قطاع غزة... الدوران في حلقة مفرغة

قطاع غزة... الدوران في حلقة مفرغة

تقدم مهم على الأرض أشعل مخاوف رام الله حول لعبة كبيرة قد تجر غزة إلى الفصل التام
الأحد - 3 جمادى الأولى 1441 هـ - 29 ديسمبر 2019 مـ رقم العدد [ 15006]

بدأ عام 2019 مثلما انتهى، مترنحاً بين المواجهة والهدنة، لكن مع تقدم مهم على الأرض أشعل مخاوف متصاعدة في رام الله حول لعبة ما كبيرة، قد تجر غزة إلى فصل تام.

تعود مشكلة إسرائيل مع غزة حتى ما قبل احتلالها عام 1967. عندما كانت تحت الحكم المصري. إذ تردد ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، في احتلال القطاع بعد حرب 1948، قبل أن يعود بعد 7 سنوات، أثناء حملة سيناء، لاحتلال القطاع بشكل لم يدم طويلاً، حتى عاد واحتله وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان عام 1967.

في عام 1987، أطلق قطاع غزة شرارة الانتفاضة الشعبية الأولى، وغداً مصدر إزعاج كبير للدولة النووية إلى الحد الذي تمنى معه رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين، أن يستيقظ يوماً ويجد غزة قد غرقت في البحر.

لم تغرق غزة ورمتها إسرائيل في حضن السلطة الفلسطينية عام 1994 على أمل أن تتحول هذه السلطة إلى شرطي على الحدود، لكن كان هذا بمثابة وهم جديد. إذ اضطرت إسرائيل إلى شن أولى عملياتها العسكرية ضد غزة بعد تسليم السلطة لها بنحو 8 سنوات، وتحديداً في نهاية أبريل (نيسان) 2001. وبعد عدة حروب انسحبت إسرائيل في 2005. من قطاع غزة ضمن خطة عرفت آنذاك بـ«خطة فك الارتباط الأحادي الجانب». وفي 25 سبتمبر (أيلول) 2005 شنت إسرائيل عملية «أول الغيث»، وهي أول عملية بعد خطة فك الارتباط بأسبوعين.

ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم شنت إسرائيل ما لا يقل عن 10 حروب ومواجهات مع القطاع، دون أن يتبلور في تل أبيب قرار حاسم في كيف ستتصرف مع المنطقة التي يحلو للإعلام الإسرائيلي تسميتها بـ«طنجرة الضغط».

لكن تغييراً مهماً بالنسبة للبعض ومقلقاً لآخرين، سجل هذا العام ولا يمكن التغاضي عنه. لقد اعترف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قبل أسابيع قليلة من إسدال الستار على 2019. بأن محادثات تجري على قدم وساق من أجل تحقيق هدنة طويلة الأمد مع «حماس» في قطاع غزة. وقال نتنياهو: «هم لن يعترفوا بنا، ونحن لن نعترف بهم، لكن هناك فرصة لإحراز اختراق في مفاوضات الهدنة، وهم يدركون أنهم لن يتخلصوا منا».

وتصريح نتنياهو شخصياً، شكل دعماً كبيراً لكمّ من المعلومات المتدفقة حول مباحثات تهدئة طويلة الأمد بين إسرائيل و«حماس» التي تسيطر على القطاع، وبشكل غير مسبوق، امتنعت إسرائيل خلال المواجهة الأخيرة عن دعم حركة الجهاد الإسلامي مقابل إسرائيل، وهو الأمر الذي التقطته إسرائيل كبادرة حسن نية من قبل «حماس»، تلاها فوراً البدء في إقامة مستشفى أميركي ميداني على الأرض.

لقد كان مفاجئاً لكثيرين أن «حماس» تركت الجهاد وحيدة في مواجهة قصف إسرائيلي عنيف ومتواصل تلا اغتيال أحد قادتها، كما كان مفاجئاً أن الولايات المتحدة التي قطعت كل مساعدات ممكنة للفلسطينيين، سمحت بتحويل جزء من هذه المساعدات إلى قطاع غزة، عبر بناء مستشفى ميداني هناك.

لم يقف الأمر عند ذلك. بل أوعز وزير الجيش الإسرائيلي نفتالي بينيت لكبار قادة جيشه بفحص جدوى وإمكانية إقامة ميناء بحري قبالة سواحل قطاع غزة. وذكرت القناة «12» العبرية أن بينيت طالب الجيش بتقديم ورقة موقف من إنشاء ميناء بحري في قطاع غزة بالإضافة لإقامة مطار دولي هناك. والتقى بينيت وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس الذي كان صاحب فكرة الميناء البحري قبالة سواحل القطاع، سعياً لتحريك المياه الراكدة.

ويفترض أن يقدم الجيش بداية 2020 ورقة تقدير بهذا الخصوص وستشمل الجوانب العسكرية والأمنية. وتحظى الخطوة، وفقاً للقناة، بدعم أميركي كذلك باعتبارها بارقة أمل لتحسين الأوضاع في القطاع وفتحه على العالم الخارجي في تحركات دقت ناقوس الخطر لدى القيادة الفلسطينية.

كل هذه المؤشرات العملية، دقت ناقوس الخطر في رام الله وجعل السلطة الفلسطينية تتهم «حماس» بالعمل على قتل حلم الدولة الفلسطينية. لم تكن أول مرة تتهم فيها السلطة «حماس» بالسعي لإقامة دويلة أو إمارة في القطاع، لكنها هذه المرة اتهمتها بالتورط في خطة صفقة القرن الأميركية.

وقال رئيس الوزراء الفلسطيني، محمد أشتية، «إن المستشفى الأميركي المعلن تنفيذه على حدود غزة والمدن الصناعية والموانئ والجزر العائمة تجسد المخطط الأميركي الرافض للتعامل مع المطالب السياسية والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني». وفيما اتهم مسؤولون في السلطة و«فتح» حركة «حماس» بالتنسيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل لإقامة مستشفى يخدم أهدافاً عسكرية، تعهد الرئيس الفلسطيني محمود عباس شخصياً بمنع المستشفى ومشاريع أخرى في غزة لأنها تأتي ضمن صفقة القرن. لكن «حماس» لم تتراجع قيد أنملة.

وأقرت الحركة أن المستشفى الدولي جزء من التفاهمات التي تمت برعاية مصرية والأمم المتحدة، بهدف التخفيف من الأوضاع الصحية الصعبة في قطاع غزة. ردت «حماس» الهجوم بالهجوم، واتهمت السلطة بحصار القطاع، ثم ذهب قادتها إلى مصر من أجل مفاوضات حول التهدئة.

وقال الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري: «إذا أردنا أن نفسر ما يجري، نقول إن (حماس) تعطي الأولوية لاستمرار سيطرتها في قطاع غزة، على كل ما عداه، لا سيما أن هناك أوساطاً فيها تتوهم بأن قطاع غزة بات محرراً، أو على وشك أن يصبح كذلك (وهذا غير صحيح، فالقطاع رغم حرية الحركة داخله لا يزال أكبر وأطول سجن في التاريخ)، وأنه يمكن أن تقام فيه الدولة الفلسطينية الموعودة كخطوة على طريق مدها إلى الضفة ثم إلى بقية فلسطين، متجاهلاً أن الذي قبر الدولة الفلسطينية في الضفة لن يساعد على قيامها في قطاع غزة».

ويرى المصري أن المطروح إسرائيلياً هو قيام كيان في غزة لا يملك من مقومات الدول شيئاً، وقيامه ثمن للتخلي عن القضية الفلسطينية، وبشكل خاص التخلي عن الضفة التي يراد استكمال تهويدها وضم معظمها. مضيفاً: «هذا المصير لا تتحمل مسؤوليته (حماس) وحدها، بل تتحمل القيادة الفلسطينية المسؤولية الأولى عنه».

لكن هل تعقد إسرائيل و«حماس» الهدنة الطويلة فعلاً في العام الجديد؟ يقول بروفسور العلوم السياسية إبراهيم أبراش، إنه «ليس من حق حزب لوحده أن يقرر مستقبل ومصير القضية الوطنية ويختزلها في أقل من 1.5 في المائة من مساحة فلسطين، كما ليس من حقه أو من صلاحياته التصرف بحق المقاومة وهو حق تمنحه كل الشرعيات الدينية والوضعية للشعوب الخاضعة للاحتلال، والهدنة التي يجري الحديث حولها لن تلزم إلا من يوقع عليها ومن حق الشعب الفلسطيني مواصلة المقاومة بكل أشكالها ضد إسرائيل. وواهم من يعتقد أن دويلة غزة التي ستعيش على المساعدات الخارجية ستشكل قاعدة ومنطلقاً لتحرير بقية فلسطين».

وأضاف: «للتذكير فعندما أعلنت حركة فتح ومنظمة التحرير عن قبولهما بدولة في الضفة وغزة على مساحة 22 في المائة وعاصمتها القدس، ارتفعت الأصوات تُخون (فتح) والمنظمة والرئيس أبو عمار وجرت انشقاقات داخل المنظمة وداخل حركة فتح لهذا السبب، وانهالت صواريخ الرافضين للتسوية السياسية على إسرائيل وتزايدت عملياتهم العسكرية داخل إسرائيل وفي كل الأراضي المحتلة. فكيف لمن رفض دولة على مساحة 22 في المائة أن يقبل بدويلة على مساحة تقل عن 1.5 في المائة من مساحة فلسطين؟ وكيف لفصائل ناضلت عسكرياً طوال أكثر من خمسين عاماً من أجل تحرير فلسطين أن تقبل بوقف المقاومة وبكيان هزيل في غزة أو تصمت على ما يجري؟».

على أي حال يبقى مصير الهدنة معلقاً بما ستفرزه الانتخابات الإسرائيلية وإلى أي مدى ستستطيع «حماس» السيطرة على تنظيمات أخرى لا تريد الذهاب إلى تهدئة طويلة. إنها مسألة متعلقة بحسابات سياسية أو بصاروخ منفلت قد يعيد الجميع في أي لحظة إلى نفس الحلقة المفرغة. الحلقة التي تفضلها إسرائيل لإدامة أمد الانقسام.


حصاد

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة