المغرب... مهرجانات ومعارض وإصدارات وجوائز... ورحيل فنانين وأدباء

الجمع بين قطاعات الثقافة والرياضة والشباب في حقيبة واحدة

من جداريات أصيلة
من جداريات أصيلة
TT

المغرب... مهرجانات ومعارض وإصدارات وجوائز... ورحيل فنانين وأدباء

من جداريات أصيلة
من جداريات أصيلة

حافظت 2019 على إيقاع العرض الثقافي، سواء تعلق الأمر بالمظاهرات ذات الصيت الدولي، أو مواعيد الاحتفاء بالنبوغ والتميز الأدبي، فضلاً عن تواصل وتيرة النشر بطرح عدد من الكتاب والمؤسسات جديدهم الأدبي. كما تميزت السنة بتعيين الحسن عبيابة وزيراً جديداً للثقافة، خلفاً لمحمد الأعرج، مع مستجد يتمثل في الجمع بين قطاعات الثقافة والرياضة والشباب في حقيبة واحدة.
وتأكيداً للغنى الذي يميز الثقافة المغربية، بخلفيتها الحضارية في بعدها الكوني، وافقت اليونيسكو على تسجيل فن «كناوة» كتراث ثقافي إنساني غير مادي.
وبقدر ما أكدت هذه المواعيد، وغيرها، حيوية ودينامية مغرب متنوع وغني بثقافته ومثقفيه، فقد أبت 2019 إلا أن تترك حزناً في النفوس، بعد رحيل عدد من الأسماء التي تميزت بمسارها الأدبي والفني.
- مهرجانات
نظمت، في 2019، بعدد من المدن المغربية، مهرجانات ذات صيت عالمي. ففي أصيلة، حافظ «موسم أصيلة الثقافي الدولي»، في دورته الـ41، على روح وتوجه هذه التظاهرة المتميزة، التي تحولت إلى موعد سنوي غني بقيمة وتنوع برامجه وراهنية القضايا التي تطرح للنقاش، بمشاركة نوعية لفاعلين من عوالم السياسة والفكر والفن والأدب، من مختلف مناطق العالم. وتضمن برنامج دورة هذه السنة فقرات متناغمة المضامين، شملت الدورة الـ34 لجامعة المعتمد بن عباد الصيفية، ومشغل التعبير الأدبي وكتابة الطفل، ومشاغل الفنون التشكيلية، التي تشمل الصباغة على الجداريات ومشغل الفنون التشكيلية، فضلاً عن مشغل بيداغوجي لتدريب الأطفال على ممارسة الرسم والصباغة، ومعارض، وعروضاً موسيقية وغنائية.
وفي مراكش، كرم المهرجان الدولي للفيلم، في دورته الـ18، أربعة أسماء سينمائية متميزة: الأميركي روبرت ريدفورد، والممثلة الهندية كيارا ماستروياني، والمخرج الفرنسي برتراند تافيرنييه، والممثلة المغربية منى فتو؛ كما كرم السينما الأسترالية. فيما منحت لجنة تحكيم المسابقة الرسمية للدورة، برئاسة الأسكوتلندية تيلدا سويتون، الجائزة الكبرى للمهرجان لفيلم «وادي الأرواح» للمخرج الكولومبي نيكولاس رينكون خيل.
وواصلت الصويرة، احتضانها لمهرجاناتها الموسيقية، فتحت عنوان «عندما يدعونا حوار الثقافات للقيام برحلة»، حافظت الدورة الـ22 لمهرجان «كْناوة وموسيقى العالم»، على عادة هذه التظاهرة في استقطاب جمهور غفير ومتنوع، غصت به جنبات مختلف الفضاءات التي احتضنت الحفلات الـ40 التي تضمنها البرنامج، فضلاً عن فقرات التكريم والورشات و«شجرة الكلمات» وفعاليات الدورة الثامنة من «منتدى الصويرة لحقوق الإنسان» الذي ناقش «قوة الثقافة في مواجهة ثقافة العنف».
وشهدت الدورة الـ16 لمهرجان «أندلسيات أطلسية»، برمجة 15 حفلاً موسيقياً أبرزت «نبل التراث الموسيقي اليهودي العربي». فيما اقترحت الدورة الـ19 لمهرجان «ربيع الموسيقى الكلاسيكية» أمسيات، تحت عناوين «بيتهوفن المندفع»، و«فيفالدي الممجد»، و«مندلسون المحموم»، و«برامز الإنساني»، و«شوبير الشاعر»، و«متخيل روبير شومان»، و«الجنون البهي لساتي».
وفي فاس، واصل مهرجان الموسيقى العالمية العريقة مسيرته، رافعاً، في دورته الـ25، شعار «فاس في ملتقى الثقافات»، مقترحاً فقرات موسيقية متنوعة، افتتحت بحفل مبتكر تحت عنوان «فاس ذاكرة المستقبل».
وفي الرباط، واصل مهرجان «موازين... إيقاعات العالم»، في دورته الـ18، استقطاب أبرز نجوم الغناء في العالم؛ حيث تابع عشرات الآلاف، حفلات فنانين مغاربة، وعرب وغربيين.
وفي مراكش، اقترح المهرجان الوطني للفنون الشعبية، الذي يعنى بالتراث الفني غير المادي في المغرب، «الثروة والتنوع في التراث الثقافي الوطني» شعاراً لدورته الـ50، التي شهدت مشاركة فرق مغربية وأجنبية.
وأعاد الفنان اللبناني مارسيل خليفة جمهور مهرجان الشعر المغربي، في دورته الثانية، التي نظمتها «دار الشعر» بمراكش، إلى أيام «ريتا» و«البندقية»، وحقيقة القصيدة والأغنية، في زمن الإبداع الملتزم. فيما كان الموعد، في تطوان، مع «مهرجان الشعراء المغاربة»، في دورته الثالثة، التي نظمتها «دار الشعر»، وتميزت بحفل افتتاح أحيته الفنانة اللبنانية أميمة الخليل، فضلاً عن فقرات تكريمية وشعرية ونقدية متنوعة. كما احتضنت المدينة ذاتها المهرجان الوطني للمسرح، في دورته الـ21؛ التي أسفرت نتائج مسابقتها عن فوز مسرحية «يرما - سماء أخرى»، لفرقة «أكون للثقافات والفنون» من الرباط، بـ«الجائزة الكبرى».
- فنون تشكيلية
واصلت المتاحف والأروقة المغربية اقتراح معارض فنية، أكدت الدينامية التي يشهدها المشهد التشكيلي المغربي. ومن بين عشرات المعارض المقترحة بمختلف جهات المغرب، يمكن التوقف، مثلاً، عند المعارض، التي اقترحها «متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر» بالرباط، من قبيل «ملحُ أرضي»، تكريماً للفنان المغربي الراحل حسن الكلاوي، أحد الرواد المؤسسين للفن التشكيلي بالمغرب؛ أو المعرض الجماعي «أضواء أفريقيا»، بمشاركة 54 فناناً أفريقياً، تقاطعت أعمالها عند موضوع الطاقة وتحدياتها بأفريقيا، وفق رؤية تقوم على تنوع وقوة وتميز الفن الأفريقي المعاصر، كما تدفع إلى التفكير في تحديات تنمية القارة؛ أو معرض «ألوان الانطباعية... أروع الأعمال الفنية لمتحف أورساي»، الذي يعد أول معرض انطباعي يعبر ضفتي المتوسط.
- إصدارات
حافظ الكتاب المغربي على دينامية نشره وتداوله، سواء داخل أو خارج البلد، من خلال منجز بقدر ما توزعته مختلف أجناس الكتابة أظهر أن جديد النشر المغربي وجِدّتَهُ تتقاسمه الأسماء المكرسة والصاعدة، على حد سواء. كما استأنفت مجلة «المناهل»، التي يصدرها قطاع الثقافة، مسيرتها، بعد 6 سنوات من الغياب، في سلسلة جديدة، وتحت إشراف إدارة جديدة، فيما واصل «بيت الشعر في المغرب» اقتراح جديده على مستوى النشر، تمثل في 14 كتاباً، في مجالي الترجمة والدراسات النقدية.
- بعد كوني
شهدت 2019 موافقة اللجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي اللامادي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو)، على تسجيل فن «كناوة» كتراث إنساني ضمن اللائحة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي؛ وهو التسجيل الذي رأت فيه وزارة الثقافة والرياضة والشباب المغربية أنه «أبرز الخصائص التاريخية والفنية والاجتماعية المميزة لهذا الفن»، كما «أبرز الجهود المبذولة للتعريف به والمحافظة عليه وتثمينه وضمان نقله للأجيال الصاعدة».
وبتسجيله ضمن قائمة التراث الثقافي اللامادي الإنساني، ينضاف فن «كناوة» إلى 6 عناصر أخرى للتراث المغربي مسجلة على قائمة هذا التراث، هي «الفضاء الثقافي لساحة جامع الفنا»، و«موسم طانطان»، و«الحمية المتوسطية»، و«الصيد بالطيور الجارحة»، و«مهرجان حب الملوك»، و«الممارسات والدرايات المتعلقة بشجر الأركان» و«رقصة تسكوين».
- حصاد جوائز
شكل حفل تسليم الجوائز للفائزين بجائزة المغرب للكتاب (دورة 2019)، بالرباط، فرصة لتقدير عطاءات المتوجين في مجالات الإبداع الأدبي والبحث والترجمة، ودعم الإبداع والمبدعين.
وتوزعت الجوائز على 8 أصناف، شملت الشعر، والسرد، والعلوم الاجتماعية، والدراسات الأدبية والفنية واللغوية، والترجمة، والدراسات في مجال الثقافة الأمازيغية، والإبداع الأدبي الأمازيغي، والكتاب الموجه للطفل والشباب، في وقت تم فيه حجب الجائزة الخاصة بصنف العلوم الإنسانية.
من جهتها، ذهبت جائزة «الأركانة» العالميّة للشعر لعام 2019، في دورتها الـ14، التي يَمنحُها «بيت الشعر في المغرب»، إلى الشاعر الأميركي تشارلز سيميك، الذي «يبدو مَسارُهُ الكتابيّ، الذي يَمتدُّ لأكثر مِنْ نصف قرن، كما لو أنّهُ يَنمو مُحَصَّناً ضدّ كلّ تصنيف جامد»، والذي بقدر ما تنفُذُ قصائدُه إلى آلامِ الإنسان وأهوال الحياة، تنطوي على «بُعدٍ ميتافيزيقي يَخترقُها ويَكشفُ فيها عمّا يفيضُ عن الواقعي وعمّا يُؤمِّنُ للمعنى سَعَتَهُ وشُسوعه وتَعَدُّدَ مَساربه».
- معرض النشر والكتاب
اقترح المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء، في دورته الـ25، برنامجاً متنوعاً، تضمن استضافة مملكة إسبانيا كـ«ضيف شرف»، ومشاركة أزيد من 720 عارضاً مباشراً وغير مباشر، من 42 بلداً، قدموا رصيداً وثائقياً جاوز 128 ألف عنوان. فيما شكل البرنامج الثقافي العام، فضاءً للنقاش الحر ولتداول الأفكار، بمجموع فقرات ناهز 1077 نشاطاً، موزعاً ما بين 473 ندوة ومائدة مستديرة، و320 توقيعاً لكتاب، و280 نشاطاً للطفل، و4 معارض موضوعاتية؛ بينما بلغ عدد المشاركين في البرنامج 2700 متدخل.
- آداب مرتحلة
بعد دورتي الرباط - سلا (2017) والدار البيضاء (2018)، حطت «الآداب المرتحلة»، في دورتها الثالثة، بمراكش.
وتميزت الدورة بمشاركة أسماء بارزة في عالم الأدب، بينها رشيد بوجدرة وعبد الفتاح كيليطو ونجاة فالود بلقاسم ورشا الأمير وزكية داود وماحي بينبين ومحمد برادة ومحمد الأشعري وإدريس الكراوي وسمية نعمان جسوس.
وتطمح هذه النظاهرة، حسب منظميها، إلى إرساء تقليد يجعل الكتاب في متناول مختلف الشرائح المجتمعة، سعياً وراء «دمقرطة القراءة وخلق اتصال مباشر بين القراء وكتابهم، وكذا تبادل الرأي حول الكتب من خلال الرابط العاطفي الذي يمكن أن يقوم مع مبدعيها».
- رحيل كتاب ومثقفين
لم تمر 2019 دون أن تترك في نفوس مثقفي وأدباء وفناني المغرب، بشكل خاص، وعموم المغاربة، حزناً على رحيل عدد من الأسماء التي كان لها حضورها على مستوى المنجز الأدبي والفني للبلد؛ حيث فقدت الساحة الفنية الممثل عبد الله العمراني، والموسيقي حسن ميكري، والممثلة أمينة رشيد. فيما فقدت الساحة الأدبية الكاتب الميلودي حمدوشي، الذي أغنى الخزانة المغربية بأكثر من 10 أعمال روائية بوليسية. كما تلقى المشهد الثقافي المغربي صدمة كبيرة بعد الوفاة المفاجئة للكاتب محسن أخريف، إثر صعقة كهربائية، أثناء تقديمه إحدى ندوات معرض للكتاب بتطوان.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.