الذهب في السودان... التهريب يذري أحلام الثراء

متوسط الإنتاج بين 100 و250 طناً سنوياً... ونافذون يسيطرون على تجارته

شركات تستخدم أجهزة متطورة للتنقيب عن الذهب
شركات تستخدم أجهزة متطورة للتنقيب عن الذهب
TT

الذهب في السودان... التهريب يذري أحلام الثراء

شركات تستخدم أجهزة متطورة للتنقيب عن الذهب
شركات تستخدم أجهزة متطورة للتنقيب عن الذهب

عرف السودان القديم بـ«بلاد النوبة»، ونوبة مفردة هيروغليفية تعني الذهب، أي «أرض الذهب»، وهذا الصيت شجع الغزاة على مر التاريخ لمحاولة غزو المنطقة للحصول على ذهبها الوفير، الذي تحدثت عنه الأساطير الفرعونية، لكن السودان لم يتحول إلى دولة «ذهبية» إلا في العشرية الأولى من القرن الواحد وعشرين.
ففي عام 2008 تقريباً، ومن دون مقدمات، انتشر مئات الآلاف من الباحثين عن الثراء السريع والمغامرين في صحاري ووديان وسهول السودان، وتزايد الرقم تدريجياً ليبلغ أكثر من مليوني معدني أهلي، يبحث عن «المعدن الأصفر» الذي يقال إنه مخبوء في التراب، بل وعلى سطح الرمال، وانتشروا كأنهم نهضوا من التاريخ وعهد الحاكم التركي محمد علي باشا، الذي احتل السودان؛ «بحثاً عن الذهب والرجال»، فوجد الرجال، لكن مهمته في البحث عن الذهب باءت بفشل ذريع.
وسريعاً دوّن السودان اسمه بين المنتجين الكبار للذهب حول العالم، ليبلغ إنتاجه خلال سنوات قليلة أكثر من مائة طن، وليحتل المركز الثاني بين الدول المنتجة للذهب في أفريقيا بعد دولة جنوب أفريقيا.
وأكد ملايين الدهّابة – وهو اسم محلي يطلق على المنقبين التقليديين عن الذهب، أسطورة «أرض الذهب» وكذبوا «العلماء» والمنقبين عن الذهب في القرن الثامن عشر، الذين أتى بهم الحاكم التركي لإثراء دولته، وأكدوا أن رمال و«أطيان» السودان تخبئ أطناناً من الذهب تكفي لجعله بلداً ثرياً، وأن «حفرة صغيرة» وشيئاً من الحظ، يمكن أن ينقل الفقير فجأة إلى ثري تتحدث عن ثرائه النجوع والمدن.
جهود «الدهّابة» كشفت عن أن الأرض السودانية تخبئ الكثير من الذهب، على أعماق سطحية، وسرعان ما لحق بهم رجال المال والأعمال الذين جلبوا أجهزة كشف المعادن السطحية، ونشروها في مساحات واسعة من السودان، قبل أن تلحق بهم الشركات الأجنبية والمحلية الكبيرة، وسريعاً أصبح السودان أحد المنتجين الرئيسيين للذهب في أفريقيا، وخلال سنوات قليلة أصبح يحتل المركز الثاني بعد جنوب أفريقيا في إنتاج المعدن النفيس في القارة السمراء.
وبحسب آخر تقرير صادر عن وزارة المعادن السودانية، بلغ إنتاج الذهب خلال النصف الأول من العام الحالي 30 طناً مترياً، في وقت يقدر أن يزيد فيه الإنتاج من الذهب على 60 طناً بنهاية العام. ويقول التقرير، إن الإنتاج المتوقع للنصف الأول من العام في حدود 59.898 طن، ليبلغ الإنتاج المتوقع ضعف هذه الكمية بنهاية العام زهاء 120 طناً. ويعمل ملايين المعدنيين التقليديين «الدهابة» في التنقيب اليدوي عن الذهب، وينتجون ما نسبته 80 في المائة، بينما تنتج شركات الإنتاج النسبة المتبقية.
وبلغ إنتاج الذهب في السودان ذروته في عام 2017، الذي بلغ 107 أطنان، وفي العام قبل الماضي (2018) أنتج السودان 93.6 طن من الذهب، بمتوسط سنوي في حدود 100 طن، لكن تسريبات غير رسمية تتحدث عن إنتاج سنوي يتراوح بين 200 و250 طناً من الذهب سنوياً، وذهب آخرون إلى حد 500 طن سنوياً.

- نافذون يسيطرون على ذهب السودان
تعمل الكثير من الشركات المملوكة لعدد من النافذين في التنقيب عن الذهب في معظم أنحاء السودان، وتملك الكثير من المناجم في مناطق مختلفة بما في ذلك شركات أمنية وعسكرية، لكن أشهر مناطق إنتاج الذهب قاطبة فهو منجم «جبل عامر» في ولاية شمال دارفور. في عام 2012 اكتشفت كميات كبيرة من الذهب في تلال جبل عامر، تقول التقارير، إن كل 50 كيلوغراماً من التربة تحتوي كيلوغراماً واحداً من الذهب؛ ما دفع الكثير من المعدنين للتوجه إلى هناك، بل ومن بعض بلدان الجوار.
كميات الذهب الوفيرة أغرت «حملة السلاح» بالقدوم إلى المنطقة، ليتحول ذهب جبل عامر، لمأساة ومنطقة صراع عرقي راح ضحيته عدد كبير من المواطنين، ودارت حوله معارك طاحنة بين القبائل المحلية وقبائل البدو، قبل أن تسيطر عليه قوات الدعم السريع. ولعبت حكومة المعزول عمر البشير دوراً كبيراً في حروب الذهب في تلك المنطقة؛ إذ إنها سلحت قبائل حليفة لها في حربها ضد التمرد، استخدم لاحقاً في الاستيلاء على ذهب جبل عامر.
ومع تنامي سيطرة «قوات الدعم السريع» بقيادة عضو مجلس السيادة محمد حمدان دقلو، وهي قوات شبه نظامية استخدمت في الحرب ضد المتمردين الدارفوريين، وأُلحقت بالقوات المسلحة لاحقاً، فقد آل معظم إنتاج الذهب في جبل عامر لتلك القوات، والتي أكملت سيطرتها عليه بعد حملة جمع السلاح التي نفذها نائب الرئيس المعزول حسبو عبد الرحمن، وإخراج قوات الزعيم القبلي المعتقل منذ قبل سقوط نظام البشير «موسى هلال».
وكان هلال يقود قوات «حرس الحدود» المتهمة بانتهاكات في دارفور، وتعمل لصالح الحكومة المركزية، قبل أن يتمرد زعيمها هلال على حكومة البشير؛ ما دفع قوات الدعم السريع لإلقاء القبض عليه، وإيداعه السجن، ليخلو لها ذهب المنجم الغني.

- مافيا مدعومة حكومياً تهرب الذهب السوداني
تقول التقارير، إن معظم ذهب السودان يهرب عبر الحدود، ولا تستفيد منه البلاد، ويستخدم المهربون بحسب تقارير صحافية حيل كثيرة لتهريبه عبر الحدود، مستخدمين طرقاً سرية في الصحراء، وتخزينه في بطون الإبل، أو علناً عبر مطار الخرطوم بتواطؤ من مسؤولين في المطار وخارجه.
ولعب التواطؤ الرسمي بمستويات الدولة العليا، وضعف الرقابة في المطارات، دوراً مهماً في تهريب الذهب خارج البلاد، بل ووفقاً لتصريحات سابقة لمسؤولين حكوميين، فإن هناك شركات وشخصيات نافذة «جداً» تساعد على تهريب الذهب، بل تحصل على تراخيص رسمية تسهل عليها عمليات التهريب، بل وأن التهريب كان يتم عبر صالة كبار الزوار الذين لا يخضعون للتفتيش. على الرغم من المفارقات الكبيرة في حجم الإنتاج بين التقارير الرسمية وتقارير الخبراء، فإن تقدير وزارة المعادن تقول إن الفرق بين الإنتاج والصادر كبيرة جداً، ويتراوح الفاقد بين 2 و4 مليارات دولار سنوياً، بنسبة 37 في المائة من إجمالي صادرات البلاد.
الأمين العام للجنة التمهيدية لاتحاد الصاغة والمتحدث باسمها محمد إبراهيم حاج حامد يقول، إن أكثر من 70 في المائة من إنتاج الذهب يتم تهريبه بطرق غير رسمية. ورغم عدم وجود إحصائيات رسمية باحتياطي الذهب في السودان، فإن وزير المعادن الأسبق هاشم على سالم يقدره بنحو 500 طن من الاحتياطي المؤكد، وآلاف الأطنان من الاحتياطي غير المؤكد، في حين ذكر وزير المعادن الأسبق أحمد محمد صادق الكاروري لـ«الشرق الأوسط» في مقابلة عام 2017، أن احتياطي السودان المؤكد من الذهب يبلغ 1550 طناً.
وتصنف التقارير الدولية لإنتاج الذهب حول العالم السودان الدولة رقم 13 بين الدول المنتجة للذهب حول العالم والثالثة بين الدول الأفريقية، بعد غانا وجنوب أفريقيا بإنتاج بلغ 76.6 طن في عام 2018، «غانا أنتجت 130.5 طن، وجنوب أفريقيا 129.8 طن» في العام ذاته، وذلك بحسب تقرير مجلس الذهب العالمي الصادر في أبريل (نيسان) 2019. وتعمل في التنقيب عن الذهب في السودان، بحسب تقرير وزارة المعادن، 444 شركة بين محلية ودولية، تعمل في مجالات الاستكشاف والإنتاج وغيرها، وأكبرها شركة «أرياب» الفرنسية أولى الشركات العاملة في إنتاج الذهب.
يقول عضو المجلس الاستشاري لوزير المعادن السابق، الدكتور محمد الناير، في إفادة لـ«الشرق الأوسط»، إن التعدين التقليدي ينتج 80 في المائة من الذهب، في حين تأتي النسبة المتبقية 20 في المائة من الإنتاج المنظم، وهي معلومة يشكك فيها الأمين العام للجنة التمهيدية لاتحاد الصاغة والمتحدث محمد إبراهيم حاج حامد، ويصفها بأنها غير صحيحة، ويقول: «إذا كان الدهابة ينتجون هذه الكميات، بأدواتهم البسيطة وتنقيبهم السطحي، فكم ستنتج الشركات ذات المقدرات الفنية العالية، وبينها شركات تابعة للأجهزة الأمنية، بحوزتها الإمكانات والمعلومات». ويقود التناقض بين نسب الإنتاج المعلنة رسمية (في حدود 100 طن)، والنسب التي يتناقلها المعدون والخبراء (200 - 250 طناً)، والفارق الكبير في الإنتاج بين التعدين التقليدي والتعدين المنظم، إلى ظاهرة «تهريب الذهب». ويقول مستشار المعادن السابق الدكتور عبد الله الرمادي، إن إنتاج الشركات الكبيرة، يمكن إحصاؤه بوجود رقابة دقيقة، ويضيف: «لكن في ظل استشراء الفساد، فإن الضوابط ليست محكمة».
ويقطع الرمادي بأن الأرقام الأقرب للدقة حول إنتاج الذهب تتراوح بين 200 و250 طناً سنوياً من الإنتاج الأهلي وحده، ويتابع: «كنت مستشاراً لوزير المعادن، رجعت لمختصين في مجال الذهب، فأكدوا لي أن الإنتاج يتراوح بين 200 و250 طناً سنوياً». وبحسب الرمادي، ينتج هذه الكميات من الذهب أكثر من مليونَي شاب يعملون في التنقيب الأهلي، وتعد مؤشراً من المؤشرات التي يمكن اعتمادها في تقدير الإنتاج الحقيقي للذهب في البلاد. وتبلغ عائدات الذهب الفعلية سنوياً نحو 8 مليارات دولار، إذا اعتمد الحد الأدنى للإنتاج، أي 200 طن سنوياً، ويتابع الرمادي: «لو تم تصدير هذه الكمية عبر الطرق الرسمية، وعاد عائدها لخزينة البنك المركزي، لحدث فائض في ميزان المدفوعات السوداني».
وبشأن التهريب، يقول الرمادي، إن وزير المعادن الأسبق ذكر أن النسبة الأكبر من الذهب تهرب عبر مطار الخرطوم، وتقدر لنحو 200 طن سنوياً، ويضيف: «وزير المعادن الأسبق صرح بأن المنتج هو 250 طناً سنوياً تهرب منها 200 طن»، ويتابع: «هذا وضع مخل للغاية، اكتفت الحكومة لمواجهته بفصل مدير جمارك مطار الخرطوم ومدير مكتبه، دون أن تبحث عن المجرمين الكبار لتعاقبهم»، ويستطرد: «أين المهربون الحقيقيون، ولماذا لم يقدّموا لمحاكمات؛ لأن مثل هذا الفساد، حرم البلاد من عائدات في حدها الأدنى 8 مليارات دولار سنوياً».
ويرى مستشار وزير المعادن في الأرقام الرسمية لحجم الإنتاج السنوي بمتوسط 100 طن، نوعاً من أنواع المداراة الرسمية للمهربين الحقيقيين، ويقول: «الحكومة كانت تعلم أن ما ينتج بتقديرات وزارة المعادن في التعدين الأهلي وحده لا يقل عن 200 طن». ويوضح الرمادي، أن الغرض الأساسي من تهريب الذهب هو الحصول على عملات أجنبية خارج السودان ليستخدمها المستوردون في تمويل عملياتهم، ويضيف: «السياسات الخاطئة للبنك المركزي دفعت المنتجين التقليدين في القطاع الأهلي للارتماء في أحضان التهريب»، ويستطرد: «كان على البنك المركزي وضع سعر مجزٍ للمنتج، يحول بينه والوقوع فريسة لإغراءات المهربين»، ويصف الرمادي سياسات بنك السودان المركزية بأنها ناتجة إما من عدم دراية، أو تخلف في العقلية التسويقية للبنك، أو عدم اهتمام قياداته بالأمر، يقول: «هم موظفون يحصلون على رواتبهم، اشتروا الذهب أو لم يشتروه، الأمر بالنسبة لهم بلا فرق».

- سياسات بنك السودان المركزي تشجع التهريب
يقطع الخبراء بأن سياسات بنك السودان، وتأثير النافذين والشخصيات السياسية، تلعب دوراً مهماً في تشجيع تهريب الذهب، بما يفقد البلاد توازنها الاقتصادي، يقول الدكتور الناير، إن وقف تهريب الذهب يستلزم إنشاء «بورصة ذهب»، اكتملت دراساتها بانتظار اعتمادها من مجلس الوزراء، ويضيف: «البورصة تتعامل بسعر الذهب العالمي في الوقت المحدد، ما يحفز المنتجين لبيعه للدولة، بما يحقق المصالح المتبادلة».
ونقلت صحيفة «التغيير» السودانية، في سبتمبر (أيلول) الماضي، أن بنك السودان يشتري الذهب من التعدين الأهلي بسعر 40 ألف دولار للكيلوغرام الواحد، في الوقت الذي يقارب فيه سعر الكيلوغرام من الذهب 50 ألف دولار؛ ما يشجع على التهريب.

- الحفاظ على البيئة من التلوث
تسبب انتشار تعدين الذهب في أنحاء واسعة من السودان، بمشاكل بيئية وصحية كثيرة أثرت في حياة الكثير من المواطنين، في مناطق كثيرة من البلاد، وأدى إلى عدد من الاضطرابات الصحية والبيئة، ظهرت في شكل رد فعل قوي في ولاية جنوب كردفان في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وبحسب تقرير لـ«الديمقراطية أولاً»، وهي إحدى منظمات المجتمع المدني التي أنشئت حديثاً، فإن ولاية جنوب كردفان، الأغنى بالذهب في السودان، يوجد بها أكثر من 58 منجماً للذهب، وأكثر من 3 آلاف بئر تعدين؛ ما أفزر كميات كبيرة من مخلفات التربة المعالجة بالزئبق، وأغرى مستثمرين لإنشاء مصانع لمعالجة المخلفات باستخدام مادة «السيانيد» شديدة السمية، واستخلاص ما تبقى من ذهب في المخلفات.
وتملك شركات «الأشقر، والتواصل، والاعتماد، ولحا للتعدين، والهدف»، وهي شركات أغلبها مملوكة لنافذين في النظام السابق، بمن فيهم والي الولاية المعزول، عدداً من مناجم الذهب، إضافة إلى مصانع غير معروفة.
ووجدت المصانع التي تستخدم السيانيد مقاومة ورفضاً كبيرين من السكان المحليين؛ بسبب الأضرار البالغة التي سببتها المادة شديدة السمية على الإنسان والحيوان والنبات والبيئة والتربة؛ ما أدى إلى تشكل لجان مقاومة قادت حملات مقاومة كبيرة، وحدثت مواجهات عنيفة بين المواطنين نتج منها إحراق عدد من مصانع استخلاص الذهب في ولاية جنوب كردفان.
ونقل التقرير عن ناشطين، أن حالات الإجهاض في الولاية زادت بنسبة 40 في المائة، إضافة إلى تزايد أعداد المواليد الذين يولدون متوفين أو يفارقون الحياة بعد الولادة مباشرة، وانتشار التشوهات الخلقية للأجنة، وارتفاع نسب الوفاة بسبب التسمم بمادتي الزئبق والسيانيد، وارتفاع نسبة المواطنين المتأثرين باستنشاق السيانيد، ونفوق أعداد كبيرة من الماشية والحيوانات والطيور البرية، بما في ذلك بعض الطيور النادرة مثل «صقر الجديان»، وهو رمز الحكومة السودانية، إضافة إلى حالات التوتر الأمني بسبب انتشار أعداد كبيرة من المعدنين التقليديين.
وبحسب الباحث عز الدين فضل آدم، الذي نشر دراسة عن تلوث التربة والهواء والماء بسبب تعدين الذهب، فإن عمليات التنقيب تؤثر على طبوغرافية الأرض عن طريق الحفر والتخلص من النفايات؛ ما يؤدي إلى تعرية التربة وتغيير معالمها وتعرضها للانجراف والتصحر، أو تلويث التربة والمياه الجوفية بالزئبق وتلويث هواء المنطقة أثناء حرقه، وانتقاله عن طريق السلسلة الغذائية، أو انجرافه عبر مياه الأمطار، أو امتصاصه من المزروعات والخضراوات أو الأعشاب التي ترعاها الحيوانات، وإمكانية إفرازه عن طريق لحومها وألبانها.
وأحرق المواطنون الغاضبون عدداً من مصانع تعدين الذهب باستخدام السيانيد، وبعضها مملوك لنافذين في الحكومة المعزولة، بل والحكومة الحالية؛ ما اضطر مجلس الوزراء إلى إصدار قرار بوقف استخدام الزئبق والسيانيد في استخلاص الذهب، وتعديل الاتفاقيات مع الشركات العاملة في استخلاص الذهب لحين توفير بدائل.
وأثار قرار وقف استخدام الزئبق والسيانيد غضباً بين المعدنيين، وقالوا إنه أدى إلى تراجع كبير في إنتاج الذهب تجاوز 50 في المائة، وهو القرار الذي وصفه الدكتور الرمادي بأنه «خاطئ مائة في المائة»؛ استناداً إلى تأثيره على إنتاج الذهب الذي تحتاج البلاد إلى عائداته لمواجهة الأزمة الاقتصادية التي تواجهها، قبل توفير البدائل.
ويستخدم المعدنيون التقليديون معدن الزئبق في استخلاص ما نسبته 30 في المائة من الذهب الموجود في التربة، ويواجهون مخاطر التسمم، في حين يتم استخلاص النسبة المتبقية باستخدام السيانيد في مصانع كبيرة، دون الالتزام بالاشتراطات اللازمة للحفاظ على سلامة الإنسان والبيئة، وهو خطر يهدد معظم مناطق السودان التي ينتشر فيها تعدين الذهب.



وزراء الخارجية العرب يدينون الاعتداءات الإيرانية ويلوحون بـ«الدفاع المشترك»

اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في دورة غير عادية عبر تقنية الاتصال المرئي (الخارجية المصرية)
اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في دورة غير عادية عبر تقنية الاتصال المرئي (الخارجية المصرية)
TT

وزراء الخارجية العرب يدينون الاعتداءات الإيرانية ويلوحون بـ«الدفاع المشترك»

اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في دورة غير عادية عبر تقنية الاتصال المرئي (الخارجية المصرية)
اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في دورة غير عادية عبر تقنية الاتصال المرئي (الخارجية المصرية)

أدان وزراء الخارجية العرب «بشدة» الاعتداءات الإيرانية على دول عربية، وعدُّوها «تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين»، وطالبوا مجلس الأمن الدولي في ختام اجتماع طارئ عقدوه، الأحد، عبر تقنية الاتصال المرئي بإجبار طهران على الوقف الفوري للاعتداءات، مؤكدين حق الدول المستهدفة في الدفاع عن النفس «منفرداً أو جماعياً».

وعقد مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية الاجتماع الطارئ عبر تقنية «الفيديو كونفرانس» لبحث الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وخلص إلى إصدار قرار من 16 بنداً أدان «الاعتداءات الإيرانية غير القانونية»، ودعا طهران إلى «الوقف الفوري للهجمات العسكرية العدوانية، والكف الفوري عن جميع الأعمال الاستفزازية أو التهديدات للدول المجاورة، بما في ذلك استخدام أذرعها وميليشياتها المسلحة في المنطقة».

وجدد الوزراء العرب التأكيد على «الدعم الثابت لسلامة أراضي الدول العربية المستهدَفة وسيادتها واستقلالها، وتأييد جميع الخطوات والإجراءات اللازمة التي تتخذها للذود عن أمنها واستقرارها وحماية أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها، بما في ذلك خيار الرد على هذه الاعتداءات».

وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي يشارك في اجتماع مجلس الجامعة على المستوى الوزاري عبر تقنية الاتصال المرئي (الخارجية السعودية)

وشدد الوزراء على «الرفض القاطع» لهذه الاعتداءات وتضامن جميع الدول العربية الكامل معها، مذكّرين بـ«مقتضيات ميثاق جامعة الدول العربية ومعاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي في مثل هذه الحالة، وتشديده على أن أمن الدول الأعضاء كل لا يتجزأ، وأن أي اعتداء تتعرض له أي دولة عضو هو اعتداء مباشر على جميع الدول الأعضاء».

كما أكدوا «حق الدول العربية المستهدفة بالاعتداءات الإيرانية في الدفاع الشرعي عن النفس، منفرداً أو جماعياً، وفقاً لما تقضي به المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة»، مجددين الدعم المطلق لحق الدول العربية في اللجوء إلى المؤسسات الدولية، بما في ذلك مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، لاستصدار قرارات دولية تدين «هذه الاعتداءات السافرة، وتُحمل إيران المسؤولية الكاملة عن الآثار المترتبة عليها».

ودعا وزراء الخارجية العرب مجلس الأمن الدولي إلى «تحمل مسؤولياته في حفظ السلم والأمن الإقليمي والدولي وإصدار قرار ملزم يدين الهجمات الإيرانية على الدول العربية، ويجبر إيران على وقف اعتداءاتها فوراً دون شروط».

وأكدوا «وجوب احترام حقوق وحرية الملاحة للسفن التجارية والنقل البحري التجاري وفقاً للقانون الدولي، وعلى حق الدول في الدفاع عن سفنها ووسائل نقلها وفقاً للقانون الدولي».

تنديد ورسالة دعم

وأدان الوزراء العرب «جميع الأعمال والإجراءات الإيرانية الاستفزازية وتدابيرها الهادفة إلى إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة الدولية، أو تهديد حرية الملاحة في باب المندب والمياه الدولية»، مؤكدين أن أي محاولة من جانب إيران لإعاقة المرور المشروع وحرية الملاحة في مضيق هرمز تُعرض استقرار منطقة الخليج العربي، ودورها الحيوي في الاقتصاد العالمي، وإمدادات الطاقة، فضلاً عن السلم والأمن الدوليين، للخطر.

وفيما يتعلق بلبنان، شدد وزراء الخارجية العرب على «دعم وحدته وسيادته واستقلاله وسلامة أراضيه، وعلى ضرورة بسط سلطة الدولة للبنانية الكاملة على جميع أراضيها»، مرحبين بقرار مجلس الوزراء اللبناني بشأن «الحظر الفوري لجميع النشاطات الأمنية والعسكرية لـ(حزب الله)، وعدّها خارجة عن القانون، وحَصر عمله في المجال السياسي ضمن الأطر الدستورية والقانونية؛ والتشديد على حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، لا سيما الجيش اللبناني والقوى الأمنية الرسمية».

وفيما يخص الأراضي الفلسطينية، دعا الوزراء «الأطراف الفاعلة في المجتمع الدولي للضغط على إسرائيل، القوة القائمة بالاحتلال، لإنهاء احتلالها غير القانوني للأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة 1967».

وعُقد الاجتماع بناءً على طلب عدد من الدول العربية من بينها السعودية ومصر وقطر والكويت وعُمان والأردن والبحرين.

«مبادئ حسن الجوار»

وعدَّ الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، الاجتماع بمثابة رسالة واضحة للجميع في المنطقة والعالم، مفادها أن «العرب يتحدثون بصوتٍ واحد، ويقفون صفاً واحداً في إدانة ورفض أي اعتداء على أي دولة عربية، أو انتهاكٍ لسيادتها أو تهديد لسلامة أراضيها وأجوائها».

وأكد أبو الغيط في كلمته أن تلك الاعتداءات «لا تأخذ في حسبانها مبادئ حسن الجوار، وتنتهك القوانين والمواثيق الدولية على نحو سافر وخطير، وتُمثل تهديداً للأمن القومي العربي كله».

وشدد على أنه «لا يُمكن تبرير هذه الهجمات بأية حجة، أو تمريرها تحت أي ذريعة»، مضيفاً أنها «تعكس سياسة متهورة... تضرب حسن الجوار في الصميم».

وقال إن الدول العربية «لم تكن تتوقع أبداً أن يكون الرد على التمسك بمبادئ حسن الجوار والمساعي الدبلوماسية الصادقة هو الصواريخ والمُسيرات الغادرة التي تستهدف العُمران والإنسان»، مضيفاً أن «هذه العدوانية الإيرانية غير المبررة تعكس تخبطاً في الإدراك، وتُزيد من عزلة إيران في هذا الظرف الصعب والدقيق»، محذراً من آثارها السلبية التي قال إنها «قد تمتد إلى العلاقة بين إيران وجوارها العربي».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يشارك في اجتماع مجلس جامعة الدول العربية (الخارجية المصرية)

وكان أبو الغيط قد أدان قبل الاجتماع «بأشد العبارات، التصعيد الإيراني الخطير ضد أهداف مدنية ومنشآت حيوية في منطقة الخليج». وقال المتحدث باسم الأمين العام للجامعة العربية، جمال رشدي، في إفادة رسمية بأن «أبو الغيط يُتابع من كثب تطورات التصعيد الإيراني، ويعده استراتيجية يائسة ضد دول لم تُشارك في الحرب ولم تسعَ إليها، ولن يكون من شأن هذه الاستراتيجية سوى تعميق الكراهية والعداء في المنطقة».

كما تلقى أبو الغيط، الأحد، اتصالاً هاتفياً من الممثلة العليا للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، نقلت خلاله رسالة إلى وزراء الخارجية العرب المجتمعين عبر «الفيديو كونفرانس» تضمنت إعراباً عن «الإدانة الشديدة، ومن دون مواربة، للهجمات الإيرانية على عدد من الدول العربية».

«التعاون العربي المشترك»

وأعرب وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في كلمته خلال الاجتماع عن «التضامن الكامل مع الدول الخليجية والأردن والعراق في مواجهة الاعتداءات الإيرانية»، مشدداً على «الإدانة القاطعة والرفض الكامل لهذه الاعتداءات وأي ذرائع لتبريرها».

ونوَّه الوزير المصري بـ«أهمية تفعيل مفهوم الأمن القومي العربي للحفاظ على أمن الدول العربية، وصون سيادتها»، مشيراً إلى «ضرورة تفعيل أطر التعاون العربي المشترك للتعامل الفعال مع التهديدات القائمة، بما في ذلك تشكيل قوة عربية مشتركة».


قانون جديد للأحزاب في الجزائر يثير تجاذباً بين الإسلاميين والعلمانيين

رفع الراية الأمازيغية في مظاهرة بمنطقة القبائل (حسابات ناشطين)
رفع الراية الأمازيغية في مظاهرة بمنطقة القبائل (حسابات ناشطين)
TT

قانون جديد للأحزاب في الجزائر يثير تجاذباً بين الإسلاميين والعلمانيين

رفع الراية الأمازيغية في مظاهرة بمنطقة القبائل (حسابات ناشطين)
رفع الراية الأمازيغية في مظاهرة بمنطقة القبائل (حسابات ناشطين)

أعلن حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» في الجزائر، رفضه القاطع للتعديلات التي أدخلتها الحكومة على القانون العضوي للأحزاب السياسية، عادّاً نفسه «المستهدَف الأول» من وراء هذه الإجراءات.

تأتي هذه المعارضة في وقت أثارت فيه نسخة القانون الجديدة جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية الجزائرية، خصوصاً فيما يتعلق ببنود حظر استخدام أي راية غير العلَم الوطني في الأنشطة الحزبية.

ويرى مراقبون أن هذه المادة تستهدف بشكل مباشر الأحزاب التي ترفع العلم الأمازيغي في اجتماعاتها.

وقدَّم هذه المبادرة (التعديلات) نواب من التيار الإسلامي - القومي، وتحظى بدعم «حركة مجتمع السلم» الإسلامي؛ ما أثار انتقادات، إذ يرى أصحابها أن ذلك يشكل مساساً بالتعبير عن التعددية الهوياتية التي يعترف بها الدستور، ويُنظر إليه عملياً على أنه يستهدف العلم الأمازيغي.

عثمان معزوز رئيس «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» ويظهر في مكتبه العلم الوطني مع راية الأمازيغ (إعلام الحزب)

وبحسب آراء نقلتها منصة الأخبار «ألترا الجزائر»، فإن «لجنة الشؤون القانونية» في «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية السفلى) تدرس حالياً سلسلة من التعديلات على النص الحكومي، من بينها مقترح تعديل للمادة السادسة قدمه النائب عبد الرحمن صالحي عن حزب «جبهة المستقبل» الموالي للسلطة.

دعم إسلامي

ويقترح هذا التعديل منع الأحزاب السياسية من «استخدام أي علم غير العلم الوطني»، بذريعة «الحفاظ على الوحدة الوطنية ومنع خطابات الكراهية أو الرموز التي قد تغذي الانقسامات الهوياتية».

حظيت المبادرة بدعم نواب من التيار الإسلامي، خصوصاً داخل حزب «حركة مجتمع السلم»، حيث يرى البرلماني التابع له، عز الدين زحوف، أن الالتزام الحصري بالعلم الوطني يُعدّ «أمراً بديهياً يهدف إلى تعزيز التماسك الوطني». وأضاف أن استخدام أعلام ذات طابع هوياتي أو جهوي قد يُحدِث «لَبْساً أو يغذي الانقسامات في الفضاء العام». كما استحضر الحراك الشعبي سنة 2019، حيث دعت بعض الشعارات إلى التمسُّك الحصري بالعَلَم الوطني، بعد أن تمّ رفع العلم الأمازيغي من طرف قطاع من نشطاء الحراك.

ويستند طرح البرلماني إلى قراءة رمزية للعلم الجزائري؛ إذ يرى أن ألوانه ورموزه، لا سيما الهلال والنجمة، «تحمل دلالة تاريخية وحضارية موحَّدة».

والجدل حول «راية الأمازيغ» قديم، يعود إلى 7 سنوات، وكان قد برز بقوة في عهد الراحل قائد الجيش الفريق أحمد قايد صالح، الذي شنَّ حملة اعتقالات ضد رافعي هذه الراية في الحراك الشعبي الذي أجبر الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة على التنحي في 2 أبريل (نيسان) 2019.

برلماني «حركة مجتمع السلم» الإسلامية عز الدين زحوف (حسابه الخاص بالاعلام الاجتماعي)

ويذهب معارضو هذا التوجُّه إلى أنه يعكس «رؤية آيديولوجية ذات صبغة عربية إسلامية للهوية الوطنية، وهي الهوية التي تتشكل»، حسب تقديرهم، «من روافد متنوعة تمثل الشعب الجزائري، وفي مقدمتها الأمازيغية التي يتبناها الملايين، لا سيما في مناطق الشرق والجنوب».

كما يرى منتقدو المقترح أن حظر أي علم غير العلم الوطني في النشاط الحزبي، «قد يكرّس تصوراً موحّداً للأمة، يتعارض مع الاعتراف الدستوري بالبعد الأمازيغي للهوية الجزائرية».

ويرى مراقبون أن هذا النقاش يتخطى أبعاده الرمزية، ليضع الإصبع على جرح التجاذب السياسي المزمن بين تيار يتمسك برؤية مركزية أحادية للهوية، وتيار آخر ينادي بضرورة الإقرار بالتعددية التاريخية والثقافية كركيزة أساسية للدولة.

وفي تقدير بعض المسؤولين السياسيين، قد يفتح هذا التعديل الباب أمام تقييد التعبير الثقافي والسياسي، في بلد يتميز بتعددية هوياتية يعترف بها الدستور.

وفي هذا السياق، أكد رئيس حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، عثمان معزوز، أن القضية تتجاوز مجرد تنظيم الرموز؛ فالوحدة الوطنية، بحسبه، «لا تتحقق بمنع الرموز الثقافية، بل ببنائها على أساس الاعتراف بالتنوع الذي يشكّل المجتمع الجزائري».

ومن هذا المنظور، فإن حظر الرموز الثقافية، ومنها العلم الأمازيغي، يطرح مسألة حدود حرية التعبير السياسي، إذ إن الأحزاب «ليست مجرد آلات انتخابية، بل فضاءات للتعبير الآيديولوجي والاجتماعي والثقافي»، وفق معزوز.

اجتماع للجنة القانونية البرلمانية حول تعديل مشروع قانون الأحزاب (إعلام البرلمان)

ويبدو، لأول وهلة، أن مبادرة النائب صالحي تعني بالدرجة الأولى «التجمُّع من أجل الثقافة» العلماني المعارض، الذي يبدي حرصاً على وضع راية الأمازيغ إلى جانب العلم الوطني في اجتماعاته، علماً بأن أهم قواعد هذا الحزب موجودة في منطقة القبائل الناطقة بالأمازيغية، وأغلب قيادييه ومناضليه يتحدرون منها.

وعلَّق سعيد صالحي، قيادي «الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان»، التي حلَّتها السلطة في 2023، على هذا الجدل، في منشور له بالإعلام الاجتماعي: «لا جزائر بلا الأمازيغية: على هذا الشعار فتحت عيني في أول مدرسة لي للنضال الديمقراطي، ضمن الحركة الثقافية البربرية».

من جهتها، نشرت المنصة الإخبارية «ماغراب إيمرجنت»، أن «اللجنة القانونية» بـ«المجلس الشعبي الوطني» رفضت التعديل الذي اقترحه النائب عبد الرحمن صالحي.

وبعد رفض هذا الاقتراح، يبقى النص على النحو التالي: «لا يمكن للحزب السياسي اعتماد تسمية أو رمز أو علم مميز مطابق أو مشابه لتلك التي يملكها حزب أو جمعية أو نقابة أو أي تنظيم آخر سابق مهما تكن طبيعته»، كما يمنع النص أي حزب من «تبني مواقف أو أعمال مخالفة لمصالح الأمة ومبادئ ثورة التحرير».


تداعيات الحرب على إيران تلقي بظلالها على اليمن

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً صعبة ويعتمدون على المساعدات الإنسانية (إ.ب.أ)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً صعبة ويعتمدون على المساعدات الإنسانية (إ.ب.أ)
TT

تداعيات الحرب على إيران تلقي بظلالها على اليمن

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً صعبة ويعتمدون على المساعدات الإنسانية (إ.ب.أ)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً صعبة ويعتمدون على المساعدات الإنسانية (إ.ب.أ)

ألقت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى بظلالها على الوضع الاقتصادي في اليمن، مع شروع بعض شركات الشحن في فرض رسوم إضافية على البضائع المتجهة إلى المواني اليمنية، تحت مسمى «رسوم مخاطر الحرب».

ويأتي ذلك في وقت يعتمد فيه اليمن على الاستيراد لتغطية نحو 90 في المائة من احتياجاته الغذائية والسلعية، ما يثير مخاوف من انعكاس أي زيادات في تكاليف النقل على أسعار السلع الأساسية في الأسواق المحلية.

وتزامن هذا التطور مع حالة ترقب تسود الأوساط السياسية والشعبية لاحتمالات انخراط جماعة الحوثيين في الصراع الإقليمي، وهو ما قد يضاعف من الضغوط الاقتصادية والإنسانية على بلد يعاني بالفعل من أزمة معيشية حادة منذ سنوات الحرب.

الحكومة اليمنية أكدت أن موانيها لا تزال بعيدة عن مناطق التوتر (إعلام محلي)

وفي محاولة لطمأنة الأسواق، أكدت الحكومة اليمنية أن المخزون الاحتياطي من القمح يغطي احتياجات البلاد لمدة 3 أشهر، في حين أنَّ تعاقدات التجار التي يُنتظر وصولها خلال الفترة المقبلة ستكفي لتغطية الطلب لـ3 أشهر إضافية، ما يمنح السلطات هامشاً زمنياً للتعامل مع أي تطورات محتملة في حركة التجارة الدولية.

اعتراض حكومي

بعد أيام من تأكيد وزارة الصناعة والتجارة اليمنية استقرار مخزون القمح في البلاد، كشفت وزارة النقل عن قيام بعض الخطوط الملاحية الصينية بفرض رسوم إضافية كبيرة على البضائع المتجهة إلى المواني اليمنية، بلغت نحو 3 آلاف دولار عن كل حاوية، تحت ذريعة المخاطر المرتبطة بالحرب الدائرة في المنطقة.

ووجَّهت وزارة النقل خطاباً رسمياً إلى رئيس الغرفة الملاحية في العاصمة المؤقتة عدن، أعربت فيه عن اعتراضها على فرض هذه الرسوم، خصوصاً أنها شملت أيضاً شحنات وصلت بالفعل إلى المواني اليمنية قبل الثاني من مارس (آذار) الحالي.

صورة لخطاب احتجاج وزارة النقل اليمنية على زيادة رسوم الشحن (إكس)

وأكد الخطاب، الذي وقَّعه وكيل وزارة النقل، القبطان علي الصبحي، أن الوزارة تلقت شكاوى من عدد من التجار والموردين اليمنيين بشأن هذه الزيادة المفاجئة في تكاليف الشحن، والتي وصفها بأنها خطوة غير مُبرَّرة، نظراً لعدم وقوع المواني اليمنية ضمن مناطق النزاع المباشر.

وطلبت الوزارة من الغرفة الملاحية إبلاغ شركات الشحن باعتراض الحكومة على فرض أي رسوم إضافية على الواردات المتجهة إلى المواني اليمنية، مع دعوتها إلى موافاتها بأي مستجدات في هذا الشأن، وإبداء استعدادها لمناقشة أي صعوبات قد تواجه حركة السفن والعمل على تذليلها.

إجراء غير منطقي

في سياق هذه التداعيات، أكد وزير النقل، محسن حيدرة، أن الحكومة تتابع من كثب التحديات التي تواجه القطاع التجاري والملاحي في البلاد، مشدداً على أن المواني اليمنية لا تزال بعيدةً عن مناطق التوتر الجيوسياسي في الخليج العربي ومضيق هرمز.

وقال الوزير في تصريحات رسمية، إن فرض رسوم إضافية تحت مسمى «مخاطر الحرب» على الشحنات المتجهة إلى اليمن «إجراء يفتقر إلى المبررات المنطقية والواقعية»، لافتاً إلى أن تلك المواني تعمل بصورة طبيعية ولا تقع ضمن مناطق عمليات عسكرية أو تهديدات مباشرة للملاحة.

وأكد حيدرة أن الوزارة ترفض بشكل قاطع أي مبالغ إضافية على البضائع المتجهة إلى البلاد، خصوصاً عندما تصل هذه الرسوم إلى نحو 3000 دولار للحاوية الواحدة، محذراً من أن مثل هذه الإجراءات من شأنها زيادة الأعباء على الموردين والتجار، وهو ما سينعكس بدوره على أسعار السلع التي يتحمَّل المواطن البسيط تكلفتها في النهاية.

وأضاف الوزير أنه وجه الجهات المعنية بمنع تحصيل هذه الرسوم فوراً، خصوصاً بالنسبة للشحنات التي وصلت بالفعل إلى المواني قبل التاريخ الذي حددته شركات الشحن، مؤكداً أنه يتابع تنفيذ هذا التوجيه بشكل مباشر.

كما شدَّد على أن الحكومة لن تسمح بأن تتحول المواني اليمنية إلى ساحة لفرض أعباء مالية غير قانونية تزيد من معاناة السكان، في بلد يعاني ملايين من مواطنيه من تدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية.

ورغم نبرة الرفض الحازمة، أكد الوزير أن أبواب الوزارة ستظل مفتوحةً أمام شركات الملاحة الدولية لمناقشة أي تحديات تواجهها، مع التأكيد على التزام الحكومة بتوفير بيئة تجارية شفافة وجاذبة للاستثمار.

وأوضح وزير النقل اليمني أن حماية الاقتصاد الوطني تبدأ بحماية حقوق الموردين والتجار، مع التزام السلطات باتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة لضمان استقرار قطاع النقل البحري، بوصفه شرياناً حيوياً لتدفق السلع إلى السوق اليمنية.

مخاوف إنسانية

في موازاة المخاوف الاقتصادية، حذَّرت الأمم المتحدة من التداعيات الإنسانية المحتملة لتصاعد التوترات العسكرية في المنطقة على اليمن، الذي يُعدُّ من أكثر الدول هشاشة في العالم من حيث الأمن الغذائي.

وقال وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، توم فليتشر، إن أي تصعيد إضافي في النزاع بالمنطقة، سواء في اليمن أو في البحر الأحمر، قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار السلع الأساسية أو نقص في الإمدادات الغذائية.

وأوضح المسؤول الأممي أن مثل هذه التطورات قد تزيد من تفاقم الوضع الغذائي المتردي بالفعل، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين، حيث يعتمد ملايين السكان على المساعدات الإنسانية للبقاء.

الأمم المتحدة خزَّنت كميات تموينية في اليمن (الأمم المتحدة)

وأشار فليتشر إلى أن المنظمة الدولية قامت بتفعيل خطط الطوارئ في مختلف دول المنطقة، بما في ذلك اليمن، تحسباً لأي آثار غير مباشرة للنزاع المتصاعد.

وكشف عن أن الأمم المتحدة تعمل على تخزين كميات احتياطية من المساعدات الإنسانية، إضافة إلى إعداد خيارات تمويل سريعة، من بينها تخصيصات محتملة من الصندوق المركزي للاستجابة للطوارئ؛ بهدف ضمان استمرار عمليات الإغاثة في حال تعطل سلاسل الإمداد.

كما حذَّر المسؤول الأممي من أن إغلاق المجال الجوي في بعض مناطق المنطقة قد يعرقل عمليات نقل المساعدات الإنسانية إلى اليمن، في ظلِّ توقف بعض رحلات الأمم المتحدة التي تُستخدَم لنقل العاملين في المجال الإنساني والإمدادات الضرورية.