«نيو آند لينغوود».. التجديد لمواكبة متطلبات العصر لم يؤثر على ملامحها الأرستقراطية

بعد 130 عاما من مخاطبة الوزراء والساسة.. تتودد للعامة

زبونها لا يريد أزياء عادية
زبونها لا يريد أزياء عادية
TT

«نيو آند لينغوود».. التجديد لمواكبة متطلبات العصر لم يؤثر على ملامحها الأرستقراطية

زبونها لا يريد أزياء عادية
زبونها لا يريد أزياء عادية

مهما تغير مشهد الموضة وتوجهاتها، يبقى الأسلوب الإنجليزي حيا وقويا، بدءا من تفصيله الراقي، إلى أقمشته التي تلبي تلك الحاجة الماسة إلى الدفء، مثل «التويد» و«الكشمير»، مرورا بألوانه الكلاسيكية التي تتخللها زخات متوهجة تتحدى طقس بريطانيا الرمادي. فالإنجليزي معروف بأناقته، كما بجرأته، في تجربة أي جديد، ما دام يميزه، بما في ذلك الألوان التي قد يتخوف منها غيره، مثل الأحمر أو البرتقالي. وفي خضم التطورات التي يشهدها قطاع الموضة الرجالية، وتصب غالبا في محاولة صناعها إدخاله لعبة الموضة، تبقى هناك معاقل راسخة لا يمكن المساس بها، أهمها «سافيل رو»، عندما يتعلق الأمر بتفصيل البدلات والمعاطف، و«جيرمين ستريت» عندما يتعلق الأمر بالقمصان والإكسسوارات. فهذه هي الوجهات التي تطمئن لها الطبقات الراقية والأرستقراطية من كل أنحاء العالم. لكن من الخطأ القول إن هذه الوجهات لم تغير استراتيجياتها هي الأخرى للاستمرار في وجه المنافسة الشرسة من قبل بيوت الأزياء العالمية التي دخلت هذا القطاع بكل ثقلها. كان لا بد لهؤلاء من مواكبة العصر، إما بتوفير بدلات جاهزة عوض الاقتصار على التفصيل على المقاس، أو بتوفير قطع وإكسسوارات جديدة يحتاجها الرجل العصري.
من هؤلاء نذكر شركة «نيو آند لينغوود» الواقعة في «جيرمين ستريت»، التي يعود تاريخها إلى أكثر من 130 عاما. اسمها لا يزال يرتبط بمدينة إيتون، وتحديدا جامعتها الشهيرة، التي تحمل الاسم نفسه، والتي تخرج فيها أغلب وزراء بريطانيا وساستها، فضلا عن أفراد من العائلة المالكة البريطانية وسلطان بروناي وغيرهم. في العقود الأخيرة، جذبت أيضا نجوم سينما وموسيقى، مثل براين فيري، مايكل كاين، روجيه مور، توم هانكس.. وهلم جرا من الأسماء التي لم تستطع أن تقاوم سحر الأسلوب الإنجليزي في أحلى ألوانه المتوهجة. نعم، المتوهجة، لأن الشركة تتفنن فيها، سواء تعلق الأمر باليسترات الكلاسيكية أو الجوارب. من التغيرات التي فرضها عليها تطور العصر أنها، إلى جانب التفصيل على المقاس الذي تتخصص فيه، مثلها مثل باقي الشركات البريطانية العريقة، أصبحت تقدم أزياء جاهزة، تشمل قمصان وبيجامات من البوبلين والحرير إلى جانب أردية منزلية (روب دي شومبر) من الكشمير والحرير الدمشقي وغيرها من الخامات المترفة والنادرة أحيانا.
ويقال إن المليونير الراحل سير جايمس غولدسميث كان من أشد المعجبين بالبيجامات التي تطرحها الشركة، إلى درجة أنه كان يطلب 50 قطعة منها في كل مرة، يرسلها إلى كل بيوت إقامته في العالم.
توسّع الشركة شمل أيضا افتتاح محل ثانٍ في الشارع نفسه، لا يفرق بينه وبين المحل القديم سوى ممر صغير؛ الأول متخصص في كل ما يحتاجه الرجل الأنيق في مناسباته الخاصة أو مقابلاته الرسمية أو نزهاته الريفية، بينما الثاني يتخصص في الأردية المنزلية، أو ما يعرف بـ«روب دي شومبر». وهو على ما يبدو جانب مهم جدا بالنظر إلى أنه يشغل كل المكان، وإلى أسعارها التي تبدأ من 850 لتفوق الـ2250 جنيها إسترلينيا، حسب نوع القماش.
ومن الواضح أن هناك عودة قوية لـ«الروب»، حسبما أكده المدير الفني سايمون مالوني في مقابلة خاصة لـ«الشرق الأوسط»، شارحا أن الرجل لم يعد يستعمله فقط عندما يكون وحيدا في بيته، بل حتى عندما يستقبل ضيوفه، وهذا ما جعله يطلبه أنيقا وفخما يعكس ذوقه ووجاهته في الوقت ذاته. وفي حال لم يكن هذا «الروب» الجاهز قادرا على تحقيق هذه المعادلة، فإن هناك دائما خيار التفصيل على المقاس، حتى يأتي خاصة وبمثابة تحفة فنية، تدخل فيها تطريزات أو رسمات مميزة. «في هذه الحالة، يمكن للرجل أن يتدخل في طوله وعرضه واختيار اللون والقماش وكل ما يدخل في صناعته»، حسب قول مالوني.
في المحل المواجه، تتفاجأ بكمٍّ هائل من الأزياء والإكسسوارات، وتشعر بأن المعروضات فيه مظلومة، تحتاج إلى مساحة أكبر لتأخذ حقها. لكن يبدو أن مالوني متعود على هذا المنظر، لأنه يشير إلى ما في المحل قائلا إن قليلا من الأسماء تحولت إلى عناوين أو وجهات لا مثيل لها في أي بلد، بل وحتى في البلد نفسه، مثل «نيو آند لينغوود». الفضل يعود إلى سمعتها في أنها شركة متخصصة في كل ما يحتاجه الرجل من الرأس إلى أخمص القدمين. والمعنى هنا حرفي وليس مجازيا، لأنها توفر قبعات الرأس والقمصان، بما فيها الياقات المستقلة التي يمكن للرجل الحصول عليها من دون قميص، كما البدلات والسترات والأحذية والجوارب والملابس المنزلية، مما يجعله يكتفي بزيارة هذا العنوان ليعود محمّلا بكل ما يرغب فيه لأكثر من عام. لكن سايمون يعلق بأنه رغم هذا التنوع، فإنه يتفاجأ، بين الفترة والأخرى، بطلبات غريبة، مستشهدا بزبون طلب عصابة حداد، وهي عبارة عن منديل كان يستعمله الرجل في المآتم بالعصر الفيكتوري، يلصق على كمّ البدلة لمسح دموعه. سارعت الشركة لتوفير هذه العصابات، لكنها سرعان ما توقفت عن ذلك، لأن الطلب عليها لم يكن كبيرا. ومع ذلك، يؤكد سايمون بأن «تلبية طلبات الزبون أيا كانت غرابتها، مهمة بالنسبة لنا».
ويضيف أن سر انجذاب الزبائن إلى «نيو آند لينغوود» عموما يعود إلى الخدمة الخاصة، وأيضا إلى تنوع الألوان والنقشات وولاء موروث أبا عن جد، إذ إن الشركة تتعامل أحيانا مع الجيل السادس من الأسرة نفسها، كما إلى نوعية الأقمشة التي يجري استيرادها من معامل موثوق منها.. «فمثلا، الكشمير اسكوتلندي 100%، والحرير إيطالي، وهكذا». عودة إلى الألوان يقول سايمون إن الشركة من بين قلائل يوفرون جوارب بأكثر من 15 لونا مختلفا، علاوة على بنطلونات من قماش التارتان الاسكوتلندي بنقشات في غاية التنوع، ومعاطف واقية من المطر، وإن كان اللون البرتقالي هو الأكثر مبيعا، مقارنة بالأزرق الغامق والرمادي. فزبون الدار، على ما يبدو، لا يريد ألوانا عادية بقدر ما يريدها تصرخ باسمها. طبعا هناك من يتعرف عليها من مجرد النظر إلى بعض التفاصيل الداخلية البسيطة التي يحرص المصمم أن يزين بها الجيوب من الداخل أو البطانة وغيرها. فجاكيت من التويد، مثلا قد يبدو مشابها لغيره من بعيد، لكن عندما تلمسه وتتفحصه عن قرب، تكتشف أن كثيرا من جمالياته موجود في البطانة أو تحت الياقة أو على طول الجيب. كل هذه التفاصيل تخضع للتجديد بشكل موسمي حتى تبقى مناسبة للعصر، ولا تبدو قديمة.
قبل أن أغادر المحل، يشير سايمون مالوني إلى مجموعة من الياقات متراصة فوق بعضها، تعطي الانطباع بأنها مجرد ياقات تنتظر خياطتها وشبكها مع قميص، لكنه يبتسم قائلا إنها ياقات مستقلة يشتريها الزبون العارف لكي يستعملها في المناسبات مع قميص من دون ياقة، وأضاف: «الياقة أهم ما في القميص، وهي أيضا أول ما يتعرض للتلف والقدم فيه، ونحن لدينا زبائن يعشقون قمصاننا ولا يفرطون فيها، مهما قدمت، إلى درجة أنهم يأتون بها إلينا لكي نغير لهم ياقتها، رغم أن العملية أغلى من شراء قميص جديد. وهذا يعني أنه كلما قدم القميص، اكتسب ليونة ومرونة أكثر».
* يتكون اسم الدار من اسم الآنسة نيو والسيد لينغوود، اللذين أسساها في عام 1865 بمدينة إيتون، ولم تمر سوى فترة حتى توجت علاقتهما في العمل بالزواج. لعبت إيتون دورا مهما في تحديد معالم الدار، لا سيما بعد حصولهما على حق تزويد طلبة جامعتها الشهيرة، بالزي الرسمي. ومنذ ذلك الحين، أي منذ أكثر من 130 عاما، وهي لا تزال تقوم بمهمة تزويدهم بكل ما يتعلق بملابسهم وإكسسواراتهم، بما في ذلك الجوارب وأربطة العنق والأحذية وغيرها. في عام 1922، انتقلت «نيو آند لينغوود» إلى «جرمين ستريت»، الشارع الذي فرض نفسه بوصفه أهم شارع لصناعة القمصان الرجالية وباقي الإكسسوارات التي تكمل ما يقدمه «سافيل رو»، الذي يبعد عنه ببضع دقائق، من بدلات ومعاطف مفصلة. لكن خلال الحرب العالمية الثانية تعرض المحل للحريق ما استدعى انتقاله إلى رقم 53 من الشارع ذاته.



أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟
TT

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

في ظل إيقاع الحياة المتسارع، وتبدّل الفصول، تجد كثيرٌ من النساء أنفسهنّ أمام سؤال يتكرر كل صباح: ماذا أرتدي اليوم؟ وتزيد الحيرة في ظل ضغوطات العمل وما يحتاجه من أزياء، وإكسسوارات تُوازن العملي بالأنيق. ورغم أن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، فإنها تختصر حالة من الحيرة تتكرر كل يوم، وتزيد تعقيداً في المواسم الانتقالية. أي حين يتقلب الطقس بين برودة الشتاء واعتدال الربيع.

تحتاج المرأة بعد الأربعين للتعبير عن ثقتها ونجاحها من خلال أزياء متوازنة (هوكرتي)

كل هذا يجعل الحاجة إلى خزانة تجمع بين الأناقة والراحة من دون عناء أمراً مهماً في الحياة المعاصرة. وربما تكون المرأة الأربعينية أكثر ما يحتاج إلى هذه الخزانة. فبعد الأربعين تتغير متطلباتها كما تتغيَر نظرة الناس إليها، وبالتالي تحتاج إلى مظهرٍ متوازنٍ يجمع بين النضج والأناقة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعكس الثقة التي اكتسبتها، وتريد التعبير عنها من خلال إطلالاتها.

الخبراء حلّوا هذه الحيرة ولخصوها لها في قطع أساسية يمكنها تنسيقها مع بعض بسهولة. في هذا السياق، تشير خبيرة تنسيق الأزياء جيما روز بريجر إلى أن التحضير المسبق هو الخطوة الأولى لصباحٍ هادئٍ ومنظم، موضحةً أن ترك الأمور للحظات الأخيرة غالباً ما يخلق توتراً، وتأخيراً.

بعد الأربعين تحتاج المرأة إلى خلق توازن بين الأناقة المعاصرة والراحة (هوكرتي-زارا-ماسيمو دوتي)

وتنصح بريجر بتخصيص وقتٍ لتنظيم خزانة الملابس، إذ إن الاكتظاظ يُعيق رؤية الخيارات المتاحة. وتشير إلى أن القاعدة الأساسية بسيطة: الاحتفاظ فقط بما يُستخدم فعلاً، وما يمنح شعوراً بالثقة. كما تنصح بتقسيم الملابس إلى فئات واضحة، فساتين، سراويل، تنانير، وقطع محبوكة، ما يسهّل عملية الاختيار اليومي.

أما التخطيط المسبق للإطلالات، سواء لليوم التالي أو لأسبوعٍ كاملٍ، فيُعدّ، بحسبها، وسيلةً فعالةً للتخفيف من حيرة كل صباح، وذلك بتنسيق القطع مع الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب مسبقاً، بما يتيح ارتداءها سريعاً عند ضيق الوقت.

تنسيق الألوان الداكنة مع ألوان صارخة في الإكسسوارات من النصائح التي أدلى بها الخبراء (فيرساتشي_نوماساي- ماسيمو دوتي)

التنسيق اللوني أيضاً يعد حلاً عملياً آخر يمنح الإطلالة تماسكاً وأناقةً؛ فاختيار درجات متقاربة من لونٍ واحد، كالبني والبيج والجملي، يخلق مظهراً متناغماً أقرب إلى الفخامة. أما في الحالات الطارئة، فالإطلالة السوداء تظل خياراً آمناً وسريعاً، يمكن إضافة بعض الحيوية على اللون بإكسسوارات ملونة، أو أحمر شفاه جريء.

راحة وأناقة... لمختلف البيئات والميزانيات

عند اختيار إطلالات العمل، لا تقل الراحة أهميةً عن المظهر. فالملابس الضيقة أو الأحذية غير المريحة لا مكان لها في يوم عمل طويل. لذلك تبرز السراويل الواسعة والأحذية ذات الكعب المتوسط كخياراتٍ عمليةٍ تجمع بين الأناقة والراحة.

كما أن تنوّع بيئات العمل بين مكاتب رسمية وأخرى مرنة يفرض تنوعاً في الخيارات، يجب أن يُناسب مختلف الأذواق. ويشمل ذلك أيضاً اختلاف الميزانيات؛ فبعض النساء يفضلن التسوق بأسلوبٍ اقتصاديٍ ذكي، فيما تميل أخريات إلى الاستثمار في قطعٍ عالية الجودة تدوم طويلاً.

خزانة مصغّرة... فكرة رائجة لتنظيم الخيارات

أسلوب الطبقات مناسب لكل الأعمار (مانغو)

ومن بين الأفكار التي لاقت رواجاً واسعاً أخيراً، تبرز قاعدة 3-3-3 لخزانة عمل مصغّرة يُمكن ارتداؤها على مدى ثلاثة أشهر. وتهدف هذه القاعدة إلى تبسيط القرارات اليومية، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع اعتماد أسلوبٍ أكثر وعياً في اختيار الملابس.

وقد انتشرت هذه الفكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت صدىً لدى كثيرٍ من النساء الباحثات عن حلولٍ عمليةٍ تُخفف عبء الاختيار اليومي.

التصاميم الكلاسيكية أصبحت عصرية تناسب كل الأعمار (هوكرتي)

في نهاية المطاف، تبقى الأناقة الحقيقية في البساطة، والقدرة على اختيار ما يعكس الشخصية دون تكلّف. فسواء كانت بيئة العمل رسميةً أو مرنةً، يمكن لكل امرأة أن تبني خزانةً ذكيةً تمنحها إطلالاتٍ متجددةً، وتبدأ يومها بثقةٍ وهدوءٍ، وهو ما يُعد، في حد ذاته، استثماراً يومياً في الراحة النفسية قبل المظهر الخارجي.


نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.