ماكرون يؤكد السير بمشروع إصلاح أنظمة التقاعد... والنقابات ماضية في رفضه

ردود فعل سلبية على كلمة الرئيس... ويوم تعبئة جديد الخميس المقبل

ماكرون لدى إلقائه خطاب نهاية العام من قصر الإليزيه مساء أول من أمس (أ.ف.ب)
ماكرون لدى إلقائه خطاب نهاية العام من قصر الإليزيه مساء أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

ماكرون يؤكد السير بمشروع إصلاح أنظمة التقاعد... والنقابات ماضية في رفضه

ماكرون لدى إلقائه خطاب نهاية العام من قصر الإليزيه مساء أول من أمس (أ.ف.ب)
ماكرون لدى إلقائه خطاب نهاية العام من قصر الإليزيه مساء أول من أمس (أ.ف.ب)

تلِج فرنسا العام الجديد على وقع المظاهرات والإضرابات التي لم تخفِها احتفالات رأس السنة الضخمة. فالفرنسيون سيعودون سريعاً إلى الواقع المر الذي عنوانه استمرار الحركات الاحتجاجية على خطط الحكومة لإصلاح أنظمة التقاعد. وكان الجميع يترقب ما سيأتي به الرئيس إيمانويل ماكرون في الكلمة التقليدية للفرنسيين، عشية ولادة العام والعقد الجديدين. لكن ردود الفعل السياسية والنقابية عليها بينت أمرين متلازمين؛ الأول، وجود هوة واسعة بين ما قاله ماكرون وبين ما ينتظره كثيرون. والثانية، السير نحو استمرار الأزمة، بل إلى مزيد من التصعيد في هذه الحركة الاحتجاجية الأطول منذ 3 عقود، إذ إنها وصلت إلى عتبة الـ30 يوماً، فيما لا تبدو في الأفق علامات تؤشر إلى إمكانية التوصل إلى تفاهمات بين الحكومة والنقابات، في ظل تمترس كل طرف عند مواقفه.
في كلمته التي دامت 18 دقيقة ليل أول من أمس، جاء ماكرون مطولاً على الموضوع الخلافي. فمن جهة، شرح مجدداً الغرض المطلوب من إصلاح أنظمة التقاعد، وهو ضمان العدالة والمساواة للجميع. وفي نظره، هو «مشروع عادل وتقدمي من الناحية الاجتماعية، لأنه نظام موحد، الجميع سواسية أمام ما يقومون به، وهو أبعد ما يكون عليه النظام الحالي. يساوي أكثر بين الجميع». ومن جهة ثانية، أكد تمسكه بإنجازه رغم عوائق المظاهرات والإضرابات؛ خصوصاً في قطاع النقل العام. وقال ماكرون: «إن إصلاح أنظمة التقاعد الذي التزمت بتحقيقه أمام الفرنسيين، وتقوده الحكومة، سوف يتم السير به حتى النهاية». وبعد أن ندد ماكرون بـ«الأكاذيب» المروجة بشأنه، اعترف بأن «القرارات المتخذة قد تكون صادمة، وتثير مخاوف البعض، لكن لا يمكن التراجع عن التزاماتنا». وانطلاقاً من ذلك، طالب ماكرون رئيس حكومته بالتوصل إلى «تسوية سريعة مع المنظمات والنقابات التي ترغب في ذلك، مع احترام المبادئ العامة لمشروع الإصلاح، التي أشرت إليها». وهامش المناورة الوحيد الذي تركه ماكرون لإدوار فيليب يتناول مراعاة ظروف العاملين في الوظائف الصعبة، الذين يمكن أن تؤخذ أوضاعهم بعين الاعتبار، بحيث يتم «السماح لمن يقومون بها بالتقاعد بصورة مبكرة، ولكن دون أن يكون ذلك مرتبطاً بنظام خاص».
باستثناء ردة الفعل المؤيدة الصادرة عن ممثلي حزب ماكرون «الجمهورية إلى الأمام»، جاءت ردود الأفعال الأخرى، يميناً ويساراً، بالغة القساوة. فقد أعلنت مارين لوبن، رئيسة حزب «التجمع الوطني»، اليمني المتطرف، التي كانت منافسة ماكرون في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية الماضية، في تغريدة مقتضبة، أن خطاب الرئيس الفرنسي «كلام فارغ». وعلى المقلب الثاني للخريطة السياسية، اعتبر جان لوك ميلونشون، رئيس حزب «فرنسا المتمردة» اليساري المتشدد، أن ما قاله ماكرون «إعلان حرب على ملايين من الفرنسيين الذين يرفضون خططه الإصلاحية، فيما بقية ما جاء في كلمته مصطنع وفارغ». وبرأي ميلونشون، فإنه خطاب شخص جاء «من كوكب آخر» للتشديد على أنه لا يأخذ بعين الاعتبار واقع الفرنسيين الحقيقي.
بين هذين الحدين، جاءت ردود الفعل الأخرى بمثابة «تنويعات». فقد اعتبر فابيان روسيل، أمين عام الحزب الشيوعي أن ماكرون اختار الصدام، ولذا فإن المطلوب «التعبئة العامة» لإسقاط مشروعه. وتجدر الإشارة إلى أن نقابة «كونفدرالية العمل العامة» القريبة من الحزب الشيوعي هي الأكثر جذرية في رفض المشروع. واللافت أن ماكرون أشار في كلمته إلى أنه يتعني على الحكومة التوصل إلى «تسوية» مع «النقابات التي ترغب في ذلك»، ما يعني ضمناً أنه يستبعد قبول النقابة المذكورة بالتسوية التي يدعو إليها. ومن جانبه، قال جوليان بايو، أمين عام حزب الخضر، إن ماكرون «تحدث 17 دقيقة، دون أن يقل شيئاً محسوساً». ومن جانبه، رأى النائب لوك كارفناس، عن الحزب الاشتراكي، أن ماكرون يدعي التهدئة، لكنه «اختار المواجهة، ولذا فإن المواطنين سيكونون أكثر قلقاً». ولم تختلف ردة فعل اليمين الكلاسيكي ممثلاً بحزب «الجمهوريون». فقد اعتبر النائب إريك سيوتي أن ماكرون قدم خطاباً «مطولاً، لكنه فارغ وفاقد الروح وغابت عنه أي رؤية».
أما على الجبهة النقابية، فلم تكن ردود الفعل أقل حدة، إذ اعتبر فيليب مارتينيز، أمين عام نقابة «الكونفدرالية العامة للعمل»، أن ماكرون «سجين برجه العاجي، ويعتبر أن الأمور كافة تسير بشكل جيد في البلاد». وكرر مارتينز مطلبه، الذي لا تحيد نقابته عنه، وهو «سحب المشروع» من التداول. وذهب إيف فيريه، أمين عام نقابة «القوة العاملة» في الاتجاه عينه، داعياً بالنزول بكثافة أكبر إلى الشوارع في التاسع من الشهر الحالي، يوم التعبئة الجماعية القادم. وحتى بعد ظهر أمس، لم يكن قد ظهر رد فعل من نقابة الكونفدرالية العامة للعمال، القريبة من الحزب الاشتراكي، التي ربطت استعدادها للخوض بخطة الحكومة بتراجعها عن رفع سن التقاعد من 62 إلى 64 عاماً. وجعل لوران بيرجيه من هذه المسألة «خطأ أحمر». والحال أن ماكرون لم يأت على ذكر هذه المسألة، ما يعني أن الحكومة ستبقى متمسكة بها.
هكذا تبدو صورة الوضع في اليوم الأول من العام الجديد؛ كتلتان متواجهتان، وبينهما المواطنون الذين يعانون. واللافت أن ماكرون لم يأت بكلمة واحدة للتعبير عن تضامنه معهم. وثمة 3 استحقاقات متتالية في الأيام المقبلة، أولها يوم 7 الحالي، وهو موعد معاودة التفاوض بين رئيس الحكومة وممثلي النقابات، يليه بعد يومين يوم التعبئة العامة، ثم في العشرين من الحالي تقديم الصيغة النهائية للمشروع الإصلاحي لإقرارها في مجلس الوزراء. والتخوف أن تستمر عملية لي الذراع بين الحكومة والنقابات، ما يعني مزيداً من الصعوبات اليومية للمواطنين في تنقلاتهم بسبب الشلل الجزئي في وسائل النقل العامة والخسائر للقطاع الاقتصادي. وثمة من يعتبر أن الحكومة تراهن على انقلاب الرأي العام على المضربين، وتعب هؤلاء من حركة مطلبية دخلت يومها الثامن والعشرين.
يبقى أن ماكرون، وفق ما ظهر من كلمته، متمسك أكثر من أي وقت مضى، بصورته الإصلاحية وبالسير بمشروعاته، وقد يرى في تراجعه عن إصلاح أنظمة التقاعد مؤشر ضعف. ولذا فقد انتقد من سبقه من الرؤساء الذين تخلوا عن كل رغبة إصلاحية مع بدء النصف الثاني من ولايتهم، لأنهم كانوا حريصين على عدم إغضاب أحد لحسابات انتخابية، بينما هو مستمر في إصلاحاته.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...