جيل «واي فاي» تشرب الثورة الرقمية واستوعب ما فيها من قوة ناعمة

على النخب المثقفة استيعاب عالمية الجيل الجديد

من مظاهرات لبنان
من مظاهرات لبنان
TT

جيل «واي فاي» تشرب الثورة الرقمية واستوعب ما فيها من قوة ناعمة

من مظاهرات لبنان
من مظاهرات لبنان

توضح في نهاية العقد الأول من هذا القرن في عالمنا العربي جيلٌ جديدٌ استوعب العولمة، وما فيها من فضاءات رقمية، جاعلاً منها قوة ناعمة تعينه على الانفتاح والتحشيد باتجاه التغيير، مادياً ومعنوياً. فكانت ثورات الربيع العربي تجسيداً ميدانياً لما استوعبه هذا الجيل من أنساق متغايرة جديدة، لكنه ظل مبهوراً بالشعارات غير متحصنٍ من تراكمات حقب التحرير والاستقلال السابقة، وفي مقدمة تلك التراكمات السعي الحالم نحو مشاريع أصولية وطوباوية ذات تطلعات وردية، لم يتحقق منها ما هو مهم على صعيدي التحرر والتغيير.
والنتيجة أن مشروع الربيع العربي أُجهض، ومعه وئدت براعم جيلٍ كان لها أن تفيد من العولمة ومتاحات العالم الرقمي، غير أن الذي حصل جعل الأزمات تتفاقم أكثر، فاستعرت نار التطرف والطائفية، وأخذت أمارات التفرقة والتمزق تزداد ضراوة، والأخطر أن أنظمة الحكم الاستبدادية صارت أكثر منعة وتحكماً في مصائر شعوبها.
ورغم ذلك الانتكاس، فإن جيلاً جديداً ظهر في العقد الثاني من هذا القرن، وُصف بأنه «جيل واي فاي» الذي تشرب الثورة الرقمية، واستوعب ما فيها من قوة ناعمة، عارفاً أنها وحدها القادرة على قهر القوة الخشنة، وجعل التطلعات المنشودة في التحرر والتغيير واقعاً حياً ملموساً.
وكان من تبعات ذلك كله أن شهدت المدن العربية، في بغداد وبيروت والجزائر وتونس والخرطوم، منذ العام الماضي انتفاضات وثورات واحتجاجات واعتصامات ومسيرات ومظاهرات مستمرة بلا هوادة، وهي بمجموعها من صنع قاعدة شعبية جماهيرية، فيها للمهمشين دور كبير، ومن ضمنهم المرأة التي تشكل الجزء المهم من الجيل الجديد المتطلع للإفادة من العولمة، وما فيها من ممكنات التنامي والفاعلية.
وفي مقدمة تلك الممكنات وسائط التواصل الافتراضي التي صارت تمد الانتفاضات والثورات بالحيوية والزخم، وبسببها أمسك هذا الجيل زمام المبادرة مقلقلاً أنظمة الحكم، ومؤكداً أنه بفتوته وانفتاحه قادر على الانفلات من عقال التبعية، ومتمكن من أن يكون جيلاً عابراً للحدود والحواجز، يتجاوز الانغلاق والتعصب، وقد استند إلى أسمنت التعدد والتنوع والاندماج، متبرماً من الحزبية، ماقتاً المحاصصة والمحسوبية، ينظر نحو آفاق متسعة بلا توجس من لبرلة أو انبهار بدمقرطة، يفهم المواطنة على أنها نبذ الأقنعة والتزييف، لا بالشعارات الحالمة وإنما بالعمل المعقلن المقدام والممارسة الحية. وله في جريتا تونبرغ، الناشطة البيئية السويدية ذات الستة عشر عاماً، مثال ساطع على القوة الناعمة التي بها خرجت الحشود الشعبية الفتية من قمقم عزلتها، محطمة طوق الطائفية والفئوية، غير مكتفية بإصلاحات جزئية وقتية، متطلعة إلى التغيير الشامل والإصلاح التام الذي به تتوكد الحقوق والحريات، وبلا خشية من أنظمة سلطوية استبدادية ولا جبروت دساتير وقوانين وأحكام.
ولأن الانتفاضات الشعبية الراهنة ابنة شرعية للعولمة وما بعدها، فإنها لا تعتمد في نيل مطالبها أسلحة عسكرية وذخائر حربية، كما أنه ليس من خططها الانخراط في تدريبات قتالية وتنظيمات جهادية، بل الذي معها هو قوتها الناعمة المشروعة التي تجعل هذا الجيل فاعلاً رقمياً، سلاحه الكلمة وفضاؤه العالم وعماده العقل الذي به سيخلع هذا الجيل عباءة التبعية، مستشرفا عالماً جديداً سيكون هو فيه جزءاً فاعلاً حقيقياً.
وليس الفعل الذي تؤديه الثورات والانتفاضات ناعماً وأنثوياً فحسب، بل الزمن فيه زمن سيال واحتوائي، تتغير فيه التسميات والأولويات، فبدل مصطلح المناضل حل مصطلح الناشط الذي لا ترفعه الجماهير ليهتف ويهتفوا من بعده، بل هو الذي يحمل طوابير العاطلين عن العمل وأصحاب الكفاءات من حملة الشهادات وأفواجاً بشرية هائلة من الفقراء والمعدمين على كتفي حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي، صانعاً الصور والأيقونات، معضداً هذا الفعل بالتفاعل الميداني.
وبسبب هذه الروحية المنفتحة المرنة، لم يعد الفعل البطولي دموياً، يتفرد به بطل شعبي أو آحاد، ليكونوا فيما بعد قادة يحملون فكراً نخبوياً، بينما يقبع المجموع قاعدة لهم، يمدهم بالتفرد والمركزية، وهو ما عاشته أغلب الشعوب العربية منذ منتصف القرن العشرين، وذاقت ويلاته في مختلف حقب الحكم وأنظمته الملكية والجمهورية، حتى في زمن التطبيع والديمقراطية.
البطولة بالمفهوم الجديد الذي تجسده الانتفاضات الشعبية جماعية، لا تعرف المركزية ولا تقر بالصفوة ولا بالتبعية. وهذا بالضبط هو ما أرادته، أو على الأقل زعمته، الآيديولوجيات الثورية، بيد أنها أخفقت في تحقيقه عند التطبيق.
وإذا كانت شرارة الربيع العربي تحفيزية فردية، مثّلها محمد بو عزيزي في مدينة سيدي بو زيد التونسية، فإن شرارة الانتفاضات الشعبية تأصلت جوهرياً في الفواعل المعروفة بجماعية احتجاجها الذي تطغي عليه «الشعبية والسلمية والمدنية والثورية والمرونة والتعددية» التي جعلت مشهد الانتفاضات ما بعد حداثي، لا هو بالربيعي ولا هو بالخريفي، بل هو فصول أربعة تتغير كل آن، آتية بالجديد، مستمرة بلا هوادة، تغلي سخطاً وغضباً، محتجة بلا نهائية، تتعالى على الأدلجة والقومية، معتمدة على العفوية واللاتنظيم والحدسية التي تضمن لهذه الانتفاضات مرونة التجدد وصيرورة الاستمرار.
وما دام «جيل واي فاي» هو الفاعل الرقمي المندرج ضمن فضاء عالمي فيه للعربي ما للصيني والأميركي والأوروبي، فإن أوار الانتفاضات -الذي يتساوى في تفعيله الرجل والمرأة، ولم يعد فيه للقوة العضلية التي كانت تتطلبها سوح النضال والمقارعات السابقة دور مهم- سيبقى متصلاً دائمياً إلى أن يحقق غاياته لا محالة.
ولعل الذي يضمن للانتفاضات ديمومة العزائم واستمرارية الهمم هو بعدها عن التهويم الطوباوي، وارتكانها إلى مرونة التفكير وإدامته بسلمية تتحرى الصدق والواقعية، متحصنة من المقاومة الوحشية والتلوث الفكري، وغايتها استقطاب الآخر وليس استئصاله.
وهو ما يجعل الانتفاضات العربية الشعبية كماشة تضيّق الخناق على ضيقي الأفق من المتواطئين والمشبوهين ومرضى الولع بالسلطة، أصحاب المشاريع الطائفية والبرامج المتطرفة والاستهلاكية، المتشبثين بسياسة العصا الغليظة. فالعالم العربي اليوم عالم متعولم، والإنسان فيه حر، كينونته متحاورة وميدانه منفتح على التثاقف قوة ومرونة، إفادة من الآخر الذي عليه أن يحتويه لا أن يعاديه بكونية عابرة على الموانع والحدود.
ولا مجال لتحقيق تطلعات هذه الانتفاضات، المتمثلة في السلم والتضامن والانفتاح، إلا بالقوة الناعمة التي بها يصبح العالم منفتحاً، يندمج فيه العراقي والتونسي والمصري في الركب العالمي، ضمن استراتيجية شراكة تتفهم معنى وحدة المصير البشري، بعيداً عن مكائد القوة الفائقة التي تعمل ماكينة الإعلام الضخمة على الترويج لها، هادفة لصنع مجتمعات متمزقة متناحرة.
وما على النخب المثقفة عمله اليوم هو استيعاب عالمية هذا الجيل الجديد الذي تجسده فواعل فتية صاعدة، تنظر لنفسها والآخر بمنظار رحب.
وما يجعل من المثقف فاعلاً رقمياً حقيقياً قبوله بالتعدد في الفكر، والتحول غير النمطي في الفهم الثقافي للزمن العالمي الذي هو زمن افتراضي، لا استنساخ فيه لسيناريوهات مضت هنا أو هناك.
ولم تعد مهمة المثقف التساؤل، وإنما الإجابة عن تساؤلات الآخرين، وبما يضمن الزخم للانتفاضات، ويعمل على تدعيم ما فيها من ممكنات الاحتجاج والتنديد، وبإرادة حرة لا تعرف كوابيس الاستبداد ولا دهاليز التستر والتخاذل، مطوعة القوة الناعمة في شكل فكري منفتح مركب تعددي يهشم الثالوث الاستبدادي (الفساد، والاستهلاك، والتمركز).
والمأمول أن تتشكل من الجيل المثقف منظومة لا مرئية، توازي في قوتها الفكرية القوة الإعلامية الصلبة للسلطات الرسمية، وبالشكل الذي يتيح للقاعدة الجماهيرية أن تكون دوماً متأهبة متيقظة لأن تغير وجه العالم كله.
ويظل التعايش مطلب الانتفاضات الشعبية التي تريد الاندماج بعالم جديد ونظام كوني تتجاوز فيه تراكمات حقب التبعية والاضطهاد، وعلل النرجسية والانغلاق، متجهة قدماً نحو عالم جديد مرقمن افتراضي، فيه الشعوب أمومية وأبوية تحمل صخرة سيزيف ولا تشعر بالعناء، كونها ليست متفرقة أو أحادية، بل هي متعددة، لا معطلة ولا مشلولة، تمتلك قوة ناعمة لكنها فاعلة قادرة على أن تفتح مصاريع المستقبل الذي لن يزلزل الحاضر فحسب، بل سيغير وجه التاريخ الذي يكتب.



ارتفعت الحرارة فاشتعل الدماغ... جرائم القتل تزداد صيفاً

TT

ارتفعت الحرارة فاشتعل الدماغ... جرائم القتل تزداد صيفاً

تُجمع الأرقام والدراسات على أنّ جرائم القتل تتضاعف بسبب ارتفاع حرارة الطقس (بكسلز)
تُجمع الأرقام والدراسات على أنّ جرائم القتل تتضاعف بسبب ارتفاع حرارة الطقس (بكسلز)

تحت وطأة شمسٍ حارقة أفقدته البصر، والبصيرة، أطلق «مورسو» النار على الرجل العربي في رواية «الغريب» لألبير كامو. وعندما خضع للاستجواب، ألقى بطل الحكاية باللائمة على الحَرّ الذي جعله يضغط على الزناد، ويُردي الرجل قتيلاً.

على الأرجح فإنّ «مورسو» كان صادقاً، بما أنّ كل الأرقام تؤكد وجود علاقةٍ وثيقةٍ ما بين ارتفاع درجات الحرارة ومعدّل الجريمة. وربما ليس من قَبيل الصدفة أن يكون العالم العربي قد شهد في صيف 2026 ثلاث جرائم مروّعة متلاحقة. في مصر وضمن ما عُرف بـ«مذبحة التجمّع»، قتل الصديقُ صديقَه ثم أكملَ على عائلة الأخير المكوّنة من زوجته وابنتَيه، وذلك لدوافع قيل إنها ماليّة. أما الكرك الأردنية وكركوك العراقية فقد هزّتهما جريمتان ذات طابع عائلي، وذلك خلال شهر يوليو (تموز) الفائت.

شهد العالم العربي هذا الصيف 3 جرائم قتل مروّعة (رويترز)

الحَرّ يضاعف القتل الجماعي

بغَضّ النظر عمّا إذا كان هناك رابطٌ بين تلك الجرائم وحَرّ الصيف، أو لم يكن، فإنّ المؤكّد أنّ حوادث القتل الفردي والجماعي تتزايد كلما ارتفعت درجات الحرارة، من أقصى الكرة الأرضية إلى أقصاها. وقد تلاقت مجموعة من الدراسات الأميركية والكورية الجنوبية على نتيجةٍ واحدة تقول إنه عندما ترتفع حرارة الأرض 10 درجات مئوية، يزداد خطر الجرائم العنيفة بنسبة 9 في المائة.

تكثُر الأمثلة الواردة من حول العالم، والمؤكِّدة لتلك النظريّة. ما بين مطلع يونيو (حزيران) و5 يوليو 2023، شهدت الولايات المتحدة الأميركية 86 حادثة إطلاق نار جماعي، وفق قاعدة بيانات «أرشيف العنف المسلّح». أما صيف 2022 فسجّل 278 حادثة من هذا النوع، وشكّلت 86 في المائة من إجماليّ حوادث إطلاق النار الجماعي في الولايات المتحدة التي وقعت في موسم الحَرّ.

تلاقت دراسة أعدّتها جامعة آيوا مع تلك الوقائع، والأرقام، إذ وجدت أنّ جرائم القتل في الولايات المتحدة ترتفع بنسبة 2.6 في المائة خلال أشهر الصيف. من جانبها عملت شرطة لندن ما بين 2012 و2018 على تحليلٍ معمّق في هذا الشأن، لتجدَ في النهاية أنّ الجرائم تزداد بنسبة 15 في المائة خلال أيام الحَرّ.

حوادث إطلاق النار الجماعي تتزايد بشكل لافت خلال فصل الصيف (رويترز)

النساء ضحايا الحَرّ

في طليعة المتأثّرين سلباً بدرجات الحرارة المرتفعة، وأكثر مَن هم عُرضة لارتكاب أعمال عنف بسببها، الأشخاص المحرومون من التبريد والمكيّفات في أوقات القيظ. وقد لفتت مجلّة «لانسيت» الطبية في دراسة نشرتها عام 2021 إلى أنّ هناك رابطاً وثيقاً ما بين ارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدّلات الجريمة في الأحياء الفقيرة، عازيةً ذلك إلى نقص المساحات الخضراء، وتضاؤل إمكانيات الحصول على التكييف. ينسحب ذلك على السجون، حيث تتضاعف أعمال العنف بين السجناء كلما ارتفعت درجات الحرارة.

لا يقتصر الأمر على جرائم القتل، فالحرارة المرتفعة تتسبب في أشكال عنفٍ متعدّدة؛ من المشاجرات، إلى الضرب، مروراً بالاعتداءات الجنسية، وعمليات الاغتصاب، وصولاً إلى حوادث القتل الفردي، والجماعي. أما أولى ضحايا موجات الغضب الصيفيّ فهنّ النساء، وفق تقرير أصدرته منظّمة الأمم المتحدة عام 2025. ويشير التقرير إلى أنّه كلما ارتفعت الحرارة درجة مئويّة واحدة، ازداد خطر العنف المنزلي حول العالم بنسبة 4.7 في المائة.

حماوة الدماغ من حرارة الجسد

يتسبّب ارتفاع درجات الحرارة عن معدّلاتها الموسميّة في شعورٍ دائم بالانزعاج الجسديّ، فتتضاءل معه القدرة على التحمّل الذهني، والعاطفي، ما يؤدّي إلى انفعالاتٍ حادّة، وسلوكيّات عدائيّة مهما كانت الأسباب بسيطة. وغالباً ما يتحوّل الغضب في اتّجاه أي شخصٍ موجود في محيطنا المباشر. أما السبب الفسيولوجي خلف ذلك فهو أنّ الطقس الحار يؤدّي إلى ارتفاع حرارة الجسم، وبالتالي يُضاعف ضربات القلب، ويزيد معدّل ضغط الدم.

هذه الحقيقة مُثبتة علمياً من قِبَل جهاتٍ طبية متعددة. ووفق ما استنتجت «عيادة كليفلاند»، فإنّ الجسم يبذل جهداً أكبر للحفاظ على برودته تحت وطأة درجات الحرارة القصوى، ما قد يسبب إفراز الكورتيزول، أي هرمون التوتّر. وبالتالي فإنّ الحرارة الشديدة تثير مشاعر القلق، والتوتر، والانفعال، كما تتسبّب في صعوبات إدراكية، وتقليص القدرة على النوم. وتشير أرقام الزيارات لقسم الطوارئ في المستشفى إلى أنّ حالات الانتحار، وتعاطي المخدّرات، والعنف المنزلي تشهد ارتفاعاً خلال موجات الحرّ.

الحرارة الشديدة تثير مشاعر القلق والتوتر والانفعال (رويترز)

من جهته، يلفت «مركز جونز هوبكنز الطبي» إلى أنّ الإجهاد البدني الذي يبذله المرء للحفاظ على درجة حرارة داخلية آمنة يؤدّي إلى الجفاف، والتعب، واضطراب النوم. ووفق أبحاث المركز، فإنّ التعرض للحرارة يرفع مستويات هرمونات التوتر، ما يُصعّب تنظيم المشاعر. وتُعيق الليالي الحارة قدرة الجسم على التبريد، ما يُؤثر سلباً على النوم العميق، ويجعل المرء أكثر حساسية، وأقل قدرة على التحمل في اليوم التالي.

وترتبط درجات الحرارة المرتفعة بانخفاض التركيز، وزيادة العصبية، وتقلبات المزاج. وتُفاقم قلة النوم خلال الليالي الحارة هذه الآثار، ما يُصعّب التحلي بالصبر، والتركيز. حتى الجفاف الطفيف قد يُساهم في تشوش الذهن، والإجهاد العاطفي. هذا يجعل ردود الفعل العاطفية أقوى، وأكثر تكراراً خلال الطقس الحار.

حتى الجفاف الطفيف قد يُساهم في تشوش الذهن والإجهاد العاطفي (رويترز)

نصائح للحفاظ على مزاج بارد خلال الحرّ

- الإكثار من شرب المياه، والسوائل الباردة، مع أفضليّة الوصول إلى 3 لترات يومياً.

- استخدام قطعة قماش مبلّلة بمياه باردة، أو كمّادات الثلج، ووضعها على العنق، ومعصم اليد، والكاحلَين.

- محاولة الحصول على قدرٍ كافٍ من النوم.

- تجنّب المكوث في الشمس، والأماكن الحارّة، واستخدام المروحة والتكييف في حال توفّرهما.

- الاستحمام بمياه باردة قدر المستطاع.


رحيل المصور دا سيلفيرا... 40 عاماً خلف عدسة وثّقت ذاكرة السعودية التاريخية

صورة للمصور البرازيلي هومبرتو دا سيلفيرا نشرها الكاتب زاهر عثمان على منصة «إكس»
صورة للمصور البرازيلي هومبرتو دا سيلفيرا نشرها الكاتب زاهر عثمان على منصة «إكس»
TT

رحيل المصور دا سيلفيرا... 40 عاماً خلف عدسة وثّقت ذاكرة السعودية التاريخية

صورة للمصور البرازيلي هومبرتو دا سيلفيرا نشرها الكاتب زاهر عثمان على منصة «إكس»
صورة للمصور البرازيلي هومبرتو دا سيلفيرا نشرها الكاتب زاهر عثمان على منصة «إكس»

بعد رحلة عطاء طويلة ارتبط خلالها بالسعودية برباط وثيق تجاوز حدود العدسة إلى عشق عميق للمكان وتاريخه، توفي المصور البرازيلي هومبرتو دا سيلفيرا، تاركاً خلفه أرشيفاً بصرياً ثرياً يروي قصة الأرض والإنسان، ويرصد التحولات الكبرى التي شهدتها المملكة على مدى 4 عقود.

ويُعد الراحل دا سيلفيرا من أبرز المصورين الذين اقترنت مسيرتهم المهنية بالسعودية؛ حيث وثّقت كاميرته معالم المدن والقرى الأثرية، وجسّدت أبعاداً من تاريخ المملكة وتحولاتها الاجتماعية والثقافية، لتبقى أعماله التاريخية شاهداً خالداً على علاقة استثنائية مع بلد أصبح، منذ أن وطئت قدماه أرضه عام 1985، المحور الأساس لمشروعه الفوتوغرافي.

لم يكن يعلم المصور البرازيلي أن زيارته للمرة الأولى للمملكة ستقود إلى عشق المكان وأهله، بعد أن تنقّل على مدى نحو 40 عاماً بين المدن والقرى والصحاري، يراقب التفاصيل ويلتقط بعدسته جمالية المكان؛ من العمارة والتراث إلى الحياة الاجتماعية، ومن ملامح الإنسان إلى آثار التحولات المتسارعة في البلاد، لتُوصَف لقطات عدسته بأنها أعمال بصرية إبداعية.

مشاريع توثيقية

ارتبط اسم دا سيلفيرا بعدد من المشاريع التوثيقية البارزة، من بينها كتب «التوحيد»، و«الموحّد»، و«عبد الله»، و«بدو»، و«الأقصى»، إلى جانب أعمال تناولت مكة والمدينة والحِجر وتاريخ المملكة وملوكها، بالتعاون مع مكتبة الملك عبد العزيز العامة، التي أسهمت في حفظ وإبراز جانب مهم من أرشيفه الفوتوغرافي.

وفي عام 1992، أصدر كتاب «نجد» ليوثّق من خلاله المصور البرازيلي ملامح العمارة التقليدية والتاريخية التي تميزت بها المنطقة. وتجلّت القيمة التاريخية لأعماله في لقطةٍ فريدةٍ لمنزل الشيخ محمد بن عبد الوهاب في العيينة؛ إذ التقطها قبيل إزالة المبنى، لتحتفظ الصورة بذاكرة مكان غاب عن الوجود وتتحول إلى وثيقة تاريخية قيمة.

ولم يقف طموح المصور دا سيلفيرا عند حدود المكان، بل امتد ليشمل الإنسان؛ فبعد عامين فقط، وتحديداً في عام 1994، أطلق كتاب «بدو» ليتعمق في تفاصيل حياة البادية في الجزيرة العربية، راصداً عاداتهم اليومية وتفاصيل حياتهم في وقت كانت فيه المظاهر التقليدية تتلاشى سريعاً أمام عجلة التحديث والمستقبل.

أما مشروع «عبد العزيز»، فكان بعداً آخر في مسيرته الفوتوغرافية؛ حيث كرّس جهده لتوثيق سيرة الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود وملحمة توحيد البلاد، معتمداً على تتبع التاريخ من خلال الجغرافيا والآثار والشواهد الحية على مراحل تأسيس الدولة.

تجربة استثنائية

في مشروعه «هجر»، عاش تجربة استثنائية امتدت لـ22 عاماً قضاها في مدائن صالح والحِجر؛ ولم تكن لقطاته مجرد صور عابرة، بل نتاج بحث عميق، وصبر طويل، ومراقبة دقيقة لتحولات الضوء والتاريخ في المكان. وتُوّج هذا المشوار الطويل بصدور كتابه عام 2013 عن مكتبة الملك عبد العزيز العامة، ليكون شاهداً حياً يعكس ارتباطه الوثيق والممتد بالمملكة.

ونعى عدد من الكتاب والمدونين، المصور دا سيلفيرا، في منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، معبرين عن حزنهم لرحيله؛ إذ قال الكاتب زاهر عثمان: «عرفته منذ بداياته في السعودية، وعملنا معاً على عدة أعمال، من أبرزها سلسلة سير ملوك المملكة المصورة، بدءاً بـ«كتاب الملك عبد العزيز» في مناسبة الذكرى المئوية للمملكة، وقبلها «كتاب نجد»، وانتهاءً بـ«الكتاب المصور عن المدينة المنورة».

وأضاف: «لم نغب عن بعضنا أبداً، والتقينا قريباً وتحدث عن مشروعات طموحة، وتراسلنا منذ أيام... هومبرتو شخصية ساهمت بإبداع في توثيق جوانب من تاريخ المملكة وتراثها، وسيبقى جميله في الذاكرة أبداً».


هاني شاكر «الغائب الحاضر» في «القلعة الغنائي» بمصر

هاني شاكر خلال غنائه بإحدى الدورات السابقة لمهرجان القلعة الغنائي (حسابه على فيسبوك)
هاني شاكر خلال غنائه بإحدى الدورات السابقة لمهرجان القلعة الغنائي (حسابه على فيسبوك)
TT

هاني شاكر «الغائب الحاضر» في «القلعة الغنائي» بمصر

هاني شاكر خلال غنائه بإحدى الدورات السابقة لمهرجان القلعة الغنائي (حسابه على فيسبوك)
هاني شاكر خلال غنائه بإحدى الدورات السابقة لمهرجان القلعة الغنائي (حسابه على فيسبوك)

بينما كانت المطربة المصرية ريهام عبد الحكيم تستعد لتقديم فقرتها الغنائية بـ«مهرجان القلعة للموسيقى والغناء»، بقلعة صلاح الدين الأيوبي التاريخية بالقاهرة، وقف أحد جمهور الحفل يتساءل بانفعال واضح: «وأين هاني شاكر؟ كنا دائماً نستمتع به في المهرجان، ولم نر أي تقدير من المهرجان له»، ليحظى كلامه بتصفيق الحضور في تضامن مع موقفه، وأنقذت الموقف ريهام عبد الحكيم قائلة إنه سيتم الاحتفاء به خلال مهرجان الموسيقى العربية.

وكان الفنان الكبير هاني شاكر يحرص على المشاركة بالمهرجان للقاء جمهور ينتظر حفلاته، وقد كانت آخر مشاركة له بالمهرجان قبل عامين خلال الدورة الـ32، حيث قدم حفلاً بقيادة المايسترو مصطفى حلمي، قدم فيه عدداً من أغنياته التي لاقت إعجاب وتصفيق الجمهور، ومن بينها «علي الضحكاية»، «لا بيك ولا بيا»، «مش بعتب عليك»، «كده برضه يا قمر»، «نسيانك صعب أكيد»، وغيرها من الأغنيات التي رددها معه الحضور في حينها.

شاكر كان من أبرز مطربي مهرجان القلعة (حسابه على فيسبوك)

وأعادت الفنانة نادية مصطفى نشر مقطع فيديو لمهرجان القلعة عبر حسابها بـ«فيسبوك»، وعلقت عليه قائلة: «الجملة البسيطة التي ذكرها أحد حضور مهرجان القلعة متسائلاً أين هاني شاكر، حملت بداخلها كثيراً من الوفاء والحنين، وفي الوقت نفسه حملت تكريماً لفنان لم يغب عن جمهوره»، مشيرة إلى أن هذا هو الجمهور الحقيقي الذي لا ينسى من أسعده يوماً.

ولفتت إلى أن «هاني شاكر الفنان والإنسان المحترم الغائب عن الدنيا، لكنه الحاضر بقوة في قلوب الناس، كان أحد الوجوه التي اعتاد جمهور القلعة رؤيتها، وغيابه لا يعني أن مكانه قد غاب عن الذاكرة»، مؤكدة أن هذه الصرخة العفوية من أحد الحاضرين تُعد رسالة بسيطة ولكنها مهمة للمسؤولين عن المهرجان، وأردفت قائلة: «المهرجانات ليست مجرد حفلات فقط، بل إنها عشرة وذكريات ومشاعر تتراكم بين الفنان وجمهوره».

واختتمت نادية التي ارتبطت بصداقة كبيرة مع هاني شاكر وأسرته بقولها: «هناك فنانون يصبح حضورهم جزءاً من وجدان الناس، وعندما يغيبون ينتظر الجمهور ولو كلمة وفاء أو لفتة تقدير تليق بما قدموه»، وأشارت إلى أن هناك ترتيبات خاصة تليق به بمهرجان الموسيقى العربية.

جانب من حضور مهرجان القلعة (وزارة الثقافة المصرية)

وقال المهندس ياسر شعلان رئيس البيت الفني للموسيقى والأوبرا والباليه ومدير مهرجان القلعة لـ«الشرق الأوسط» إنه «سيتم إهداء حفل افتتاح الدورة المقبلة من مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية للفنان الراحل هاني شاكر الذي يعد أحد نجوم المهرجان منذ دوراته الأولى، وكان محسوباً عليه أكثر من حضوره بمهرجان القلعة»، وأضاف شعلان: «سيكون ذلك احتفالاً يليق به بصفته فناناً أثرى بأعماله الوجدان العربي، ولا يجب التطرق لتفاصيله بل نُعدها مفاجأة تسعد روحه وأسرته وجمهوره».

لكن الناقدة ماجدة خير الله، تقول إن «هاني شاكر كان يستحق التكريم والاحتفاء به منذ رحيله، وما كان يجب الانتظار كل هذه المدة، فالتكريم الذي كانت تُعد له وزيرة الثقافة السابقة جيهان زكي توقف باستقالتها من الوزارة، ولم نسمع عنه شيئاً لاحقاً».

وأشارت خير الله إلى أنه بالمنطق الذي يسوقه مدير مهرجان القلعة، فإن الفنان الراحل كان محسوباً على الأوبرا، وكان يشارك في كل مناسباتها، وبالتالي لم يكن يجب تأجيل تكريمه حتى مهرجان الموسيقى العربية الذي يُعقد في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وكان يمكن إقامته في حفل خاص بالأوبرا من دون ارتباط بالمهرجانات والفعاليات.

مطالبات بتكريمه في مهرجان القلعة الغنائي (حسابه على فيسبوك)

ويؤكد شعلان تقديره لوفاء الجمهور للفنان الرحل، عادّاً أن «البعض يتعجل ويُصدر الأحكام دون أن يتأكد من الأمر، فقد كنا ننوي إقامة حفل تأبين له بعد رحيله لكن أسرته لم تقبل بفكرة (التأبين)، لذلك سوف يتم تكريمه في مهرجان كان يحظى بحضوره الدائم».

ورحل الفنان هاني شاكر الملقب بـ«أمير الغناء العربي» في 3 مايو (أيار) الماضي عن عمر ناهز 72 عاماً بعد تعرضه لوعكة صحية شديدة بدأت في القاهرة وانتهت بوفاته في باريس، تاركاً ألماً بين جمهوره ومحبيه.