سنوات السينما: ‪I Am Cuba‬ ‪(‬1964‪)‬

سنوات السينما: ‪I Am Cuba‬ ‪(‬1964‪)‬

الجمعة - 14 جمادى الأولى 1441 هـ - 10 يناير 2020 مـ رقم العدد [ 15018]
فيلم «أنا كوبا»

I Am Cuba‬ ‪(‬1964‪)‬
(ممتاز)
‫قبل سبع سنوات من إنجاز هذا الفيلم، كان مخرجه‬ ميخائيل كالاتوزوڤ قد نال سعفة مهرجان كان الذهبية عن فيلمه الآسر «البجع يطير». بعده جلس مع الشاعر الروسي إيڤني يفتوشنكو ليكتبا سيناريو «أنا كوبا». لاحقاً انضم إليهما إنريك بينيدا بارنت، لكن عمل كالاتوزوڤ مع يفتوشنكو كان مثار دهشة، إذ إن الشاعر كان انتقد نظام ستالين وقال: «هو مات، لكن الستالينية ما زالت قائمة»، وهو موقف انضم إلى جملة مواقف انتقادية للسلطة الشيوعية على ما كان يحمله آنذاك من مخاطر.
«أنا كوبا» كان نتيجة هذا التكاتف في العمل بين المخرج العامل تحت سقف النظام مع الشاعر المنتقد له. كانت الفكرة أساساً تحقيق فيلم يؤرخ لسنوات حكم باتيستا، لكن كالاتوزوڤ لم يكن راغباً في مجرد تحقيق فيلم دعائي لكوبا كاسترو بل طاف يبحث عن موضوع يخرج عن هذا النطاق وما لبث أن وجده.
يبدأ «أنا كوبا» بكاميرا فوق مركب في البحر يمر به مركب آخر فيه طفلان فقيران مصحوباً بتعليق صوتي يقول: «أنا كوبا… شكراً كولومبوس، عندما شاهدت كوبا أول مرّة كنت أغني وأضحك».
عبارة «أنا كوبا» تعود مراراً وتكراراً. جزء من شعر يفتوشنكو الذي يتردد طوال الفيلم كاشفاً عن الحالات الاجتماعية التي مرّت بها كوبا قبل الثورة. هي كالراوي، ولو أن هذا لا يعفيها من كونها تحل في تكرار ملحوظ ينتمي إلى أسلوب ساد السينما اللاتينية في زمن التقلّبات السياسية والعسكرية.
على ذلك، الفيلم إنجاز مبهر بصرياً منذ ذلك التمهيد لما سيلي، حيث تسير الكاميرا فوق سطح فندق فخم بين رجال ونساء في ملابس السباحة وتتمايل مع موسيقى جاز. تلحق رجلاً يحمل مشروباً لامرأة تقف وحيدة عند حافة الشرفة تنظر إلى المدينة تحتها المزدحمة بالحياة ثم تتخلى الكاميرا عنها وتنتقل إلى حيث مصدر الموسيقى. هناك مغن أميركي يغني ويتمايل والكاميرا (المحمولة طوال الوقت) تتمايل مع موسيقاه ولا تتخلّى عن محيطه من الرجال والنساء في البيكيني. تعود الكاميرا إلى حافة الشرفة وهنا تفاجئ المشاهد بهبوطها إلى الدور التالي من خارج المبنى بعدما اجتازت حاجز الشرفة (غالباً بفضل مصعد خُصص للغاية). تستكشف الكاميرا ذلك المكان ثم تهبط دوراً آخر حيث يقع مسبح ثانٍ. امرأة تتّجه إلى المسبح وترمي نفسها. الكاميرا تفعل الأمر نفسه بعدما وضعها مدير التصوير (سيرغي أوروسڤسكي) في صندوق محكم لا تتخلله المياه. الناتج صورة وجهة نظر لذلك التجوال الاستكشافي الذي بدأ قبل دقيقتين لمن هم في بركة السباحة. الكاميرا تغطس حيناً وتعوم حيناً. عند هذا الحد ينتهي هذا الفصل التمهيدي.
ما بعد هذا التمهيد المنتمي إلى سينما تسجيلية - جمالية يسرد الفيلم خمس حكايات درامية قصيرة متصلة بخيط الكشف عن الواقع بصورة وصوت شعريين. أولى هذه الحكايات تدور حول فتاة جميلة (لوز ماريا كولازو) تعمل في أحد الملاهي ليلاً. ملهى يؤمه الأميركيون الباحثون عن اللذة في تلك المدينة. هي غير سعيدة كونها تبيع تلك اللذة لمن يدفع.
من هذه الحكاية ينتقل إلى القصص الأخرى، وكلها تدور في رحى الوضع الاجتماعي والسياسي الذي كان قائماً في الخمسينات. بها ينتقل من المدينة إلى الريف ثم يعود إلى المدينة من جديد. شغل المخرج وشاغله هو الفن وليس السياسة بحد ذاتها. كلما أمعن في تطوير لغة السرد والعرض حوّل الموضوع إلى تحصيل حاصل. ما زال للفيلم رسالته لكنه اليوم مُقدّر لفنه غالباً.


أميركا سينما

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة