مستحضرات العناية بالبشرة بين الغالي والرخيص

بعضها يفوق الألف دولار والاستثمار فيها يحتاج إلى «تركيز» ومكونات حيوية

مستحضرات العناية بالبشرة بين الغالي والرخيص
TT

مستحضرات العناية بالبشرة بين الغالي والرخيص

مستحضرات العناية بالبشرة بين الغالي والرخيص

إنها منجم الذهب الذي لا ينضب بالنسبة لصناع الجمال والتجميل في الغرب، مهما زاد سعرها زاد سحرها. إنها مستحضرات التجميل التي لا تتوقف عن النمو في كل أنحاء العالم عموماً، ومنطقة الشرق الأوسط خصوصا، إذ يقدر المحللون سوق الجمال في الشرق الأوسط وأفريقيا بنحو 34.9 مليار دولار في 2019، بزيادة 8 في المائة عن العام السابق (32.4 مليار دولار). ومن المتوقع أن يصل هذا الرقم إلى 43.4 مليار دولار في عام 2022، وفقاً لتقديرات شركة «يورومونيتور إنترناشيونال»، مما يجعل منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا واحدة من أسرع الأسواق نمواً في العالم بالنسبة لمستحضرات التجميل والعناية بالبشرة والشعر والعطور وأدوات الزينة الرجالية والرعاية الشخصية. بيد أن الشرق الأوسط ليس وحده المعني بما تطرحه شركات التجميل العالمية وغيرها، فالكل يعرف أن هذه المستحضرات أول خطوة تأخذها المرأة لدخول عالم الموضة. مصممون كبار يُدركون أن الأزياء وحدها لا تُغني من جوع، أو على الأقل يُعد تسويقها تحدياً كبيراً من دون عطر أو مستحضرات أخرى تسندها. فمن لا تستطيع إلى فستان يقدر بالآلاف أو قميص يقدر بالمئات سبيلاً، تستطيع أن تحصل على أحمر شفاه أو كريم ترطيب بسعر مقدور عليه من الدار نفسها. هذا على الأقل ما كان صناع الأزياء والجمال يرددونه لسنوات، قبل أن نلاحظ ارتفاعاً صاروخياً في أسعار هذا الجانب أيضاً، ودخول شركات جديدة مجاله. تقول نيوبي هاندس، مديرة قسم التجميل في «نيت أبورتيه»، إن الموقع يوفر منتجات بأسعار تتراوح بين 10 و1550 جنيهاً إسترلينياً، ويلاحظ أن مستحضرات العناية بالبشرة تحقق مبيعات أكبر من غيرها. فالموقع يتوفر حالياً على 1.300 مستحضر، منها سيروم دكتور باربرا ستروم، وكبسولات الدكتور طالب، مروراً بمنتجات «كريم دي لامير» و«ناتيرا بيسي»، وغيرها. وتشير إلى أن الدراسات وأرقام المبيعات في الموقع لا تترك أدنى شك بأن زبونات هذا القطاع متمرسات، فهن حسب قولها: «مهتمات بمستحضرات العناية بالبشرة أكثر من مستحضرات التجميل، ويتعاملن معها مثل تعاملهن مع الموضة، من ناحية اختيارهن لها حسب تغير الفصول. فقد انتبهن إلى أن ما يناسب بشرتهن في الخريف والشتاء قد لا يناسبها في الربيع والصيف».
وواحد من العلاجات التي تحقق إقبالاً كبيراً على موقع «نيت أبورتيه»، حسب قول نيوبي هاندس، مستحضر يحتوي على 24 قيراطاً من الذهب لـ«ميمي لوزون» تم اكتشافه صدفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وتعترف بأنها اعتقدت في البداية أن طريقة استعماله معقدة إلى حد قد يجعل البعض يعزفن عنه، لكنها تفاجأت بالعكس «الأمر الذي يدل على أن المرأة تريد أن يكون لها أسلوبها الخاص، ولا شيء يوقفها عندما تحصل على شيء مميز».
وتوافقها الرأي فيرونيكا فيساس، الرئيس التنفيذي لشركة «ناتيرا بيسي»، في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، قائلة إن الشركة التي تحتفل هذا العام بعيد ميلادها الـ40 طرحت بالمناسبة مستحضراً في محلات «هارودز» مكوناً من الألماس (The Diamond Extreme Cream)، مُقاوماً للشيخوخة، بعدد محدود، وبسعر 850 جنيهاً إسترلينياً. سعره تبرره فيرونيكا، وهي من الجيل الثالث للمؤسس ريكاردو فيساس، بقولها إن المسألة لا تتعلق بمنتج عادي، بل بأسلوب حياة وأولويات. فالمرأة أصبحت ضليعة، لا تكتفي بالشكل الخارجي للمنتج، بل تسأل عن مكوناته وتقرأ عنها قبل أن تقتنع بها وتستثمر فيها أياً كان سعره. وتُعلق: «أوافقهن الرأي تماماً لأن ليس هناك أغلى من بشرتنا. فبينما يمكننا تغيير أزيائنا وأكسسواراتنا ومجوهراتنا، وحتى تسريحات شعرنا بسهولة، إلا أننا لا نملك سوى بشرة واحدة طوال العمر، لهذا علينا أن نحافظ عليها بكل الوسائل».
ورغم أن السوق يُوفر خيارات بميزانيات مختلفة، تتباين بين مئات الدولارات وأقل من 10 دولارات، فإن الأمر لا يخلو من سلبيات تتمثل في الحيرة التي تسببها كثرة هذه المستحضرات، إضافة إلى جهل الغالبية منا بالمكونات التي تدخل فيها، والفرق بينها، ليبقى السؤال الملح هو ما إذا كان الغالي ثمنه فيه، أم أن المسألة تسويقية بحتة. ويبدو أن أغلب الخبراء أجمعوا على نقطة مهمة، وهي أن مستحضرات العناية بالبشرة تستحق الاستثمار فيها، فهي الوحيدة التي لا يمكن التباهي بها أمام الآخرين، لأن لا أحد يعرف نوع أو اسم الماركة التي تستعملها أي امرأة ولا كم سعرها. فهذه المسألة شخصية بحتة، يتحدد اختيارها بنتائجها على الوجه. فكريمات مثل «كريم دو لامير»، أو منتجات مثل «ناتيرا بيسي»، التي يعود عمرها في السوق إلى 40 عاماً من الاختبارات، وغيرها تُبرر أسعارها بخضوعها لأبحاث علمية كثيرة حتى تتأكد من نتائجها «فهذه يجب أن تكون ملموسة، وفي وقت وجيز. هذا عدا عن تركيزها على مكونات نشطة محفزة بنسب عالية جداً. فهذا ما يميز منتجاً عن آخر»، حسب رأي فيرونيكا التي تتابع: «من الضروري أن تلمس المرأة النتائج بعد فترة وجيزة جداً. إذا طال الأمر من دون أن ترى تحسناً، فهذا دليل على أنها لم تختر المستحضر المناسب لبشرتها، وهو ما يُفسر أن أي شركة محترمة تحرص حالياً أن تُفصل هذه الكريمات على المقاس، بمعاينة الزبون والتعرف على احتياجاته، بدءاً من نوعية بشرته إلى أسلوب حياته».
وما يردده الخبراء كثيراً أن أي مستحضر له قوته وضُعفه. والأمر لا يتعلق بمدى الأبحاث التي تقوم بها الشركات، أو جودة المكونات التي تستعملها، بل بالمرأة نفسها. فقد يُعطي كريم ترطيب أو مضاد للشيخوخة وغيرها نتائج مبهرة لامرأة ما، بينما لا يعطي أخرى أي نتائج تُذكر، لأنه بكل بساطة لا يناسب نوعية وطبيعة بشرتها. فـ«حمض الهليورنيك مثلاً رائع مفيد لترطيب البشرة وإضفاء النضارة عليها، لكن إذا كانت البشرة تعاني من نقاط سوداء، فإن حمض الهليورنيك لن يفيدها، فهي في هذه الحالة تحتاج إلى مكون يتفاعل أكثر مع التصبغ المُفرط»، حسب قول فيرونيكا. أما إذا كان الهدف هو وقاية البشرة من التلوث بسبب العيش في مدينة صاخبة مزدحمة فـ«لا بد من التفكير في مكون قوي من البريبايوتيك يحمي البشرة، ويعمل كطبقة واقية لها».
فعملية اختيار الكريم المناسب للبشرة تحدده أولاً وأخيراً نوعيتها وعُمرها، لهذا على كل واحدة منا أن تبحث عن المكونات، فهي تلعب دوراً كبيراً في التأثير على النتائج، وأيضاً على تحديد السعر. تقول فيرونيكا: «إن بعض هذه المكونات يكون الحصول عليه صعباً لندرتها، وبعضها الآخر عبارة عن مكونات نشطة محفزة مركزة بنسبة عالية». ثم لا ننسى أن هذه الشركات توظف خبراء وباحثين من الوزن الثقيل، وبالتالي عليها أن توفر لهم كل ما يحتاجون إليه أو يطلبونه ليقوموا بعملهم على أحسن ما يُرام.
وأغلبية الخبراء يفضلون استعمال السيروم والكريمات المحفزة التي تحتوي على حمض الهليورونيك، وعلى مضادات الأكسدة، إلى جانب الكريمات التي تحتوي على مرشحات عالية للوقاية من أشعة الشمس البنفسجية، لكن الأهم من كل هذا أن يناسب بشرتك، وعدم الحُكم على هذه المنتجات من شكلها الخارجي وأناقة تعليبها. صحيح أن طريقة التعليب والتغليف وجودة العلبة لها تأثير على اختياراتنا، لكن الفرق الحقيقي لا يُرى من أول نظرة، بل من أول لمسة، وعندما تُوزعه المرأة على الوجه فتشعر بنعومته وتغلغله فيها، ويرطبها ويُغذيها من الداخل، عوض أن يبقى مجرد طبقة على السطح تسد المسام. كما يحتاج أيضاً إلى وقت قبل الحكم عليه، لأن نتائجه تظهر بعد أيام أو أسابيع. ويُجمع خبراء العناية بالبشرة على أن السوق يزخر حالياً بمنتجات باهظة الثمن، وأخرى أقل سعراً تدعي احتواءها على المكونات نفسها، لكن لا بد من الانتباه إلى أن نسبة تركيز هذه المكونات تختلف بكثير، إذ إن هناك فرق بين نسبة 4 في المائة فقط ونسبة 14 في المائة مثلاً.


مقالات ذات صلة

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

لمسات الموضة أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

استعمل «إيرديم» منذ انطلاقته في عام 2005 أساليب تقليدية في تصاميم مبتكرة تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

لعب العرض على فكرة السفر والترحال، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تفخر الدار الإيطالية التابعة حالياً لمجموعة «إل في إم إتش» الفرنسية بمهارتها في نسج أرق خيوط الصوف في العالم

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قبل الأزمة صور صناع الموضة حملات رمضانية بنكهة شرقية (سافانا)

هل يفقد الشرق الأوسط مكانته مركزاً للموضة العالمية؟

قبل أسابيع قليلة فقط، كانت بيوت الأزياء العالمية تتسابق على ترسيخ أقدامها في الشرق الأوسط، وهو من أكثر أسواقها حيوية وربحية. أطلقت تشكيلات خاصة بهذه المناسبة…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة التويد بشكله الطبيعي المائل إلى الخشونة في عرض «رالف لورين» الأخير للموسم المقبل (رالف لورين)

أناقة شتاء 2026... أزياء دافئة وطبقات متعددة

عندما تنخفض درجات الحرارة وتتلون السماء بالرمادي، تتغير الأولويات. لكن رحلة البحث عن الدفء لا تعني التنازل عن الأناقة بأي شكل من الأشكال. بل على العكس، يُفضِل…

«الشرق الأوسط» (لندن) «الشرق الأوسط» (لندن)

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
TT

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

لم يكن عرض إيرديم مواليوغلو لخريف وشتاء 2026 عادياً. كان احتفالاً بتأسيس علامة أطلقها شاب في الـ28 عاماً، وكبرت معه لتتحول إلى قصة نجاح بلغت الـ20 عاماً. أعاد المصمم حكاية هذه القصة وعنوانها «المحادثة المتخيلة» بوصفها تحية لكل النساء اللواتي ألهمنه وساهمن من خلال قصصهن وإنجازاتهن في استمراريته وضمان استقلاليته، ولو بشكل رمزي. عاش حياتهن وتخيَّل ما يُمكن أن يُفكِرن فيه وصاغ لكل واحدة تشكيلات تحمل اسمها عبر السنوات.

من هذا المنظور لم يكن العرض الأخير استرجاعاً للذكريات بالمعنى التقليدي، بل مجموعة حوارات ومحادثات مع كل واحدة من ملهماته، مثل ماريا كالاس، دوقة ديفونشر، العالمة النباتية ماريان نورث، راقصة الباليه مارغو فونتين، الشاعرة رادكليف هول، وغيرهن. نساء غير عاديات، من حيث أنهن يُمثلن التقاليد ويتمرّدن عليها في آن واحد.

فستان «بانير» باللون الأحمر من الدانتيل المطرز تزينه خيوط أزهار وشرائط متدلية (إيرديم)

هذه الازدواجية بين التقليدي وغير المألوف، شكَّلت أسلوبه منذ بداياته. ورغم أنها تخلق بعض التوتر لدى الناظر أحياناً، أثبتت مع الوقت أنها مكمن قوته، لأن نتيجتها دائماً تصاميم مطرزة برومانسية غُرست في مخيلته منذ طفولته، وهو يرى والدته في فساتين أنيقة وأحمر شفاه قاني وقارورة عطر شاليمار لا تفارق طاولتها.

كل هذا ظهر في إطلالات أعاد تخيَّلها للحاضر، تارة في فساتين غير مكتملة الأطراف جمع فيها الدانتيل بالجاكار والنعومة بالصرامة، وتارة في معاطف خاصة بالأوبرا تستحضر ماريا كالاس، لكنها أكثر تحرراً، إلى جانب أخرى بقصات وخطوط وزخارف منمقة.

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري ومزين بساتان أزرق يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة مبتكرة (إيرديم)

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري مزين بساتان أزرق، يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة من الدانتيل يربط بحزام على شكل فيونكة من القماش نفسه. بكل تناقضاته جاء متناغماً على المستوى الفني. واختتمه بفستان غير متماثل مركب من الساتان فضي مطبوع وتول أسود، تخترقه قطع من الساتان الأصفر والوردي تزينه فيونكة مطرزة الحدود.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يشرح إيرديم أنه قلب في الدفاتر القديمة على تيمات مألوفة وفككها ليُعيد ابتكارها بما يناسب العصر والخبرات التي اكتسبها طوال الـ20 عاماً. فستان زفاف من عرضه الأول مثلاً يعود في عام 2026 بتنورة تبدو صاخبة ومتحدية، وكأنها تستعرض ماضيه ومستقبله.

48 إطلالة لم تكن استنساخاً لما سبق وقدمه، فكل إطلالة هنا تحكي قصتها الخاصة، وفي كل حوار يدور بين هذه الشخصيات تأخذ التصاميم أشكالاً ربما تعكس عصرها السابق، لكنها تأخذ أيضاً بعين الاعتبار المرحلة الحالية. يقول المصمم أن هذه الخيالات أو التخيلات التي عاد فيها إلى أرشيفه الخاص، حرَرته وأطلقت العنان لخياله. وانطلاقاً من هذا الإحساس بالحرية، جعل الكاتبة مثلاً تميل إلى راقصة، وعالمة النباتات تُنصت إلى ممثلة باهتمام، وهكذا. لا يتفقن دائماً في الهوى والثقافة والذوق، لكن المصمم غزل اختلافهن بخيوط من ذهب وفضة، ما أضفى على التشكيلة تماسكاً.

استوحى المصمم العديد من تصاميمه مجموعات سابقة مثل هذا المعطف الذي يستحضر صورة ماريا كالاس والأوبرا (إيرديم)

يضيف إيرديم في بيانه الصحافي: «قبل عشرين عاماً، بدأت هذه المحادثة المتخيلة. لم تكن مونولوغاً ولا صوتاً واحداً فقط، بل تبادل أفكار وآراء، مستمر بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والخيال، ركَّزت فيه على نساء لا يزال صداهن يتحدى الزمن ويتجاوز الحدود». لكنه يُصر أن المجموعة ليست عن الحنين بل عن الاستمرارية، وتلك القدرة الفطرية لدى ملهماته على مواجهة النكسات والأزمات، وهو ما ينعكس أيضاً على مسيرته الشخصية.

فستان «بانير» يجمع بين الهندسية الكلاسيكية والأناقة المعاصرة (إيرديم)

فنجاح تجربته مقارنة بغيره من أبناء جيله، تؤكد أنه نجح في اختبار الزمن، بدليل أنه تجاوز الأزمات الاقتصادية التي شهدها العقد الماضي، ونكسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإفلاسات الحاضر التي أودت بمحلات كبيرة كان لها فضل كبير في عرض إبداعاته حتى قبل أن يُصبح اسماً لامعاً، مثل «بارنيز» و«ساكس» وموقع «ماتشز» وغيرها. والآن يقف صامداً مع الكبار مثل «بيربري» في أسبوع أصبح ضعيفاً مقارنة بسنوات المجد في التسعينات وبداية الألفية.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يتذكر أنه عندما أطلق مشروعه الخاص في عام 2005 كانت ساحة الموضة في لندن تعج بالمواهب والإبداع. أسماء كثيرة كانت تجذب أنظار العالم للعاصمة البريطانية، منهم جايلز ديكون، جوناثان أندرسون، روكساناد إلينشيك، ريتشارد نيكول، كريستوفر كاين، ماريوس شواب، وآخرون. كانوا مثله في ذلك الزمن، يُسجلون بداياتهم، لكن العديد منهم تعامل مع أسبوع لندن بوصفه مسرحاً يستعرضون فيه جرأتهم الفنية. هؤلاء كانوا يؤمنون أن الإبداع، حتى في أقصى حالات جنونه، فن غير عابئين لجانب التسويق. في هذا المشهد الفائر بروح الشباب، دخل إيرديم مُفضِلاً مساحة جمالية آمنة نسبياً: أكثر أنوثة تعتمد على الورود والتفاصيل الرومانسية أكثر من اعتمادها على الجلود والأساليب القوطية أو «الغرانجية» وما شابه.

جعل الأزهار والورود تيمة تتكرر في أغلب مجموعاته حيث طبعها حتى على الجلود (إيرديم)

وفي الوقت الذي كان فيه أقرانه يختبرون هذه الأساليب إضافة إلى بداية تجاربهم مع «الجندرية» بدمج الأنثوي بالذكوري، وفي كل موسم يزيدون الجرعة، آمن إيرديم أن المرأة لها وجود خاص وقائم بذاته في أعماله، فسخّر لها كل إمكاناته وخبرته في تطريز ورود تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها وياقاتها. لم تكن نيته أن تُحدث تصاميمه الصدمات. أرادها فقط أن تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».


كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
TT

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

خلال أسبوع الموضة بميلانو، كشفت «لورو بيانا» داخل «كروتيله ديلا سيتا»، وهو مقرها الرئيسي، عن مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027. حوَّلت الدار المساحة مسرحاً يُجسّد فكرة السفر، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب، بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة مركّزة على الشرق. فهناك إطلالات كثيرة تستحضر الدراويش الرحالة وتنانيرهم المستديرة بطبقاتها المتدفقة والطرابيش العالية، بينما تستحضر أخرى فخامة القصور الأوروبية والعثمانية من خلال قماش البايزلي ونقشته المعروفة.

إيحاءات شرقية واضحة ظهرت في القبعات والكثير من التصاميم (لورو بيانا)

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، يدخل الضيوف عالَماً مُتخيَّلاً رسمته الدار الإيطالية بكل تجليات ألوان «البايزلي»، في حين غطَّت الأرض بسجاد بني وكأنه بساط الريح الذي يعبر الزمن والمحيطات.

تم تتوالى الإطلالات وتتفتَّح كـ«حلم رحال»، وهو عنوان المجموعة؛ لتمنح الضيوف انطباعاً كما لو أنهم يسافرون على متن قطار الشرق السريع ويتابعون العالم وهو يمر أمام أعينهم. عند المدخل، يستقبلهم صوت رخيم يقرأ سلسلة من قصائد قصيرة تتغنى بتبدُّل الفصول وتحوّل الألوان. كان هذا الصوت يتردد في المكان على صدى إيقاع ديناميكي يشبه صوت عجلات القطار. يتصاعد الإيقاع في الممر الضيق المؤدي إلى القاعة الرئيسية، ليجد الحضور أنفسهم في مكان يحاكي في تصميمه مقصورة قطار. تصطف على جوانبها نوافذ تكشف عن مشاهد ضبابية تتلاشى مسرعة، لتظهر المجموعة بتسلسل متناغم يتكرر فيه البايزلي بدرجات دافئة.

نقشة «البايزلي» تكررت في أغلب التصاميم (لورو بيانا)

البايزلي... بطل المجموعة

فهذا القماش بنقشته الشهيرة على شكل دمعة، يغطي الفضاء بأكمله تقريباً. كمية السخاء في استعماله لا تترك مجالاً للشك بأن الدار تريد استعراض مهارتها في تنفيذه رغم ما يشكله من تحديات. تعترف بأن زخارفه معقدة وتتطلب خبرة عالية في الطباعة للحفاظ على نعومة الكشمير وخفة الأقمشة، التي تفخر «لورو بيانا» بأنها متفردة في غزله. فقد قدَّمت للعالم قبل عرضها بأسابيع قليلة آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». استغرق تطويره عامين من البحث والعمل في مشاغلها الواقعة في روكا بييترا وكوارونا الإيطالية، ليأتي إنجازاً استثنائياً جديداً ينضم إلى إنجازاتها السابقة.

بعض الإطلالات تستحضر تنورات الدراويش المستديرة والمتدفقة (لورو بيانا)

ورغم أن اهتمامها بالصوف وتطوير أليافه يبقى على رأس أولوياتها دائماً، فإن الأمر لم يختلف عندما اختارت البايزلي بطلاً لهذه المجموعة، لا سيما وأن علاقته به ليست وليدة الأمس القريب. فمنذ أواخر الستينات والسبعينات وهي تستلهم من زخرفاته وتتفنن في نقشته، ليُصبح مع الوقت توقيعاً مألوفاً على شالاتها وعنصراً مهماً في تصاميمها. نظرة على ما تم طرحه في مجموعتها للخريف والشتاء المقبلين، يؤكد أنها حقَّقت الهدف في تطويعه ومن ثم ترسيخ مهاراتها في التلاعب بالأقمشة. فتأثير البايزلي هنا كان أقوى من ذي قبل؛ نظراً للمعتة الهادئة وخفته، لكن أيضاً لأنه يحمل طابعاً شرقياً وتاريخياً يأخذنا إلى قصور المَهَارَاجَات وبلاطات أرض فارس وغيرهم.

الألوان كانت البوصلة التي حددت رحلة هذه المجموعة من الشرق إلى الغرب (لورو بيانا)

رحلة إلى الشرق

فالمجموعة بنسختيها النسائية والرجالية تتكشَّف كما لو أنها تُرى بعين مسافر على متن قطار يعبر تضاريس متنوعة وثقافات مختلفة. يحطّ لوقت في الشرق قبل أن يتوجه إلى أوروبا، وهو ما يُفسّر أن بعض الإطلالات تعيد إلى الذهن صور الدراويش الذين يسافرون خفيفي الحركة، ليتواصلوا مع المكان والزمن والروح. إلى جانب أهمية الأقمشة، كانت الألوان هي البوصلة هنا. تبدأ بدرجات التراكوتا والأصفر المائل إلى البني ثم البيج والرمادي والبني العميق قبل أن تتعمَّق في الأخضر والأزرق الغامق. لم يغب الأبيض ولا الأسود، فهما ثنائية عابرة للزمن، لكن الدار اقتصرت عليهما في أزياء المساء والسهرة.

تصاميم خفيفة تترك مساحة بينها وبين الجسم لضمان راحته وحركته (لورو بيانا)

مرة أخرى حضر الكشمير وصوف الميرينو والكشمير وصوف الميرينو وألياف «بيكورا نيرا» الطبيعية التي تفخر بها الدار، إلى جانب التويد وخيوط المولينيه وقماش الشانيل الناعم. خامات تلامس الجسد بخفة وتمنحه كل الدفء الذي يحتاج إليه، لكن المسافة بينها وبين الجسد تبقى واسعة إلى حد ما؛ لتتيح له التنفس والانطلاق وفي الوقت ذاته لتعكس مدى خفتها ونعومتها، سواء كانت معاطف طويلة منسدلة، بنطلونات واسعة يصل بعضها إلى نصف الساق أحيانا، أو تنورات تم تنسيقها مع بنطلونات..تناسق الأحجام مع هذه الخامات والألوان زاد من جمالها ورقيِها، رغم غرابة بعض الإكسسوارات المثيرة للنظر.

أزياء السهرة والمساء تميزت هي الأخرى برغبة في أن تمنح الجسد راحة وانطلاق (لورو بيانا)

أزياء المساء

حتى في المساء لا تفقد هذه التصاميم تحررها وانطلاقها. بالعكس، تبقى راقية عبر قصات واسعة وألوان كلاسيكية تعتمد على الأبيض والأسود، في حين ازدانت بدلات التوكسيدو والمعاطف الطويلة بتفاصيل من الساتان، وحلت الياقة العالية محل القميص. وجاءت النتيجة أزياء كلاسيكية بلغة شبابية معاصرة تؤكد أنها هي الأخرى عابرة للزمن وتخاطب كل المواسم.


نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
TT

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)

قبل أن تقدم «لورو بيانا» مجموعتها لخريف وشتاء 2026 - 2027 بأسابيع، قدَّمت للعالم آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». نسيج يجمع خفة غير مسبوقة ولمعة هادئة.

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك» وأجود أنواع صوف الميرينو (لورو بيانا)

في صيغته الأولى، يأتي خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو، وفي صيغته الثانية يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير بعد أن تم التعامل معهما في ورشاتها بعناية فائقة. تشرح الدار بأن أهمية هذا الخيط تكمن في رقته. فهي تكاد تكون شفافة؛ ما يجعله إنجازاً جديداً رغم أن حياكته تُعدّ تحدياً لحرفيي الدار، وذلك أن التعامل مع هذه الألياف يتطلّب مهارةً استثنائيةً لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها.

مرحلة الخياطة النهائية تتم بتقنية Fell Stitching وهي من أندر أساليب الخياطة إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط (لورو بيانا)

نسيج من حرير التوت والميرينو

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك»، وأجود أنواع صوف الميرينو، بسُمْكٍ بالغ الرقة يبلغ 13.5 ميكرون فقط. ولا تتجاوز نسبة هذا المستوى من النعومة 0.05 في المائة من إجمالي الإنتاج السنوي العالمي لصوف الميرينو، ضمن نطاقٍ يتراوح بين 13.0 و13.8 ميكرون.

يأتي النسيج في البداية خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو قبل أن يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير (لورو بيانا)

تبدأ عملية ابتكاره بتمشيط الألياف وغزلها بعناية، ثم لفّ خيطين معاً وفق قياساتٍ بالغة الدقة. وتُسهِم هذه التقنية في إبراز الخصائص الطبيعية لكل ليفة، تٌنتج بعدها خيطاً فائق الرقة لا يتميّز بخفّةٍ عالية فحسب، بل أيضاً بقدرة على عكس الضوء.

بعدها يتحول إلى قماش Royal Lightness Fabric، بوزن لا يتجاوز 350 غراماً للمتر الواحد، وقابل للارتداء على الوجهين بين حرير الأورغانزينو بسُمْك 21 دنيراً، وكشميرٍ طويل الألياف بسُمْك 15 ميكروناً.

عندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج (لورو بيانا)

في المراحل النهائية، يخضع القماش المنسوج لعملية تمليسٍ دقيقةٍ تمنحه ملمساً زغبياً ناعماً يحمل بصمة «لورو بيانا» المميّزة. وعندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة، تُفصل طبقات القماش وتُعزّز حوافها بشريطٍ رفيع، قبل أن تمرّ بأكثر مراحل التصنيع تعقيداً واستغراقاً للوقت، وهي مرحلة الخياطة بتقنية Fell Stitching، وتُعدّ هذه التقنية الحرفية القديمة من أندر أساليب الخياطة؛ إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط، لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج.