة تطوير منطقة المدينة المنورة والجهات ذات العلاقة، حيث تمتد أعمال التأهيل والتطوير إلى قرابة 15 كيلومتراً، بدءاً من منطقة ميقات ذي الحليفة جنوب المدينة المنورة، وصولاً إلى منطقة الجرف شمالاً؛ بهدف تحقيق التوازن بين البيئة العمرانية والموارد الطبيعية، وتشمل عمليات التطوير عدة مناطق على ضفاف الوادي؛ منها قصر عروة، وتقاطع طريق السلام، وميدان الجامعة الإسلامية، وصولاً إلى المناطق الزراعية بالجرف، ضمن مشاريع تحسين المشهد الحضري في أنحاء المدينة المنورة، وتشييد المشروعات التطويرية الصديقة للبيئة بما يضفي بُعداً جمالياً لطيبة الطيبة.

ويُعد مسار وادي العقيق من أبرز الوجهات المخصصة للمشي والتنزه في المدينة المنورة؛ لما يتمتع به من موقع طبيعي مميز. ويمتد المسار بطول يقارب 1500 متر، مطلاً على وادي العقيق المعروف بـ«الوادي المبارك»، الذي ورد ذكره في السنة النبوية المطهرة؛ مما أكسبه قيمة روحية وتاريخية جعلته وجهة مفضّلة للزوار والمهتمين بالسياحتين الدينية والطبيعية.

يُعد مسار وادي العقيق من أبرز الوجهات المخصصة للمشي والتنزه في المدينة المنورة (واس)

وينسجم تصميم المسار مع الطبيعة المحيطة، إذ جُهّز بممرات مهيأة، وجلسات مُطلة على الوادي، وأشجار ظِل ممتدة على طول المسار، إلى جانب منظومة إنارة حديثة تسهم في تعزيز السلامة وإبراز جمالية الموقع في الفترات المسائية، كما يطل على عدد من المواقع التاريخية الموثقة في محيط الوادي، من بينها آثار قصريْ سعد بن أبي وقاص، وعروة بن الزبير رضي الله عنهما، إضافةً إلى شواهد ونقوش تاريخية تُجسد عمق الإرث الحضاري الذي تزخر به المنطقة.