الصين... عام تعزيز النفوذ في وجه التحديات

الصين... عام تعزيز النفوذ في وجه التحديات

اليابان كرست دورها الدولي باستضافة قمم ومحاولات وساطة
الثلاثاء - 5 جمادى الأولى 1441 هـ - 31 ديسمبر 2019 مـ رقم العدد [ 15008]

قد يكون في الأحداث التاريخية الرئيسية التي شهدتها الصين واليابان خلال عام 2019 دلالات رمزية على ما شهده البلدان من توجهات خلال العام الموشك على الأفول، والاختلاف بين حضورهما على المسرح الدولي.

طوكيو شهدت انتقالاً إمبراطورياً في الأول من مايو (أيار) وضع الثقافة اليابانية بعراقتها وتفاصيلها الطقوسيّة والجمالية تحت الضوء من جديد، كما شهدت أحداثاً أخرى كرّست مكانتها في نادي الدول المتقدمة اقتصاديا وثقافياً. أما في بكين، فكان الحدث الأكبر إحياء الذكرى السبعين لتأسيس جمهورية الصين الشعبية باستعراض عسكري ضخم في الأول من أكتوبر (تشرين الأول). واستمرّت الصين بإبراز عضلاتها السياسية والاقتصادية خلال عدد من الأزمات والمواجهات التي شهدها العام.


قمم دولية

كانت اليابان مسرحاً سياسيا نشطاً بالمقارنة مع الإيقاع المعتاد، حيث استقبلت العشرات من زعماء العالم خلال عام 2019. ففي أواخر يونيو (حزيران)، شهدت أوساكا أول استضافة يابانية لقمة مجموعة العشرين، وفي نهاية أغسطس (آب)، عقدت قمة التنمية الأفريقية في يوكوهاما بحضور جمع من زعماء دول القارة السمراء. وحظيت ملفات الشرق الأوسط باهتمام خاص في القمتين، إذ دارت التكهنات حول احتمال حضور الرئيس الإيراني حسن روحاني لقمة العشرين كضيف خاص ضمن مساعي اليابان للعب دور وساطة بين طهران وواشنطن، لكن زيارة روحاني لم تتحقق في نهاية الأمر. وفي قمة التنمية الأفريقية، أثار حضور وفد الصحراء توتراً، إذ لم تحبذ الحكومة اليابانية التي تربطها علاقات قوية بالمغرب حصول المشاركة ولكنها أذعنت لطلب الاتحاد الأفريقي، ليعلن وزير الخارجية الياباني في الافتتاح أن حضور «بعض الأطراف» للقمة لا يعني تغييراً في الموقف الرسمي الياباني منها.


خلاف طوكيو وسيول

اليابان التي تسعى للعب دور في التقريب بين طهران وواشنطن لم تبذل المجهود ذاته لحل المشاكل العالقة مع جيرانها في شبه الجزيرة الكورية. القطيعة بين طوكيو وبيونغ يانغ لم تتأثر بالقمم التاريخية التي عقدت بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية أو بلقاءات زعيمي الكوريتين، حيث اختارت الحكومة اليابانية التريث ووقفت على مسافة من التقارب الذي بدوره يبدو شكلياً لغاية الآن. ولكن المفاجئ كان التدهور في العلاقات مع كوريا الجنوبية إلى حد غير مسبوق منذ إعادة إنشاء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1965، واستقرار الوضع في شمال شرقي آسيا على وضعه الحالي أي بصيغة التحالف الأميركي - الياباني - الكوري في مواجهة الصين وكوريا الشمالية. المشكلة بدأت كالمعتاد من ملفات تاريخية حساسة، تتعلق بفترة استعمار اليابان لشبه الجزيرة الكورية. وإن كانت حملات المقاطعة المتبادلة على المستوى الشعبي أمراً معتاداً، فإن قيام الحكومة اليابانية بحذف كوريا الجنوبية من «اللائحة البيضاء» للدول المسموح بتصدير التقنيات اليابانية المتقدمة إليها، وما تلاه من تهديد سيول بوقف العمل باتفاق «جيسوميا» للتعاون الاستخباراتي العسكري مع طوكيو فيما يخص تحركات كوريا الشمالية، يعني أن التصعيد من طرف الحكومتين وصل خلال العام الحالي إلى مراحل تهدد بانهيار الدعامة الأساسية التي حافظت على توازن العلاقات الثنائية لعقود، وهي الحرص على استمرار التعاون في المجالات الاقتصادية والعسكرية ضمن التحالف الثلاثي المذكور، بغض النظر عن ملفات الخلاف التاريخية التي تزداد سخونة بين آونة وأخرى.

ويبدو المتضرر الأكبر من احتدام الأزمة هو كوريا الجنوبية، التي تعتمد شركاتها الصناعية بشكل كبير على الواردات التقنية من اليابان. ومع انسداد أفق الحل مع كوريا الشمالية ومطالبة الإدارة الأميركية لسيول بتحمل جزء أكبر من نفقات القواعد العسكرية الأميركية، واحتمال انخفاض نمو الاقتصاد الكوري خلال العام الحالي عن حد 2 في المائة للمرة الأولى منذ أزمة عام 2008 المالية، تبدو سيول في وضع حرج على جبهات متعددة اقتصاديا وسياسيا.


إصلاح الدستور

عقبات أخرى شهدها العام الحالي منعت رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي من تحقيق حلمه بتغيير الدستور السلمي الياباني، إذ أسفرت الانتخابات البرلمانية في يوليو (تموز) عن انخفاض عدد مقاعد حزبه الليبرالي الديمقراطي، وأخفق الائتلاف الحاكم بالحصول على أغلبية الثلثين اللازمة لتحقيق التغيير الدستوري. آبي الذي أصبح في نوفمبر (تشرين الثاني) رئيس الوزراء ذا العهد الأطول في تاريخ اليابان، إذ يترأس الحكومة منذ عام 2012. ما زال مصمماً على تغيير الدستور في عهده، وذلك حسب تصريحاته الرسمية ورغم الاعتراضات الشعبية من داخل اليابان والإقليمية من دول الجوار.


«الحزام والطريق»

احتضنت الصين بدورها قمة كبرى، هي منتدى التعاون الثاني لمبادرة الحزام والطريق بحضور زعماء ما يقارب أربعين دولة من مختلف قارات العالم. ويمكن القول إن «مبادرة الحزام والطريق» استمرت خلال عام 2019 بتكريس مكانتها كعنوان رئيسي لتحركات الصين الدولية دبلوماسيا واقتصاديا. فمشاريع الربط بين الصين من ناحية، والمجال القاري الأوراسي وقارة أفريقيا من ناحية أخرى، تزداد ضخامة ويزداد معها ارتباط مصالح دول تلك المنطقة الشاسعة بالاقتصاد الصيني. ويتجلّى نجاح المبادرة خصوصاً في منطقة جنوب شرقي آسيا وفي القارة الأفريقية، حيث تتوالى مشاريع البنية التحتية الضخمة، بينما تتبدى بعض العقبات في الممانعة الهندية خصوصاً، وفي التحفظات الأوروبية. وتظهر الأرقام الصادرة في شهر ديسمبر (كانون الأول)، أن أداء الاقتصاد الصيني خلال العام 2019 كان أفضل من المتوقع رغم الأزمة التجارية مع الولايات المتحدة، وأن الإنتاج الصناعي في طريقه إلى مرحلة جديدة من النمو.


أزمة هونغ كونغ

وفي هونغ كونغ، لا شك أن ما ميّز العام الحالي هو المظاهرات المستمرة على نطاق واسع منذ شهر يونيو والتي يراها البعض بمثابة اختبار للتغيرات التي ستشهدها صورة الصين في المجتمع الدولي. فبكين تبدو مترددة في استخدام القوة المفرطة لفرض إرادتها، كما أن حكومة هونغ كونغ ألغت مشروع قانون مثير للجدل يتيح ترحيل متهمين إلى الصين للمحاكمة، وهو ما كان قد أدى لاندلاع المظاهرات. ولكن الصين لا تبدو متخوفة من تدخل غربي يتجاوز الإجراءات الشكلية.

فرغم إقرار الكونغرس الأميركي لقانون حقوق الإنسان والديمقراطية في هونغ كونغ في أواخر نوفمبر وتهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب، إلا أن مسؤولي البلدين أعلنوا في أواسط ديسمبر (كانون الأول) عن إنجاز المرحلة أولى من اتفاق تجاري شامل من المأمول أن ينهي النزاع التجاري بينهما. أما بريطانيا، فلديها ما يشغلها في معضلة الخروج من الاتحاد الأوروبي ولا تبدو مكترثة إلى حدّ كبير بما يجري في مستعمرتها السابقة. وفي ماكاو المجاورة لهونغ كونغ، ألقى الرئيس الصيني شي جينبينغ خطاباً في 20 ديسمبر (كانون الأول) بمناسبة الذكرى العشرين لعودة المستعمرة البرتغالية للصين أكد فيه أن إرادة الحكومة والشعب الصينيين لمنع التدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية للصين «صلبة كالصخر».


انتقادات دولية

لسياسات بكين تجاه الأويغور

واجهت بكين خلال 2019 موجة انتقادات أوروبية وأميركية على خلفية سياستها تجاه أقلية الأويغور المسلمة في إقليم شينجيانغ. ويقول خبراء من الأمم المتحدة ونشطاء إن مليون شخص على الأقل من أقلية الأويغور وأفرادا من أقليات أخرى أغلبها مسلمة محتجزون في معسكرات بشينجيانغ. وقادت الولايات المتحدة أكثر من 30 دولة في انتقاد ما وصفتها بأنها «حملة قمع مروعة».

إلا أن بكين تنفي ارتكاب أي مخالفات بحق الأويغور أو غيرهم في شينجيانغ، وتقول إنها توفر تدريبا مهنيا للمساعدة في القضاء على التطرف الديني والنزعات الانفصالية ولتدريبهم على مهارات جديدة.


ختام العام بقمّة دون مفاجآت

استضافت مدينة تشيندو الصينية قمة صينية - يابانية - كورية يومي 23 و24 ديسمبر (كانون الأول)، بدت خلالها الصين في الموقع الأكثر استقراراً. فإدارة الرئيس الكوري الجنوبي مون جي - إن الآتية من خلفية يسارية تحبذ التقارب مع بكين إلى درجة أثارت ردات فعل سلبية من إدارة الرئيس ترمب في أكثر من مناسبة، وهي الإدارة الأميركية ذاتها التي انسحبت من اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ، دافعة بالحكومة اليابانية للدخول في مفاوضات الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة التي تحبذها الصين. قمة تشيندو نجحت في إحراز انفراج سياسي نسبي بين طوكيو وسيول من خلال لقاء ثنائي بين رئيس الوزراء الياباني والرئيس الكوري، ولكنها أخفقت في إحراز تقدم عملي على طريق إنشاء منطقة تجارة حرة بين الدول الثلاث الرئيسية في منطقة شمال شرقي آسيا، في ختام عام شهد تقلبات كبيرة ومفاجئة في العلاقات بينها.


الصين حصاد

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة