تقييمات «غود ريدز» للرواية.. حقيقية ومتناقضة ومفارقاتها طريفة

الموقع يعد مكتبة إلكترونية وناديا للقراء والكتاب تحكمه ذائقات لا بوصلة لها

موقع «غود ريدز»  -  يافا تعد قهوة الصباح  -  حارس التبغ  -  دروز بلغراد  -  غلاف يوتوبيا   -  أصابع لوليتا  -  شريد المنازل
موقع «غود ريدز» - يافا تعد قهوة الصباح - حارس التبغ - دروز بلغراد - غلاف يوتوبيا - أصابع لوليتا - شريد المنازل
TT

تقييمات «غود ريدز» للرواية.. حقيقية ومتناقضة ومفارقاتها طريفة

موقع «غود ريدز»  -  يافا تعد قهوة الصباح  -  حارس التبغ  -  دروز بلغراد  -  غلاف يوتوبيا   -  أصابع لوليتا  -  شريد المنازل
موقع «غود ريدز» - يافا تعد قهوة الصباح - حارس التبغ - دروز بلغراد - غلاف يوتوبيا - أصابع لوليتا - شريد المنازل

يفتح موقع «غود ريدز» الذي تمتلكه شركة «أمازون» كموقع أرشفة اجتماعي وأطلق في يناير (كانون الثاني) 2007، نوافذ مهمة لتقييم الرواية، تتصف بالجدية والغرابة أيضا، وتثير الكثير من الأسئلة، وأحيانا بالتناقض والطرافة. هنا في ميدان فرسانه القراء وحدهم، تغيب المدارس والمناهج النقدية وتتقدم الذائقة وحدها لتقييم هذا النتاج الأدبي الأوسع انتشارا. تقييم محكوم بفكر وآيديولوجيا وثقافة وأحاسيس قارئ، وميوله السياسية وقيمه الأخلاقية أيضا. وهو بالإضافة إلى هذا، يقدم استفتاء مفتوحا على مدار الساعة للأعمال الروائية التي أنشأ مؤلفوها صفحات خاصة بها.
يدلي القراء المشاركون بآرائهم في روايات قرأوها، أو يخبرون عن رغبتهم في قراءتها، بشرائها أو من خلال استعارتها من صديق اقتناها. وهذا النوع من الإشارات أقرب إلى الافتراضي، ويقوم على طرح رغبات، على خلاف من انتهوا فعليا من القراءة وتركوا انطباعاتهم، رغم أن الافتراضي هذا يقدم مؤشرا أوليا على اتجاهات القارئ وما يخطط له عشاق الرواية.
يكتفي بعض القراء بتقييم العمل بمنحه من نجمة واحدة إلى 5 نجوم، (نجمة لما لا يروقه، ونجمتين لـ«مقبول»، و3 نجمات لتقدير جيد، و4 لجيد جدا، و5 نجمات لرواية ممتازة). ينشر الموقع المتوسط العام لدرجات التقييم أعلى الصفحة، ما يوفر للمؤلف صاحب الرواية فرصة الاطلاع على معدل جودة عمله، وإن ظل هذا نسبيا بالتأكيد، والتعرف أيضا، على نوعية قرائه وحتى على ميولهم. قراء آخرون يتركون تعقيبا سريعا، أو ملاحظة، والبعض يترك مراجعة نقدية، قد ترقى إلى مستوى نقدي متميز.
يحتفظ الكثير من القراء بأغلفة الكتب والروايات التي قرأوها، محولين صفحاتهم إلى مكتبة إلكترونية، تسمح باطلاع الآخرين من زوارها على كتب جديدة. ويسمح الموقع بتبادل الرسائل النصية حول ما تجري مناقشته على صفحة كاتب ما. وحتى مشاركته التقييم بإظهار الإعجاب بـ«لايك» لتقدير قارئ، كما في «فيسبوك»، أو بإضافة تعقيب على ما كتبه.
مفارقات «غود ريدز» كثيرة، خصوصا حين ترتهن ذائقة القارئ - وهو هنا في موقع ناقد أيضا - لميول سياسية أو آيديولوجية أو لأحكام دينية أو أخلاقية، أو حتى حسابات سياسية، تتجاوز ما هو فني، وتتجاهل تقنيات العمل ولغته وأسلوب الكاتب السردي.
هنا - على سبيل القراءة التطبيقية، 6 وجهات نظر نقدية أو تعقيبات، كتبها قراء اطلعوا على 6 أعمال روائية معروفة، (اقتبست التقديرات العامة التي منحت لها والتعليقات في ساعة محددة)، هي: «يافا تعدّ قهوة الصباح» لأنور حامد، و«أصابع لوليتا» لواسيني الأعرج، و«دروز بلغراد» لربيع جابر، و«شريد المنازل» لجبور الدويهي، و«السيدة من تل أبيب» لربعي المدهون، و«حارس التبغ» لعلي بدر، بواقع تقييمين لكل عمل: الأول إيجابي، والثاني سلبي. وجميعها يكشف عن تفاوت مذهل في ذائقة القراء، وتقديراتهم التي تكون صادمة أحيانا، تتدخل فيها المواقف الأخلاقية، أو الميول الدينية، أو السياسية، أو يحكمها تدني المستوى الثقافي، أو تخضع لاعتبارات آيديولوجية معينة. هذا لا ينفي في الجانب الآخر، وجود قراءات يتمتع أصحابها بحس نقدي متطور يفوق أحيانا ما يقدمه نقاد محترفون حول الأعمال الأدبية نفسها.

* «يافا تعد قهوة الصباح»، أنور حامد. التقدير العام: 3.54
منحت نبال قندس الرواية 5 نجوم (ممتاز)، وكتبت في 2 يوليو (تموز) 2013: «ما زلت أشعر أنني غارقة في دوامة يافا. أنفاسي ممتلئة برائحة البحر والبرتقال ونسيم يافا - أرض البرتقال الحزين. رواية تفوق حدود الروعة».
لكن القارئ أو القارئة كوينت، لم يمنح/ تمنح الرواية أكثر من نجمة واحدة (أي لم ترق له/ لها). وكتب/ كتبت: «أخذت الكتاب وبدأت أقرأه بلهفة. لكن ومنذ البداية، بدأت أدرك رويدا رويدا، أنني أقرأ تفاهة كبيرة بني مدخلها على تحشيش في مقبرة أموات طاهرة ليلا (بالمناسبة هذا المشهد هو أجمل ما في الرواية - التعليق لكاتب هذه السطور). الأساس الذي بنيت عليه هذه الرواية، من ناحية المستوى الأدبي للكاتب، وخلفيته التاريخية المستند عليهما، ضعيفان جدا جدا».

*«أصابع لوليتا»، واسيني الأعرج. التقييم العام: 3.54
القارئ محمد أرامن، أعطى «أصابع لوليتا» 5 نجوم (امتياز)، فكان سعيدا بقراءتها؛ «لأن واسيني الأعرج أهداني الرواية موقعة بخط يده». أما عن الرواية نفسها، فيقول: «أسرتني لغة الكتابة الساحرة، وتمنيتُ لو أجلت قراءتها حتى الشتاء فستصبح أشهى، هذا بالإضافة إلى الحديث عن باريس والأناقة الباريسية، العطر، المطر، وشارع الشانزلزيه (...) استطاع الكاتب أن يجمع بين الرومانسية والحب، التاريخ، الفن، الإنسانية، والبوليسية. (كذلك جمع) بين الشرق والغرب في كتاب واحد وهذا جميل. برأيي أن تسميتها بـ(أصابع لوليتا) لا يتناسب مع القصة والأحداث، والخاتمة أحزن من الحزن». أما نور باهر، فمنحت الرواية نجمتين من 5، أي مقبول. وكتبت: «لماذا يا واسيني؟ خرجَت روحي وأنا أحاول أن أنهيها. طويلة جدا بلا معنى لطولها. اللغة مدهشة وممتنعة، لكن الإطالة فيما لا طائل منه أشقاني».

* «يوتوبيا»، أحمد خالد توفيق. التقدير العام: 3.96
أعطت نهى بسيوني لهذا العمل التقدير الكامل، 5 نجوم. وكتبت بتاريخ 28 سبتمبر (أيلول) 2014 ما يلي: «رواية سوداء، غير تقليدية بالمرة، مختلفة. بها طابع جديد لم أعهده من قبل. تحمل من الإثارة ما يجعلك تنهيها في بضع ساعات. معانيها جريئة بدرجة عالية. خيالية، لكن أحداثها بالنسبة لهذا الخيال الأسود واقعية جدا».
لكن مها رامية، ذهبت في الاتجاه المعاكس، وأعطت الرواية أدنى درجة، نجمة واحدة. وكتبت في 28 ديسمبر (كانون الأول) 2009 ما يلي: «حاولت في البداية، تجاهل بعض الألفاظ والتلميحات القوية (الخادشة للحياء)، لبعض تنبؤات د.أحمد عما سيحدث في المستقبل في هذه الرواية. وقلت حسنا، هو يحاول أن يوصل لنا بشاعة ما سيكون عليه المستقبل، إذا ما استمر الحاضر كما هو عليه، لكن وصلت لنقطة صار التجاهل معها صعبا، وصرت لا أرى أي استزادة من إكمال قراءتها لذا تركته. لأول مرة أكره شيئا للدكتور أحمد!».

* «دروز بلغراد: حكاية حنا يعقوب»، ربيع جابر. التقييم العام: 3.86
محمد جلال أعطى الرواية 5 نجوم (امتياز)، وكتب في 11 ديسمبر (كانون الأول) 2013 يقول: «رواية أرشحها بشدّة لكل عشاق فن الرواية العربية. من أروع ما قرأت، إن لم تكن الأروع على الإطلاق. كم أعشق أسلوب عرض الخواتيم، ومن ثمّ الخوض في التفاصيل. إنها بداية قراءاتي لهذا الكاتب المبدع، وحتما لن تكون الأخيرة. من أين أتيت بهذه البلاغة وهذا التصوير المبدع يا ربيع؟».
أما علا جدورة فأعطت الرواية نجمتين (مقبول)، وكتبت بتاريخ 3 فبراير 2012: «أحببت فكرة الرواية جدا، وبدأت أقرؤها باستمتاع حتى النصف تقريبا، ثم بدأ الملل. فيها تكرار بالأحداث وتفاصيل مملة ومطوّلة. أحسست بعدها، بشعور الإحباط والانزعاج، ولم أهدأ إلى أن وصلت إلى نهايتها. تمنيت لو تناول الكاتب ما جرى في بيروت من أحداث أيضا، بدلا من التركيز على حياة السجون والمعتقلات وما يجري فيها من مآس وعذاب».

* «شريد المنازل»، جبور الدويهي. التقيدير العام: 3.79
تقديرات هذه الرواية كثيرة، لكن التعليقات عليها قليلة. ياسر ثابت منح الرواية 4 نجوم، أي جيدة جدا.
وكتب: «رواية ممتازة وزاخرة بالتفاصيل المدهشة عن الحياة والحرب، والخوف من الآتي المعلق على حبل المصائر الغامضة. الفصل الثاني ممل بعض الشيء، لكن الرواية متماسكة وجميلة».
أدنى تقدير لهذه الرواية ورد على الصفحة من دون تعليق، كان نجمة، أي لم ترق للقارئ (إس إم إس إم). أما التعليقات، فكان أقلّها تقديرا 3 نجمات، ما يعني جيدة. وقد كتبت رامه سالم تقول في سبب ذلك: «رواية معقولة جدا، لكنها تفتقر إلى الجديد».

* «حارس التبغ»، علي بدر. التقدير العام 3.78
أعطى دايس محمد للرواية 5 نجوم، وكتب في 17 مارس (آذار) 2013: «من النادر ألا تتماهى مع شخوص علي بدر وتشعر تجاهها بتناقضات كثيرة. هو لا يحيّد مشاعرك ولا يحاول هذا الأمر، إنما يرغب في أن يجعلك جزءا من عمله الروائي. هذه هي قيمة الرواية، أن يصبح الإنسان القارئ جزءا من العمل الروائي، جزءا من الحالة الإنسانية المكتوب عنها.
بالإضافة إلى هذا، هو يحاول أن يخلق شخوصا حية قابلة للتصديق ومستعدة بنسبة عالية لأن تجعلك تفكّر بمدى واقعية هذه الشخوص، هل هي حقيقية؟ هل هي أسطورة؟ متى وأين وكيف؟ هل هذا الأمر واقعي فعلا؟».
أما القارئة نادية، فلم تكن راضية عن الرواية، وأعطتها نجمة واحدة. وكتبت في 19 ديسمبر 2012 بالإنجليزية تقول: «لم تقنعني الرواية - كانت منغمسة في النزعات الذاتية والغطرسة. حقيقة لم أتحمس لها. أكره فعلا أن أكتب مثل هذه المراجعة لأي كتاب، خصوصا عندما تكون كتابته قد استغرقت وقتا طويلا والكثير من الجهد».
أخيرا، يشار إلى أن موقع «غود ريدز»، تحوّل، خلال سنوات، إلى مكتبة إلكترونية عامة، تضم ملايين الكتب، واستقطب أكثر من 20 مليون مستخدم.



رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.