أوروبا لا تلتزم دعوة ترمب للخروج من الاتفاق النووي وتؤكد تمسكها به

وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان لدى وصوله إلى مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل أمس (رويترز)
وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان لدى وصوله إلى مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل أمس (رويترز)
TT

أوروبا لا تلتزم دعوة ترمب للخروج من الاتفاق النووي وتؤكد تمسكها به

وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان لدى وصوله إلى مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل أمس (رويترز)
وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان لدى وصوله إلى مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل أمس (رويترز)

يوماً بعد يوم، تزداد المخاوف الأوروبية من تحلل طهران من التزاماتها النووية المنصوص عليها في اتفاق عام 2015. ووصلت هذه المخاوف إلى حدها الأقصى بعد أن أعلنت إيران، يوم الأحد الماضي، عقب مقتل قائد «فيلق القدس»، الذراع الخارجية في «الحرس الثوري» الجنرال قاسم سليماني، أنها «رفعت كل العوائق» التي كانت تحد من تطوير برنامجها النووي، مشيرة بالتحديد إلى إعداد الطاردات المركزية، ونوعيتها، ونسبة التخصيب وكميات اليورانيوم المخصب. وجاء الرد الأوروبي على شاكلة رسالة ثلاثية من قادة الدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) التي حثوا فيها طهران على الامتناع عن التصعيد (مع الولايات المتحدة الأميركية)، والتراجع عما أعلنته في «المرحلة الخامسة والأخيرة» من خروج على التزاماتها، والعودة إلى العمل بما يفرضه عليها الاتفاق. إلا أن «التحذير» الأوروبي بقي من غير نتيجة، الأمر الذي دفع وزير الخارجية الفرنسي، بعد ذلك بيومين، إلى تنبيه طهران مجدداً بأن الأوروبيين «قد يقررون في الأيام المقبلة» تفعيل آلية فض النزاعات المنصوص عليها في الاتفاق، التي يمكن أن تقود إلى إعادة الملف إلى مجلس الأمن، الذي بدوره يمكن أن يعيد فرض عقوبات دولية على إيران.
بيد أن جان إيف لودريان لم يتوقف عند هذا الحد، إذ اختار، قبل أن يتوجه إلى بروكسل للمشاركة في اجتماع وزراء الخارجية الأوروبية حول إيران، أن يقرع ناقوس الخطر، ويحذر من مخاطر البرنامج النووي الإيراني. وفي مقابلة إذاعية صباحية مع راديو «آر تي إل»، نبه لو دريان إلى أن إيران، إذا ما استمرت على وتيرة الخروج من الاتفاق، ستكون قادرة على الحصول على السلاح النووي، في مهلة تتراوح ما بين عام وعامين. وقال الوزير الفرنسي ما حرفيته: «اليوم، ليس الإيرانيون في وضع يمكنهم من حيازة (السلاح النووي)، لكنهم إذا استمروا في تفكيك اتفاق فيينا، فعندها سيتمكنون، خلال مهلة قريبة نسبياً، ما بين عام وعامين، من الحصول عليه، الأمر الذي نرفضه».
تقول مصادر أوروبية رسمية إن المقصود بكلام لو دريان أمران: الأول، بالطبع، التحذير مما قد تقوم به إيران بعد أن أطلقت برنامجها النووي من عقاله، دون أن تقول رسمياً أنها تخرج من الاتفاق. ومصدر القلق الأول يكمن في عملية التخصيب التي يجيدها التقنيون الإيرانيون، إذ إنهم توصلوا، قبل إبرام الاتفاق، إلى نسبة تخصيب تصل إلى 20 في المائة. وحسب الخبراء، فإن من ينجح بالوصول إلى هذه النسبة، لن يكون عصياً عليه الذهاب أبعد من ذلك، وإلى حدود الـ90 في المائة، وهي النسبة المطلوبة من اليورانيوم المخصب لتصنيع السلاح النووي. يضاف إلى ذلك أن نشر آلاف أجهزة الطرد المركزية الحديثة «الأجيال 4 و5 و6» والبحث عن طاردات أقوى، سيمكن طهران من تسريع الوصول إلى الهدف المشار إليه، مع تعجيل مراكمة كميات اليورانيوم المخصب. والحال أنها أخذت تنتج، باعتراف مسؤوليها، عشر أضعاف ما كانت تنتجه سابقاً قبل أن تبدأ خروجها المتدرج من الاتفاق.
وفي هذا الإطار، فإن «الكابح» الذي كان يمنعها من ذلك هو التزامها السابق به، وبقاء برنامجها تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة النووية. لكن دور مفتشي الوكالة اليوم يتوقف عند رؤية ما يحصل ورفع تقارير بذلك وهو ما لا يكفي. أما الهدف الثاني لـلو دريان، وفق المصادر المشار إليها، فهو تحديداً «الدفاع عن الاتفاق والرد على دعوة الرئيس الأميركي للأوروبيين والروس والصينيين التخلي عنه نهائياً». وحسب المنطق الفرنسي ــ الأوروبي، فإن التخلي النهائي عن الاتفاق، سيفتح الباب على مصراعيه لإيران للتعجيل بالوصول إلى السلاح النووي أو على الأقل إلى العتبة النووية.
حقيقة الأمر أن الرد الأوروبي على ترمب لم يتأخر، وعنوانه الاستمرار في الدفاع عن الاتفاق والتمسك به. فقد أعلنت الخارجية الفرنسية، أول من أمس، أنها «ما زالت ملتزمة باتفاق فيينا النووي وهي تعمل مع الأطراف الأخرى على احترامه بالكامل». وأعلن وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، أن بلاده «مستمرة في اعتبار الاتفاق (المذكور) مهماً، لأنه سيمنع إيران من الحصول على السلاح النووي». وقال قبل انطلاق اجتماع بروكسل، إن الاعتقاد السائد أن هذا الاتفاق مفيد، لأنه يلزم إيران بعدم تطوير أي أسلحة نووية. لذا نريد أن يستمر هذا الاتفاق، لكن هذا لن يحدث إلا إذا تم الالتزام به ونحن نتوقع هذا من إيران». وأضافت الخارجية الألمانية، لاحقاً، أنها تعمل على «إنقاذ» الاتفاق، وأنها تريد «استخدام كافة الإمكانات التي يوفرها من أجل الذهاب نحو حل دبلوماسي»، من غير أن تحاول التغطية على «الاختلافات» بين العواصم الأوروبية وواشنطن. وفي السياق عينه، دافع وزير الخارجية في الاتحاد الأوروبي الإسباني جوزيف بوريل، عن الاتفاق، حيث اعتبر أنه «اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى». وتباحث بوريل، عبر الهاتف، مع وزير الخارجية الأميركي، مساء الخميس، قبل انعقاد الاجتماع الطارئ للوزراء الأوروبيين.
إذا كانت الأطراف الأوروبية الثلاثة متمسكة بالاتفاق، على الرغم من أن الطرف الرئيسي المعني به (إيران) لا يتردد في الدوس عليه، إلا أنها تجد نفسها كل يوم «أكثر حرجاً» من اليوم السابق. وتشير المصادر الأوروبية إلى أن طهران «لم تعر يوماً النداءات الأوروبية للبقاء داخل الاتفاق والعودة عن انتهاكاتها له، أي أهمية، واستمرت وفق الخطة التي وضعتها» في الخروج التدريجي، مع الإشارة لاستعدادها للعودة إليه إذا وفرت لها أوروبا إمكانية التعويض على خسائرها الناتجة عن العقوبات الأميركية، التي قدرها الرئيس الإيراني حسن روحاني بـ200 مليون دولار. وتتابع هذه المصادر أن الأوروبيين «لا يملكون سوى ورقة ضغط وحيدة على طهران هي آلية فض النزاعات، لكنهم يمتنعون، حتى الآن، عن اللجوء إليها لأنها (خط أحمر إيراني). كذلك، لا يبدو أنهم قادرون على التأثير على واشنطن التي لم تستشرهم عندما خرجت من الاتفاق، ولم تعلمهم مسبقاً بالضربة التي قتلت قاسم سليماني». من هذا المنظور، فإن الاستجابة لمطلب ترمب بالتخلي النهائي عن الاتفاق لن يجد آذاناً صاغية أوروبياً. والتساؤل الوحيد يتناول موقف لندن التي تقترب أكثر فأكثر من القراءة الأميركية للنزاع مع إيران، ويرى كثيرون أن الهوة بينها وبين العواصم الأوروبي سوف تتسع بعد إقرار الخروج من الاتحاد.
الثابت بالنسبة للأوروبيين أن مصير الاتفاق مرهون إلى حد بعيد بالتطورات الحاصلة بين واشنطن وطهران، إذ إن الأمور متداخلة ببعضها البعض. ولذا، فإن أي تصعيد إضافي سيعني عملياً وفاته، وسيكون من الصعب على الأوروبيين استمرار الدفاع عن شيء لم يعد موجوداً. لكن الواضح أيضاً أن الطرف الأوروبي، خصوصاً الألماني والفرنسي، يريد كسب الوقت، والدليل على ذلك أنه لن يبني مواقف جديدة إلا استناداً لتقارير الوكالة الدولية للطاقة. وبكلام آخر، يريد الأوروبيون التحقق مما إذا كانت إيران تنفذ ما هددت به، أي أنها حقيقة رفعت نسبة التخصيب بشكل كبير، ونشرت آلاف الطاردات الحديثة، وضاعفت كميات اليورانيوم عالي التخصيب. ويمكن فهم كلام لو دريان على أنه تحذير للمسؤولين الإيرانيين من وضع تهديداتهم موضع التنفيذ.
يبقى موضوع دعوة ترمب للقادة الإيرانيين للحوار والتفاوض بشأن اتفاق نووي جددي شامل يتناول المسائل النووية «لما بعد عام 2025» والباليستية وسياسة إيران الإقليمية. والثابت أن الجانب الأوروبي، منذ البداية، لم يكن رافضاً، بل طلب من الإدارة الأميركية الإبقاء على الاتفاق، واستكماله باتفاق جديد. وسعى الرئيس ماكرون وطرح مقترحات عملية، إلا أن جهوده بقيت دون نتيجة. والمشكلة اليوم أن طهران ترفض الحوار، وترفض التفاوض على اتفاق جديد. وأمس، قال مندوب إيران لدى الأمم المتحدة مجيد تخت روانجي، إن «ما نفهمه هو أن الحكومة الأميركية غير مؤهلة للحوار، وأنها تناصب العداء للشعب الإيراني، وما دام هذا العداء مستمراً، فالحديث عما يريدون القيام به للتعاون غير مفهوم على الإطلاق»، مضيفاً أن «الشعب الإيراني لن ينخدع بهذا الكلام». وكان روانجي يرد على رسالة للمندوبة الأميركية كيلي كرافت، للحوار مع طهران، دون شروط مسبقة، مستعيدةً كلام الرئيس ترمب. وأمس، نقل عن مسؤول كبير في الخارجية الأميركية رفض بلاده قبول أي شروط مسبقة للحوار مع إيران. والحال، أن إيران تعتبر أن الحوار غير ممكن مع استمرار فرض العقوبات، لا بل إن ترمب فرض عقوبات إضافية «لم يعلن عن تفاصيلها»، ورفض دوماً التجاوب مع مقترحات ماكرون برفع جزئي للعقوبات مقابل عودة طهران للاتفاق، وقبول الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
هل بقي دور ما لأوروبا؟ تفيد المصادر بأن الدبلوماسية الأوروبية «كان لها دور» في احتواء التصعيد بين واشنطن وطهران، وأنها «مستمرة في لعب هذا الدور». ولكن ذلك لا يعني أنها قادرة على تفكيك عقد الملف النووي لأن أوراق الضغط التي تمتلكها ليست كافية.



تكثيف استهداف إيران مع اقتراب نهاية المهلة


دخان يتصاعد من مطار مهر آباد غرب طهران فجر أمس (شبكات التواصل)
دخان يتصاعد من مطار مهر آباد غرب طهران فجر أمس (شبكات التواصل)
TT

تكثيف استهداف إيران مع اقتراب نهاية المهلة


دخان يتصاعد من مطار مهر آباد غرب طهران فجر أمس (شبكات التواصل)
دخان يتصاعد من مطار مهر آباد غرب طهران فجر أمس (شبكات التواصل)

تكثّف استهداف منشآت إيران، أمس، مع اقتراب نهاية المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فيما اصطدمت خطةٌ باكستانيةٌ لوقف الحرب بتحفظ من واشنطن وطهران، بالتزامن مع إعلان إسرائيل مقتل رئيس جهاز استخبارات «الحرس الثوري» مجيد خادمي في غارة على طهران.

وشدد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض على أن المهلة التي تنتهي مساء اليوم هي «مهلة نهائية»، وقال إن إعادة فتح مضيق هرمز تمثل «أولوية كبيرة جداً»، وإن حرية مرور النفط عبره يجب أن تكون جزءاً من أي اتفاق مع إيران. كما رفض فرض إيران رسوماً على عبور السفن في المضيق، وطرح في المقابل فكرة أن تفرض الولايات المتحدة رسوماً على المرور. وأضاف أنه لو كان الأمر بيده «لأخذ النفط» الإيراني.‌ وقال ترمب إنه من الممكن القضاء على إيران في ليلة واحدة، «وقد تكون ليل غد»، محذراً طهران من أن عليها إبرام اتفاق بحلول مساء اليوم (الثلاثاء) وإلا ستواجه عواقب وخيمة.

ونقلت «رويترز» عن مصدر مطلع قوله إن الخطة الباكستانية تقترح وقفاً فورياً لإطلاق النار يعقبه تفاوض على اتفاق شامل خلال 15 إلى 20 يوماً، لكن البيت الأبيض قال إن ترمب لم يوافق عليها. وفي المقابل، أفادت وكالة «إيرنا» بأن إيران سلّمت باكستان رداً من عشرة بنود، رفضت فيه وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار، وشددت على ضرورة إنهاء الحرب بشكل دائم.

وتركزت الضربات الإسرائيلية أمس على مطارات ومنشآت جوية وعسكرية في العاصمة، بينها مهرآباد غرب العاصمة وبهرام وآزمایش في الشرق، قبل أن تمتد إلى مواقع صناعية وبتروكيماوية في الوسط والجنوب، لا سيما في ميناء عسلوية، حيث قالت إسرائيل إنها استهدفت بنية تستخدم في إنتاج مواد مرتبطة بالصواريخ والأسلحة.


القيادة العسكرية الإيرانية تندّد بـ«ألفاظ وقحة» لترمب

ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

القيادة العسكرية الإيرانية تندّد بـ«ألفاظ وقحة» لترمب

ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)

رأت القيادة العسكرية المركزية الإيرانية، الثلاثاء، أن «الألفاظ الوقحة» التي يطلقها دونالد ترمب بشأن الحرب في الشرق الأوسط «لن يكون لها أي تأثير» على الجنود الإيرانيين، وذلك بعد تلويح الرئيس الأميركي بنسف البنى التحتية لإيران.

الدخان يتصاعد عقب انفجار في طهران (رويترز)

ونقل التلفزيون الرسمي عن إبراهيم ذو الفقاري، المتحدث باسم «مقر خاتم الأنبياء»، وهو غرفة العمليات المركزية للقوات المسلّحة الإيرانية، قوله إن «الألفاظ الوقحة» و«التهديدات الواهية» التي يطلقها «الرئيس الأميركي الواهم (...) لن يكون لها أي تأثير على استمرار العمليات الهجومية الساحقة» التي تشنّها القوات الإيرانية «ضد الأعداء الأميركيين والصهاينة».


حراك إقليمي لـ«اتفاق جزئي» قُبيل ساعات حاسمة في حرب إيران

اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)
اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)
TT

حراك إقليمي لـ«اتفاق جزئي» قُبيل ساعات حاسمة في حرب إيران

اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)
اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحركات إقليمية مكثفة للتهدئة، وسط تهديدات أميركية وإيرانية متبادلة، مع اقتراب انتهاء مهلة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساء الثلاثاء، وما تحمله من مسار تصعيد غير مسبوق.

تلك الجهود التي تسعى لاتفاق جزئي لوقف إطلاق النار في إيران لمدة 45 يوماً، حسب تسريبات أميركية، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنها تأتي في إطار «دبلوماسية الضغط التي تُمارَس تحت سقف تهديدات غير مسبوقة، على أمل أن تحرز تقدماً بتمديد مهلة ترمب أو وقف مؤقت، في ظل ما تتمتع به الوساطة الثلاثية من ثقل إقليمي ورغبة دولية لوقف هذه الحرب المستعرة منذ 28 فبراير (شباط) الماضي».

الدخان يتصاعد عقب انفجار في طهران (رويترز)

وتُجري الولايات المتحدة وإيران عبر الوسطاء، مصر وتركيا وباكستان، مناقشات حول بنود وقف إطلاق نار محتمل لمدة 45 يوماً، قد يفضي إلى إنهاء الحرب بشكل دائم، وفقاً لأربعة مصادر أميركية وإسرائيلية وإقليمية مطلعة على المحادثات تحدثت لموقع «أكسيوس» الأميركي، الاثنين، واصفة المشاورات بأنها «فرصة أخيرة».

وأكدت «رويترز»، الاثنين، أن إيران والولايات المتحدة تلقتا مقترحاً لإنهاء الأعمال العدائية.

وفي تقدير مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير محمد حجازي، فإن الوساطة التي تقودها مصر وتركيا وباكستان «تكشف ملامح لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها حسابات الردع مع ضغوط التهدئة، في محاولة لخلق مساحة زمنية لإعادة ترتيب موازين التفاوض، ومنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد تتجاوز الإطار الإقليمي».

وهو يرى أن الوساطة الثلاثية لها أهمية خاصة نظراً لطبيعة الأطراف المنخرطة فيها؛ فـ«مصر تمثل ثقلاً تقليدياً في إدارة الأزمات الإقليمية، وتركيا تمتلك قنوات اتصال مركبة مع مختلف الفاعلين، في حين تضطلع باكستان بدور بالغ الحساسية في التواصل مع طهران، بما يعكس هندسة دبلوماسية متعددة المسارات... لكن عدم وجود الحد الأدنى من التوافق الاستراتيجي بين أطراف الصراع، يجعلها أقرب إلى إدارة أزمة منها إلى تسويتها».

ويرى رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية والخبير بالشأن الإيراني، محمد محسن أبو النور، أن المبادرة تعكس تحوّلاً مهماً في نمط إدارة الأزمة؛ إذ تسعى قوى دولية وإقليمية إلى احتواء التصعيد عبر صيغة متعددة الأطراف وليس من خلال قنوات ثنائية تقليدية، لافتاً إلى أن المبادرة لا تستهدف فقط وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار، بل تسعى إلى تأسيس ترتيبات أوسع لضبط التوتر في واحد من أهم شرايين الطاقة العالمية.

ووسط ترقب نتائج المسار التفاوضي، استعرض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اتصال هاتفي تلقاه يوم الاثنين من رئيس وزراء إسبانيا، بيدرو سانشيز، جهود مصر الرامية لوقف الحرب، مشدداً على ضرورة تضافر الجهود الدولية والإقليمية تحقيقاً لهذا الهدف، وفق بيان للرئاسة المصرية.

وشدد السيسي على «إدانة مصر القاطعة للاعتداءات على الدول العربية الشقيقة، ورفض أي مساس بسيادتها واستقرارها ومقدرات شعوبها»، مجدداً تأكيد «موقف مصر الثابت في دعم تلك الدول العربية الشقيقة».

واعتبر عضو مجلس النواب المصري، مصطفى بكري، في منشور عبر منصة «إكس»، الاثنين، الجهود المصرية مع تركيا وباكستان «محاولات اللحظة الأخيرة لإنقاذ المنطقة من طوفان الحرب المدمرة»، لافتاً إلى أن «الساعات المقبلة حاسمة».

ويرى أبو النور أن دور مصر في مثل هذه المبادرات «يظل مرشحاً لأن يكون دوراً حاسماً، وخاصة أنها تمتلك خبرة تراكمية طويلة في إدارة قنوات الاتصال بين أطراف متنازعة، إلى جانب شبكة علاقات متوازنة مع كل من الولايات المتحدة ودول الخليج، مع احتفاظها بقنوات تواصل مباشرة مع إيران».

الدخان يتصاعد بعد هجمات استهدفت منطقة معشور للبتروكيماويات في محافظة الأهواز (رويترز)

ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا)، الاثنين، عن المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي قوله: «ندعو إلى إنهاء الحرب ومنع تكرارها»، رافضاً وقف إطلاق النار المؤقت.

وأضاف أن أي محادثات دبلوماسية «تتعارض تماماً مع الإنذارات والتهديدات بارتكاب جرائم حرب»، في إشارة إلى تهديد ترمب بقصف البنية التحتية الإيرانية الرئيسية مساء الثلاثاء إذا لم تفتح طهران مضيق هرمز.

وقال ترمب في منشور على منصة «تروث سوشيال» إن الثلاثاء سيكون «يوم محطات الطاقة ويوم الجسور»، مضيفاً أنه «لن يكون هناك ما يشبهه»، في إشارة إلى ضربات واسعة محتملة تستهدف البنية التحتية الإيرانية.

كما تحدث ترمب عن وجود مسار تفاوضي مفتوح، قائلاً في مقابلة مع «فوكس نيوز» إن هناك «فرصة جيدة» للتوصل إلى اتفاق، مع استمرار الاتصالات غير المباشرة.

ووسط تلك الاختلافات، يرى السفير حجازي أن الحديث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق جزئي مسألة مرتبطة ليس فقط بالإرادة السياسية، وإنما تدفع نحو منح الدبلوماسية فرصة أخيرة، وخاصة أنه لا يمكن قراءة الوساطة الثلاثية إلا في إطار «دبلوماسية الضغط القسري»؛ إذ تُستخدم التهديدات العسكرية لدفع الأطراف نحو التفاوض، دون أن يعني ذلك بالضرورة توافر شروط التسوية.

وتشير المعطيات حتى الآن، حسب حجازي، إلى أن المنطقة لا تزال أقرب إلى إدارة تصعيد مضبوط منها إلى الدخول في مسار تهدئة مستدامة، ما لم يحدث تحول نوعي في مواقف الأطراف خلال الساعات القليلة المقبلة.

ويرى أبو النور أن هناك «تردداً إيرانياً محسوباً»، ربما بهدف اختبار جدية الضمانات المقدمة، أو تحسين شروط التفاوض، مقابل حذر تكتيكي أميركي، خصوصاً في ظل عدم وضوح ما إذا كانت المبادرة ستُترجم إلى مكاسب استراتيجية، أم أنها مجرد هدنة مؤقتة تمنح إيران مساحة لإعادة ترتيب أوراقها.

ويمكن القول، بحسب أبو النور، إن نجاح المبادرة مرهون بقدرة الوسطاء على تقديم ضمانات أمنية وسياسية مقنعة للطرفين، «وإلا فسيظل الطرفان مستمرين في إدارة الصراع ضمن حدود التصعيد الحالية، بدلاً من الانتقال إلى مسار تسوية حقيقية في هذه المرحلة».