الذهب في السودان... التهريب يذري أحلام الثراء

متوسط الإنتاج بين 100 و250 طناً سنوياً... ونافذون يسيطرون على تجارته

شركات تستخدم أجهزة متطورة للتنقيب عن الذهب
شركات تستخدم أجهزة متطورة للتنقيب عن الذهب
TT

الذهب في السودان... التهريب يذري أحلام الثراء

شركات تستخدم أجهزة متطورة للتنقيب عن الذهب
شركات تستخدم أجهزة متطورة للتنقيب عن الذهب

عرف السودان القديم بـ«بلاد النوبة»، ونوبة مفردة هيروغليفية تعني الذهب، أي «أرض الذهب»، وهذا الصيت شجع الغزاة على مر التاريخ لمحاولة غزو المنطقة للحصول على ذهبها الوفير، الذي تحدثت عنه الأساطير الفرعونية، لكن السودان لم يتحول إلى دولة «ذهبية» إلا في العشرية الأولى من القرن الواحد وعشرين.
ففي عام 2008 تقريباً، ومن دون مقدمات، انتشر مئات الآلاف من الباحثين عن الثراء السريع والمغامرين في صحاري ووديان وسهول السودان، وتزايد الرقم تدريجياً ليبلغ أكثر من مليوني معدني أهلي، يبحث عن «المعدن الأصفر» الذي يقال إنه مخبوء في التراب، بل وعلى سطح الرمال، وانتشروا كأنهم نهضوا من التاريخ وعهد الحاكم التركي محمد علي باشا، الذي احتل السودان؛ «بحثاً عن الذهب والرجال»، فوجد الرجال، لكن مهمته في البحث عن الذهب باءت بفشل ذريع.
وسريعاً دوّن السودان اسمه بين المنتجين الكبار للذهب حول العالم، ليبلغ إنتاجه خلال سنوات قليلة أكثر من مائة طن، وليحتل المركز الثاني بين الدول المنتجة للذهب في أفريقيا بعد دولة جنوب أفريقيا.
وأكد ملايين الدهّابة – وهو اسم محلي يطلق على المنقبين التقليديين عن الذهب، أسطورة «أرض الذهب» وكذبوا «العلماء» والمنقبين عن الذهب في القرن الثامن عشر، الذين أتى بهم الحاكم التركي لإثراء دولته، وأكدوا أن رمال و«أطيان» السودان تخبئ أطناناً من الذهب تكفي لجعله بلداً ثرياً، وأن «حفرة صغيرة» وشيئاً من الحظ، يمكن أن ينقل الفقير فجأة إلى ثري تتحدث عن ثرائه النجوع والمدن.
جهود «الدهّابة» كشفت عن أن الأرض السودانية تخبئ الكثير من الذهب، على أعماق سطحية، وسرعان ما لحق بهم رجال المال والأعمال الذين جلبوا أجهزة كشف المعادن السطحية، ونشروها في مساحات واسعة من السودان، قبل أن تلحق بهم الشركات الأجنبية والمحلية الكبيرة، وسريعاً أصبح السودان أحد المنتجين الرئيسيين للذهب في أفريقيا، وخلال سنوات قليلة أصبح يحتل المركز الثاني بعد جنوب أفريقيا في إنتاج المعدن النفيس في القارة السمراء.
وبحسب آخر تقرير صادر عن وزارة المعادن السودانية، بلغ إنتاج الذهب خلال النصف الأول من العام الحالي 30 طناً مترياً، في وقت يقدر أن يزيد فيه الإنتاج من الذهب على 60 طناً بنهاية العام. ويقول التقرير، إن الإنتاج المتوقع للنصف الأول من العام في حدود 59.898 طن، ليبلغ الإنتاج المتوقع ضعف هذه الكمية بنهاية العام زهاء 120 طناً. ويعمل ملايين المعدنيين التقليديين «الدهابة» في التنقيب اليدوي عن الذهب، وينتجون ما نسبته 80 في المائة، بينما تنتج شركات الإنتاج النسبة المتبقية.
وبلغ إنتاج الذهب في السودان ذروته في عام 2017، الذي بلغ 107 أطنان، وفي العام قبل الماضي (2018) أنتج السودان 93.6 طن من الذهب، بمتوسط سنوي في حدود 100 طن، لكن تسريبات غير رسمية تتحدث عن إنتاج سنوي يتراوح بين 200 و250 طناً من الذهب سنوياً، وذهب آخرون إلى حد 500 طن سنوياً.

- نافذون يسيطرون على ذهب السودان
تعمل الكثير من الشركات المملوكة لعدد من النافذين في التنقيب عن الذهب في معظم أنحاء السودان، وتملك الكثير من المناجم في مناطق مختلفة بما في ذلك شركات أمنية وعسكرية، لكن أشهر مناطق إنتاج الذهب قاطبة فهو منجم «جبل عامر» في ولاية شمال دارفور. في عام 2012 اكتشفت كميات كبيرة من الذهب في تلال جبل عامر، تقول التقارير، إن كل 50 كيلوغراماً من التربة تحتوي كيلوغراماً واحداً من الذهب؛ ما دفع الكثير من المعدنين للتوجه إلى هناك، بل ومن بعض بلدان الجوار.
كميات الذهب الوفيرة أغرت «حملة السلاح» بالقدوم إلى المنطقة، ليتحول ذهب جبل عامر، لمأساة ومنطقة صراع عرقي راح ضحيته عدد كبير من المواطنين، ودارت حوله معارك طاحنة بين القبائل المحلية وقبائل البدو، قبل أن تسيطر عليه قوات الدعم السريع. ولعبت حكومة المعزول عمر البشير دوراً كبيراً في حروب الذهب في تلك المنطقة؛ إذ إنها سلحت قبائل حليفة لها في حربها ضد التمرد، استخدم لاحقاً في الاستيلاء على ذهب جبل عامر.
ومع تنامي سيطرة «قوات الدعم السريع» بقيادة عضو مجلس السيادة محمد حمدان دقلو، وهي قوات شبه نظامية استخدمت في الحرب ضد المتمردين الدارفوريين، وأُلحقت بالقوات المسلحة لاحقاً، فقد آل معظم إنتاج الذهب في جبل عامر لتلك القوات، والتي أكملت سيطرتها عليه بعد حملة جمع السلاح التي نفذها نائب الرئيس المعزول حسبو عبد الرحمن، وإخراج قوات الزعيم القبلي المعتقل منذ قبل سقوط نظام البشير «موسى هلال».
وكان هلال يقود قوات «حرس الحدود» المتهمة بانتهاكات في دارفور، وتعمل لصالح الحكومة المركزية، قبل أن يتمرد زعيمها هلال على حكومة البشير؛ ما دفع قوات الدعم السريع لإلقاء القبض عليه، وإيداعه السجن، ليخلو لها ذهب المنجم الغني.

- مافيا مدعومة حكومياً تهرب الذهب السوداني
تقول التقارير، إن معظم ذهب السودان يهرب عبر الحدود، ولا تستفيد منه البلاد، ويستخدم المهربون بحسب تقارير صحافية حيل كثيرة لتهريبه عبر الحدود، مستخدمين طرقاً سرية في الصحراء، وتخزينه في بطون الإبل، أو علناً عبر مطار الخرطوم بتواطؤ من مسؤولين في المطار وخارجه.
ولعب التواطؤ الرسمي بمستويات الدولة العليا، وضعف الرقابة في المطارات، دوراً مهماً في تهريب الذهب خارج البلاد، بل ووفقاً لتصريحات سابقة لمسؤولين حكوميين، فإن هناك شركات وشخصيات نافذة «جداً» تساعد على تهريب الذهب، بل تحصل على تراخيص رسمية تسهل عليها عمليات التهريب، بل وأن التهريب كان يتم عبر صالة كبار الزوار الذين لا يخضعون للتفتيش. على الرغم من المفارقات الكبيرة في حجم الإنتاج بين التقارير الرسمية وتقارير الخبراء، فإن تقدير وزارة المعادن تقول إن الفرق بين الإنتاج والصادر كبيرة جداً، ويتراوح الفاقد بين 2 و4 مليارات دولار سنوياً، بنسبة 37 في المائة من إجمالي صادرات البلاد.
الأمين العام للجنة التمهيدية لاتحاد الصاغة والمتحدث باسمها محمد إبراهيم حاج حامد يقول، إن أكثر من 70 في المائة من إنتاج الذهب يتم تهريبه بطرق غير رسمية. ورغم عدم وجود إحصائيات رسمية باحتياطي الذهب في السودان، فإن وزير المعادن الأسبق هاشم على سالم يقدره بنحو 500 طن من الاحتياطي المؤكد، وآلاف الأطنان من الاحتياطي غير المؤكد، في حين ذكر وزير المعادن الأسبق أحمد محمد صادق الكاروري لـ«الشرق الأوسط» في مقابلة عام 2017، أن احتياطي السودان المؤكد من الذهب يبلغ 1550 طناً.
وتصنف التقارير الدولية لإنتاج الذهب حول العالم السودان الدولة رقم 13 بين الدول المنتجة للذهب حول العالم والثالثة بين الدول الأفريقية، بعد غانا وجنوب أفريقيا بإنتاج بلغ 76.6 طن في عام 2018، «غانا أنتجت 130.5 طن، وجنوب أفريقيا 129.8 طن» في العام ذاته، وذلك بحسب تقرير مجلس الذهب العالمي الصادر في أبريل (نيسان) 2019. وتعمل في التنقيب عن الذهب في السودان، بحسب تقرير وزارة المعادن، 444 شركة بين محلية ودولية، تعمل في مجالات الاستكشاف والإنتاج وغيرها، وأكبرها شركة «أرياب» الفرنسية أولى الشركات العاملة في إنتاج الذهب.
يقول عضو المجلس الاستشاري لوزير المعادن السابق، الدكتور محمد الناير، في إفادة لـ«الشرق الأوسط»، إن التعدين التقليدي ينتج 80 في المائة من الذهب، في حين تأتي النسبة المتبقية 20 في المائة من الإنتاج المنظم، وهي معلومة يشكك فيها الأمين العام للجنة التمهيدية لاتحاد الصاغة والمتحدث محمد إبراهيم حاج حامد، ويصفها بأنها غير صحيحة، ويقول: «إذا كان الدهابة ينتجون هذه الكميات، بأدواتهم البسيطة وتنقيبهم السطحي، فكم ستنتج الشركات ذات المقدرات الفنية العالية، وبينها شركات تابعة للأجهزة الأمنية، بحوزتها الإمكانات والمعلومات». ويقود التناقض بين نسب الإنتاج المعلنة رسمية (في حدود 100 طن)، والنسب التي يتناقلها المعدون والخبراء (200 - 250 طناً)، والفارق الكبير في الإنتاج بين التعدين التقليدي والتعدين المنظم، إلى ظاهرة «تهريب الذهب». ويقول مستشار المعادن السابق الدكتور عبد الله الرمادي، إن إنتاج الشركات الكبيرة، يمكن إحصاؤه بوجود رقابة دقيقة، ويضيف: «لكن في ظل استشراء الفساد، فإن الضوابط ليست محكمة».
ويقطع الرمادي بأن الأرقام الأقرب للدقة حول إنتاج الذهب تتراوح بين 200 و250 طناً سنوياً من الإنتاج الأهلي وحده، ويتابع: «كنت مستشاراً لوزير المعادن، رجعت لمختصين في مجال الذهب، فأكدوا لي أن الإنتاج يتراوح بين 200 و250 طناً سنوياً». وبحسب الرمادي، ينتج هذه الكميات من الذهب أكثر من مليونَي شاب يعملون في التنقيب الأهلي، وتعد مؤشراً من المؤشرات التي يمكن اعتمادها في تقدير الإنتاج الحقيقي للذهب في البلاد. وتبلغ عائدات الذهب الفعلية سنوياً نحو 8 مليارات دولار، إذا اعتمد الحد الأدنى للإنتاج، أي 200 طن سنوياً، ويتابع الرمادي: «لو تم تصدير هذه الكمية عبر الطرق الرسمية، وعاد عائدها لخزينة البنك المركزي، لحدث فائض في ميزان المدفوعات السوداني».
وبشأن التهريب، يقول الرمادي، إن وزير المعادن الأسبق ذكر أن النسبة الأكبر من الذهب تهرب عبر مطار الخرطوم، وتقدر لنحو 200 طن سنوياً، ويضيف: «وزير المعادن الأسبق صرح بأن المنتج هو 250 طناً سنوياً تهرب منها 200 طن»، ويتابع: «هذا وضع مخل للغاية، اكتفت الحكومة لمواجهته بفصل مدير جمارك مطار الخرطوم ومدير مكتبه، دون أن تبحث عن المجرمين الكبار لتعاقبهم»، ويستطرد: «أين المهربون الحقيقيون، ولماذا لم يقدّموا لمحاكمات؛ لأن مثل هذا الفساد، حرم البلاد من عائدات في حدها الأدنى 8 مليارات دولار سنوياً».
ويرى مستشار وزير المعادن في الأرقام الرسمية لحجم الإنتاج السنوي بمتوسط 100 طن، نوعاً من أنواع المداراة الرسمية للمهربين الحقيقيين، ويقول: «الحكومة كانت تعلم أن ما ينتج بتقديرات وزارة المعادن في التعدين الأهلي وحده لا يقل عن 200 طن». ويوضح الرمادي، أن الغرض الأساسي من تهريب الذهب هو الحصول على عملات أجنبية خارج السودان ليستخدمها المستوردون في تمويل عملياتهم، ويضيف: «السياسات الخاطئة للبنك المركزي دفعت المنتجين التقليدين في القطاع الأهلي للارتماء في أحضان التهريب»، ويستطرد: «كان على البنك المركزي وضع سعر مجزٍ للمنتج، يحول بينه والوقوع فريسة لإغراءات المهربين»، ويصف الرمادي سياسات بنك السودان المركزية بأنها ناتجة إما من عدم دراية، أو تخلف في العقلية التسويقية للبنك، أو عدم اهتمام قياداته بالأمر، يقول: «هم موظفون يحصلون على رواتبهم، اشتروا الذهب أو لم يشتروه، الأمر بالنسبة لهم بلا فرق».

- سياسات بنك السودان المركزي تشجع التهريب
يقطع الخبراء بأن سياسات بنك السودان، وتأثير النافذين والشخصيات السياسية، تلعب دوراً مهماً في تشجيع تهريب الذهب، بما يفقد البلاد توازنها الاقتصادي، يقول الدكتور الناير، إن وقف تهريب الذهب يستلزم إنشاء «بورصة ذهب»، اكتملت دراساتها بانتظار اعتمادها من مجلس الوزراء، ويضيف: «البورصة تتعامل بسعر الذهب العالمي في الوقت المحدد، ما يحفز المنتجين لبيعه للدولة، بما يحقق المصالح المتبادلة».
ونقلت صحيفة «التغيير» السودانية، في سبتمبر (أيلول) الماضي، أن بنك السودان يشتري الذهب من التعدين الأهلي بسعر 40 ألف دولار للكيلوغرام الواحد، في الوقت الذي يقارب فيه سعر الكيلوغرام من الذهب 50 ألف دولار؛ ما يشجع على التهريب.

- الحفاظ على البيئة من التلوث
تسبب انتشار تعدين الذهب في أنحاء واسعة من السودان، بمشاكل بيئية وصحية كثيرة أثرت في حياة الكثير من المواطنين، في مناطق كثيرة من البلاد، وأدى إلى عدد من الاضطرابات الصحية والبيئة، ظهرت في شكل رد فعل قوي في ولاية جنوب كردفان في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وبحسب تقرير لـ«الديمقراطية أولاً»، وهي إحدى منظمات المجتمع المدني التي أنشئت حديثاً، فإن ولاية جنوب كردفان، الأغنى بالذهب في السودان، يوجد بها أكثر من 58 منجماً للذهب، وأكثر من 3 آلاف بئر تعدين؛ ما أفزر كميات كبيرة من مخلفات التربة المعالجة بالزئبق، وأغرى مستثمرين لإنشاء مصانع لمعالجة المخلفات باستخدام مادة «السيانيد» شديدة السمية، واستخلاص ما تبقى من ذهب في المخلفات.
وتملك شركات «الأشقر، والتواصل، والاعتماد، ولحا للتعدين، والهدف»، وهي شركات أغلبها مملوكة لنافذين في النظام السابق، بمن فيهم والي الولاية المعزول، عدداً من مناجم الذهب، إضافة إلى مصانع غير معروفة.
ووجدت المصانع التي تستخدم السيانيد مقاومة ورفضاً كبيرين من السكان المحليين؛ بسبب الأضرار البالغة التي سببتها المادة شديدة السمية على الإنسان والحيوان والنبات والبيئة والتربة؛ ما أدى إلى تشكل لجان مقاومة قادت حملات مقاومة كبيرة، وحدثت مواجهات عنيفة بين المواطنين نتج منها إحراق عدد من مصانع استخلاص الذهب في ولاية جنوب كردفان.
ونقل التقرير عن ناشطين، أن حالات الإجهاض في الولاية زادت بنسبة 40 في المائة، إضافة إلى تزايد أعداد المواليد الذين يولدون متوفين أو يفارقون الحياة بعد الولادة مباشرة، وانتشار التشوهات الخلقية للأجنة، وارتفاع نسب الوفاة بسبب التسمم بمادتي الزئبق والسيانيد، وارتفاع نسبة المواطنين المتأثرين باستنشاق السيانيد، ونفوق أعداد كبيرة من الماشية والحيوانات والطيور البرية، بما في ذلك بعض الطيور النادرة مثل «صقر الجديان»، وهو رمز الحكومة السودانية، إضافة إلى حالات التوتر الأمني بسبب انتشار أعداد كبيرة من المعدنين التقليديين.
وبحسب الباحث عز الدين فضل آدم، الذي نشر دراسة عن تلوث التربة والهواء والماء بسبب تعدين الذهب، فإن عمليات التنقيب تؤثر على طبوغرافية الأرض عن طريق الحفر والتخلص من النفايات؛ ما يؤدي إلى تعرية التربة وتغيير معالمها وتعرضها للانجراف والتصحر، أو تلويث التربة والمياه الجوفية بالزئبق وتلويث هواء المنطقة أثناء حرقه، وانتقاله عن طريق السلسلة الغذائية، أو انجرافه عبر مياه الأمطار، أو امتصاصه من المزروعات والخضراوات أو الأعشاب التي ترعاها الحيوانات، وإمكانية إفرازه عن طريق لحومها وألبانها.
وأحرق المواطنون الغاضبون عدداً من مصانع تعدين الذهب باستخدام السيانيد، وبعضها مملوك لنافذين في الحكومة المعزولة، بل والحكومة الحالية؛ ما اضطر مجلس الوزراء إلى إصدار قرار بوقف استخدام الزئبق والسيانيد في استخلاص الذهب، وتعديل الاتفاقيات مع الشركات العاملة في استخلاص الذهب لحين توفير بدائل.
وأثار قرار وقف استخدام الزئبق والسيانيد غضباً بين المعدنيين، وقالوا إنه أدى إلى تراجع كبير في إنتاج الذهب تجاوز 50 في المائة، وهو القرار الذي وصفه الدكتور الرمادي بأنه «خاطئ مائة في المائة»؛ استناداً إلى تأثيره على إنتاج الذهب الذي تحتاج البلاد إلى عائداته لمواجهة الأزمة الاقتصادية التي تواجهها، قبل توفير البدائل.
ويستخدم المعدنيون التقليديون معدن الزئبق في استخلاص ما نسبته 30 في المائة من الذهب الموجود في التربة، ويواجهون مخاطر التسمم، في حين يتم استخلاص النسبة المتبقية باستخدام السيانيد في مصانع كبيرة، دون الالتزام بالاشتراطات اللازمة للحفاظ على سلامة الإنسان والبيئة، وهو خطر يهدد معظم مناطق السودان التي ينتشر فيها تعدين الذهب.



حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي مستدام

أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
TT

حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي مستدام

أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)

شهد اليمن خلال الربع الأول من عام 2026 حراكاً تنموياً لافتاً يعكس تحوّلاً تدريجياً نحو مقاربة أكثر شمولية في إدارة ملف التعافي وإعادة البناء، مدعوماً بجهود السعودية، حيث لم يقتصر على تنفيذ مشروعات خدمية آنية، بل اتخذ طابعاً استراتيجياً يوازن بين تلبية الاحتياجات العاجلة وبناء أسس تنمية مستدامة، من خلال التركيز على البنية التحتية، ودعم المؤسسات، وتمكين الإنسان، وتعزيز الشراكات الدولية.

وقد جاءت الحزمة التنموية التي أُعلنت في يناير (كانون الثاني) 2026 بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي (أكثر من 500 مليون دولار) لتؤكد هذا التوجه، حيث شملت 28 مشروعاً ومبادرة نوعية موزعة على قطاعات حيوية تمسّ الحياة اليومية للمواطنين، من الكهرباء والنقل إلى الصحة والتعليم والمياه، في امتداد لجهود أوسع نفّذ من خلالها البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن 268 مشروعاً منذ عام 2018. ووفق ما أوردته تقارير الإنجاز الخاصة بالبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، كان قطاع الطاقة إحدى أبرز ركائز هذا الحراك التنموي، حيث أسهمت منحة المشتقات النفطية في تشغيل أكثر من 70 محطة توليد كهرباء في مختلف المحافظات. ولم يقتصر أثر هذه المنحة على تحسين توفر الكهرباء فحسب، بل امتد ليشمل تعزيز استقرار منظومة الخدمات العامة بوجه عام.

الدعم السعودي لليمن شمل المجالات كافّة (إكس)

فاستقرار التيار الكهربائي أسهم في تحسين أداء القطاعات الحيوية مثل الصحة والمياه والتعليم. كما ساعد في تقليل فترات الانقطاع، ورفع كفاءة المحطات التوليدية، وتحسين موثوقية الشبكة. هذا التحسن انعكس بشكل مباشر على جودة الحياة اليومية، خصوصاً في ظل الطلب المتزايد على الطاقة. كما أن انتظام إمدادات الوقود لمحطات التوليد مكّن المؤسسات الخدمية من العمل بوتيرة أكثر استقراراً، وهو ما يُعدّ عاملاً أساسياً في دعم صمود المجتمعات المحلية وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية والمعيشية.

تعزيز الاستقرار المالي

على الصعيد الاقتصادي، شكّل دعم الموازنة اليمنية بقيمة 1.3 مليار ريال سعودي (أكثر من 345 مليون دولار) خطوة محورية في تعزيز الاستقرار المالي، حيث أسهم في تغطية النفقات التشغيلية ورواتب الموظفين، وهو ما ساعد في تخفيف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. ويأتي هذا الدعم ضمن منظومة أوسع من المساعدات الاقتصادية التي تجاوزت قيمتها 12.6 مليار دولار منذ عام 2012 وحتى 2026، شملت ودائع ومنحاً لصالح البنك المركزي اليمني، بهدف تحقيق التوازن المالي ودعم استقرار الاقتصاد الكلي. هذا النوع من التدخلات يعزّز ثقة المؤسسات المحلية، ويدعم قدرتها على الاستمرار في تقديم الخدمات، كما يُسهم في خلق بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار والنمو الاقتصادي. وفي ظل التحديات التي يواجهها الاقتصاد اليمني، يمثّل هذا الدعم ركيزة أساسية في مسار التعافي التدريجي.

عشرات المشروعات في اليمن أُنشئت بتمويل سعودي (إكس)

كما شهد قطاع البنية التحتية تطورات مهمة من خلال مشروعات استراتيجية مثل استكمال مراحل جديدة من طريق العبر، ورفع كفاءة مطار عدن الدولي. وتبرز أهمية هذه المشروعات في تعزيز الربط الجغرافي لليمن مع محيطَيه الإقليمي والدولي، وهو ما يُسهم في تنشيط الحركة التجارية وتسهيل التنقل. فالطرق والمطارات لا تُعدّ مجرد مشروعات خدمية، بل تمثّل شرايين اقتصادية تُسهم في تحريك عجلة التجارة، وتدعم التكامل مع الأسواق الإقليمية والدولية. كما أن تحسين البنية التحتية يُسهم في جذب الاستثمارات، وخلق فرص عمل، وتعزيز النمو الاقتصادي على المدى الطويل.

الاستثمار في الإنسان

إلى جانب البنية التحتية، يحظى الاستثمار في الإنسان بأولوية واضحة، حيث شهد قطاع الصحة دعماً نوعياً شمل بناء المستشفيات وتشغيلها، وتوفير الأجهزة الحديثة، وتأهيل الكوادر الطبية. ومن أبرز هذه التدخلات التشغيل الكامل لمستشفيات سقطرى وشبوة والمخا، ما أسهم في تحسين جودة الخدمات الطبية وتوسيع نطاق الوصول إليها. كما عزّزت هذه الجهود جاهزية المؤسسات الصحية للتعامل مع الحالات الطارئة والحرجة، وهو ما يُعد عنصراً حيوياً في ظل الظروف الإنسانية المعقدة التي تشهدها البلاد.

وفي قطاع التعليم، برزت مبادرات تهدف إلى دعم استقرار العملية التعليمية والتوسع في التعليم الفني والتدريب المهني، بما يتماشى مع احتياجات سوق العمل. وشملت هذه الجهود توقيع اتفاقيات لبناء مدارس نموذجية في عدد من المحافظات، بالإضافة إلى مشروعات تستهدف تعزيز تعليم الفتيات في المناطق الريفية. وقد أسهمت هذه المبادرات في تقليص فجوة المهارات، وتمكين الشباب، ورفع معدلات الالتحاق بالتعليم، خصوصاً بين الفتيات، مما يعزّز من فرص التنمية البشرية على المدى الطويل. إلى ذلك، لم تغفل الجهود التنموية الجانب المجتمعي، حيث شملت دعم قطاع الرياضة والشباب من خلال تنظيم بطولات رياضية في عدد من المحافظات، ما أسهم في تنشيط الحركة الرياضية واكتشاف المواهب.

كما تضمّنت المبادرات حملات لتحسين المشهد الحضري، ودعم الأنشطة الثقافية، مثل الاحتفاء بيوم اللغة السقطرية، وهو ما يعزّز الهوية الثقافية ويقوي الروابط الاجتماعية.

ويُظهر هذا البعد اهتماماً ببناء مجتمع متماسك وقادر على المشاركة في عملية التنمية، حيث يُعدّ الشباب محوراً أساسياً في أي مشروع تنموي مستدام.

الشراكات الدولية

يُلاحظ بوضوح تصاعد دور الشراكات الدولية في دعم الجهود التنموية، من خلال التعاون مع منظمات دولية، مثل «اليونيسكو» والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي. وتعكس هذه الشراكات تكاملاً في الأدوار، حيث تُسهم في تعزيز قدرات المؤسسات اليمنية وتوسيع نطاق التدخلات التنموية.

ومن أبرز هذه الشراكات مشروع تعزيز الأمن المائي في محافظة مأرب، الذي يأتي بوصفه أول ثمرة للتعاون بين البرنامج السعودي والاتحاد الأوروبي، ويستهدف تحسين الوصول إلى المياه في عدد من المناطق، بما يُسهم في تعزيز الأمن المائي وتحسين سبل العيش. كما امتدت التدخلات لتشمل القطاع الزراعي، من خلال مشروعات تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي وتحسين دخل الأسر، إلى جانب دعم مشروعات المياه والإصحاح البيئي، وهو ما يعكس نهجاً متكاملاً في معالجة التحديات التنموية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


سيول في اليمن تحصد الأرواح وتدمر المنازل والبنية التحتية

السيول في اليمن غمرت مساكن النازحين ودمرت المخزون الغذائي (الأمم المتحدة)
السيول في اليمن غمرت مساكن النازحين ودمرت المخزون الغذائي (الأمم المتحدة)
TT

سيول في اليمن تحصد الأرواح وتدمر المنازل والبنية التحتية

السيول في اليمن غمرت مساكن النازحين ودمرت المخزون الغذائي (الأمم المتحدة)
السيول في اليمن غمرت مساكن النازحين ودمرت المخزون الغذائي (الأمم المتحدة)

تسببت الفيضانات الشديدة التي ضربت اليمن أواخر الشهر الماضي في خسائر بشرية، ومادية، كما طالت البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك شبكات الكهرباء، وأنظمة إمدادات المياه، والاتصالات، وقطاع النقل، إلى جانب تدمير آلاف المنازل، وملاجئ النازحين، في مشهد يعكس تفاقم الأزمة الإنسانية مع بداية موسم الأمطار.

وأكد الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب والهلال الأحمر أن هذه الفيضانات ألحقت أضراراً جسيمة بالبنية التحتية الحيوية، مشيراً إلى تضرر شبكات الكهرباء، وأنظمة المياه، والاتصالات، فضلاً عن تدمير الملاجئ المؤقتة للنازحين، وخسائر في المحاصيل، والماشية.

وفي بيان له، أعلن الاتحاد إطلاق عملية طارئة لتلبية الاحتياجات العاجلة لأكثر من 24 ألف شخص تضرروا من الفيضانات التي شهدتها البلاد مع بدء موسم الأمطار.

وقال إن العملية، التي سيستمر تنفيذها على مدى ستة أشهر، ستركز على تلبية الاحتياجات الإنسانية الأكثر إلحاحاً، مع إعطاء الأولوية لتوفير المساعدات المنقذة للحياة، وتوزيع المستلزمات المنزلية الأساسية (المواد غير الغذائية)، ودعم خدمات المياه، والصرف الصحي، والنظافة في المناطق المتضررة.

37 قتيلاً وعشرات المصابين جراء السيول في اليمن (الأمم المتحدة)

ووفق ما أورده الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب والهلال الأحمر، فإن هذه المبادرة ستدعم توزيع المواد المنزلية الأساسية للأسر المستهدفة، بما في ذلك 14 ألف مرتبة، و14 ألف بطانية، و3500 طقم أدوات مطبخ، إلى جانب دعم خدمات المياه، والصرف الصحي، وتنفيذ جلسات توعية بممارسات النظافة الآمنة، والاستخدام الأمثل للمواد الموزعة، وسلوكيات الحد من المخاطر، إضافة إلى إجراء تقييمات سريعة في المناطق التي لم تصلها المساعدات بعد.

بدورها، أكدت جمعية الهلال الأحمر اليمني أن عدة مناطق في البلاد شهدت خلال الأيام الماضية موجة أمطار غزيرة أعقبتها سيول جارفة، تسببت في خسائر بشرية ومادية كبيرة، وفاقمت معاناة السكان في بلد يرزح تحت أزمة إنسانية مستمرة منذ سنوات. ووفقاً لمصادر إنسانية، أسفرت السيول عن وفاة 37 شخصاً، وإصابة 47 آخرين، في حين تضرر نحو 3990 منزلاً بشكل كلي، أو جزئي، إضافة إلى تدمير قرابة 8700 مأوى للنازحين داخلياً، ما أدى إلى تشريد آلاف الأسر، وحرمانها من أبسط مقومات الحياة.

تفاقم معاناة السكان

وقال المدير التنفيذي لجمعية الهلال الأحمر اليمني، عبد الله العزب، إن البلاد تواجه بشكل متكرر تحديات مرتبطة بتغير المناخ، والكوارث الطبيعية، إلى جانب تفشي الأمراض المنقولة عبر المياه، والبعوض، مشيراً إلى أن «أكثر من عقد من الأزمات الإنسانية أضعف قدرة المجتمعات المحلية على الاستعداد لمثل هذه الكوارث، والتخفيف من آثارها». وأضاف العزب أن حجم الاحتياجات الإنسانية لا يزال كبيراً، في ظل تقديرات تشير إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي ما يقارب نصف سكان اليمن، بحاجة إلى شكل من أشكال المساعدة، غالبيتهم من النساء، والأطفال. كما تسببت السيول في تدمير منازل بشكل كامل، حيث انهارت الأسقف، وغمرت المياه الممتلكات، ما ترك العديد من الأسر دون مأوى، أو مصادر رزق، في وقت تواصل فيه هذه الأسر إظهار قدر من الصمود رغم الظروف القاسية.

المياه غمرت الممتلكات وتركت آلاف الأسر دون مأوى (الأمم المتحدة)

وفي إطار الاستجابة الطارئة، أوضح العزب أن فرق الهلال الأحمر، وبدعم من المانحين، تمكنت من تقديم مساعدات فورية شملت توزيع 559 سلة غذائية، و309 حزم من المواد غير الغذائية، إلى جانب توفير دعم في مجالات المأوى والمياه للفئات الأكثر تضرراً.

تحذيرات أممية

ووفق ما أوردته الجمعية، فإنه رغم تراجع معدلات هطول الأمطار في بعض مناطق المرتفعات الشمالية، فإن توقعات الطقس تشير إلى احتمال تجدد الأمطار في المرتفعات الجنوبية الغربية، والمناطق الساحلية، ما يرفع من مخاطر حدوث سيول جديدة قد تزيد من تعقيد الوضع الإنساني. وأشارت إلى أنه في ظل هذه التطورات تعيش العديد من العائلات حالة من الحزن على ما فقدته، فيما يخيّم القلق على آخرين يترقبون ما قد تحمله الأيام المقبلة من موجات مطر جديدة، في بلد لا يزال يكافح للتعافي من أزمات متلاحقة.

من جهتها قالت المنظمة الدولية للهجرة إن الفيضانات والنزوح والصعوبات الاقتصادية لا تزال تُفاقم الاحتياجات الإنسانية في جميع أنحاء اليمن، مما يؤثر على المجتمعات الضعيفة، وأكدت أن سنوات من الصراع خلفت احتياجات إنسانية ملحة، ونزوحاً واسع النطاق. وأنها واستجابةً لهذه الاحتياجات المتزايدة، تُقدّم المأوى الطارئ، والمياه النظيفة، والرعاية الصحية، وخدمات الحماية، إلى جانب دعم جهود التعافي المبكر في مجالات المياه، والصرف الصحي، والتعليم، وسبل العيش.

الفيضانات والصعوبات الاقتصادية تُفاقمان الاحتياجات في اليمن (الأمم المتحدة)

وقال عثمان بلبيسي، المدير الإقليمي للمنظمة، إن المجتمعات قادرة على الصمود، لكن الاحتياجات هائلة، إذ فقدت آلاف العائلات منازلها، وانقطعت عنها الخدمات الأساسية، مؤكداً أنه في مختلف أنحاء البلاد، فقدت آلاف العائلات مأواها، وانقطعت عنها المياه، والخدمات الأساسية، فيما تُبذل جهود حثيثة لتجاوز الإغاثة الفورية، والاستثمار في حلول طويلة الأجل إلى جانب الاستجابة الطارئة، لأن هذه الجهود بالغة الأهمية للحد من الاعتماد على المساعدات، ودعم المجتمعات لإعادة بناء حياتها بطريقة أكثر استدامة. ونبهت المنظمة الأممية إلى أن الاحتياجات الإنسانية في هذا البلد لا تزال حادة، ومتزايدة، حيث تواجه المجتمعات المستضعفة أزمات متفاقمة، مؤكدة أن الدعم الدولي المستدام ضروري للحفاظ على المساعدات المنقذة للحياة، وضمان عدم إهمال الفئات الأكثر عرضة للخطر.


ملادينوف و«حماس» في القاهرة من أجل تفاهمات «حاسمة» بشأن «نزع السلاح»

أطفال يقفون خارج خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بمنطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال يقفون خارج خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بمنطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

ملادينوف و«حماس» في القاهرة من أجل تفاهمات «حاسمة» بشأن «نزع السلاح»

أطفال يقفون خارج خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بمنطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال يقفون خارج خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بمنطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

أفادت مصادر فلسطينية ومصرية، لـ«الشرق الأوسط»، بأنَّ وفداً من حركة «حماس» يصل إلى القاهرة الجمعة؛ لعقد اجتماعات مع الممثل الأعلى لقطاع غزة في «مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف، والفصائل الفلسطينية، بجانب السلطات المصرية.

تلك الاجتماعات التي تعدُّ الثانية في نحو أسبوع، تأتي لبحث «تفاهمات حاسمة»، بشأن ملف نزع السلاح، وفق ما تقول المصادر، غداة حديث إعلام إسرائيلي، عن أنَّ مهلة ملادينوف للحصول على رد «حماس» بشأن نزع السلاح بالقطاع تنتهي الجمعة، وإن لم تحسم الحركة ردَّها بالإيجاب ستشن إسرائيل عمليةً عسكريةً جديدةً.

ويُعدُّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمَّن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقُّق النهائي من خلو غزة من السلاح». وتقول إسرائيل إنَّها لن توافق على الانسحاب من غزة ما لم يُنزَع سلاح «حماس» أولاً.

تحركات وتهديدات

ووفقاً لصحيفتَي «يديعوت أحرونوت»، و«إسرائيل هيوم»، الخميس، فإنَّ إسرائيل تترقب ردود «حماس»، بعد انتهاء مهلة ملادينوف.

وكانت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» نقلت الثلاثاء، عن 3 مصادر، أن «مجلس السلام منح (حماس) مهلةً حتى الجمعة لقبول اقتراح نزع السلاح».

وقبيل انتهاء المهلة، قال ملادينوف، في تغريدة مساء الخميس عبر حسابه على منصة «إكس»: «دخلت 602 شاحنة إلى غزة مُحمَّلةً بإمدادات أساسية للعائلات التي انتظرت طويلاً».

وشكَّك المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، في بيان الجمعة، من صحة ذلك، قائلاً: «تؤكد البيانات الفعلية ليوم 9 أبريل (نيسان) الحالي دخول 207 شاحنات فقط إلى القطاع، من بينها 79 شاحنة مساعدات في حين تضم حمولة بقية الشاحنات الـ207 عادة بضائع تجارية لشركات خاصة».

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المُدمَّرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

وقال المصدر المصري، إنَّ المحادثات ستبدأ مساء الجمعة وتتوالى، ومن المتوقع أن تبدي «حماس» رداً إيجابياً، خصوصاً مع تحريك في أعداد شاحنات المساعدات كبادرة إبداء نوايا حسنة من جانب ملادينوف، مع تفهم للاختلافات في الأعداد التي يطرحها كل جانب، لكنه تطور إيجابي يبنى عليه خلال المحادثات.

ويعتقد أن «هناك مؤشرات إيجابية حتى الآن تقول إن (حماس) ستناقش بعد ردها الإيجابي كيفية التنفيذ، وهذا يحتاج لتفاهمات حاسمة، للانتقال إلى تدابير وأفعال على الأرض، ونرى دخولاً فعلياً للجنة إدارة غزة»، مع مفاوضات متواصلة، مشيراً إلى أنَّ إسرائيل سلوكها متقلب دائماً، وقد تتذرَّع بأنَّ «حماس» تناور وتتجه إلى عمليات عسكرية.

لكن المصدر الثاني وهو فلسطيني، قال إنَّ الوفود الفلسطينية ستكتمل الجمعة أو السبت بحد الأقصى، لافتاً إلى أنَّ رد «حماس» قد لا يتضمَّن رفضاً تاماً أو قبولاً تاماً.

وأوضح المصدر أن الحركة والفصائل تنتظر رداً من ملادينوف على استفسارات بشأن تنفيذ الإطار المطروح، ومدى التزام إسرائيل بالاتفاق والانسحاب من القطاع، بخلاف أولوية نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل «لجنة إدارة غزة».

ويعتقد المصدر الفلسطيني الثالث، المقرَّب من «حماس»، «أن لقاء القاهرة لن يكون سهلاً لجميع الأطراف، خصوصاً أنَّ هناك استياء مما أثاره ملادينوف من حديث غير مطابق للواقع بشأن المساعدات، لكن الحركة معنية بتخفيف المعاناة عن الفلسطينيين، والسعي للتنفيذ الكامل للاتفاق، خصوصاً من جانب (الاحتلال)».

مصادر تتوقع بوادر إيجابية

ومن الواضح حسب صحيفتَي «يديعوت أحرونوت»، و«إسرائيل هيوم»، أنَّه في حال كان رد «حماس» سلبياً فسيكون القرار بيد إسرائيل، وسيتعيَّن عليها نزع سلاح «حماس» بالقوة، وسط تأكيد منهما أنَّ «جميع الخيارات مطروحة، وننتظر التوجيهات السياسية، ولكن في ظلِّ تركيز الاهتمام على لبنان، يصعب توقُّع استئناف القتال في غزة خلال الأيام المقبلة».

وهذا يتماشى مع ما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الاثنين، عن مصادر بأنَّ هناك ضغوطاً إقليمية مكثفة من قبل الوسطاء؛ لدفع الحركة نحو القبول بهذه المبادرة، لتجنُّب جولة جديدة من العمليات العسكرية الشاملة، خصوصاً في ظلِّ تلويح الإدارة الأميركية باستخدام خيارات عسكرية حازمة في حال رفض المسار السلمي.

وفي ضوء تلك التطورات، يعتقد أستاذ العلوم السياسية المتخصص بالشأن الإسرائيلي والفلسطيني، الدكتور طارق فهمي، أنَّ لقاء القاهرة الثاني خلال أسبوع، يبدو أنَّه يتجه لمشهد إيجابي، شريطة التزام كل الأطراف بالتوافق.

ويرى فهمي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنَّه في ضوء ردود «حماس» المتوقع أن تكون إيجابيةً ومشروطةً، وتحركات ملادينوف بشأن المساعدات، ومساعي القاهرة، يمكن أن نقول إن فرص النجاح قائمة في التوصُّل لتفاهمات تُنفَّذ بشأن ملفات اتفاق غزة، محذِّراً من أنَّ البديل حال الفشل سيكون احتلال إسرائيل باقي القطاع كما تخطِّط حالياً وتتمنى.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، أنَّ التهديدات المتوالية خلال الأسبوع الحالي، وعشية لقاء ملادينوف و«حماس»، من باب الضغوط لا أكثر على الحركة.

وأشار الرقب في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنَّ أفضل المسارات التي يجب أن يذهب لها لقاء القاهرة، هو التوافق المبدئي على تسليم السلاح، وذلك بعد تشكيل الشرطة الفلسطينية ووصول قوات الاستقرار الدولية، ولكن هذا يتوقف على حسابات «حماس»، خصوصاً وهي تسعى لأن يكون المسار الإجباري للخروج من المشهد بأقل الخسائر.