مخاوف من عودة التوتر إلى فنزويلا بعد «الانقلاب» البرلماني لصالح مادورو

في أعقاب نكسة غوايدو وانقسامات المعارضة

مخاوف من عودة التوتر إلى فنزويلا بعد «الانقلاب» البرلماني لصالح مادورو
TT

مخاوف من عودة التوتر إلى فنزويلا بعد «الانقلاب» البرلماني لصالح مادورو

مخاوف من عودة التوتر إلى فنزويلا بعد «الانقلاب» البرلماني لصالح مادورو

في اليوم الخامس من العام الماضي دُعي البرلمان في فنزويلا، الذي تمخّض عن الانتخابات العامة التي أجريت في العام 2015 وفازت بها المعارضة بغالبية ساحقة، إلى جلسة عادية لتجديد هيئة المكتب ورئيسها، وفقاً لأحكام الدستور التي تنصّ على تجديدها كل سنة طوال الولاية التشريعية.
يومذاك، كان النّواب الموالون لنظام الرئيس اليساري نيكولاس مادورو يقاطعون جلسات الجمعية الوطنية وأعمالها، بعدما قرّر النظام محاصرتها ومنع عنها الإمدادات المالية وقطع رواتب النواب، وأطلق حملة ملاحقات قضائية بحق العشرات منهم وزجّ بعضهم في السجون، بينما اختار آخرون طريق المنفى.
في تلك الجلسة التي تغّيب عنها المرشّحان لرئاسة البرلمان، أحدهما لوجوده في السجن، والآخر لعجزه عن العودة إلى البلاد خشية أن يتعرّض للاعتقال، انتخب خوان غوايدو رئيساً للجمعية الوطنية. وكان النظام قد قرّر تجاوزها كلّياً، قبل أشهر، عندما دعا إلى إجراء انتخابات لإنشاء جمعية تأسيسية أناط بها كل الصلاحيات التشريعية التي تقوم بها عادة المجالس النيابية. إلا أن المعارضة رفضت في حينه المشاركة في تلك الانتخابات التي انتهت بتشكيل هيئة تشريعية تدين بالولاء الكامل للنظام.

بعد أسبوعين من انتخاب خوان غوايدو رئيساً للجمعية الوطنية (البرلمان) في فنزويلا، فاجأ غوايدو مواطنيه بتنصيب نفسه رئيساً مكلّفاً للجمهورية. وذكر أنه اتخذ هذه الخطوة بصورة مؤقتة «إلى أن ينتهي استيلاء نيكولاس مادورو على السلطة، وتُجرى انتخابات رئاسية وتشريعية حرّة تحت إشراف مراقبين دوليين والأمم المتحدة».
هذه الخطوة من غوايدو شكّلت نقلة نوعية، ورفعت المواجهة بين المعارضة والنظام إلى مستوى غير مسبوق. ثم إنها ما حظيت بمباركة واشنطن، التي تبيّن لاحقاً أنها كانت وراءها بتنسيق مباشر من مسؤول الأمن القومي يومذاك جون بولتون. وللعلم، بعد ساعات معدودات من خطوة غوايدو أعلنت الإدارة الأميركية اعترافها به وبالجمعية الوطنية بوصفها المؤسسة الشرعية الوحيدة في فنزويلا. وكانت يومها فنزويلا غارقة في أزمة معيشية خانقة ناجمة عن شللٍ شبه كامل في الحركة الإنتاجية والخدمات الأساسية وانهيار اقتصادي أدى إلى أزمة تموينية حادة.
مع إعلان واشنطن تبنّيها لمشروع غوايدو، سارعت دول غربية أخرى مثل كندا وأستراليا إلى الاعتراف بشرعيته، وتبعتها معظم دول أميركا اللاتينية، ثم الاتحاد الأوروبي، إلى أن بلغ عدد الدول التي اعترفت به أكثر من 60 دولة. وحدها المكسيك من بين الدول الأميركية اللاتينية الوازنة امتنعت عن الانضمام إلى «ركب» واشنطن، التي جمّدت كل الأصول المالية والاقتصادية لفنزويلا في الولايات المتحدة ووضعتها في تصرّف «حكومة» غوايدو بوصفها «الممثل الشرعي» الوحيد للشعب الفنزويلي.

- رهان على واشنطن
فتح غوايدو باب المواجهة على مصراعيه مع النظام، معتمداً على دعم سياسي واقتصادي مطلق من واشنطن، بينما راحت الأخيرة تكرّر بأن كل الخيارات مطروحة لإزاحة مادورو، بما فيه اللجوء إلى الحل العسكري. أيضاً، انصرفت المعارضة إلى تصعيد التعبئة والاحتجاجات الشعبية ضد النظام، مراهنة على تعديل في موقف القوات المسلحة التي انشقّ عدد ضئيل من أفرادها... لكن من دون أن يشكّلوا أي تهديد يذكر على استمرار مادورو.
وفي أبريل (نيسان) الماضي، نامت المعارضة، ومعها الإدارة الأميركية، على الاعتقاد بأن عدداً من القادة العسكريين النافذين على استعداد للتخلّي عن مادورو مقابل وعود قدّمتها لهم واشنطن. إلا أنها استفاقت في اليوم التالي على حقيقة مُرّة، مفادها أن القيادات العسكرية ما زالت على ولائها للنظام، وأحبطت الآمال التي كانت معقودة عليها لقلبه.
في موازاة ذلك، كانت الولايات المتحدة تحشد الدعم الإقليمي ضد نظام مادورو ودعماً لغوايدو، فشكّلت مجموعة من 16 دولة أعضاء في منظمة الدول الأميركية، تعارض نظام مادورو، أُطلق عليها اسم «مجموعة ليما»، وذلك خلال اجتماع عقدته المنظمة في عاصمة البيرو لمتابعة الأزمة الفنزويلية وزيادة الضغط على النظام. ومع وصول اليمين إلى الحكم في كلّ من البرازيل وكولومبيا، تفاقمت عزلة مادورو في خضم أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة ونقص في السيولة النقدية اضطراه لبيع جزء من احتياط الذهب في السوق السوداء العالمية.

- فشل أميركي واستغلال روسي
الضغوط السياسية والاقتصادية التي مارستها الإدارة الأميركية، والعزلة الإقليمية التي فُرضت على النظام، لم تثمر أي نتيجة ملموسة في اتجاه إضعافه، حتى قبوله بإجراء انتخابات جديدة. وعندما تبيّن لواشنطن أن إسقاط النظام لن يكون بهذه السهولة، وأن الجهود والضغوط التي استثمرتها لإزاحة مادورو جاءت نتائجها أدنى بكثير من الأهداف المرسومة، خفّ حماسها وتغيّرت لهجتها. وأسهمت في إقالة بولتون، الذي كان «مهندس» سياسة البيت الأبيض في الأزمة الفنزويلية، والذي من جملة ما أخذ عليه الرئيس الأميركي دونالد ترمب «مبالغته وذهابه بعيداً» في التعامل مع تلك الأزمة.
في هذه الأثناء، كانت الصين، وهي الدائن الأكبر لفنزويلا، تمدّ مادورو بدعم محدود من باب تجنّب التفريط بمصالحها واستثماراتها. ومن جهة ثانية، كانت روسيا، المزوّد الرئيسي للنظام بالسلاح، تؤكد تجدد دعمها «لشرعية» مادورو وتنتقد سياسة العقوبات الاقتصادية التي تفرضها عليه واشنطن، وسعيها إلى إسقاطه. ومع إرسال موسكو 150 جندياً إلى العاصمة الفنزويلية كاراكاس، ارتفعت حدة المواجهة بين روسيا والولايات المتحدة التي طالما اعتبرت الوجود العسكري الروسي على مقربة من شواطئها خطأ أحمر. واستمر هذا الحال إلى أن اجتمع الطرفان، واتفقا على تهدئة، تتعهد موسكو بموجبها بألا ترسل قوات إضافية إلى فنزويلا، مقابل تخلّي واشنطن عن التهديد بالتدخل العسكري لإسقاط النظام.
مع تراجع الضغوط الأميركية بدأت تظهر بوادر التصدّع في صفوف المعارضة التي تضمّ عدداً كبيراً من القوى والأحزاب الصغيرة، التي غالباً لا يجمع بينها هدف سوى معارضة النظام. وفي المقابل، انهمك النظام في وضع خطة لاختراق صفوف المعارضة وتشتيتها، سعياً إلى تجريدها من موقعها السياسي الوحيد في رئاسة البرلمان، وهو الذي تعتبره الدول المؤيدة لغوايدو الهيئة الشرعية الوحيدة في البلاد.
وحقاً، تمكّن النظام في الأشهر الأخيرة من اجتذاب بعض نوّاب المعارضة إلى صفوفه، عبر الرشاوى أو التهديد، وفق جهات عدة. كذلك أرسل النظام عدداً من المعارضين إلى السجن بعد ملاحقتهم قانونياً بتهم شتّى، إلى أن جاء موعد انعقاد جلسة تجديد هيئة مكتب البرلمان يوم الأحد الماضي، وما رافقتها من أحداث أعادت الأزمة الفنزويلية إلى التصعيد الذي غاب عنها في الأشهر الأخيرة.

- الانقلاب البرلماني
كان النواب الموالون للنظام، والذين قرّروا العودة أخيراً للمشاركة في جلسات الجمعية العامة، قد حضروا باكراً إلى قاعة البرلمان، برفقة عدد من نواب المعارضة المنشقّين. وأصرّ هؤلاء على بدء الجلسة في موعدها المحدد، بينما كانت قوات الحرس المدني التي انتشرت في محيط «القصر التشريعي» والأحياء المحاذية له تمنع نواب المعارضة من الوصول أو تعرقل دخولهم إلى مقرّ البرلمان.
ولم يتمكّن غوايدو من الدخول إلى قاعة المجلس إلا بعدما كانت الجلسة على وشك الانتهاء حين جرى تصويت برفع الأيدي. في غياب النصاب القانوني، أعلن النائب لويس بارّا، المنشقّ عن المعارضة والمتهم بضلوعه في عملية فساد مالي حول المساعدات الغذائية، أنه قد جرى انتخابه رئيساً جديداً للبرلمان بدعم من النواب الموالين لمادورو.
عندها، حاول غوايدو وأنصاره عبثاً الاحتجاج والطعن فيما حدث، بحجة أن النصاب ما كان متوافراً، وبالتالي فإن الجلسة لم تكن قانونية. وعلى الإثر، توجهوا إلى مقرّ صحيفة «الناسيونال» حيث عقدوا جلسة بحضور 100 نائب، وأعادوا انتخاب غوايدو رئيساً للبرلمان لولاية ثانية.
في أعقاب هذا التطور، تحركّت واشنطن مجدداً، فأعلنت تأييدها لخطوة غوايدو و«شرعية» رئاسته. وانتقدت بشدة تصرفات النظام، كاشفة عن إعدادها لحزمة جديدة من العقوبات ضده. أيضاً جددت كل من منظمة الدول الأميركية و«مجموعة ليما» رفضها لما حصل في البرلمان الفنزويلي، مجددة اعترافها هي أيضاً بشرعية رئاسة غوايدو.

- موقفا المكسيك والأرجنتين
اللافت في ردود الفعل الإقليمية كان موقف المكسيك، التي ما زالت تعترف بشرعية رئاسة مادورو، وتقف على مسافة واحدة بين النظام والمعارضة، وموقف الأرجنتين، التي كانت سحبت اعترافها بمادورو، واعتمدت مندوبي غوايدو بصفتهم الممثلين الدبلوماسيين لفنزويلا.
وأعلنت وزارة الخارجية المكسيكية أن ما حصل في البرلمان الفنزويلي يوم الأحد الماضي ليس مقبولاً، وانتقدت بشدة محاولة النظام «السيطرة على البرلمان بطريقة غير قانونية». وقد رحبّت الولايات المتحدة بخطوة الحكومة المكسيكية، ووصفتها بأنها تحوّل مهم في الأزمة. يذكر أن المكسيك كانت قد رفضت في السابق التجاوب مع دعوة واشنطن لعزل مادورو والاعتراف بشرعية غوايدو، وحاولت التوسط بين النظام والمعارضة، لكن من غير أن تلقى محاولتها تجاوباً.
كذلك الحكومة الأرجنتينية الجديدة التي تسلّمت مهامها مطلع العام الحالي بعد فوز اليساري البيروني ألبرتو فرنانديز برئاسة الجمهورية، وصفت من جهتها ما حصل في البرلمان الفنزويلي بأنه «غير مقبول»، الأمر الذي رأت فيه واشنطن، حسب كلام مبعوثها الخاص للأزمة الفنزويلية: «إنه يزيد من عزلة نظام مادورو، حتى بين حلفائه اليساريين».
لكن، بعد ساعات من تصريح وزير الخارجية الأرجنتيني الذي انتقد تصرفات النظام الفنزويلي، تبيّن أن الحكومة الأرجنتينية الجديدة ليست في واردها المساعدة على تضييق الحصار السياسي والاقتصادي الذي يتعرّض له مادورو، كما استنتجت واشنطن، على الأقل في المرحلة الراهنة. إذ قرّر الرئيس فرنانديز سحب أوراق اعتماد مندوبة غوايدو في الأرجنتين المحامية إليسا تروتّا، التي كان الرئيس الأرجنتيني اليميني السابق ماوريسيو ماكري قد اعترف بها بوصفها الممثلة الدبلوماسية الشرعية لفنزويلا في الأرجنتين. وقالت تروتّا إنها تسلّمت كتاباً من وزارة الخارجية الأرجنتينية تبلغها فيه قرار إنهاء مهمتها الخاصة، في حين قال ناطق رسمي أرجنتيني إن الحكومة قررت إعادة مبنى البعثة الدبلوماسية الفنزويلية في بيونس آيرس إلى ممثلي نظام نيكولاس مادورو.
جدير بالذكر، أن الأرجنتين تواجه وضعاً حرجاً في تحديد موقفها من الأزمة الفنزويلية، وذلك في سياق مفاوضاتها القريبة لإعادة جدولة ديونها الضخمة مع صندوق النقد الدولي حيث تتمتع الولايات المتحدة بنفوذ حاسم. وسبق لواشنطن أن حذّرت الحكومة الأرجنتينية الجديدة من أن دعمها لنظام مادورو سيؤخذ في الاعتبار عند المفاوضات مع صندوق النقد. يضاف إلى ذلك أن الدعم الأرجنتيني لمادورو من شأنه أن يعقّد العلاقات مع البرازيل، التي يحكمها اليمين المتشدد، والمؤيدة بشدة لغوايدو، وهي الشريك التجاري الأول للأرجنتين.

- توقّع تصعيد جديد
بناءً عليه، يتوقّع مراقبون أن تكون التطورات الأخيرة التي شهدتها الأزمة الفنزويلية في الصراع بين النظام والمعارضة للسيطرة على السلطة التشريعية، وتجدد الاهتمام الأميركي بها، مدخلاً لتصعيد جديد بعد أشهر من الهدوء النسبي. وهو هدوء أتاح لنظام مادورو تعزيز مواقعه وتحالفاته، وكشف عن صراعات عميقة بين أطياف المعارضة التي لا تلتقي إلا حول العداء لمادورو.
هذا، وكانت الأمم المتحدة قد أعربت على لسان الأمين العام أنطونيو غوتيرّيش، عن «عميق قلقها من هذه التطورات»، وحثّت جميع الأطراف على العمل بسرعة من أجل التوصل إلى حل سلمي ودائم. وكذلك أعلنت منظمة الدول الأميركية، التي تتهمها فنزويلا وكوبا بأنها مجرّد أداة تعمل بموجب تعليمات واشنطن، أن ما حصل يوم الأحد الماضي في البرلمان الفنزويلي «لا قيمة قانونية له».
من ناحية أخرى، من الأمور التي كشفتها هذه التطورات، فضلاً عن التعقيد الشديد للمشهد السياسي الفنزويلي، فشل النظام في بناء سلطة تشريعية موازية للبرلمان الذي تسيطر عليه المعارضة، عبر الدعوة لانتخاب جمعية تأسيسية تناط بها صلاحيات تشريعية كاملة، وتسيطر عليها القوى الموالية له بعدما رفضت المعارضة المشاركة في انتخابها.
لكن يُخشى أن يؤدي هذا الصراع على المؤسسات، وما نتج عنه حتى الآن من شلل في السلطة التشريعية، إلى تعطيل الآليّات اللازمة لإبرام الاتفاقات والعقود التي تقتضي موافقة السلطة التشريعية عليها. ويضاف إلى ذلك، أن هذه الفوضى المؤسسية تحُول دون اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لإرساء القواعد التي يُفترض أن توضع عليه سكّة الحل السياسي للأزمة، بدءاً بالانتخابات التي تجمع كل الأطراف، على ضرورة عقدها، رغم اختلافها على شروطها ومواقيتها.

- المعاناة الإنسانية... خلف المعضلة السياسية
لا تقتصر خطورة الأزمة الفنزويلية على تعقيداتها الداخلية التي تبدو مستعصية على الحل، وعلى تحوّلها إلى مسرح للصراع الإقليمي بين اليمين المدعوم من الولايات المتحدة واليسار الذي تدعمه موسكو الساعية إلى استعادة موقع لها على مقربة من السواحل الأميركية. تتضح هذه الخطورة من كونها تتفاعل في ظل أزمة اقتصادية غير مسبوقة منذ 45 سنة في دولة لا تعيش حرباً.
إذ تفيد الأرقام والتقارير المتداولة في المؤسسات الدولية أن الأزمة الاقتصادية والمعيشية التي تشهدها فنزويلا منذ العام 2014 تجاوزت ما حصل في زيمبابوي على عهد موغابي، وما شهده الروس بعد انهيار الاتحاد السوفياتي أو كوبا إبان «الفترة الخاصة» في تسعينات القرن الماضي.
ويقول منسّق المساعدات الطارئة في الأمم المتحدة، مارك لوكوك: «إن فنزويلا تواجه مشكلة إنسانية حقيقية تستدعي التحرك بسرعة، قبل أن تخرج عن إطار السيطرة وتتحول إلى كارثة إقليمية ودولية».
يذكر أن حكومة الرئيس نيكولاس مادورو، الذي يكرّر منذ سنوات أن بلاده تتعرض لحرب اقتصادية، اضطرت أخيراً لفتح الباب أمام المساعدات الإنسانية الدولية، في أعقاب تدهور الأوضاع الغذائية والصحية لمواطنيها الذين هاجر منهم 4 ملايين خلال السنوات الأربع الأخيرة، وينتظر أن يرتفع هذا العدد إلى 5 ملايين في العام الحالي.
أيضاً، تفيد الأمم المتحدة أن 7 ملايين فنزويلي، أي ربع السكّان، يحتاجون إلى مساعدة إنسانية، وأن الأطفال دون سن الخامسة من العمر والحوامل والمرضعات وأولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة، يحتاجون إلى مساعدة غذائية وطبية عاجلة.
ويقدّر صندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) أن 3.4 مليون طفل، أي ثلث عدد القاصرين في البلاد، يحتاجون لمساعدة، بينما يعاني 3.7 مليون شخص من سوء التغذية، حسب تقديرات منظمة الأغذية والزراعة. ويقول برنامج الغذاء العالمي، وهو الذراع الرئيسية للأمم المتحدة في مجال المساعدات الإنسانية، إن 2.8 مليون فنزويلي يحتاجون إلى مساعدة غذائية يومية، في حين تقدّر اليونيسكو أن أكثر من مليون طفل اضطروا لوقف دراستهم بسبب الأزمة، وأن عائلات كثيرة يتعذّر عليها توفير اللوازم الأساسية لأطفالها في المدارس.
كل هذا في الدولة التي تنام على أكبر مخزون نفطي في العالم!



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.