عبد الله الخطيب إذ يقدم نصاً تثقيفياً «في الأخلاقيات اللغوية»

ثلاث أوراق مترجمة وقراءة ذاتية

عبد الله الخطيب إذ يقدم نصاً تثقيفياً «في الأخلاقيات اللغوية»
TT

عبد الله الخطيب إذ يقدم نصاً تثقيفياً «في الأخلاقيات اللغوية»

عبد الله الخطيب إذ يقدم نصاً تثقيفياً «في الأخلاقيات اللغوية»

لا يكتفي عبد الله الخطيب، في كتابه الصادر حديثاً عن دار «صوفيا»، بعنوان «في الأخلاقيات اللغوية - مقاربات نظرية وتطبيقية»، بترجمة ثلاثة مقالات حول علاقة اللغة بالمسألة الأخلاقية عن اللغة الفرنسية، بل يقرن ترجمته ببحث تثقيفي ثري عنوانه «الأخلاقيات اللغوية: موضوعها وغايتها». ويبدأ دراسته بحديث احترازي عن معضلات الترجمة المؤكدة، حسب بول ريكور، على «عدم وجود معيار مطلق لما يمكن أن نطلق عليه ترجمة جيدة»، وذلك لانتفاء عملية التطابق فيما يُعرف بالخائنات الجميلات. فكل نص مترجم هو نص ناقص بطبيعته. ومن هذا المنطلق، يورد بعض الأمثلة التي صادفته حول ترجمة مفردة «مهرطق» التي آثرها على كلمة «زنديق» لأسباب موضوعية، إلى جانب لجوئه إلى ترجمة كلمة «أخلاق»، وتعريب مفردة «إيتيقيا». وذلك بالعودة إلى مرجعيات معجمية عربية قديمة، وفضاء الاصطلاحات الحديثة، وكذلك استدعاء مخزونه المعرفي من خارج تلك المقالات.
وفيما يشبه القراءة الذاتية للأوراق الثلاث، يتقدم عبد الله الخطيب في شرح مكنوناتها من الأفكار والرؤى بتسليط الضوء على جهود برنارد قارده في دراسة الأخلاقيات اللغوية، وذلك بفحص السياق المعرفي والآيديولوجي الذي كانت تسير فيه جُلّ أعماله الفكرية، من حيث قدرته على مزج علم اللغة الاجتماعي مع أفكاره اليسارية، وهو الخبير بتحليل الخطاب العُمالي، وتحليل خطابات أرباب العمل. وهو - بتصور الخطيب - الذي أعطى «وبدقة كبيرة، شكلاً دقيقاً محدداً لمسائل تجوال المعنى وإعادة الصياغات»، وهو الذي غير النظرة إلى الممارسات الخطابية لتصبح نوعاً من أنواع الفعل على الذات وعلى الآخر. ولذلك حاول لفت الانتباه إلى «المكون الإيتيقي للممارسات اللغوية المعيارية».
أما بالنسبة للمنهج الذي يتبناه برنارد قارده في مقاربته للأخلاقيات اللغوية، فهو ينطلق من آخر دراسات ميشيل فوكو المتعلقة «بدرجة توافق أعمال الأفراد والمجموعات مع النظم والقيم التي تفرضها السلطات المختلفة، وتاريخ القوانين التي تتناول النظم المختلفة للقواعد والقيم، والسلطات أو الأجهزة التي تعمل على التزام الناس بها»، حيث يؤكد أن ما يربطه بفوكو هو تقليد ومحاكاة المنهج، وعلى ذلك يشير إلى أهمية ومركزية قوله: «إنه من الصحيح أن كل فعل أخلاقي يتضمن علاقة ما بالواقع الذي يُنجز في إطاره، وعلى علاقة بالرمز الذي يرجع إليه، ولكنه يحتوي أيضاً على علاقة معينة مع الذات، وهذه العلاقة ليست مقتصرة على الوعي بالذات، ولكنها تشكيل للذات كفاعل أخلاقي».
ولتسليط الضوء على تعدد زوايا المقاربة الأخلاقية المتعلقة باللغة، يستدعي خدعة «سوكال» الشهيرة، التي أراد بها آلان سوكال، أستاذ الفيزياء في جامعة نيويورك، السخرية من كتابات بعض كُتّاب ما بعد الحداثة، وما تلاها من صدور كتاب «الدجل الفكري» الذي أنجزه بالتعاون مع الفيزيائي البلجيكي بريكمو، حيث المآخذ على مفكري ما بعد الحداثة، المتمثلة في عدم الدقة، والإسراف في إسقاط المفاهيم العلمية، وبذلك يسقط ركن من أركان المعرفة، وهو «التحقق» الذي يراه إدغار موران رابع تلك الأركان إلى جانب: التجريبية، والعقلانية، والتخييل. لينطلق بعد ذلك في شرح علاقة الأخلاقيات اللغوية بالتحقق، التي تكفل للمفكر الفاعلية الأخلاقية من خلال خمسة أبعاد، يأتي في مقدمتها «المعيار»، بما هو عملية انضباطية تنظيمية، وكذلك «الحيادية البنيوية» المتمثلة في الحساسية المفرطة لدى البنيويين تجاه الأحكام القيمية، وإطلاقها على الظواهر الخاضعة للدراسة والتحليل.
بالإضافة إلى ذلك، هناك «مسألة الإلزام الأخلاقي» المستمد من صيغة الإلزام الخُلقي الذي أطرته خديجة جعفر في الاجتماعي المتمظهر في العرف، والديني المتمثل في الأوامر والنواهي، والسياسي المعادل للقوانين الوضعية، والباطني المتجسد في الضمير الإنساني. وكذلك «الآيديولوجيا» التي تشكل مركزية اصطلاحية في خطاب قارده، فالاختيارات النحوية بتصوره «هي حتماً اختيارات آيديولوجية، اختيارات يعلن بها المتكلم التزامه، ويشيد بها علاقته مع الواقع، ومع الآخرين». أما خامس تلك الأبعاد فيتعلق بمسألة «النقاء اللغوي»، حيث الوقوف على الحد الفاصل بين لغة «ممعْيَرة» سليمة ضابطة للسلوك اللغوي للأفراد والمؤسسات، ولغة منتهكة للمعيار لصالح البعد الجمالي.
هذه المقدمة الثرية تشكل مدخلاً تعريفياً بالأخلاقيات اللغوية، أو بمعنى أدق هي دراسة تثقيفية بأبعاد هذا المفهوم، قبل أن يستأنف الخطيب ترجمة ثلاثة مقالات في صميم المفهوم: أولها مقال لبرنارد قارده عنوانه «من أجل دراسة الأخلاقيات اللغوية»، يناقش فيه رؤية فوكو حول «تاريخ الأسلوب الذي ينبغي على الأفراد اتباعه، ليجعلوا من أنفسهم فاعلي سلوكيات أخلاقية»، وتشكيل الذات كفاعل أخلاقي، وتحديداً تكوين الذات كفاعل لغوي، من خلال أداء لغوي مطابق للمعايير، حيث «الكلام الحاسم، والكلام الذي يتحمل قائله مسؤوليته، والكلام المثبت الذي لم يعد موجوداً سوى في السياقات العلمية»، حسب فولوشينوف، أو كما يميل بودريار إلى أن «الأخلاق العالية في الحياة العامة تولّد أيضاً لغة عالية، وأن اللغة تتشوّه على لسان الشخص البذيء».
هنا، يتساءل قارده عمن يستشعر مسؤولية الأخلاقية اللغوية التي تدفعه «للحصول على سلوك لغوي غير السلوك الغريزي، أو ذلك الذي يُملى عليه من الخارج؟»، إذ لا يحضر هذا الهاجس في الأوساط الشعبية، بمقتضى سلامة التعبير المتعلق بالطبقية الاجتماعية، بما في ذلك أولئك الذي تعنيهم مسألة النقاء اللغوي التي قد تؤدي إلى الجمود التعبيري، حيث تتعطل المرونة التي من المفترض أن تحف بما يسميه «النواة الصلبة للغة»، خصوصاً تلك المفردات الطارئة من لغات الآخر، بالنظر إلى أن الفرد يعد نفسه جزءاً من مجموعة اجتماعية، كما يعد ذاته اللغوية مسؤولة عن تماسك اللغة، وهي مهمة تؤدي فروضها «الكتب التعليمية الموجهة نحو الفعالية، بل والتطويع في بعض الأحيان». وفي هذا المفصل تحديداً، ترتفع نوبات النضال ضد المفردات الأجنبية، ضمن إجراء يهدف إلى «تحسن المعلومة اللغوية أكثر من كونه مقاومة للغزو الثقافي الأجنبي». وبذلك، يبرز التساؤل حول هوية أولئك الذين يعدون أنفسهم مستخدمين فاعلين للرموز اللغوية، ومدى علاقتهم بكونهم أبطالاً يدافعون عن ثقافة وطنية.
المقال الثاني لبرنارد قارده أيضاً، وهو بعنوان «هل برناردو قي زميل لنا؟ أو: إسهامات التحقيق في معرفة تداول - تفاعل - الاستقصاء الاجتماعي»، ويتعلق بلفظ «تحقيق»، وذلك ضمن مشروع لاستقصاء «حول بعض الشخصيات النموذجية في مجال البحث عن الحقيقة: المحقق، والشرطي، والقاضي، وكاهن الاعتراف، وربما مهن الاختصاصيين النفسيين على تعددها»، حيث تعتمد هذه المهن على استنطاق شخص غالباً ما يكون متردداً من أجل دفعه للبوح. وهي مهن يتموضع المتخصصون فيها بمساحات صعبة بحثاً عن الحقيقة، بالنظر إلى ما يواجهونه من مقاومة، حيث البحث عن اعتراف، أو عن معلومة مستلة من ذات فاعلة لحدث ما أو شاهدة عليه. وبالتالي، فهي تتعامل مع آليات دفاعية لا شعورية تعاند فعل التلفظ.
إن الذات المستجوبة تقع في منطقة التداول، وهي عرضة لمناهج مصممة من أجل إنتاج تلفظات، أو استيلاد حقائق. وهي ذات لا تمتلك حريتها في رفض الاستجواب دائماً، فهناك «استقصاءات مجتمعية شبه إلزامية، ولا يمكن تجنبها من دون خسائر». وهنا، يمثل بمحاكم التفتيش المقترنة بالتعذيب، مستشهداً بعدد من الكتيبات التي عُمل بها كمناهج للكشف عن معتقدات المهرطق البارع في إخفاء الحقيقة، واستنطاقه بطريقة ممسرحة، يغلب عليها البلاغة اللغوية الساخرة التي تضع الإنسان في موضع التهمة أمام المحقق «لأنه متهم، أو مبلغ عنه، أو لأنه تعرض للوشاية»، إذ تُبين تلك الكتيبات عن مهارة المحققين، وإبراز مهنيتهم العالية في كشف مخاتلات المهرطقين التي تعتمد على الإجابات الغامضة، وأحياناً الإجابة بقلب السؤال، أو بجُمل شرطية، والتظاهر بالمفاجأة، وتحريف الكلام، والتبرير الذاتي، والتظاهر بالضعف الجسماني أو الغباء، وغيرها من الحيل، التي يقابلها المحقق بحيل مضادة، ليتساءل في نهاية مقالته إن كان «المحقق زميل لنا في المهنة؟»، وذلك من خلال قدرته على تبديد عتمة الكلام، واقتطاف الملفوظ المتوخى.
أما المقال الثالث فهو لصوفي موران وريمي بوركيي، وهو بعنوان «من إيتيقيا التسمية إلى إيتيقيا التأويل: حول كلمة رهينة وكلمات أخرى»، حيث يدور الحديث فيه عن امتلاكنا مخزوناً من الكلمات الراسبة في الذاكرة، كلمات نستطيع من خلالها «أن نُعيّن ونصف ونُصنّف موضوعاً أو شخصية ما، أو كياناً معيناً، غير أن اختيارنا لهذه الكلمات دون تلك لا يعتمد فقط على الموضوع، ولا على الشخصية التي نتحدث عنهما. إننا نسمي كذلك من أجل الآخر»؛ بمعنى أننا عندما نسمي فإننا لا نتموضع تجاه الموضوع فقط، بل نتخذ مواقف تجاه تسميات أخرى للموضوع. وهذا هو ما يجعل التفاوض بين المتكلمين حالة من حالات التفاعل اللغوي، الأمر الذي يجعل المتكلم الحامل لصلاحية الكلام في موقع المسؤولية إزاء أي مفردة توصيفية يطلقها.
فعل التسمية هو فعل لغوي أساسي في التواصل الاجتماعي، خصوصاً فيما يتعلق بالخطابات الاستعمالية المتناصة التي تتشكل في وسائل الإعلام، وهو المنحى الذي يعيد التأكيد على كون الاختيارات النحوية اختيارات آيديولوجية. وبمقتضى تلك القاعدة، يمكن فحص خطاب الآخر من الوجهة اللغوية، حيث يتضمن فعل التسمية موقفاً تجاه الشيء يجعل من «الكلمات حلبة الكفاح الاجتماعي». وهذا ما تؤديه وسائل الإعلام في مساراتها الخطابية التي تؤسس لذاكرة مزدحمة بالكلمات ذات المرجعية الآيديولوجية، تؤكد على «أن فعل التسمية يشكل حتماً فعلاً لغوياً». وعلى هذا الأساس، اتخذ المقال من كلمة «رهينة» هدفاً تطبيقياً لكيفية ورودها في عدد من الصحف ضمن شبكة دلالية ونحوية للمفردة المأسورة في فخ الإعلام البلاغي، وذلك لضمان حرية الحركة للكلمات التي ولدت لكي تتجول عبر الزمان والمكان.

- ناقد سعودي



مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
TT

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)

أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، عن مبادرة لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها، وذلك خلال كلمة ألقاها مع ختام «ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي» بمركز الملك فهد الثقافي في الرياض، الخميس.

وشهد الحفل الختامي حضور عددٍ من المسؤولين والشخصيات الثقافية، وقيادات ومنسوبي منظمات القطاع الثقافي غير الربحي، ومنسوبي جهات حكومية ذات العلاقة، ومانحين وداعمين من الأفراد والقطاع الخاص، والمهتمين.

وقال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان في كلمته: «بدعم وتمكين مستمر يحظى به القطاع الثقافي من قيادتنا، نسعد اليوم بختام أعمال ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي، لنحتفي بمسيرة استثنائية لشركاء الأثر».

وأكد أن القطاع الثقافي غير الربحي شهد نقلة تاريخية، في ظل «رؤية المملكة 2030»، واستراتيجية الوزارة له، موضحاً أن عدد منظماته قفز من 30 إلى أكثر من 1650 منظمة، وسجل 20 ألف متطوع مليون ساعة تطوعية، كما أسهمت برامج الدعم التي تجاوزت 340 مليون ريال في تمكينه وتعزيز قدرته على الإنتاج والتأثير.

وأضاف وزير الثقافة السعودي: «قيمنا وإرثنا وثقافتنا تمثل عناصر القوة في القطاع الثقافي غير الربحي، وبفضلها ساهمت المجتمعات المحلية بمختلف مناطق المملكة في ترميم نحو ألف موقع للتراث العمراني».

وأشار الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان إلى أن المبادرة الجديدة تستهدف في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر يتضمن تقديم دعم مالي مماثل لما يقدم من قبل المنظمات غير الربحية لدعم وتمكين ملاك البلدات التراثية الراغبين في ترميم وإعادة تأهيل هذه البلدات على نفقتهم الخاصة.

وأبان أن هذه المبادرة تتوِّج شراكة مميزة وفاعلة بين العمل الحكومي ممثلاً في هيئة التراث، والعمل المجتمعي، للحفاظ على البلدات التراثية في مناطق السعودية، وتحفيز الجهود لتنميتها وإدارتها وتفعيلها وتحويلها إلى روافد ثقافية واقتصادية تسهم في تنمية المجتمعات المحلية، والحفاظ على الهوية العمرانية، مضيفاً أنه سيتم الإعلان عن فتح باب التقديم عليها خلال الربع الرابع من العام الحالي 2026.

واستعرضت الجلسة الختامية للملتقى منجزات القطاع الثقافي غير الربحي منذ إعلان وزارة الثقافة عن استراتيجيته خلال عام 2021، التي تضمّنت عدة مبادراتٍ تطويرية وتمكينية للمنظمات الثقافية غير الربحية. ومن أبرز المنجزات تأسيس جمعياتٍ مهنية واحتضانها، وتسريع عملية نموها، وتطوير منهجية متكاملة لتصحيح أوضاع الأندية الأدبية والجمعيات.

كما تضمنت المنجزات إطلاق برنامج الدعم مقابل الأداء لتمويل مشاريع مختلف فئات المنظمات الثقافية غير الربحية ذات الأثر؛ بما يسهم في تحقيق استدامته. وطوّرت الوزارة إطاراً لتقييم وتصنيف تلك المنظمات على الصعيدين المالي والإداري، وتطوير عدّة جمعيات من خلال تطوير خططها السنوية، وبناء القدرات والمعارف.

وشهد الملتقى على مدى يومين 14 جلسةً حوارية، ناقش فيها مجموعة من الخبراء والمختصين المحليين والدوليين واقع القطاع الثقافي غير الربحي الحالي، ودوره في صناعة المستقبل في ظل التوجُّهات الحديثة، والمستقبل الإنساني المشترك، ودور الثقافة بوصفها قوّةً ناعمة، وأهمية تمكين المنظمات الثقافية غير الربحية لبناء أثرٍ مستدام ثقافياً واقتصادياً.

واستعرض المشاركون نماذج التعاونيات الثقافية، ودور المسؤولية الاجتماعية في تنمية القطاع غير الربحي، بالإضافة إلى آفاقٍ ومساراتٍ مبتكرة للتمويل الثقافي، وأهمية التكامل الفعّال والمستدام، والتعاون الدولي ودوره في التمكين الثقافي، والممكنات والفرص التي تقدمها الوزارة للقطاع ومنظماته، وتطويرها لكفاءتها المؤسسية.

واشتمل الملتقى على عدّة أركان ومبادرات تفاعلية، حيث قدَّم «مختبر المعرفة» مجموعة ورش عمل تطبيقية متخصصة في الحوكمة وقياس الأثر وتنمية الموارد، لتمكين منسوبي المنظمات الثقافية غير الربحية، وأتاحت «جلسات المشورة» فرصة عقد لقاءات إرشادية فردية مع الخبراء، في حين أسهمت «لقاءات 360» في تعزيز التواصل وبناء الشراكات، واستعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة لمنظمات القطاع، وعرّفت «بوابة التمكين» المشاركين ببرامج الدعم وآليات الاستفادة منها.

ويأتي ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي ضمن جهود وزارة الثقافة لتمكينه، ودعم منظماته، لرفع مستوى تأثيرها الثقافي والمجتمعي، وذلك لتحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للثقافة، تحت مظلة «رؤية 2030».


الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
TT

الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)

بعد نجاح مسلسل «فريد»، اتجهت محطة «إم تي في» اللبنانية إلى توسيع تجربة الدبلجة بالعامية المحلية، فاختارت عرض مسلسلي «شراب التوت»، و«المشردون» بصوت لبناني. هذه الخطوة، التي شقّت طريقها بصعوبة في بداياتها، تبدو اليوم أكثر رسوخاً، لتؤكد أن المقولة القائلة بعدم استساغة اللهجة اللبنانية في الدراما المدبلجة ليست دقيقة. فقد تفاعل الجمهور مع هذه الأعمال بإيجابية، ما ساهم في كسر حاجز كان يُعد عائقاً أمام تطوّر هذا القطاع.

وسام بدين بدأ بصناعة الدوبلاج اللبناني من الصفر (وسام بدين)

ومع شركة «ديفكات ستوديوز»، التي يديرها وسام بدين، انطلقت عجلة الدبلجة اللبنانية بشكل فعلي، مستكملة مساراً كان قد بدأه في الثمانينات والتسعينات المخرج نقولا أبو سمح. يومها، فتح الباب أمام دبلجة المسلسلات المكسيكية إلى العربية الفصحى عبر استوديوهات «فيلملي»، واستطاع وضع لبنان على خريطة صناعة الدبلجة، من خلال أعمال أجنبية مدبلجة تركت أثرها لدى الجمهور اللبناني، ولا تزال حاضرة في الذاكرة حتى اليوم. وكان أول عمل هو «السندباد»، ثم توالت المسلسلات المكسيكية مثل «أنت أو لا أحد» و«سوف تدفع الثمن» و«ماريا مرسيدس» وغيرها.

غير أن انتشار الدبلجة باللهجة السورية لاحقاً أدى إلى تراجع حضور «فيلملي»، قبل أن يعيد بدين إحياء هذا المجال عبر تأسيس «ديفكات ستوديوز»، التي انطلقت بأعمال كرتونية وألعاب فيديو وبرامج إذاعية.

لم تولد فكرة الدبلجة باللهجة اللبنانية صدفة، بل جاءت بمبادرة من رئيس مجلس إدارة «إم تي في» ميشال المر، الذي رأى فيها مشروعاً واعداً. وكان «فريد» باكورة هذه التجربة، قبل أن تتوسع لتشمل أعمالاً تركية أخرى مثل «شراب التوت»، و«المشردون». ويؤكد بدين أن التخوّف من اللهجة اللبنانية تلاشى. فقد أبدى الجمهور حماسة لسماعها بأصوات ممثلين محليين، ما أضفى قرباً أكبر على مجريات العمل.

ويشير إلى أن اللهجة اللبنانية، بما تحمله من مرونة وانفتاح، قادرة على مواكبة الأعمال الأجنبية، ولا سيما أنها تتضمن مفردات دخيلة من لغات أخرى، ما يسهل اندماجها في سياقات درامية متنوعة، ولا يحصرها في نطاق الأعمال التركية فقط.

ويعلّق: «يشتهر لبنان بالانفتاح، ولهجته تشكّل نموذجاً حيّاً لتعدد الثقافات. وعادةً ما نستخدم عبارات ومفردات أجنبية، وقد اعتمدنا عليها في صناعتنا لتقديم نموذج واقعي يعكس أحاديثنا اليومية».

أحدث الأعمال المدبلجة المعروضة على «إم تي في» في «المشرّدون» (وسام بدين)

وقد أسهم حضور ممثلين لبنانيين بارزين في إنجاح هذه التجربة، من بينهم خالد السيد، وجمال حمدان، وجناح فاخوري، وتقلا شمعون، وميراي بانوسيان، ووجيه صقر، ورانيا عيسى وغيرهم. في حين يوقّع إخراج هذه الأعمال عدد من الأسماء المعروفة في هذا المجال، مثل رانيا حمندي، ومحمد قدورة، وريتا صبّاغة. وتشرف على تنفيذ هذه الأعمال ريتا نجم.

ورغم هذا النجاح، يلفت بدين إلى أن دعم «إم تي في» يبقى الأساس، داعياً محطات لبنانية أخرى إلى الانخراط في هذه الصناعة، لما توفره من فرص عمل لمئات العاملين في المجالين الفني والتقني. كما يوضح أن تكلفة دبلجة ساعة تلفزيونية أقل بكثير من إنتاج عمل درامي جديد، ما يدفع القنوات إلى اعتماد هذا الخيار في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

يؤكد بدين أن هيكلية هذه الصناعة وأسسها أصبحت راسخة في لبنان، وباتت قادرة على تلبية حاجات أسواق أخرى. ويضيف: «أنا متأكد من أن المشاهد العربي يتقبل اللهجة اللبنانية، ونلمس ذلك من خلال التعليقات التي نتلقاها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فقناة (إم تي في) يشاهدها الملايين خارج لبنان، وأعمالنا المدبلجة باللبنانية تحقق نسب مشاهدة مرتفعة».

وعن مستقبل هذه الصناعة، يقول: «أنا منكب على تطوير هذا المجال منذ فترة طويلة، ولا أترك باباً أو منبراً إلا وأطرقه للترويج له. لكن الأمر لا يتعلق بالتفاؤل أو التشاؤم، بل هو مسار طويل يتطلب المثابرة والجهد والتشجيع. فقد وُلدت هذه الصناعة من الصفر، حتى إننا استحدثنا مترجمين لتقديم نصوص تتلاءم مع خصوصية اللهجة اللبنانية. ونأمل أن تتحسن الأوضاع في البلاد لضمان استمرارية أفضل».

ويختم وسام بدين: «نتطلع أيضاً إلى المنصات والقنوات الإلكترونية، مثل (أمازون) و(إم بي سي) وغيرهما، ونأمل أن تكون قد لاحظت نجاح الدبلجة باللبنانية، فتتجه إليها في إنتاجاتها المستقبلية».


البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
TT

البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)

أخيراً، وبعد أن صار عمره 43 عاماً عثر البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» على أسرته بعدما خطفته من المستشفى سيدة ارتكبت جرائم اختطاف عدة، وتم القبض عليها، لكنها لم تفصح عن أسرته أو مكان اختطافه (أدت دورها في المسلسل الفنانة ريهام عبد الغفور). وظهر إسلام الذي أطلق على نفسه لقب «إسلام الضائع» عبر حسابه بـ«تيك توك» في بث مباشر مساء الأربعاء ليعلن عثوره على أسرته الحقيقية وأنه أخيراً لم يعد ضائعاً بعد تطابق تحليل البصمة الوراثية «DNA» لوالديه معه.

وتحدث إسلام خلال البث مع والدته المصرية، ووالده الليبي الجنسية، اللذين كانا قد اعتقدا أنه مات بعد أن أخبرتهم إدارة المستشفى في الإسكندرية أن طفلهما قد توفي وبعدها سافرت الأسرة إلي ليبيا، وقد أعيته الحيل للوصول إليهم. وكشف إسلام أن اسمه الحقيقي محمد وأن والده ليبي الجنسية، لكنه عاش في مصر وتزوج والدته المصرية، وأضاف أن لديه 20 شقيقاً وشقيقة، وكان قد كشف في تصريحات تلفزيونية سابقة عن إجرائه 55 تحليلاً مع أسر فقدت أبناءها ولم يستدل منها على أسرته.

واقعة خطف إسلام تطرق إليها مسلسل «حكاية نرجس» المأخوذ عن قصة حقيقية، وتصدر «الترند» على منصة «غوغل» الخميس، بعد إعلان إسلام عثوره على أسرته. ويروي المسلسل حكاية نرجس التي تواجه نظرة مجتمعية قاسية لكونها عاقراً، فتنزلق لسيل من الأكاذيب التي تقودها إلي جرائم خطف الأطفال ونسبهم لها وزوجها رسمياً، وتتواصل رحلتها في خطف المزيد منهم والمتاجرة بهم حتى تنتهي حياتها بشكل مأساوي.

ريهام عبد الغفور في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة)

وأدى الممثل يوسف رأفت شخصية «يوسف» التي تعادل شخصية إسلام في الواقع، حيث خطفته نرجس طفلاً وتمسكت بادعاء أنه ابنها. في المسلسل ترفض نرجس إخبار يوسف عن عائلته الحقيقية وتنهي حياتها بالقفز من أعلى بناية لتلقى حتفها وتتركه في حيرته.

ومنذ حلقته الأولى لقي المسلسل تفاعلاً واسعاً وتصدّر استفتاءات «أفضل مسلسل رمضاني»، ونالت بطلته الفنانة ريهام عبد الغفور لقب أفضل ممثلة، وأشاد الجمهور والنقاد ببراعتها وبأداء جميع أبطال المسلسل الذي خاض مخرجه وكاتب القصة سامح علاء من خلاله أولى تجاربه التلفزيونية، بينما كتب المؤلف عمار صبري السيناريو والحوار، وضم بين أبطاله سماح أنور، وحمزة العيلي، وتامر نبيل، وأحمد عزمي.

وأبدى المؤلف عمار صبري سعادته بعثور إسلام على أسرته وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «هذا خبر سعيد للغاية فإسلام هو الضحية الكبرى لهذه القصة وكنت أتابع منذ سنوات رحلة بحثه الطويلة عن أسرته، وإذا كان مسلسل (حكاية نرجس) قد تسبب في إثارة أزمته بشكل ساعد في وصوله لأسرته فهذا هدف نبيل للفن عامة»، وأشار إلى أن المسلسل يحكي قصة نرجس بينما جاءت قصة إسلام كحدث تابع.

وسادت فرحة كبيرة مواقع «السوشيال ميديا» لعثور إسلام على أسرته وأشاد متابعون بمسلسل «حكاية نرجس» لطرحه القصة التي كانت سبباً في إلقاء الضوء على أزمة إسلام، موجهين الشكر لأسرة العمل، فيما طالب بعض الجمهور بتقديم جزء ثانٍ من المسلسل بعد عودة إسلام، ونشرت الفنانة ريهام عبد الغفور عبر حسابها بـ«فيسبوك» خبر عثور إسلام على أسرته وعلقت عليه قائلة «الحمد لله».

إسلام البطل الحقيقي لمسلسل «حكاية نرجس» (فيسبوك)

ويقول عمار صبري عن ذلك: «قصة إسلام تستحق مسلسلاً خاصاً عنها لأنها ذات أبعاد درامية جذابة للغاية لقصة شاب عاش حياته متنقلاً بين أسر مختلفة يظن أن كلاً منها هي أسرته الحقيقية ولكنه يجد نفسه ضائعاً».

وعدت الناقدة الفنية المصرية، ناهد صلاح، أن مسلسل «حكاية نرجس» أول عمل درامي يساهم في عودة مختطف إلى أسرته ويكون عاملاً مهماً في أن يجد الطرفان بعضهما، محققاً رسالة إنسانية مهمة، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «لولا نجاح المسلسل ووصوله إلى الجمهور بهذه الطريقة لم تكن أسرة إسلام قد انتبهت وأجرت التحاليل اللازمة التي أكدت أنه ابنهم».

وأشارت ناهد إلى أن الدراما يمكن أن تكون عاملاً مساعداً ومهماً في قضايا عديدة كاسترداد حقوق وتغيير قوانين، «لكن العثور على مفقودين هي أول واقعة يحققها عمل فني فهناك كثير من الأفلام اللبنانية تناولت المفقودين في الحرب الأهلية اللبنانية ولم يتم العثور عليهم، من بينها الفيلم الروائي (مفقود) للمخرج بشير أبو زيد والوثائقي (خط التماس) إخراج سيلفي باليوت، مما يبرز قوة تأثير الدراما حين يتم تنفيذها بشكل متكامل. وتثير القصة أسئلة عامة عن حوادث خطف الأطفال الموجودة في المجتمع ولعل أقربها واقعة اختطاف طفلة رضيعة من مستشفى الحسين الجامعي قبل يومين».

في السياق؛ ألقت أجهزة الأمن المصرية القبض على السيدة المنتقبة التي اختطفت قبل يومين رضيعة بعد ساعات من ولادتها بمستشفى الحسين الجامعي (وسط القاهرة)، بعد أن تتبع فريق البحث الجنائي عبر كاميرات المراقبة المتهمة حتى العثور عليها بمنزلها بمدينة بدر.

وكانت والدة الطفلة قد أعطتها بحسن نية حسبما ذكرت في التحقيقات لسيدة منتقبة داخل المستشفى لتتمكن من تهدئة الطفلة لكنها غافلت الجميع واختفت في لحظات.

وأكد الإمام الأكبر شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، متابعته الشخصية لتطورات هذ الحادث، باعتباره يخص مستشفى تابعاً لجامعة الأزهر، وأصدر بياناً عبر فيه عن أسفه على اختطاف الرضيعة، موجهاً بضرورة تنسيق الجهود مع الجهات المعنية لسرعة التوصل للطفلة.