تقييمات «غود ريدز» للرواية.. حقيقية ومتناقضة ومفارقاتها طريفة

الموقع يعد مكتبة إلكترونية وناديا للقراء والكتاب تحكمه ذائقات لا بوصلة لها

موقع «غود ريدز»  -  يافا تعد قهوة الصباح  -  حارس التبغ  -  دروز بلغراد  -  غلاف يوتوبيا   -  أصابع لوليتا  -  شريد المنازل
موقع «غود ريدز» - يافا تعد قهوة الصباح - حارس التبغ - دروز بلغراد - غلاف يوتوبيا - أصابع لوليتا - شريد المنازل
TT

تقييمات «غود ريدز» للرواية.. حقيقية ومتناقضة ومفارقاتها طريفة

موقع «غود ريدز»  -  يافا تعد قهوة الصباح  -  حارس التبغ  -  دروز بلغراد  -  غلاف يوتوبيا   -  أصابع لوليتا  -  شريد المنازل
موقع «غود ريدز» - يافا تعد قهوة الصباح - حارس التبغ - دروز بلغراد - غلاف يوتوبيا - أصابع لوليتا - شريد المنازل

يفتح موقع «غود ريدز» الذي تمتلكه شركة «أمازون» كموقع أرشفة اجتماعي وأطلق في يناير (كانون الثاني) 2007، نوافذ مهمة لتقييم الرواية، تتصف بالجدية والغرابة أيضا، وتثير الكثير من الأسئلة، وأحيانا بالتناقض والطرافة. هنا في ميدان فرسانه القراء وحدهم، تغيب المدارس والمناهج النقدية وتتقدم الذائقة وحدها لتقييم هذا النتاج الأدبي الأوسع انتشارا. تقييم محكوم بفكر وآيديولوجيا وثقافة وأحاسيس قارئ، وميوله السياسية وقيمه الأخلاقية أيضا. وهو بالإضافة إلى هذا، يقدم استفتاء مفتوحا على مدار الساعة للأعمال الروائية التي أنشأ مؤلفوها صفحات خاصة بها.
يدلي القراء المشاركون بآرائهم في روايات قرأوها، أو يخبرون عن رغبتهم في قراءتها، بشرائها أو من خلال استعارتها من صديق اقتناها. وهذا النوع من الإشارات أقرب إلى الافتراضي، ويقوم على طرح رغبات، على خلاف من انتهوا فعليا من القراءة وتركوا انطباعاتهم، رغم أن الافتراضي هذا يقدم مؤشرا أوليا على اتجاهات القارئ وما يخطط له عشاق الرواية.
يكتفي بعض القراء بتقييم العمل بمنحه من نجمة واحدة إلى 5 نجوم، (نجمة لما لا يروقه، ونجمتين لـ«مقبول»، و3 نجمات لتقدير جيد، و4 لجيد جدا، و5 نجمات لرواية ممتازة). ينشر الموقع المتوسط العام لدرجات التقييم أعلى الصفحة، ما يوفر للمؤلف صاحب الرواية فرصة الاطلاع على معدل جودة عمله، وإن ظل هذا نسبيا بالتأكيد، والتعرف أيضا، على نوعية قرائه وحتى على ميولهم. قراء آخرون يتركون تعقيبا سريعا، أو ملاحظة، والبعض يترك مراجعة نقدية، قد ترقى إلى مستوى نقدي متميز.
يحتفظ الكثير من القراء بأغلفة الكتب والروايات التي قرأوها، محولين صفحاتهم إلى مكتبة إلكترونية، تسمح باطلاع الآخرين من زوارها على كتب جديدة. ويسمح الموقع بتبادل الرسائل النصية حول ما تجري مناقشته على صفحة كاتب ما. وحتى مشاركته التقييم بإظهار الإعجاب بـ«لايك» لتقدير قارئ، كما في «فيسبوك»، أو بإضافة تعقيب على ما كتبه.
مفارقات «غود ريدز» كثيرة، خصوصا حين ترتهن ذائقة القارئ - وهو هنا في موقع ناقد أيضا - لميول سياسية أو آيديولوجية أو لأحكام دينية أو أخلاقية، أو حتى حسابات سياسية، تتجاوز ما هو فني، وتتجاهل تقنيات العمل ولغته وأسلوب الكاتب السردي.
هنا - على سبيل القراءة التطبيقية، 6 وجهات نظر نقدية أو تعقيبات، كتبها قراء اطلعوا على 6 أعمال روائية معروفة، (اقتبست التقديرات العامة التي منحت لها والتعليقات في ساعة محددة)، هي: «يافا تعدّ قهوة الصباح» لأنور حامد، و«أصابع لوليتا» لواسيني الأعرج، و«دروز بلغراد» لربيع جابر، و«شريد المنازل» لجبور الدويهي، و«السيدة من تل أبيب» لربعي المدهون، و«حارس التبغ» لعلي بدر، بواقع تقييمين لكل عمل: الأول إيجابي، والثاني سلبي. وجميعها يكشف عن تفاوت مذهل في ذائقة القراء، وتقديراتهم التي تكون صادمة أحيانا، تتدخل فيها المواقف الأخلاقية، أو الميول الدينية، أو السياسية، أو يحكمها تدني المستوى الثقافي، أو تخضع لاعتبارات آيديولوجية معينة. هذا لا ينفي في الجانب الآخر، وجود قراءات يتمتع أصحابها بحس نقدي متطور يفوق أحيانا ما يقدمه نقاد محترفون حول الأعمال الأدبية نفسها.

* «يافا تعد قهوة الصباح»، أنور حامد. التقدير العام: 3.54
منحت نبال قندس الرواية 5 نجوم (ممتاز)، وكتبت في 2 يوليو (تموز) 2013: «ما زلت أشعر أنني غارقة في دوامة يافا. أنفاسي ممتلئة برائحة البحر والبرتقال ونسيم يافا - أرض البرتقال الحزين. رواية تفوق حدود الروعة».
لكن القارئ أو القارئة كوينت، لم يمنح/ تمنح الرواية أكثر من نجمة واحدة (أي لم ترق له/ لها). وكتب/ كتبت: «أخذت الكتاب وبدأت أقرأه بلهفة. لكن ومنذ البداية، بدأت أدرك رويدا رويدا، أنني أقرأ تفاهة كبيرة بني مدخلها على تحشيش في مقبرة أموات طاهرة ليلا (بالمناسبة هذا المشهد هو أجمل ما في الرواية - التعليق لكاتب هذه السطور). الأساس الذي بنيت عليه هذه الرواية، من ناحية المستوى الأدبي للكاتب، وخلفيته التاريخية المستند عليهما، ضعيفان جدا جدا».

*«أصابع لوليتا»، واسيني الأعرج. التقييم العام: 3.54
القارئ محمد أرامن، أعطى «أصابع لوليتا» 5 نجوم (امتياز)، فكان سعيدا بقراءتها؛ «لأن واسيني الأعرج أهداني الرواية موقعة بخط يده». أما عن الرواية نفسها، فيقول: «أسرتني لغة الكتابة الساحرة، وتمنيتُ لو أجلت قراءتها حتى الشتاء فستصبح أشهى، هذا بالإضافة إلى الحديث عن باريس والأناقة الباريسية، العطر، المطر، وشارع الشانزلزيه (...) استطاع الكاتب أن يجمع بين الرومانسية والحب، التاريخ، الفن، الإنسانية، والبوليسية. (كذلك جمع) بين الشرق والغرب في كتاب واحد وهذا جميل. برأيي أن تسميتها بـ(أصابع لوليتا) لا يتناسب مع القصة والأحداث، والخاتمة أحزن من الحزن». أما نور باهر، فمنحت الرواية نجمتين من 5، أي مقبول. وكتبت: «لماذا يا واسيني؟ خرجَت روحي وأنا أحاول أن أنهيها. طويلة جدا بلا معنى لطولها. اللغة مدهشة وممتنعة، لكن الإطالة فيما لا طائل منه أشقاني».

* «يوتوبيا»، أحمد خالد توفيق. التقدير العام: 3.96
أعطت نهى بسيوني لهذا العمل التقدير الكامل، 5 نجوم. وكتبت بتاريخ 28 سبتمبر (أيلول) 2014 ما يلي: «رواية سوداء، غير تقليدية بالمرة، مختلفة. بها طابع جديد لم أعهده من قبل. تحمل من الإثارة ما يجعلك تنهيها في بضع ساعات. معانيها جريئة بدرجة عالية. خيالية، لكن أحداثها بالنسبة لهذا الخيال الأسود واقعية جدا».
لكن مها رامية، ذهبت في الاتجاه المعاكس، وأعطت الرواية أدنى درجة، نجمة واحدة. وكتبت في 28 ديسمبر (كانون الأول) 2009 ما يلي: «حاولت في البداية، تجاهل بعض الألفاظ والتلميحات القوية (الخادشة للحياء)، لبعض تنبؤات د.أحمد عما سيحدث في المستقبل في هذه الرواية. وقلت حسنا، هو يحاول أن يوصل لنا بشاعة ما سيكون عليه المستقبل، إذا ما استمر الحاضر كما هو عليه، لكن وصلت لنقطة صار التجاهل معها صعبا، وصرت لا أرى أي استزادة من إكمال قراءتها لذا تركته. لأول مرة أكره شيئا للدكتور أحمد!».

* «دروز بلغراد: حكاية حنا يعقوب»، ربيع جابر. التقييم العام: 3.86
محمد جلال أعطى الرواية 5 نجوم (امتياز)، وكتب في 11 ديسمبر (كانون الأول) 2013 يقول: «رواية أرشحها بشدّة لكل عشاق فن الرواية العربية. من أروع ما قرأت، إن لم تكن الأروع على الإطلاق. كم أعشق أسلوب عرض الخواتيم، ومن ثمّ الخوض في التفاصيل. إنها بداية قراءاتي لهذا الكاتب المبدع، وحتما لن تكون الأخيرة. من أين أتيت بهذه البلاغة وهذا التصوير المبدع يا ربيع؟».
أما علا جدورة فأعطت الرواية نجمتين (مقبول)، وكتبت بتاريخ 3 فبراير 2012: «أحببت فكرة الرواية جدا، وبدأت أقرؤها باستمتاع حتى النصف تقريبا، ثم بدأ الملل. فيها تكرار بالأحداث وتفاصيل مملة ومطوّلة. أحسست بعدها، بشعور الإحباط والانزعاج، ولم أهدأ إلى أن وصلت إلى نهايتها. تمنيت لو تناول الكاتب ما جرى في بيروت من أحداث أيضا، بدلا من التركيز على حياة السجون والمعتقلات وما يجري فيها من مآس وعذاب».

* «شريد المنازل»، جبور الدويهي. التقيدير العام: 3.79
تقديرات هذه الرواية كثيرة، لكن التعليقات عليها قليلة. ياسر ثابت منح الرواية 4 نجوم، أي جيدة جدا.
وكتب: «رواية ممتازة وزاخرة بالتفاصيل المدهشة عن الحياة والحرب، والخوف من الآتي المعلق على حبل المصائر الغامضة. الفصل الثاني ممل بعض الشيء، لكن الرواية متماسكة وجميلة».
أدنى تقدير لهذه الرواية ورد على الصفحة من دون تعليق، كان نجمة، أي لم ترق للقارئ (إس إم إس إم). أما التعليقات، فكان أقلّها تقديرا 3 نجمات، ما يعني جيدة. وقد كتبت رامه سالم تقول في سبب ذلك: «رواية معقولة جدا، لكنها تفتقر إلى الجديد».

* «حارس التبغ»، علي بدر. التقدير العام 3.78
أعطى دايس محمد للرواية 5 نجوم، وكتب في 17 مارس (آذار) 2013: «من النادر ألا تتماهى مع شخوص علي بدر وتشعر تجاهها بتناقضات كثيرة. هو لا يحيّد مشاعرك ولا يحاول هذا الأمر، إنما يرغب في أن يجعلك جزءا من عمله الروائي. هذه هي قيمة الرواية، أن يصبح الإنسان القارئ جزءا من العمل الروائي، جزءا من الحالة الإنسانية المكتوب عنها.
بالإضافة إلى هذا، هو يحاول أن يخلق شخوصا حية قابلة للتصديق ومستعدة بنسبة عالية لأن تجعلك تفكّر بمدى واقعية هذه الشخوص، هل هي حقيقية؟ هل هي أسطورة؟ متى وأين وكيف؟ هل هذا الأمر واقعي فعلا؟».
أما القارئة نادية، فلم تكن راضية عن الرواية، وأعطتها نجمة واحدة. وكتبت في 19 ديسمبر 2012 بالإنجليزية تقول: «لم تقنعني الرواية - كانت منغمسة في النزعات الذاتية والغطرسة. حقيقة لم أتحمس لها. أكره فعلا أن أكتب مثل هذه المراجعة لأي كتاب، خصوصا عندما تكون كتابته قد استغرقت وقتا طويلا والكثير من الجهد».
أخيرا، يشار إلى أن موقع «غود ريدز»، تحوّل، خلال سنوات، إلى مكتبة إلكترونية عامة، تضم ملايين الكتب، واستقطب أكثر من 20 مليون مستخدم.



نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة
TT

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006) من هوامشها المتفرقة إلى مساحة جديدة مفتوحة على التخييل، حيث لا تبدو الوقائع السيرية مادةً جاهزة للسرد، بل نواةً يُعاد تشكيلها داخل نص يستعير صوت نجيب محفوظ ويعيد إنتاجه، فلا يبدو «أديب نوبل» موضوعاً للكتابة، بقدر ما يستحضر الكتاب نسخةً من حياته تتجاوز حدود الواقع الصارم وغيوم الذاكرة.

لا يُمهّد عبد الموجود للكتاب عبر مقدمة تقليدية، بل يدفع قارئه مباشرةً صوب فصول تمثّل بوابات مفتوحةً على عالم محفوظ الإنساني والأدبي والفني، في لعبة يختلط فيها الحقيقي بالمتخيّل، وهي مقاربة لا تبدو بعيدةً عن عالم محفوظ نفسه، لا سيما في «أصداء السيرة الذاتية»، حيث تتشكّل السيرة من شذرات ممزوجة بالتأمل والخيال، لا من تسلسل توثيقي نمطي.

بهذا المعنى، يبدو فعل الكتابة أقرب إلى التماهي مع وعي محفوظ نفسه؛ إذ يستعيد الكاتب هذا الالتباس الفني المُحبّب لديه بين الواقع والحلم.

«الشجرة السابعة»

يستعير عبد الموجود، عبر أكثر من 25 فصلاً، نبرة «محفوظ» ولغته التي ألفناها في أدبه، بما يضع القارئ في حالة تتلاشى فيها الحدود بين الواقعي والمتخيَّل، ففي مطلع فصول الكتاب يأخذنا إلى «الشجرة السابعة»، مستهلاً بنبرة «محفوظية»: «لو وُلدتُ في الصيف لتخيّلتُ أبي واقفاً خارج غرفة الولادة بالجبة والقفطان، لكننا في شتاء 1911. ارتدى بالطو فوق بدلته واعتمر الطربوش كمن يستعد لطارئ غير محسوب».

تتبدّى لحظات انتظار الأب لميلاد «ابنه السابع» محاطةً بنبرة شعريةٍ تلتحم فيها رؤى الأب والابن معاً: «ربما حلم لي أن أكون مهندساً أو طبيباً، كما حلم لشقيقيّ... فكّر أنني سأكون أسعد الأولاد، وأحبّهم إلى قلب فاطمة؛ فقد حملت بي وهي تغادر شبابها».

تُروى لحظة الميلاد عبر مشاهد مشحونة بالتعبير والانفعالات؛ ترقّب الأب، والقلق، وأصوات العبرات والزغاريد بعد خروج طبيب التوليد الشهير آنذاك «نجيب محفوظ» مبشّراً بوصول الابن الذي سيحمل اسمه، غير أن هذه الصورة لا تلبث أن تُعاد مساءلتها؛ إذ يقودنا الكاتب في نهاية هذا الفصل إلى سطور من «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» كما نقلها رجاء النقاش، وروايات أخرى تشكّك في نسبة اسمه إلى طبيب التوليد، فتتبدّد الرواية الشائعة، ويغدو ما بدا ثابتاً موضع شك.

هنا يضعنا النص في قلب هذا التوتر الخلّاق بين «الأصل» كما ورد في المذكرات والحوارات، و«الصورة» التي يتماهى الكاتب في رسمها استناداً إلى هذا الأصل، فلا تُلغى الصورة، بل تكتسب معناها من مجاورتها للأصل، لا من تطابقها معه. ولا يكتفي الكتاب بتقديم هذه المشاهد المتخيّلة، بل يعيد القارئ في نهاية كل فصل إلى «الأصل»؛ فقرات من مذكرات كُتبت عن محفوظ أو من حواراته، حيث تتشكّل علاقةٌ مزدوجة بين النصَّين.

وفي فصل بعنوان «الحريف قلب الأسد»، نرى محفوظ المُغرم بكرة القدم منتشياً بانتصاراته الصغيرة، ومسجّلاً «نصف دستة أهداف». يعيدنا السرد هنا إلى مساحة يتداخل فيها اللعب ببراءة الحلم، ليصبح اللعب مُعادلاً للخيال: «كنت ألعب وأكسب، ثم أعود إلى البيت لأغرق نفسي في أحلام اليقظة». ونراه أيضاً يختبر بشائر الحب الأولى، وافتتانه بفتاة «الجمالية» في طفولته، وغناءه «يمامة بيضا»، في مشاهد تفوح بالحنين، وتحمل رائحة المكان الأول.

الطفولة والخيال

تتجاور هذه اللقطات مع مراحل لاحقة من حياة نجيب محفوظ، فتتقاطع الطفولة والصبا والشباب مع زخم الأصدقاء، ومرور العمر، في حضورٍ دائم للكتابة؛ ففي فصل بعنوان «يا ولاد حارتنا توت توت»، يتقمّص الكاتب صوت محفوظ وهو في خضم الضجّة التي أثارها نشر روايته «أولاد حارتنا»؛ إذ يجد نفسه محاصراً بعبارات التشكيك والهجوم: «ها أنا في أضعف حالاتي أجد نفسي ضيفاً على طاولات التشريح أدفع عن نفسي تهمة نكراء، أقول لأحمد حمروش: هذه الرواية أقصد بها قصة البشرية... وأبعد ما يكون في ذهني أن أكتب سير الأنبياء في حارة». ويعقد الكاتب محاورات بين محفوظ وأبطاله الروائيين في أكثر لحظاته هشاشةً؛ ففي الفصل الأخير «مُت يا أخي... لماذا ترفض أن تموت؟»، الذي يتكئ على حادثة محاولة اغتياله. يتابع محفوظ مصير الشابين اللذين أُحيلا إلى المحاكمة العسكرية، في مشهد تتداخل فيه الواقعة بالهاجس: «يا ربّي، ليس بيدي ما أفعله لهما، وأشهد أنني أسامحهما. ثم رفعت أصابعي بحركة غريزية، وتحسّست الطبقة الناشفة فوق الجرح، وقلت: لقد رتقوا جرح رقبتي وتركوا التمزّق في روحي».

في هذه اللحظة لا يكتفي النص باستعادة الواقعة، بل يفتحها على أفقٍ تخييلي أرحب؛ فيظهر بطل «الحرافيش» الأشهر «عاشور الناجي»، ليُطمئن صاحبه محفوظ: «سوف تلتئم... سوف تلتئم يا حبيب القلب»، ليبلغ التداخل بين الأصل والصورة ذروته؛ إذ لا تعود الشخصية الروائية مجرد صدى لعالم محفوظ، بل تتحوّل إلى وسيطٍ يعيد إليه توازنه، وكأن الخيال، الذي صنعه يوماً في أدبه، يعود إليه دفئاً وسلواناً.

لا يقف الكتاب عند حدود السرد، بل يحتفي أيضاً بالأرشيف البصري لنجيب محفوظ، عبر عددٍ كبيرٍ من الصور تتوزّع بين فصوله، لتشكّل طبقةً موازيةً من «الصورة» لنظيرتها السردية، وتقيم حواراً بصرياً مع النص، بما يوسّع من فكرة «الأصل والصورة» إلى ما هو أبعد من الكتابة.

ويستند بناء الكتاب إلى عددٍ من المراجع التي تُمدّه بمادته الأولى؛ أي «الأصل»، مثل «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» لرجاء النقاش، و«نجيب محفوظ يتذكّر» لجمال الغيطاني، و«أنا نجيب محفوظ» لإبراهيم عبد العزيز، و«أولاد حارتنا: سيرة الرواية المحرمة» لمحمد شعير... وتُستدعى فقرات من هذه المراجع في نهاية كل فصل، لتُجاور الصور المتخيّلة وتدخل معها في حوارٍ حول ما كُتب من السيرة، وما تركه محفوظ في عُهدة الأثر.


الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة
TT

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين، وهم الشاعر الكاريبي ديرك والكوت، والبريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو، والشاعر البريطاني لي هاروود، والشاعر الأميركي فرانك أوهارا.

والكتاب جاء في ثلاثة فصول. ضم الفصل الأول، المعنون «إعادة بناء الهوية عبر الذاكرة وفي الذاكرة» دراسة مقارنة بين قصيدة «أوميروس» الملحمية للشاعر الكاريبي ديريك والكوت والرواية الشعرية «لارا» للكاتبة البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو.

ويرى الكاتب أنه يوجد الكثير من نقاط التقارب في سيرتي الشاعر الكاريبي ديريك والكوت والشاعرة والروائية البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو فكلاهما ذو هوية هجينة، «والكوت من سلالة عبيد»، وقد تسمم بدم جانبين من أسلافه (كان أجداده بيضاً، وجداته سوداوات)، بينما كانت إيفاريستو تعاني من عدم التوازن بين طرفي عائلتها (أمها إنجليزية، ووالدها نيجيري). وكان كل منهما يدخل نفسه كشخصية رئيسية في عمله.

لكن مقاربة إيفاريستو لثيمتي الهوية والذاكرة، كما نقرأ في هذا الفصل، تختلف إلى حد كبير عن مقاربة والكوت، فلارا، كما تقول إيفاريستو نفسها، هي رواية سيرية ذاتية - شعرية، مستمدة من حياتها، وليس بالضرورة أن تكون كما هي. وربما لهذا السبب، كما يستنتج المؤلف، تقارب إيفاريستو ثيمتي الجذور والهوية، وتربط قضايا مثل العنصرية والتمييز والآخر، من منظور شخصي محدود. إن اهتمامها بـ «استعمار الوعي والثقافة» في المجتمعات المستعمرة السابقة، ومحاولتها المصالحة عبر الذاكرة، وفي الذاكرة، مع ماضيها، ومع ذاتها، كهوية هجينة، هو مسعى لأن تعيد كليتها، و«تضع العبودية خلفها». ومن هنا، فإنها تعيد إنتاج هوية اجتماعية، وليس هوية وطنية أو تاريخية. وعلى العكس منها، يسائل والكوت التاريخ، أو، بشكل أدق الفكرة الأوروبية عن التاريخ، مازجاً الماضي بالحاضر، والثقافات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، والشخصي والعام.

أما الفصل الثاني المعنون «لي هاروود: العلاقة الدياليكية بين المكان والفضاء»، فيتناول تجربة هذا الشاعر، كنموذج لشعر الحداثة في الخمسينيات والستينيات، وتأثير الشعر الأميركي على تجربته الشعرية.

وقد امتاز شعر هاروود، (1939-2015)، ومنذ بواكيره الأولى، كما يقول السلطاني، بعلاقة ديالكتيكية بين الانفتاح والانغلاق، والحاضر والماضي، والحركة والسكون، والداخل والخارج. لكن علاقته مع المكان والفضاء، متحركة دائماً.

وقد غلب على الشاعر في هذه الفترة الاهتمام إلى درجة كبيرة بالأمكنة كجغرافيا، أكثر مما كونها أمكنة تخلية أم مجردة، على الرغم من أن هناك قصائد في هذه المرحلة كانت منفتحة على المجرد والمنظور التخيلي أو التصوري. والمقارنة بين قصائد الشاعر الأولى والمتأخرة، تتيح لنا تفحص التطور الذي حصل في علاقته بالمكان والفضاء، ارتباطاً مع تطور لغته الشعرية، خاصة في الثمانينيات فصاعداً، حين أصبحت قصائده منشغلة ذهنياً أكثر بالمكان والفضاء.

ويبحث الفصل الثالث: «فرانك أوهارا: جمالية الأشياء الصغيرة»، في تجربة أوهارا، كمثال على شعر ما بعد الحداثة في الشعر الأميركي. ويصنف النقاد الشاعر الأميركي فرانك أوهارا ضمن «مدرسة نيويورك»، وهي جماعة من الشعراء والرسامين والراقصين والموسيقيين الذي نشطوا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي بمدينة نيويورك مستلهمين أفكارهم من الدادية السريالية، في افتراق واضح عن شعراء الاعتراف المعاصرين لهم، وأبرزهم روبرت لويل (1917-1977).

لكن المؤلف يرى أن هذا التصنيف ليس دقيقاً تماماً، «فأوهارا يكاد يكون ظاهرة خاصة بحد ذاتها من ناحية أسلوبه الشعري، القريب جداً من نثر الحياة اليومي، وكأنه يسجل يومياته، بالبساطة والعفوية ذاتهما، والعبث أيضاً، بالمبنى والمعنى، الذي سيتماثل لاحقاً مع موته العبثي في، حين دهمته سيارة مسرعة في ليلة حالكة من شهر يوليو/ تموز عام 1966، وهو في الأربعين».

ويبدو أنه كلما ضمن الأشياء أكثر في قصيدته، وبقدر ما يستطيع، بدت مفتوحة على فضاء أرحب، وبالتالي كونية أكثر، وهو قد يتفرد بهذه الميزة، كما يرى السلطاني، كما أنه «يتمتع بتلك القدرة الشعرية النادرة على رفع اليومي العادي و(الأشياء المبتذلة) إلى مستوى السامي، وعلى أن يهبط بالسامي إلى مستوى اليومي والمبتذل في الوقت نفسه، خالقاً بذلك حركة جدلية يمتزج فيها الإنسان، والعالم، والأشياء، سواء أكانت سامية أم مبتذلة، معاً في نسيج القصيدة، المحدد زمنها ومكانها. ومن خلال (تأرخته) للأحداث اليومية، يكشف أوهارا، بلغة مباشرة، وغالباَ حميمة، عن وعي واضح بالطبيعة الجمالية للأشياء، أو ما يمكن أن نسميه (جمالية الأشياء الصغيرة). وبذلك خلق نمطاً جديداً في الشعر الأميركي ما بعد الحرب، رادماً الهوة في قصيدته بين الفن والحياة، مما يجعلنا، حسياً وذهنياً، منخرطين أكثر في وجودنا الإنساني».

جاء على الغلاف الأخير للكتاب:

«ما تزال ثقافة ما بعد الاستعمار ظاهرة هجينة تشتمل على علاقة جدلية بين ثقافات البلدان المستعمرة سابقاً والنظام الثقافي الغربي، الذي أنتج، بعد هيمنته المادية، ظواهر كبرى مثل الحداثة، التي تستند إلى المركزية الأوروبية، وما بعد الحداثة، التي تهدف لإعادة الاعتبار لثقافات الشعوب وتقاليدها، وتفكيك أوهام المركزية الأوروبية، وتعبيراتها الأدبية، فالحقيقة هي (نتاج بشري عام وليست نتاجاً أوروبياً).

والمهم هنا، كيف انعكست هذه الظواهر والمفاهيم التي أنتجتها، وإن بشكل غير محسوس وغير مباشر، في الأدب المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين».


ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
TT

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في حارة حريك، في الضاحية الجنوبية لبيروت. تم تدمير المبنى المكون من 14 طابقاً، في أثناء إحدى الغارات الإسرائيلية، احترق برمته، ودفن تحت ركامه ورماده مئات العناوين، بنسخها، وفكرها، وتعب كتّابها، وكدّ ناشرها.

الناشر لا يشعر بأمل في إنقاذ أي بقايا من تعب العمر. «كنت قد زودت المستودع الموجود تحت الأرض، بخزانات ماء ونظام إنذار مضاد للحرائق. فكيف أصبحت حال الكتب وقد هوت العمارة عن بكرة أبيها، لا بد أن المياه أغرقت محتويات المستودع»، يقول كردي لـ«الشرق الأوسط».

«المركز الثقافي للكتاب» دار نشر مغربية، ارتأى صاحبها أن يكون له مستودع في بيروت لتبقى العناوين التي يطبعها، قريبة من معارض الكتب، والنقل أخفّ تكلفة. ويشرح: «كان هدفي من إنشاء الدار، تعريف المثقف العربي في المشرق بالكتاب المغربي. غالباً ما كانت كتب المشرق هي التي تصلنا، ولا يحدث العكس، فأحببت أن أقوم بهذه المهمة».

ما آل اليه مبنى من 12 طابقاً وتحته مستودعا «المركز الثقافي للكتاب» و«مؤمنون بلا حدود»

تطبع الدار في المغرب لكبار الأسماء، وتأتي بكتبهم إلى بيروت، حيث توضع في هذا المستودع الذي فقدت محتوياته. «أما الكتب ذات البعد العربي أو اللبناني فتطبع في بيروت، وتنقل منها نسخ إلى المغرب». هكذا يعمل الناشر كردي، بين بلدين محاولاً تغطية المنطقة العربية. لكن «غالبية الكتب هي التي كانت موجودة في بيروت، لأنها من هنا تشارك في المعارض المختلفة. فأنا أعتبر بيروت نقطة تلاقٍ للعالم العربي. في بيروت وضعت كل ما أملك، شقاء العمر، وخمسين سنة من الكدّ في عالم النشر. هذه المهنة التي مارستها كل حياتي ولا أجيد غيرها، وها أنا أفقد كل شيء».

كان بسّام كردي، مديراً عاماً في المغرب ولبنان لـ«المركز الثقافي العربي» طوال 38 عاماً، قبل أن يؤسس داره «المركز الثقافي للكتاب» عام 2016، التي يصفها بأنها دار مغربية، لكنها في بيروت تجد امتدادها الجغرافي.

يصعب على الناشر تصديق ما وقع له، أو أن يقدّر عدد النسخ أو العناوين التي فقدها. «لا أزال غير قادر على إجراء جردة، أو حصر الأضرار. يلزمني عدة أيام، كي أستفيق من الصدمة، وأقدّر الموجودات التي تبخرت. لكن الخسارة هي حتماً تفوق المليوني دولار». يصف ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية، وضربة لوجودي في المعارض العربية، وضربة لي شخصياً، وللبنان طبعاً».

قضى بسّام كردي عمره كله ناشراً يقوم بالمهمات كلها، «أتسلم المخطوطة، أقرأها، أتناقش مع الكاتب، نجري التعديلات، أدفع بها إلى الطبع، وأصححها، حتى تخرج بحلتها النهائية».

بسّام كردي يقيم في المغرب، وعرف بالخبر الأليم عن بعد «ولم أتمكن حتى الآن من إرسال أحدٍ لتفقد الوضع. كل ما أعرفه هو ما يخبرني به الأصدقاء هناك والصور التي أتسلمها. ولم يتمكن أحد من من المخاطرة والوصول إلى المبنى المنهار».

في الضاحية الجنوبية التي تتعرض لقصف كثيف بشكل شبه يومي، العديد من المكتبات احترقت واختفت بسبب الحرب، وتضررت دور نشر منها «مؤمنون بلا حدود» الموجودة في المبنى نفسه، ملاصقة لـ«المركز الثقافي للكتاب» ودفنت كتبها أيضاً تحت الركام.

كان بسّام كردي على علم منذ مدة أن ثمة خطر حرب يلوح في الأفق. «ذهبت وحاولت نقل محتويات المستودع. جاء جيراني في المنطقة، ولاموني. أقنعوني أن أبقى وأن لا شيء يستحق عناء الانتقال. ملت إلى هذا الحلّ، لأن الإيجارات في الضاحية لا تقارن بخارجها. فإذا كنت أدفع ألف دولار فسأضطر لأن أضرب المبلغ بثلاثة أضعاف في حال قررت الذهاب إلى مكان آخر. لهذا أبقيت المستودع حيث هو وعدت أدراجي إلى المغرب، وكانت النتيجة ما وصلنا إليه».

نعم، دور كثيرة تأثرت بهذه الكوارث التدميرية، يقول كردي، «لكن أغلبهم عندهم أكثر من مستودع، يفقدون أحدها فيبقى لهم مستودع أو اثنان. أما أنا فقد وضعت كل ما عندي في مكان واحد، ومن هنا حجم الكارثة التي تعرضت لها».

وإذا ما أضفنا إلى الخسارة التي وقعت على الدار، أن حال النشر متراجعة جداً، والسوق ليست على ما كانت عليها، كما يؤكد لنا كردي الذي يشارك في غالبية المعارض العربية، نفهم الصعوبات الجمّة التي على ناشر أن يذللها.

يطبع «المركز الثقافي للكتاب» لكبار كتّاب المغرب، لديه الأعمال الكاملة لمحمد عابد الجابري، وكتب سعيد بنكراد، حسن أوريد، الغالي أحرشاو، وأحمد المديني وغيرهم. وكان المديني من أوائل من نشروا خبر ضياع مركز الدار في بيروت تحت عنوان «شخصيات روايتي شهيدة القصف الإسرائيلي» وطالب بالتنديد بهذا العمل الهمجي وبالتضامن مع ناشره. وعدّ المديني على صفحته «فيسبوك» أن ما خسرناه هو «رصيد كبير وفخم» لخيرة الكتاب العرب مغاربة ومشارقة، مبدعين وباحثين. وقال عن الكتب وشخصياتها التي عدّها «شهيدة الأدب»: «أسمعها تصرخ قتيلة الكلمات، تبعثرت أشلاءً، والصور رفاتاً ووجوهها دماءً. إنما يقيناً سوف يبعثون بإرادة كاتبها وعزم وتصميم ناشرها، وبتضامن القراء والكتاب والناشرين العرب أجمعين والجهات الثقافية العربية الرسمية والمدنية». وختم: «لا يجوز السكوت على هذه الجريمة الشنعاء وأدعوهم لشجبها ودعم المركز الثقافي للكتاب بكل الوسائل الممكنة».

يصف صاحب «المركز الثقافي للكتاب» ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية... وللبنان»

الناشر كان قد اتخذ كل الاحتياطات اللازمة، فعدا نظام مكافحة الحريق، لديه عقد تأمين «لكن الشركات لا تعوض عن دمار الحروب. هذا موجود كأول بند. هم يعوضون عن الغريق والحريق والكوارث الطبيعية، لكن الحروب ليست مشمولة. لماذا إذن نتكلف عناء التأمين، لست أدري؟». هكذا يتساءل كردي، الذي لا يتوقف هاتفه عن الرنين منذ انتشر الخبر. كتّاب، ناشرون، قرّاء، أصدقاء، الجميع يحاول أن يخفف عنه وقع الخسارة. فعلاقته مع كتّابه وثيقة، ويعتقد أنه لا بد لما تلف أن يتم تعويضه «فمن ألّف الكتاب الأول والثاني، بمقدوره أن يكتب الثالث. لكن في النهاية، التضامن معي والذي أقدره كثيراً هو عاطفي. أنا لا أتوقع، كما أنني لا أطلب، ولن أقبل بمساعدة مادية من أحد، إلا إذا كانت مؤسسة كبيرة، تعرض الدخول في مشروع معي».

ليس واضحاً بعد عند ناشر «المركز الثقافي للكتاب» ما يمكن أن يفعله للخروج من هذه المحنة. فبعض الكتب ضاع، وبعضها الآخر، بقي بنسخ محدودة. «سأعيد طباعة الكتب الموجودة، بكميات قليلة، أسميها (طبعة حرب) أو (طبعة استثنائية)، وربما (طبعة قصف)، لست أدري؟ كتبي لها طبيعة استثنائية، هي كتب حداثية، لا تتوجه للجمهور العريض، جامعية، تخصصية أو فلسفية، وكتّابي هم أصدقاء يتفهمون ما وقع ويتضامنون ويشجعون».

إعادة بناء مؤسسة من الصفر أو ما أشبه لرجل ضيّع خميرة خمسين سنة، أمر يصفه بأنه «صعب ومكلف جداً»، ولا بد أنه يحتاج إلى شجاعة استثنائية. بسّام كردي رغم بحّة الحزن في صوته، يحتفظ بالأمل والعزيمة، ويقول إنه يبحث عن موقع جديد في لبنان، بعيد عن المناطق الأكثر خطراً، شرط أن يكون السعر مقبولاً.

وعندما نسأله إن كان قد قرر تغيير البلد كلياً يقول: «أنا باقٍ في لبنان، ليس هذا ما أناقشه. الأمر محسوم بالنسبة لي، ولا بديل. إنما أبحث عن مستودع جديد يكون في مكانٍ أكثر أمناً، وأعيد التأسيس رويداً رويداً، كي أسترجع ما خسرته». يضيف: «أسست عبر سنوات طويلة، علاقات، أصدقاء، مؤلفين. هذا لا يلغي أنني في صدمة، وقد أصبح مخزوني صفراً بعد نصف سنة من العمل. سأبدأ من جديد، لأنه ليس أمامي من خيار آخر».

يصف ما حدث بأنه «عملية محو لذاكرة مغربية» في هذا الجزء من العالم العربي، ولا بد من استعادتها. «أعتقد رغم كبر مصيبتي، أنها أسهل من حال من فقد بيته، أو ابنه أو عائلته بأكملها. أنا عائلتي بخير، ورصيدي محبة الناس لي، وتقديرهم، وهذا هو رأس مالي الأكبر».