عبد الله الخطيب إذ يقدم نصاً تثقيفياً «في الأخلاقيات اللغوية»

ثلاث أوراق مترجمة وقراءة ذاتية

عبد الله الخطيب إذ يقدم نصاً تثقيفياً «في الأخلاقيات اللغوية»
TT

عبد الله الخطيب إذ يقدم نصاً تثقيفياً «في الأخلاقيات اللغوية»

عبد الله الخطيب إذ يقدم نصاً تثقيفياً «في الأخلاقيات اللغوية»

لا يكتفي عبد الله الخطيب، في كتابه الصادر حديثاً عن دار «صوفيا»، بعنوان «في الأخلاقيات اللغوية - مقاربات نظرية وتطبيقية»، بترجمة ثلاثة مقالات حول علاقة اللغة بالمسألة الأخلاقية عن اللغة الفرنسية، بل يقرن ترجمته ببحث تثقيفي ثري عنوانه «الأخلاقيات اللغوية: موضوعها وغايتها». ويبدأ دراسته بحديث احترازي عن معضلات الترجمة المؤكدة، حسب بول ريكور، على «عدم وجود معيار مطلق لما يمكن أن نطلق عليه ترجمة جيدة»، وذلك لانتفاء عملية التطابق فيما يُعرف بالخائنات الجميلات. فكل نص مترجم هو نص ناقص بطبيعته. ومن هذا المنطلق، يورد بعض الأمثلة التي صادفته حول ترجمة مفردة «مهرطق» التي آثرها على كلمة «زنديق» لأسباب موضوعية، إلى جانب لجوئه إلى ترجمة كلمة «أخلاق»، وتعريب مفردة «إيتيقيا». وذلك بالعودة إلى مرجعيات معجمية عربية قديمة، وفضاء الاصطلاحات الحديثة، وكذلك استدعاء مخزونه المعرفي من خارج تلك المقالات.
وفيما يشبه القراءة الذاتية للأوراق الثلاث، يتقدم عبد الله الخطيب في شرح مكنوناتها من الأفكار والرؤى بتسليط الضوء على جهود برنارد قارده في دراسة الأخلاقيات اللغوية، وذلك بفحص السياق المعرفي والآيديولوجي الذي كانت تسير فيه جُلّ أعماله الفكرية، من حيث قدرته على مزج علم اللغة الاجتماعي مع أفكاره اليسارية، وهو الخبير بتحليل الخطاب العُمالي، وتحليل خطابات أرباب العمل. وهو - بتصور الخطيب - الذي أعطى «وبدقة كبيرة، شكلاً دقيقاً محدداً لمسائل تجوال المعنى وإعادة الصياغات»، وهو الذي غير النظرة إلى الممارسات الخطابية لتصبح نوعاً من أنواع الفعل على الذات وعلى الآخر. ولذلك حاول لفت الانتباه إلى «المكون الإيتيقي للممارسات اللغوية المعيارية».
أما بالنسبة للمنهج الذي يتبناه برنارد قارده في مقاربته للأخلاقيات اللغوية، فهو ينطلق من آخر دراسات ميشيل فوكو المتعلقة «بدرجة توافق أعمال الأفراد والمجموعات مع النظم والقيم التي تفرضها السلطات المختلفة، وتاريخ القوانين التي تتناول النظم المختلفة للقواعد والقيم، والسلطات أو الأجهزة التي تعمل على التزام الناس بها»، حيث يؤكد أن ما يربطه بفوكو هو تقليد ومحاكاة المنهج، وعلى ذلك يشير إلى أهمية ومركزية قوله: «إنه من الصحيح أن كل فعل أخلاقي يتضمن علاقة ما بالواقع الذي يُنجز في إطاره، وعلى علاقة بالرمز الذي يرجع إليه، ولكنه يحتوي أيضاً على علاقة معينة مع الذات، وهذه العلاقة ليست مقتصرة على الوعي بالذات، ولكنها تشكيل للذات كفاعل أخلاقي».
ولتسليط الضوء على تعدد زوايا المقاربة الأخلاقية المتعلقة باللغة، يستدعي خدعة «سوكال» الشهيرة، التي أراد بها آلان سوكال، أستاذ الفيزياء في جامعة نيويورك، السخرية من كتابات بعض كُتّاب ما بعد الحداثة، وما تلاها من صدور كتاب «الدجل الفكري» الذي أنجزه بالتعاون مع الفيزيائي البلجيكي بريكمو، حيث المآخذ على مفكري ما بعد الحداثة، المتمثلة في عدم الدقة، والإسراف في إسقاط المفاهيم العلمية، وبذلك يسقط ركن من أركان المعرفة، وهو «التحقق» الذي يراه إدغار موران رابع تلك الأركان إلى جانب: التجريبية، والعقلانية، والتخييل. لينطلق بعد ذلك في شرح علاقة الأخلاقيات اللغوية بالتحقق، التي تكفل للمفكر الفاعلية الأخلاقية من خلال خمسة أبعاد، يأتي في مقدمتها «المعيار»، بما هو عملية انضباطية تنظيمية، وكذلك «الحيادية البنيوية» المتمثلة في الحساسية المفرطة لدى البنيويين تجاه الأحكام القيمية، وإطلاقها على الظواهر الخاضعة للدراسة والتحليل.
بالإضافة إلى ذلك، هناك «مسألة الإلزام الأخلاقي» المستمد من صيغة الإلزام الخُلقي الذي أطرته خديجة جعفر في الاجتماعي المتمظهر في العرف، والديني المتمثل في الأوامر والنواهي، والسياسي المعادل للقوانين الوضعية، والباطني المتجسد في الضمير الإنساني. وكذلك «الآيديولوجيا» التي تشكل مركزية اصطلاحية في خطاب قارده، فالاختيارات النحوية بتصوره «هي حتماً اختيارات آيديولوجية، اختيارات يعلن بها المتكلم التزامه، ويشيد بها علاقته مع الواقع، ومع الآخرين». أما خامس تلك الأبعاد فيتعلق بمسألة «النقاء اللغوي»، حيث الوقوف على الحد الفاصل بين لغة «ممعْيَرة» سليمة ضابطة للسلوك اللغوي للأفراد والمؤسسات، ولغة منتهكة للمعيار لصالح البعد الجمالي.
هذه المقدمة الثرية تشكل مدخلاً تعريفياً بالأخلاقيات اللغوية، أو بمعنى أدق هي دراسة تثقيفية بأبعاد هذا المفهوم، قبل أن يستأنف الخطيب ترجمة ثلاثة مقالات في صميم المفهوم: أولها مقال لبرنارد قارده عنوانه «من أجل دراسة الأخلاقيات اللغوية»، يناقش فيه رؤية فوكو حول «تاريخ الأسلوب الذي ينبغي على الأفراد اتباعه، ليجعلوا من أنفسهم فاعلي سلوكيات أخلاقية»، وتشكيل الذات كفاعل أخلاقي، وتحديداً تكوين الذات كفاعل لغوي، من خلال أداء لغوي مطابق للمعايير، حيث «الكلام الحاسم، والكلام الذي يتحمل قائله مسؤوليته، والكلام المثبت الذي لم يعد موجوداً سوى في السياقات العلمية»، حسب فولوشينوف، أو كما يميل بودريار إلى أن «الأخلاق العالية في الحياة العامة تولّد أيضاً لغة عالية، وأن اللغة تتشوّه على لسان الشخص البذيء».
هنا، يتساءل قارده عمن يستشعر مسؤولية الأخلاقية اللغوية التي تدفعه «للحصول على سلوك لغوي غير السلوك الغريزي، أو ذلك الذي يُملى عليه من الخارج؟»، إذ لا يحضر هذا الهاجس في الأوساط الشعبية، بمقتضى سلامة التعبير المتعلق بالطبقية الاجتماعية، بما في ذلك أولئك الذي تعنيهم مسألة النقاء اللغوي التي قد تؤدي إلى الجمود التعبيري، حيث تتعطل المرونة التي من المفترض أن تحف بما يسميه «النواة الصلبة للغة»، خصوصاً تلك المفردات الطارئة من لغات الآخر، بالنظر إلى أن الفرد يعد نفسه جزءاً من مجموعة اجتماعية، كما يعد ذاته اللغوية مسؤولة عن تماسك اللغة، وهي مهمة تؤدي فروضها «الكتب التعليمية الموجهة نحو الفعالية، بل والتطويع في بعض الأحيان». وفي هذا المفصل تحديداً، ترتفع نوبات النضال ضد المفردات الأجنبية، ضمن إجراء يهدف إلى «تحسن المعلومة اللغوية أكثر من كونه مقاومة للغزو الثقافي الأجنبي». وبذلك، يبرز التساؤل حول هوية أولئك الذين يعدون أنفسهم مستخدمين فاعلين للرموز اللغوية، ومدى علاقتهم بكونهم أبطالاً يدافعون عن ثقافة وطنية.
المقال الثاني لبرنارد قارده أيضاً، وهو بعنوان «هل برناردو قي زميل لنا؟ أو: إسهامات التحقيق في معرفة تداول - تفاعل - الاستقصاء الاجتماعي»، ويتعلق بلفظ «تحقيق»، وذلك ضمن مشروع لاستقصاء «حول بعض الشخصيات النموذجية في مجال البحث عن الحقيقة: المحقق، والشرطي، والقاضي، وكاهن الاعتراف، وربما مهن الاختصاصيين النفسيين على تعددها»، حيث تعتمد هذه المهن على استنطاق شخص غالباً ما يكون متردداً من أجل دفعه للبوح. وهي مهن يتموضع المتخصصون فيها بمساحات صعبة بحثاً عن الحقيقة، بالنظر إلى ما يواجهونه من مقاومة، حيث البحث عن اعتراف، أو عن معلومة مستلة من ذات فاعلة لحدث ما أو شاهدة عليه. وبالتالي، فهي تتعامل مع آليات دفاعية لا شعورية تعاند فعل التلفظ.
إن الذات المستجوبة تقع في منطقة التداول، وهي عرضة لمناهج مصممة من أجل إنتاج تلفظات، أو استيلاد حقائق. وهي ذات لا تمتلك حريتها في رفض الاستجواب دائماً، فهناك «استقصاءات مجتمعية شبه إلزامية، ولا يمكن تجنبها من دون خسائر». وهنا، يمثل بمحاكم التفتيش المقترنة بالتعذيب، مستشهداً بعدد من الكتيبات التي عُمل بها كمناهج للكشف عن معتقدات المهرطق البارع في إخفاء الحقيقة، واستنطاقه بطريقة ممسرحة، يغلب عليها البلاغة اللغوية الساخرة التي تضع الإنسان في موضع التهمة أمام المحقق «لأنه متهم، أو مبلغ عنه، أو لأنه تعرض للوشاية»، إذ تُبين تلك الكتيبات عن مهارة المحققين، وإبراز مهنيتهم العالية في كشف مخاتلات المهرطقين التي تعتمد على الإجابات الغامضة، وأحياناً الإجابة بقلب السؤال، أو بجُمل شرطية، والتظاهر بالمفاجأة، وتحريف الكلام، والتبرير الذاتي، والتظاهر بالضعف الجسماني أو الغباء، وغيرها من الحيل، التي يقابلها المحقق بحيل مضادة، ليتساءل في نهاية مقالته إن كان «المحقق زميل لنا في المهنة؟»، وذلك من خلال قدرته على تبديد عتمة الكلام، واقتطاف الملفوظ المتوخى.
أما المقال الثالث فهو لصوفي موران وريمي بوركيي، وهو بعنوان «من إيتيقيا التسمية إلى إيتيقيا التأويل: حول كلمة رهينة وكلمات أخرى»، حيث يدور الحديث فيه عن امتلاكنا مخزوناً من الكلمات الراسبة في الذاكرة، كلمات نستطيع من خلالها «أن نُعيّن ونصف ونُصنّف موضوعاً أو شخصية ما، أو كياناً معيناً، غير أن اختيارنا لهذه الكلمات دون تلك لا يعتمد فقط على الموضوع، ولا على الشخصية التي نتحدث عنهما. إننا نسمي كذلك من أجل الآخر»؛ بمعنى أننا عندما نسمي فإننا لا نتموضع تجاه الموضوع فقط، بل نتخذ مواقف تجاه تسميات أخرى للموضوع. وهذا هو ما يجعل التفاوض بين المتكلمين حالة من حالات التفاعل اللغوي، الأمر الذي يجعل المتكلم الحامل لصلاحية الكلام في موقع المسؤولية إزاء أي مفردة توصيفية يطلقها.
فعل التسمية هو فعل لغوي أساسي في التواصل الاجتماعي، خصوصاً فيما يتعلق بالخطابات الاستعمالية المتناصة التي تتشكل في وسائل الإعلام، وهو المنحى الذي يعيد التأكيد على كون الاختيارات النحوية اختيارات آيديولوجية. وبمقتضى تلك القاعدة، يمكن فحص خطاب الآخر من الوجهة اللغوية، حيث يتضمن فعل التسمية موقفاً تجاه الشيء يجعل من «الكلمات حلبة الكفاح الاجتماعي». وهذا ما تؤديه وسائل الإعلام في مساراتها الخطابية التي تؤسس لذاكرة مزدحمة بالكلمات ذات المرجعية الآيديولوجية، تؤكد على «أن فعل التسمية يشكل حتماً فعلاً لغوياً». وعلى هذا الأساس، اتخذ المقال من كلمة «رهينة» هدفاً تطبيقياً لكيفية ورودها في عدد من الصحف ضمن شبكة دلالية ونحوية للمفردة المأسورة في فخ الإعلام البلاغي، وذلك لضمان حرية الحركة للكلمات التي ولدت لكي تتجول عبر الزمان والمكان.

- ناقد سعودي



«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)
TT

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)

تُوّجت الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب، أمس (الخميس)، لتجربتها التي وُصفت بأنها «متفردة» وتمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية باحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»، حيث تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية ثيمات الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما عدّه كثيرون «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في كثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، و«إيروس» و«الحلو المر».


محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
TT

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج فنان سعودي يحمل موطنه معه في كل أعماله، يعبر عن بيئة الأحساء التي نشأ فيها بالصور والأفلام القصيرة وبالرسم وبالأعمال التركيبية، يرسم نخلات رشيقات بالفحم على الجدران ويستخدم تراب الواحة الغنية ويحوّله لعناصر حية تتشكل أمامنا وتختزل تلك العلاقة الأبدية ما بين الفنان وموطنه.

في معرضه الفردي الأول في لندن، الذي يحمل عنوان «القلب عش طير والعقل شبكة عنكبوت» يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

من العنوان يبدأ الفرج في حكاية قصص أعماله التي ينسجها من خيوط الذاكرة والمشاعر والقصص، الجزء الأول من العنوان، «القلب عش الطير»، يعبر عن الدفء والانتماء، بينما العقل، «شبكة العنكبوت»، ينشغل بالأفكار وتشابكاتها وتفريعاتها. بعنوان مثل هذا خارج من قلب الطبيعة يبدأ الفرج الرحلة معنا لاستكشاف معرضه.

من الأعمال في المعرض (الشرق الأوسط)

صور الذاكرة

يتحدث الفنان عن عمل يشغل مساحة ضخمة في العرض وهو عبارة عن مجموعة من الصور الفوتوغرافية الضخمة الموضوعة على الأرض بشكل متسق وفي الخلفية صورٌ أخرى تحتل جدار بأكمله.

تحتل صورة بالأسود والأبيض أغلب مساحة الجدار الخلفي، تصور أحد شوارع مدينته، نرى المباني والأشجار على جانب الطريق، هناك سيارات، ولكنها محجوبة بفعل صور أخرى موضوعة أمامها، تتقاطع صور الشارع مع صورٍ أخرى صغيرة مثبّتة فوقها؛ إحداها لمنظر غروب، وأخرى لطائر، وثالثة لشخص يتسلّق نخلةً لجني ثمارها.

صور من الذاكرة (الشرق الأوسط)

نعبر ببصرنا من الخلفية للمقدمة حيث تتناول بقية الصور مشاهد حياتية منها صور لنساء وأطفال على الشاطئ، رجل يجلس في غرفة تقليدية الطراز ولقطات أخرى.

يحمل العمل عنوان «كل ما أملكه هو هذه الإطارات، وأخشى أن أرمش فأفقدها»، يعبر عن الذاكرة ومحاولة الاحتفاظ بها. يصف الفنان الذكريات بأنها مثل «حفنة الرمل التي تتسرب من بين أصابعنا»، ويلجأ للكاميرا لمحاولة تجميد تلك اللحظات في صور، يقول: «أسرتني فكرة وجود أداة أو جهاز في حياتنا يتيح لنا الإمساك بذلك الشيء الذي نحاول التشبث به، رغم أن محاولاتنا غالباً ما تكون دون فائدة». ثم يضيف: «رغم ذلك أرى أن الكاميرا تمثل أعظم محاولة لالتقاط تلك الجوهرة».

تبدو طريقة عرض الصور أمامنا كمحاولة من الفنان لعيش التجربة مرة أخرى: «يراودني دائماً شعور بالإحباط بسبب الطبيعة ثنائية الأبعاد للصورة الفوتوغرافية، أي طريقة تمثيلها للذاكرة؛ إذ أتمنى لو كان بوسعي الدخول إلى داخل الصورة ورؤية عناصرها واحداً تلو آخر. وفي هذا العمل التركيبي نحاول تجسيد تلك الفكرة؛ حيث توجد صورة قد تظنها للوهلة الأولى، عند دخولك الغرفة، صورةً واحدةً متصلة، لكنك تكتشف عند الاقتراب منها أنها في الواقع مجزأة».

النخلات الباسقات وصورة العائلة (الشرق الأوسط)

الذاكرة تحمل أيضا تأثير المزارع والآبار وأشجار النخيل، تنطبع كلها بشكل أو بآخر في المعرض، تحضر أشجار النخيل في أكثر من عمل مرسومةً بالفحم على الجدران، تبدو نخلاته رشيقة، وتتدلّى ثمارها مثل أقراط الأذن كأنه يصور نساء عائلته، يشير إلى عملٍ أمامنا ويقول: «النخلة هي مثل برج ذاكرة بالنسبة لي؛ تمثل الصمود والقوة، وفيها كثير من العطاء... هي تمثل، بالنسبة إليّ، أشخاصاً من عائلتي».

العمل يصور 4 نخلات ويحمل عنوان «صورة العائلة»، يعلق أنه يجد في النخيل صور الأجداد والجدات ثم يضيف: «... والخالات بالذات، حتى من توفي منهن، أتذكرهن بصورة رومانسية جداً لأنهن من عالم ومن ثقافة مختلفة، ولهن اتصال عجيب جداً بالأرض».

حكاية البلبل

ننتقل لعمل منفصل يعتمد على مستطيل مكون من الرمل على الأرض وتنعكس عليه مشاهد فيلمية، يحمل اسم «تمرة المعرفة». ومرة أخرى نجد أنفسنا في الواحة بنخيلها ورمالها وطيورها، هذه المرة عبر الصورة والصوت والحركة.

يروي الفنان بصوته حكاية العمل ونستمع له خلال العرض عبر السماعات الشخصية، فتغدو التجربة ملموسة جداً، فالفنان - الراوي يحكي لنا شخصياً قصة العمل.

جانب من عمل «تمرة المعرفة» للفنان محمد الفرج (الشرق الأوسط)

لمحمد الفرج شغف بالحكايات والقصص والأمثال الشعبية، شغف يظهر في أعماله المختلفة وفي هذا العمل نعرف أن الحكاية من تأليفه هو شخصياً.

بطل قصته هو البلبل الذي نرى انعكاس صورته وهو يقفز على الرمل أمامنا، يقول الراوي: «يسمع البلبل حكاية متداولة تقول إن في كل نخلة تمرةً واحدة تحمل المعرفة الكونية كلها. مدفوعاً بالرغبة في الحصول على المعرفة يبدأ البلبل في أكل جميع الثمار في النخيل، وبالفعل يجد التمرة المنشودة ويأكلها ويحصل على المعرفة كما أراد، ولكنه يكتشف أن المعرفة حمل ثقيل جداً. عندما نعرف كل شيء تتحول المعرفة إلى نقمة. نفقد الدهشة والاكتشاف والفضول. عندما تعرف كل شيء، لا تعود قادراً على تغيير أي شيء».

يشير الفنان إلى فكرة القصة، خطرت له بعد نقاش مع أبناء شقيقته الذين تفاخروا بأنهم بمقدورهم معرفة كل شيء بفضل «تشات جي بي تي»، ويعلق: «الفيلم رسالة لي قبل أن يكون رسالة للناس، بأن لا تحاول أن تتحكم في كل شيء، واترك الحياة تسير بإيقاعها الطبيعي».

بالنسبة للبلبل كانت المعرفة الكاملة حملاً لم يستطع حمله فقرر التخلص منه ولجأ لصديق من الطيور ليساعده: «قال له صديقه تعال معي لنخرج للبرّ وسوف أعلمك ما يجب أن تفعله، هناك في الصحراء الخالية أشعل الصديق ناراً، وقال للبلبل: غرد بكل ما تعرفه في النار فهي سيدة النسيان»، ويغرد البلبل وينسى كل ما تعلمه.

ما تعبر عنه الرمال

في جانب من العرض 3 صور تلعب الرمال فيها دور البطولة، تُظهر تشكيلات مختلفة من الرمل، يطلق عليها الفنان عنوان «الرمال الزاحفة».

الفكرة خلف العمل أيضاً تأخذنا لعالم يعرفه الفرج جيداً، ويرتبط بذكريات الطفولة بشكل كبير: «الأمر بسيط للغاية؛ تأخذ حفنة من الرمل، وترميها في الهواء، وتلتقط صورة لها وهي تشكّل منحوتةً تدوم لجزءٍ من الثانية. هي مستوحاة من لعبة يمارسها الأصدقاء في لحظات اللهو. تتحول اللعبة البسيطة لدى محمد الفرج إلى سؤال عميق يحتاج لإجابة: تمثل (الرمية) السؤال، بينما تمثل الصورة التي تلتقطها للرمال المتساقطة الإجابة. الأمر أشبه بزيارة قارئة الطالع التي ترمي الحجارة لتخبرك بشيء ما؛ وما يتشكل من أشكال هو ما تبحث عنه... إنها سلسلة مثيرة للاهتمام للغاية بالنسبة لي؛ لأن الأشكال الناتجة عنها مذهلة وغير عادية».

«الرمال الزاحفة» ولهو الطفولة (الشرق الأوسط)

نخرج من المعرض محمّلين بصورٍ ومعانٍ وإحساسٍ بأننا زرنا واحة الأحساء عبر مشاعر محمد الفرج ولقطاته وتصاحبنا كلماته: «أنظر إلى مفهومي (الوطن) و(العائلة) بمعناهما الأوسع؛ فالحشرات هي أقاربي المفقودون منذ زمن بعيد والذين يرغبون في العيش على حسابي، والأبقار جيراني الصاخبون الذين بيني وبينهم (خلافات)، أما الطيور فتسأل عن أحوالي دائماً».


آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)
TT

آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)

الإعلان عن فوز الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب»، الخميس، أعاد تسليط الضوء على تجربتها التي تمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية كباحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»؛ إذ تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

الأديب البارز محمد سلماوي عدّ آن كارسون بمنزلة «الشاعرة التي حوّلت الكلاسيكيات إلى مختبر للفكر المعاصر كما خلقت منه أشكالاً إبداعية حديثة، ومن ثم جاء فوزها بجائزة (نوبل) تتويجاً لمسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، ترسخ خلالها اسمها كواحد من أكثر الأصوات الأدبية إثارة للتفكير في عصرنا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «علاقتها بالعالم القديم بدأت في المدرسة الثانوية، عندما وافق مدرس اللاتينية على تعليمها اليونانية خلال استراحة الغداء بناء على طلبها، وقد حصلت على الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية عام 1981، كما درّست الأدب اليوناني واللاتيني في جامعات كبرى مثل ماكغيل وبرينستون».

فوز آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب 2026» (لجنة نوبل)

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية «ثيمات» الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر، مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما اعتبره كثيرون بمنزلة «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في الكثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، وهي مفردة تعني «الليل» باليونانية القديمة، وتستعيد فيه صدمة فقدها شقيقها المقرب منها.

وأعربت كارسون مراراً، عبر تصريحات إعلامية، عن أنها «لا تسعى إلى مجابهة الموت أو تحديه كقدر محتوم يختطف أحباءنا، وإنما تسعى بكل بساطة لأن تصنع من العجز عن مواجهته حالة أدبية خاصة تتميز بالصدق في التعبير عما يكتنف الروح من جراح لا تبرأ بسهولة».

وُلدت الأديبة المتوجة بـ«نوبل» عام 1950 بمدينة تورنتو، ومن أشهر مؤلفاتها «سيرة ذاتية للأحمر» الذي تتناول فيه وحشاً يظهر في أسطورة «هيركليز» الشهيرة بجناحين حمراوين ويبعث على الخوف، لكنه يتحول عبر سطورها إلى كائن يمتلك مشاعر إنسانية، على نحو يدعو للتعاطف معه.

وأشار الشاعر والمترجم المصري عبد الرحيم يوسف الذي ترجم لآن كارسون كتاب «إيروس- الحلو المر»، الصادر 1986، والمأخوذ عن أطروحتها للدكتوراه بعنوان «أحب وأكره إذن أنا موجود»، إلى أنها «تتناول مفهوم الرغبة والعاطفة عند اليونانيين القدماء»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عالمها الإبداعي في نفس الوقت لا ينفصل عن إنسان العصر الذي تناقش أزماته الوجودية بعقل الباحثة وروح الشاعرة».

«إيروس» من الأعمال المترجمة لآن كارسون (غلاف الكتاب المترجم)

وعدّ الناشر المصري محمد البعلي، مدير دار «صفصافة» التي صدر عنها كتاب «إيروس»، فوز كارسون بمنزلة «انتصار للأدب الرفيع والجاد والذي يلامس هموماً حقيقية يعاني منها إنسان العصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنها «لم تراهن يوماً على البعد التجاري، ولم تلهث أمام (الموضات) الأدبية مثل (الأكثر مبيعاً)، وركزت فقط على التعبير عن مشاعرها بصدق».

وأوضح سلماوي أنه «ربما كان أهم ما يميز الأديبة الكندية هو رفضها القاطع للتصنيفات الأدبية، والتي قد يضع عليها البعض لافتة (رواية) أو (شعر)، حيث نجد أنها تدمج القصيدة بالنثر بالمقال بالترجمة بالتصوير الدرامي... فضلاً عن تعاونها مع فنانين بصريين ومصممي رقص ومخرجي أوبرا».

ولفت إلى أنها «دائماً ما كانت تردد أن الأدب ليس وظيفته (تخدير القارئ) وإنما (تحريك عقله)، وربما لهذا السبب بالضبط، بعد أربعين عاماً من الكتابة، لا تزال نصوصها تشعرنا بأننا نقرأ أدباً مختلفاً لم يُكتب من قبل».