إيران 2019... «السير على حافة الهاوية»

عقوبات شاملة طالت خامنئي وظريف والبنك المركزي > تصنيف «الحرس الثوري» على قائمة الإرهاب > طهران تخفض التزاماتها وأوروبا تميل نحو الولايات المتحدة

حاملة الطائرات «يو إس إس نيمتز» التابعة لمجموعة حاملة الطائرات «إبراهام لينكولن» تقدم دعماً لوجيستياً لسفينة الدعم السريع «يو إس إن إس آركتيك» بعد وصولهما إلى خليج عمان في بداية مايو 2019 (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات «يو إس إس نيمتز» التابعة لمجموعة حاملة الطائرات «إبراهام لينكولن» تقدم دعماً لوجيستياً لسفينة الدعم السريع «يو إس إن إس آركتيك» بعد وصولهما إلى خليج عمان في بداية مايو 2019 (أ.ف.ب)
TT

إيران 2019... «السير على حافة الهاوية»

حاملة الطائرات «يو إس إس نيمتز» التابعة لمجموعة حاملة الطائرات «إبراهام لينكولن» تقدم دعماً لوجيستياً لسفينة الدعم السريع «يو إس إن إس آركتيك» بعد وصولهما إلى خليج عمان في بداية مايو 2019 (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات «يو إس إس نيمتز» التابعة لمجموعة حاملة الطائرات «إبراهام لينكولن» تقدم دعماً لوجيستياً لسفينة الدعم السريع «يو إس إن إس آركتيك» بعد وصولهما إلى خليج عمان في بداية مايو 2019 (أ.ف.ب)

تشعبت حلقات التوتر بين طهران وواشنطن وعواصم إقليمية، على مدى عام 2019. مما يجعلها مصدر قلق عالمياً.
ووصل الاتفاق النووي على شفا الانهيار. ولم يسجل أي اختراق ملحوظ في الملف الإيراني على صعيد الشروط الـ12 الأميركية. تدهورت أحوال الاقتصاد الإيراني أكثر مع من أي وقت مضى بعد عام على انسحاب دونالد ترمب من الاتفاق ودخول طهران إلى مسار خفض الالتزامات في إطار انسحاب متدرج من الاتفاق. وتبنت طهران استراتيجية «السير على حافة الهاوية»، فيما أدخلت الولايات المتحدة جرعات زائدة على استراتيجية «الضغط الأقصى» ومعها تلبدت غيوم الحرب فوق المنطقة رغم تأكيد الطرفين الأساسيين التمسك بـ«الصبر الاستراتيجي».
ملفات عديدة برزت في الملف الإيراني خلال 2019. من بينها ملف التجارب الصاروخية، والتدهور الأمني في خليج هرمز، وإعادة العقوبات على طهران، والهجمات على السفن، وأخيراً الاحتجاجات الشعبية على تردي الأحوال الاقتصادية التي راح ضحيتها الآلاف.
وهي ملفات ألقت بظلالها على تدهور الوضع الإقليمي ورسمت معالم تطورات لاحقة سواء في الداخل الإيراني أو في علاقاتها مع المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي.

التجارب الصاروخية
في الشهرين الأولين من 2019 صعدت طهران بشكل كبير على صعيد الملف الصاروخي، وتجاهلت تحذيرات أميركية وأخرى أوروبية من انتهاك القرار 2231 الصادر بعد الاتفاق النووي في مجلس الأمن. وأقدمت على إرسال صاروخ يحمل قمراً صناعياً إلى الفضاء في يناير (كانون الثاني) لكن الصاروخ انفجر قبل وضع القمر في مدار الأرض، ورغم تحذيرات دولية، فشلت تجربة إيرانية في بداية فبراير (شباط). واتفقت فرنسا وأميركا بشأن التكنولوجيا المستخدمة في التجربتين، وقالت إنها صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية، واتهمت إيران بانتهاك القرار الأممي 2231. وأعلنت طهران في فبراير تطوير صاروخ كروز يبلغ مداه ألف و300 كليومتر.
وبين التجربة الصاروخية الأولى والتجربة الثانية، أعلن رئيس الأركان الإيراني محمد باقري أن بلاده انتقلت من استراتيجية الدفاعية إلى الهجومية، معلناً عن استعداد القوات العسكرية الإيرانية لتوجيه ضربات استباقية «إذا وجدت مؤشراً أو دليلاً على اعتداء وشيك ضد إيران».
وفي بداية أبريل (نيسان)، وجه الثلاثي الأوروبي في الاتفاق النووي (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) رسالة إلى الأمم المتحدة، بشأن قلقها المتزايد من الأنشطة الباليستية الإيرانية، وطالبت بتقديم تقرير «كامل وشامل» إلى مجلس الأمن الدولي. وفي بداية ديسمبر (كانون الأول)، عاد الثلاثي الأوروبي لاتهام إيران بتطوير صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية، وذلك في رسالة ثانية إلى الأمم المتحدة خلال 2019.

تدشين الآلية المالية
بعد نحو ثلاثة أشهر على تطبيق المرحلة الثانية من العقوبات الأميركية أعلن الثلاثي الأوروبي في نهاية يناير، تدشين آلية «إينستكس» للتبادل التجاري بغير الدولار وهي عبارة عن خط ائتمان مالي يعوض طهران عن خسائر العقوبات الأميركية، لتكون إيران قادرة على شراء الأغذية والأدوية في البداية قبل أن تتوسع الآلية.
وقال الاتحاد الأوروبي في أكثر من مناسبة أنه يريد إبقاء الاتفاق النووي على قيد الحياة وصرحت مسؤولة السياسة الخارجية، فدريكا موغريني في عدة مناسبات أن الاتفاق النووي «ما زال عنصراً رئيسياً في مكافحة الانتشار النووي، وفق القرار الأممي 2231». لكن الآلية المالية لم تحقق تقدماً ملموساً بسبب المخاوف من تحذيرات واشنطن للشركات الأوروبية من حرمانها من الوصول إلى شبكة المال الأميركية، ومماطلة إيران في الامتثال لمعايير مجموعة مراقبة العمل المالي (فاتف) المعنية بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وجاءت الآلية المالية بعد شهور من تدهور العلاقات الإيرانية مع ألمانيا وهولندا والدنمارك والسويد وبلجيكا وفرنسا على خلفية إحباط عمليتين إرهابيتين في صيف 2018. مما دفع الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات على وزارة الاستخبارات الإيرانية في فبراير 2019.
في مارس (آذار)، اتهم المرشد الإيراني علي خامنئي، الدول الغربية بـ«طعن إيران في الظهر»، بشأن الاتفاق النووي، وقلل من أهمية الآلية المالية ووصفها بـ«المزحة».

مؤتمر وارسو
بموازاة التصعيد الصاروخي الإيراني والمفاوضات الإيرانية الأوروبية لتدشين الآلية المالية، بدأت الولايات المتحدة عام 2019 بسقف عالٍ من الضغوط وأعلنت عن تنظيم مؤتمر وارسو لـ«تشجيع الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط»، بمشاركة نحو 60 دولة لبحث أمن المنطقة والتركيز على إيران بالتزامن مع احتفالات إيران بذكرى مرور أربعين عاماً على الثورة، في منتصف فبراير.
ورغم أن البيان الختامي لم يذكر اسم إيران لكن خطابات نائب الرئيس الأميركي مايك بنس ووزير الخارجية مايك بومبيو تمحورت حول تهديدات أنشطة إيران. وشدد البيان الختامي للمؤتمر على ضرورة التصدي لخطر إنتاج الصواريخ والإرهاب والتطرف وأمن الملاحة البحرية ومخاطر المجموعات المسلحة التي تدين بالولاء لبعض الدول. ووجهت إيران انتقادات لاذعة للمؤتمر واعتبرته عملاً تمهيدياً لتحالف يهدف إلى إسقاط النظام.

تصنيف الحرس الثوري إرهابياً
في الثامن من أبريل اتخذ البيت الأبيض خطوة عملية بضم قوات «الحرس الثوري» إلى 100 كيان إيراني مصنف على قائمة المنظمات الإرهابية.
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن «الحرس الثوري هو أداة الحكومة الرئيسية لتوجيه وتنفيذ حملتها الإرهابية العالمية»، مضيفاً: «يقمع الإيرانيين في الداخل ويمارس الإرهاب في الخارج»، مشيراً إلى أن «قاسم سليماني (قائد فيلق القدس الذراع الخارجي للحرس) هو وزير خارجية إيران الفعلي». وقال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إن الخطوة تساوي بين سليماني وزعيم تنظيم «داعش»، أبو بكر البغدادي، ولوح باللجوء إلى أدوات لوقف التعامل مع «الحرس الثوري»، محذراً الشركات والبنوك الأجنبية.
ولم يمر أسبوعان على تصنيف «الحرس الثوري» حتى أصدر خامنئي مرسوماً بإقالة قائد «الحرس الثوري» محمد علي جعفري وتعيين نائبه حسين سلامي على رأس «الحرس الثوري» الذي أطلق إعادة هيكلة للصف الأول من قيادات الجهاز المتنفذ.
وأثارت الخطوة مخاوف من استهداف القوات والمصالح الأميركية في المنطقة. وقال المبعوث الأميركي الخاص إلى إيران برايان هوك: «إن الحرس الثوري لطالما كان يهدد القوات الأميركية منذ تأسيسه». وأضاف: «كلما فرضت عقوبات على إيران تتبعها سلسلة من التهديدات»، وتحدث عن اعتماد واشنطن نهجاً جديداً كلياً في استراتيجية الضغط الأقصى المستمر لحرمان «الحرس الثوري» والنظام الإيراني من الإيرادات التي يحتاج إليها لإدارة سياسته الخارجية.
جاء الحدث بعد يوم من طلب المرشد علي خامنئي، من رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، العمل على إخراج القوات الأميركية «على وجه السرعة». ورداً على الخطوة الأميركية، اعتبرت إيران القوات الأميركية في المنطقة «جماعات إرهابية» وصادق البرلمان الذي ارتدى أعضاؤه زي قوات «الحرس» على مشروع في هذا الصدد. وهدد الرئيس حسن روحاني بدخول إيران إلى طريق مغاير للاتفاق النووي، ملوحاً بإنتاج أجهزة طرد مركزي متطورة. وقال وزير الخارجية محمد جواد ظريف إن بلاده قد تنسحب من معاهدة حظر الانتشار النووي. وبعد يوم أعلنت الولايات المتحدة إلغاء العمل بإعفاءات مؤقتة كانت قد منحتها إلى أكبر عملاء للنفط الإيراني وهم اليابان والصين والهند وكوريا الجنوبية وتايوان وإيطاليا واليونان وتركيا.

التوتر الإقليمي وتحالف أمن الملاحة
زادت حدة التوتر في الخليج على بعد شهرين من بدء المرحلة الثانية من العقوبات الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، والتي شملت صادرات النفط الإيرانية. توجه رئيس الأركان الإيراني محمد باقري في يناير 2019 إلى جزيرة أبو موسى لتوجيه رسالة للقوات الأميركية في المنطقة وذلك بعد عشرة أيام على عودة حاملة الطائرات «جون سي. ستينيس» واقتراب 30 زورقاً إيرانياً من حاملة الطائرات.
جاء ذلك بعد شهور من تلاسن بين الرئيسين الأميركي والإيراني حول إمكانية إغلاق هرمز في حال منعت الولايات المتحدة صادرات النفط الإيرانية. وبالتزامن مع بدء وقف الإعفاءات النفطية حض خامنئي القوات العسكرية للجهوزية الحربية. وشن قادة «الحرس» حرباً كلامية تضمنت تهديدات بإغلاق مضيق هرمز وعرقلة حركة الملاحة. وقالت إيران إنها مسؤولة عن أمن مضيق هرمز وطالبت القوات الأميركية بمغادرة الخليج.
وفي المقابل أرسلت الولايات المتحدة تعزيزات إلى الخليج، أبرزها مجموعة حاملة طائرات «إبراهام لنكولن» وقاذفات «بي 52» ومنظومة صواريخ «باتريوت» الدفاعية قبل أن ترسل مزيداً من التعزيزات بعد مهاجمة منشأتي «أرامكو» في شمال السعودية منتصف سبتمبر (أيلول)، مما رفع حدة التوتر إلى مستويات غير مسبوقة في المنطقة. وحملت السعودية والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانيا إيران مسؤولية الهجوم.
قبل هجوم «أرامكو»، تعرضت نحو ست سفن إلى هجمات في مياه الخليج بين مايو (أيار) ويونيو (حزيران) وألقت واشنطن بمسؤوليتها على طهران. كما استهدف هجوم بطائرات مسيرة مفخخة خط الأنابيب النفطية الممتد من شرق إلى غرب السعودية. وقالت ميليشيا الحوثي الموالية لإيران إنها نفذت الهجوم بسبع طائرات مسيرة.
وفي 20 يونيو أعلنت إيران عن إسقاط «درون» أميركية من طراز «غلوبال هوك» بصاروخ سطح جو في مياهها الإقليمية قرب مضيق هرمز ونفت الولايات المتحدة أن تكون الطائرة دخلت المجال الجوي لإيران ووصفت الهجوم بأنه «غير مبرر».
في يوليو (تموز) دخلت أزمة الخليج إلى مستويات متقدمة بعدما احتجز «الحرس الثوري» ناقلة نفط ترفع علم بريطانيا يوم 19 يوليو، بعد أسبوعين من احتجاز قوات بريطانية لناقلة نفط إيرانية قرب جبل طارق متهمة إياها بانتهاك عقوبات على سوريا. بعد شهر ونصف أطلقت سلطات جبل طارق الناقلة الإيرانية. ولكن طهران لم تطلق الناقلة البريطانية إلا قبل يومين من توجه الرئيس الإيراني للمشاركة في أعمال الجمعية العامة في الأمم المتحدة.
ودفعت الهجمات على ناقلات النفط واحتجاز الناقلات إلى تحرك أميركي وآخر أوروبي لتشكيل تحالف بحري يهدف إلى حماية أمن الملاحة.
وبعد شهور من مشاورات واشنطن وحلفائها باشر «التحالف الدولي لأمن وحماية الملاحة البحرية وضمان سلامة الممرات البحرية» باسم «سانتينال» مهمته بمقر القيادة المركزية للقوات البحرية الأميركية في البحرين، فيما أعلنت الدول الأوروبية أن تحالفها ستقوده فرنسا وتتخذ من أبوظبي مقراً لها.
وفي الأيام التي شهدت ارتفاع نسبة التوتر فرضت الولايات المتحدة عقوبات على المرشد الإيراني علي خامنئي وكبار مستشاريه وشملت نجله مجتبى خامنئي الذي يرتبط اسمه بـ«الحرس الثوري». وضم الولايات المتحدة قبل ذلك وزير الخارجية محمد جواد ظريف إلى قائمة العقوبات وفرضت حظراً على نشاط الدبلوماسيين الإيرانيين في أراضيها. كما فرضت عقوبات مشددة على البنك المركزي الإيراني.

أربع خطوات من خفض التزامات النووي
مع حلول الذكرى الأولى لانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي بدأت واشنطن استراتيجية منع تصدير النفط الإيراني وفي المقابل لم تقف طهران مكتوفة الأيدي وبدأت خطوات الرد على الإجراءات الأميركية.
وعلى مدى ثمانية أشهر، أعلنت إيران تجميد ثمانية أجزاء من التزاماتها في الاتفاق النووي، في إطار ما وصفته بالانسحاب التدريجي من الاتفاق.
وأعلنت إيران أربع خطوات، ومع إعلان كل خطوة جديدة تقوم طهران بإمهال الدول الأوروبية 60 يوماً للحصول على مطلبين أساسيين تعتبرهما حلاً مؤقتاً لمواجهة منظومة العقوبات، وهي بيع النفط الإيراني وإقامة علاقات بنكية تسمح للتجارة ونقل الموارد النفطية.
في الخطوة الأولى قالت طهران إنها لم تعد تلتزم بعملية بيع المخزون الزائد اليورانيوم المخصب والماء الثقيل. وزاد مخزون إيران من اليورانيوم المخصب إلى 372.3 كيلو غرام، أي بزيادة كبيرة عن الحد الأقصى المنصوص عليه في الاتفاق والبالغ 202.8 كلغ. وفي منتصف نوفمبر، أبلغت الوكالة الدولية للطاقة الذرية دول الأعضاء أن مخزون إيران من الماء الثقيل في مفاعل أراك تخطى عن 130 طناً المنصوص عليه في الاتفاق النووي.
أما الخطوة الثانية، فقد رفعت طهران في بداية يوليو نسبة تخصيب اليورانيوم من درجة 3.67 في المائة القصوى بموجب الاتفاق النووي، إلى 4.5 في المائة، وهددت إيران بإعادة تشغيل أجهزة الطرد المركزي، ورفع مستوى تخصيب اليورانيوم إلى درجة نقاء 20 في المائة في تجاوز لحدود الاتفاق وفتحت الباب أمام التراجع من التزامات منشأة أراك للمياه الثقيلة.
وفي الخطوة الثالثة، أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني في بداية سبتمبر إن بلاده لن تلتزم بأي قيود فيما يتعلق مجال الأبحاث وتطوير أجهزة الطرد المركزي. وأكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن طهران أقدمت على تركيب نحو 60 جهاز طرد مركزي متطور نوع «إي - أر 4» و«إي أر - 5» و«إي أر - 6» في منشأة نطنز، مما يزيد مخزونها من اليورانيوم المخصب.
الخطوة الرابعة: في بداية نوفمبر أعلنت إيران خطوة من شأنها أن تثير الدول الغربية بإعادة أنشطة تخصيب اليورانيوم إلى منشأة فردو، وهو موقع كان سرياً تحت الأرض عثر عليه بناء على تقارير استخباراتية في 2009. وبدأت إيران ضخ غاز يو إف6 (سداسي فلوريد اليورانيوم) في أجهزة الطرد المركزي في فردو في حضور مفتشين من الوكالة الدولية للطاقة الذرية».

موقف أطراف الاتفاق النووي
بعد الخطوة الرابعة، بدأت الأطراف الأوروبية بشكل علني طرح إمكانية إطلاق «آلية فض النزاع» المنصوص عليها في الاتفاق؛ مما يهدد بالاستئناف التلقائي لعقوبات الأمم المتحدة على إيران. وعادت أطراف الاتفاق النووي لمباحثات أكثر حساسية في بداية ديسمبر (كانون الأول). وطالبت القوى الأوروبية إيران بوقف انتهاك الاتفاق النووي، لكن تلك الدول أجلت تفعيل آلية فض النزاع.
وقالت طهران، إنها ستواصل تقليص تعهداتها ما لم يعمل الأطراف الأخرى بالتعهدات وحذرت من نقل ملفها إلى مجلس الأمن.
وبعد تراجع لأشهر، عادت جهود الوساطة إلى الواجهة في الأمتار الأخيرة من عام 2019، وعادت الوساطة السويسرية لتنجح بإبرام صفقة تبادل سجناء في النصف الأول من ديسمبر.
وفي النصف الثاني، سافر الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى طوكيو في وقت قالت مصادر فرنسية، إن الرئيس إيمانويل ماكرون أغلق ملف الوساطة منذ منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) بعدما لم تنجح دعواته للتفاوض بين الطرفين بسبب تمسك طهران برفع العقوبات أولاً.

خطة حكومية لموازنة جديدة ترفع أسعار البنزين وتفجر احتجاجات شعبية

> أعلنت الحكومة الإيرانية في منتصف نوفمبر قراراً مفاجئاً بزيادة أسعار البنزين بين 50 في المائة إلى 300 في المائة، أثار هلعاً بين الإيرانيين الذين يمرون بأوضاع معيشية صعبة جراء أزمة اقتصادية تفاقمت مع إعادة العقوبات الأميركية عقب انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي. وجاء القرار بعد أقل من شهرين على إعلان الحكومة الإيرانية خطة لاعتماد موازنة جديدة دون الاعتماد على عائدات النفط في ظل استراتيجية تتبعها الإدارة الأميركية بمنع صادرات النفط الإيرانية منذ الذكرى الأولى للانسحاب الأميركي من الاتفاق.
وصدم إعلان الحكومة المفاجئ الإيرانيين. ومنذ اللحظات الأولى تناقلت وكالات رسمية صوراً تظهر حالة الهلع في محيط محطات البنزين بطهران ومدن كبرى بأنحاء البلاد.
وفي يوم الجمعة 15 نوفمبر، قطع محتجون طرقاً سريعة في عموم محافظة الأحواز. وتناقلت شبكات التواصل الاجتماعي تسجيلات من نزول المتظاهرين إلى أحياء كبرى وسط مدينة الأحواز، ويرددون هتافات تنادي بتحرك الإيرانيين. وفي الوقت نفسه، نفت السلطات اندلاع نيران بمحطات البنزين. ولكن السبت في 16 ديسمبر امتدت المظاهرات إلى عدة مدن كبيرة وصغيرة على رأسها طهران وشيراز وأصفهان وتبريز وكرمانشاه ومشهد.
وبدأت السلطات قطع الإنترنت، في وقت بدأ ناشطون بنشر معلومات عن تدخل عنيف لقوات الأمن لفتح الطرق السريع بالمدن الكبير، وهو ما أدى إلى تراشق بالحجارة بين المحتجين وأجهزة الأمن. وأظهرت مقاطع إحراق مبانٍ ومقرات تابعة لقوات الأمن، فضلاً عن مئات البنوك ومحطات البنزين. وفي اليوم الثالث تحولت الاحتجاجات إلى مظاهرات منددة بالنظام ودخلت إلى أجواء مشابهة لاحتجاجات واسعة شهدتها أكثر من ثمانين مدينة إيران في نهاية 2017 جراء تدهور الوضع المعيشي وارتفاع الأسعار. وبعد مضي أسبوعين عاد الإنترنت تدريجياً إلى البلاد.
وبعد ثلاثة أسابيع على الاحتجاجات، المفوضية العليا لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة أعلنت الجمعة استناداً إلى «تقارير» أن لديها «معلومات تشير إلى مقتل 208 أشخاص على الأقل» خلال الاحتجاجات، مما يدعم عدد القتلى الذي سبق أن قدمته منظمة العفو الدولية. وقالت إن ما لا يقل عن سبعة آلاف شخص تم اعتقالهم في إيران.
واتهمت الأمم المتحدة قوات الأمن الإيرانية بإطلاق النار على المتظاهرين. هناك أيضاً تقارير لم تتمكن مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة من التحقق منها حتى الآن تشير إلى مقتل أكثر من ضعف هذا العدد».
وقالت المفوضة العليا لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة ميشيل باشليه إن شريط الفيديو الذي حصل عليه مكتبها يظهر «استخدام عنف شديد ضد المحتجين». وأضافت: «تلقينا أيضاً لقطات تظهر على ما يبدو قوات الأمن تطلق النار على متظاهرين غير مسلحين من الخلف بينما كانوا يفرون وتطلق النار مباشرة على الوجه والأعضاء الحيوية... بعبارة أخرى يطلقون النار لقتلهم».
ولاحقاً، نقلت وكالة «رويترز» عن ثلاثة مصادر مسؤولة في وزارة الداخلية، أن المرشد علي خامنئي جمع كبار المسؤولين في أجهزة الأمن والحكومة بحضور الرئيس حسن روحاني، بعد 48 ساعة من بداية الاحتجاجات الأخيرة في إيران، وأصدر بنفاد صبرٍ أوامر لهم: «افعلوا ما يلزم لوضع حد لها».
ونقلت «رويترز» عن مسؤولين، أن 1500 شخص سقطوا قتلى خلال الاحتجاجات ومن بين القتلى 17 في سن المراهقة، ونحو 400 امرأة، وبعض رجال الأمن والشرطة.
وأعلن المرشد علي خامنئي تأييده لقرار رفع زيادة البنزين الذي اتخذته اللجنة الاقتصادية العليا في البلاد وهي تضم رئيس القضاء ورئيس الحكومة ورئيس البرلمان. كما تصدى لتحرك نواب البرلمان الذين حاولوا عرقلة القرار.
وأطلق المسؤولون الإيرانيون تسميات مثل «الأشرار» و«مثيري الشغب» على المحتجين، كما وصفوا الاحتجاجات بـ«الحرب العالمية» و«المؤامرة الكبيرة» و«الفتنة».
ويرتبط سعر البنزين ارتباطاً وثيقاً بأسعار السلع والخدمات في إيران. وشكلت زيادات سعر البنزين في السابق موجات غلاء أدى بعض منها إلى نزول الإيرانيين في الشارع.
وتتطلب خطة الحكومة زيادة مواردها الداخلية وخفض الأنفاق وتكاليف الدوائر الحكومية، إضافة إلى رفع أسعار الوقود والخدمات العامة والضرائب. وقالت الحكومة إنها تريد تقليص الحكومة وإلغاء بعض المؤسسات والأجهزة. وفي المقابل وعدت بزيادة الدعم لذوي الدخل المحدود.
وواجهت الحكومة الإيرانية نقصاً يقدر بنحو عشرة مليارات دولار في موازنة 2019.
وشهدت العملة الإيرانية استقراراً نسبياً بعدما مرت بأيام صعبة منذ بداية عام 2018 ولكنها بلغت مستويات قياسية 190 ألف ريال للدولار الواحد في الشهور الأولى من إعادة العقوبات الأميركية، وعادت العملة للتراوح على مدار عام 2019 بين 100 ألف ريال و130 ألف ريال كحد أقصى.


مقالات ذات صلة

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

حصاد الأسبوع تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب

أحمد جمال (القاهرة)
حصاد الأسبوع صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع الدكتور محمد يونس (آ ب)

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.