مخاوف من عودة التوتر إلى فنزويلا بعد «الانقلاب» البرلماني لصالح مادورو

في أعقاب نكسة غوايدو وانقسامات المعارضة

مخاوف من عودة التوتر إلى فنزويلا بعد «الانقلاب» البرلماني لصالح مادورو
TT

مخاوف من عودة التوتر إلى فنزويلا بعد «الانقلاب» البرلماني لصالح مادورو

مخاوف من عودة التوتر إلى فنزويلا بعد «الانقلاب» البرلماني لصالح مادورو

في اليوم الخامس من العام الماضي دُعي البرلمان في فنزويلا، الذي تمخّض عن الانتخابات العامة التي أجريت في العام 2015 وفازت بها المعارضة بغالبية ساحقة، إلى جلسة عادية لتجديد هيئة المكتب ورئيسها، وفقاً لأحكام الدستور التي تنصّ على تجديدها كل سنة طوال الولاية التشريعية.
يومذاك، كان النّواب الموالون لنظام الرئيس اليساري نيكولاس مادورو يقاطعون جلسات الجمعية الوطنية وأعمالها، بعدما قرّر النظام محاصرتها ومنع عنها الإمدادات المالية وقطع رواتب النواب، وأطلق حملة ملاحقات قضائية بحق العشرات منهم وزجّ بعضهم في السجون، بينما اختار آخرون طريق المنفى.
في تلك الجلسة التي تغّيب عنها المرشّحان لرئاسة البرلمان، أحدهما لوجوده في السجن، والآخر لعجزه عن العودة إلى البلاد خشية أن يتعرّض للاعتقال، انتخب خوان غوايدو رئيساً للجمعية الوطنية. وكان النظام قد قرّر تجاوزها كلّياً، قبل أشهر، عندما دعا إلى إجراء انتخابات لإنشاء جمعية تأسيسية أناط بها كل الصلاحيات التشريعية التي تقوم بها عادة المجالس النيابية. إلا أن المعارضة رفضت في حينه المشاركة في تلك الانتخابات التي انتهت بتشكيل هيئة تشريعية تدين بالولاء الكامل للنظام.

بعد أسبوعين من انتخاب خوان غوايدو رئيساً للجمعية الوطنية (البرلمان) في فنزويلا، فاجأ غوايدو مواطنيه بتنصيب نفسه رئيساً مكلّفاً للجمهورية. وذكر أنه اتخذ هذه الخطوة بصورة مؤقتة «إلى أن ينتهي استيلاء نيكولاس مادورو على السلطة، وتُجرى انتخابات رئاسية وتشريعية حرّة تحت إشراف مراقبين دوليين والأمم المتحدة».
هذه الخطوة من غوايدو شكّلت نقلة نوعية، ورفعت المواجهة بين المعارضة والنظام إلى مستوى غير مسبوق. ثم إنها ما حظيت بمباركة واشنطن، التي تبيّن لاحقاً أنها كانت وراءها بتنسيق مباشر من مسؤول الأمن القومي يومذاك جون بولتون. وللعلم، بعد ساعات معدودات من خطوة غوايدو أعلنت الإدارة الأميركية اعترافها به وبالجمعية الوطنية بوصفها المؤسسة الشرعية الوحيدة في فنزويلا. وكانت يومها فنزويلا غارقة في أزمة معيشية خانقة ناجمة عن شللٍ شبه كامل في الحركة الإنتاجية والخدمات الأساسية وانهيار اقتصادي أدى إلى أزمة تموينية حادة.
مع إعلان واشنطن تبنّيها لمشروع غوايدو، سارعت دول غربية أخرى مثل كندا وأستراليا إلى الاعتراف بشرعيته، وتبعتها معظم دول أميركا اللاتينية، ثم الاتحاد الأوروبي، إلى أن بلغ عدد الدول التي اعترفت به أكثر من 60 دولة. وحدها المكسيك من بين الدول الأميركية اللاتينية الوازنة امتنعت عن الانضمام إلى «ركب» واشنطن، التي جمّدت كل الأصول المالية والاقتصادية لفنزويلا في الولايات المتحدة ووضعتها في تصرّف «حكومة» غوايدو بوصفها «الممثل الشرعي» الوحيد للشعب الفنزويلي.

- رهان على واشنطن
فتح غوايدو باب المواجهة على مصراعيه مع النظام، معتمداً على دعم سياسي واقتصادي مطلق من واشنطن، بينما راحت الأخيرة تكرّر بأن كل الخيارات مطروحة لإزاحة مادورو، بما فيه اللجوء إلى الحل العسكري. أيضاً، انصرفت المعارضة إلى تصعيد التعبئة والاحتجاجات الشعبية ضد النظام، مراهنة على تعديل في موقف القوات المسلحة التي انشقّ عدد ضئيل من أفرادها... لكن من دون أن يشكّلوا أي تهديد يذكر على استمرار مادورو.
وفي أبريل (نيسان) الماضي، نامت المعارضة، ومعها الإدارة الأميركية، على الاعتقاد بأن عدداً من القادة العسكريين النافذين على استعداد للتخلّي عن مادورو مقابل وعود قدّمتها لهم واشنطن. إلا أنها استفاقت في اليوم التالي على حقيقة مُرّة، مفادها أن القيادات العسكرية ما زالت على ولائها للنظام، وأحبطت الآمال التي كانت معقودة عليها لقلبه.
في موازاة ذلك، كانت الولايات المتحدة تحشد الدعم الإقليمي ضد نظام مادورو ودعماً لغوايدو، فشكّلت مجموعة من 16 دولة أعضاء في منظمة الدول الأميركية، تعارض نظام مادورو، أُطلق عليها اسم «مجموعة ليما»، وذلك خلال اجتماع عقدته المنظمة في عاصمة البيرو لمتابعة الأزمة الفنزويلية وزيادة الضغط على النظام. ومع وصول اليمين إلى الحكم في كلّ من البرازيل وكولومبيا، تفاقمت عزلة مادورو في خضم أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة ونقص في السيولة النقدية اضطراه لبيع جزء من احتياط الذهب في السوق السوداء العالمية.

- فشل أميركي واستغلال روسي
الضغوط السياسية والاقتصادية التي مارستها الإدارة الأميركية، والعزلة الإقليمية التي فُرضت على النظام، لم تثمر أي نتيجة ملموسة في اتجاه إضعافه، حتى قبوله بإجراء انتخابات جديدة. وعندما تبيّن لواشنطن أن إسقاط النظام لن يكون بهذه السهولة، وأن الجهود والضغوط التي استثمرتها لإزاحة مادورو جاءت نتائجها أدنى بكثير من الأهداف المرسومة، خفّ حماسها وتغيّرت لهجتها. وأسهمت في إقالة بولتون، الذي كان «مهندس» سياسة البيت الأبيض في الأزمة الفنزويلية، والذي من جملة ما أخذ عليه الرئيس الأميركي دونالد ترمب «مبالغته وذهابه بعيداً» في التعامل مع تلك الأزمة.
في هذه الأثناء، كانت الصين، وهي الدائن الأكبر لفنزويلا، تمدّ مادورو بدعم محدود من باب تجنّب التفريط بمصالحها واستثماراتها. ومن جهة ثانية، كانت روسيا، المزوّد الرئيسي للنظام بالسلاح، تؤكد تجدد دعمها «لشرعية» مادورو وتنتقد سياسة العقوبات الاقتصادية التي تفرضها عليه واشنطن، وسعيها إلى إسقاطه. ومع إرسال موسكو 150 جندياً إلى العاصمة الفنزويلية كاراكاس، ارتفعت حدة المواجهة بين روسيا والولايات المتحدة التي طالما اعتبرت الوجود العسكري الروسي على مقربة من شواطئها خطأ أحمر. واستمر هذا الحال إلى أن اجتمع الطرفان، واتفقا على تهدئة، تتعهد موسكو بموجبها بألا ترسل قوات إضافية إلى فنزويلا، مقابل تخلّي واشنطن عن التهديد بالتدخل العسكري لإسقاط النظام.
مع تراجع الضغوط الأميركية بدأت تظهر بوادر التصدّع في صفوف المعارضة التي تضمّ عدداً كبيراً من القوى والأحزاب الصغيرة، التي غالباً لا يجمع بينها هدف سوى معارضة النظام. وفي المقابل، انهمك النظام في وضع خطة لاختراق صفوف المعارضة وتشتيتها، سعياً إلى تجريدها من موقعها السياسي الوحيد في رئاسة البرلمان، وهو الذي تعتبره الدول المؤيدة لغوايدو الهيئة الشرعية الوحيدة في البلاد.
وحقاً، تمكّن النظام في الأشهر الأخيرة من اجتذاب بعض نوّاب المعارضة إلى صفوفه، عبر الرشاوى أو التهديد، وفق جهات عدة. كذلك أرسل النظام عدداً من المعارضين إلى السجن بعد ملاحقتهم قانونياً بتهم شتّى، إلى أن جاء موعد انعقاد جلسة تجديد هيئة مكتب البرلمان يوم الأحد الماضي، وما رافقتها من أحداث أعادت الأزمة الفنزويلية إلى التصعيد الذي غاب عنها في الأشهر الأخيرة.

- الانقلاب البرلماني
كان النواب الموالون للنظام، والذين قرّروا العودة أخيراً للمشاركة في جلسات الجمعية العامة، قد حضروا باكراً إلى قاعة البرلمان، برفقة عدد من نواب المعارضة المنشقّين. وأصرّ هؤلاء على بدء الجلسة في موعدها المحدد، بينما كانت قوات الحرس المدني التي انتشرت في محيط «القصر التشريعي» والأحياء المحاذية له تمنع نواب المعارضة من الوصول أو تعرقل دخولهم إلى مقرّ البرلمان.
ولم يتمكّن غوايدو من الدخول إلى قاعة المجلس إلا بعدما كانت الجلسة على وشك الانتهاء حين جرى تصويت برفع الأيدي. في غياب النصاب القانوني، أعلن النائب لويس بارّا، المنشقّ عن المعارضة والمتهم بضلوعه في عملية فساد مالي حول المساعدات الغذائية، أنه قد جرى انتخابه رئيساً جديداً للبرلمان بدعم من النواب الموالين لمادورو.
عندها، حاول غوايدو وأنصاره عبثاً الاحتجاج والطعن فيما حدث، بحجة أن النصاب ما كان متوافراً، وبالتالي فإن الجلسة لم تكن قانونية. وعلى الإثر، توجهوا إلى مقرّ صحيفة «الناسيونال» حيث عقدوا جلسة بحضور 100 نائب، وأعادوا انتخاب غوايدو رئيساً للبرلمان لولاية ثانية.
في أعقاب هذا التطور، تحركّت واشنطن مجدداً، فأعلنت تأييدها لخطوة غوايدو و«شرعية» رئاسته. وانتقدت بشدة تصرفات النظام، كاشفة عن إعدادها لحزمة جديدة من العقوبات ضده. أيضاً جددت كل من منظمة الدول الأميركية و«مجموعة ليما» رفضها لما حصل في البرلمان الفنزويلي، مجددة اعترافها هي أيضاً بشرعية رئاسة غوايدو.

- موقفا المكسيك والأرجنتين
اللافت في ردود الفعل الإقليمية كان موقف المكسيك، التي ما زالت تعترف بشرعية رئاسة مادورو، وتقف على مسافة واحدة بين النظام والمعارضة، وموقف الأرجنتين، التي كانت سحبت اعترافها بمادورو، واعتمدت مندوبي غوايدو بصفتهم الممثلين الدبلوماسيين لفنزويلا.
وأعلنت وزارة الخارجية المكسيكية أن ما حصل في البرلمان الفنزويلي يوم الأحد الماضي ليس مقبولاً، وانتقدت بشدة محاولة النظام «السيطرة على البرلمان بطريقة غير قانونية». وقد رحبّت الولايات المتحدة بخطوة الحكومة المكسيكية، ووصفتها بأنها تحوّل مهم في الأزمة. يذكر أن المكسيك كانت قد رفضت في السابق التجاوب مع دعوة واشنطن لعزل مادورو والاعتراف بشرعية غوايدو، وحاولت التوسط بين النظام والمعارضة، لكن من غير أن تلقى محاولتها تجاوباً.
كذلك الحكومة الأرجنتينية الجديدة التي تسلّمت مهامها مطلع العام الحالي بعد فوز اليساري البيروني ألبرتو فرنانديز برئاسة الجمهورية، وصفت من جهتها ما حصل في البرلمان الفنزويلي بأنه «غير مقبول»، الأمر الذي رأت فيه واشنطن، حسب كلام مبعوثها الخاص للأزمة الفنزويلية: «إنه يزيد من عزلة نظام مادورو، حتى بين حلفائه اليساريين».
لكن، بعد ساعات من تصريح وزير الخارجية الأرجنتيني الذي انتقد تصرفات النظام الفنزويلي، تبيّن أن الحكومة الأرجنتينية الجديدة ليست في واردها المساعدة على تضييق الحصار السياسي والاقتصادي الذي يتعرّض له مادورو، كما استنتجت واشنطن، على الأقل في المرحلة الراهنة. إذ قرّر الرئيس فرنانديز سحب أوراق اعتماد مندوبة غوايدو في الأرجنتين المحامية إليسا تروتّا، التي كان الرئيس الأرجنتيني اليميني السابق ماوريسيو ماكري قد اعترف بها بوصفها الممثلة الدبلوماسية الشرعية لفنزويلا في الأرجنتين. وقالت تروتّا إنها تسلّمت كتاباً من وزارة الخارجية الأرجنتينية تبلغها فيه قرار إنهاء مهمتها الخاصة، في حين قال ناطق رسمي أرجنتيني إن الحكومة قررت إعادة مبنى البعثة الدبلوماسية الفنزويلية في بيونس آيرس إلى ممثلي نظام نيكولاس مادورو.
جدير بالذكر، أن الأرجنتين تواجه وضعاً حرجاً في تحديد موقفها من الأزمة الفنزويلية، وذلك في سياق مفاوضاتها القريبة لإعادة جدولة ديونها الضخمة مع صندوق النقد الدولي حيث تتمتع الولايات المتحدة بنفوذ حاسم. وسبق لواشنطن أن حذّرت الحكومة الأرجنتينية الجديدة من أن دعمها لنظام مادورو سيؤخذ في الاعتبار عند المفاوضات مع صندوق النقد. يضاف إلى ذلك أن الدعم الأرجنتيني لمادورو من شأنه أن يعقّد العلاقات مع البرازيل، التي يحكمها اليمين المتشدد، والمؤيدة بشدة لغوايدو، وهي الشريك التجاري الأول للأرجنتين.

- توقّع تصعيد جديد
بناءً عليه، يتوقّع مراقبون أن تكون التطورات الأخيرة التي شهدتها الأزمة الفنزويلية في الصراع بين النظام والمعارضة للسيطرة على السلطة التشريعية، وتجدد الاهتمام الأميركي بها، مدخلاً لتصعيد جديد بعد أشهر من الهدوء النسبي. وهو هدوء أتاح لنظام مادورو تعزيز مواقعه وتحالفاته، وكشف عن صراعات عميقة بين أطياف المعارضة التي لا تلتقي إلا حول العداء لمادورو.
هذا، وكانت الأمم المتحدة قد أعربت على لسان الأمين العام أنطونيو غوتيرّيش، عن «عميق قلقها من هذه التطورات»، وحثّت جميع الأطراف على العمل بسرعة من أجل التوصل إلى حل سلمي ودائم. وكذلك أعلنت منظمة الدول الأميركية، التي تتهمها فنزويلا وكوبا بأنها مجرّد أداة تعمل بموجب تعليمات واشنطن، أن ما حصل يوم الأحد الماضي في البرلمان الفنزويلي «لا قيمة قانونية له».
من ناحية أخرى، من الأمور التي كشفتها هذه التطورات، فضلاً عن التعقيد الشديد للمشهد السياسي الفنزويلي، فشل النظام في بناء سلطة تشريعية موازية للبرلمان الذي تسيطر عليه المعارضة، عبر الدعوة لانتخاب جمعية تأسيسية تناط بها صلاحيات تشريعية كاملة، وتسيطر عليها القوى الموالية له بعدما رفضت المعارضة المشاركة في انتخابها.
لكن يُخشى أن يؤدي هذا الصراع على المؤسسات، وما نتج عنه حتى الآن من شلل في السلطة التشريعية، إلى تعطيل الآليّات اللازمة لإبرام الاتفاقات والعقود التي تقتضي موافقة السلطة التشريعية عليها. ويضاف إلى ذلك، أن هذه الفوضى المؤسسية تحُول دون اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لإرساء القواعد التي يُفترض أن توضع عليه سكّة الحل السياسي للأزمة، بدءاً بالانتخابات التي تجمع كل الأطراف، على ضرورة عقدها، رغم اختلافها على شروطها ومواقيتها.

- المعاناة الإنسانية... خلف المعضلة السياسية
لا تقتصر خطورة الأزمة الفنزويلية على تعقيداتها الداخلية التي تبدو مستعصية على الحل، وعلى تحوّلها إلى مسرح للصراع الإقليمي بين اليمين المدعوم من الولايات المتحدة واليسار الذي تدعمه موسكو الساعية إلى استعادة موقع لها على مقربة من السواحل الأميركية. تتضح هذه الخطورة من كونها تتفاعل في ظل أزمة اقتصادية غير مسبوقة منذ 45 سنة في دولة لا تعيش حرباً.
إذ تفيد الأرقام والتقارير المتداولة في المؤسسات الدولية أن الأزمة الاقتصادية والمعيشية التي تشهدها فنزويلا منذ العام 2014 تجاوزت ما حصل في زيمبابوي على عهد موغابي، وما شهده الروس بعد انهيار الاتحاد السوفياتي أو كوبا إبان «الفترة الخاصة» في تسعينات القرن الماضي.
ويقول منسّق المساعدات الطارئة في الأمم المتحدة، مارك لوكوك: «إن فنزويلا تواجه مشكلة إنسانية حقيقية تستدعي التحرك بسرعة، قبل أن تخرج عن إطار السيطرة وتتحول إلى كارثة إقليمية ودولية».
يذكر أن حكومة الرئيس نيكولاس مادورو، الذي يكرّر منذ سنوات أن بلاده تتعرض لحرب اقتصادية، اضطرت أخيراً لفتح الباب أمام المساعدات الإنسانية الدولية، في أعقاب تدهور الأوضاع الغذائية والصحية لمواطنيها الذين هاجر منهم 4 ملايين خلال السنوات الأربع الأخيرة، وينتظر أن يرتفع هذا العدد إلى 5 ملايين في العام الحالي.
أيضاً، تفيد الأمم المتحدة أن 7 ملايين فنزويلي، أي ربع السكّان، يحتاجون إلى مساعدة إنسانية، وأن الأطفال دون سن الخامسة من العمر والحوامل والمرضعات وأولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة، يحتاجون إلى مساعدة غذائية وطبية عاجلة.
ويقدّر صندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) أن 3.4 مليون طفل، أي ثلث عدد القاصرين في البلاد، يحتاجون لمساعدة، بينما يعاني 3.7 مليون شخص من سوء التغذية، حسب تقديرات منظمة الأغذية والزراعة. ويقول برنامج الغذاء العالمي، وهو الذراع الرئيسية للأمم المتحدة في مجال المساعدات الإنسانية، إن 2.8 مليون فنزويلي يحتاجون إلى مساعدة غذائية يومية، في حين تقدّر اليونيسكو أن أكثر من مليون طفل اضطروا لوقف دراستهم بسبب الأزمة، وأن عائلات كثيرة يتعذّر عليها توفير اللوازم الأساسية لأطفالها في المدارس.
كل هذا في الدولة التي تنام على أكبر مخزون نفطي في العالم!



الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.