سنة خفض التصعيد في اليمن... وبداية النهاية

اتفاق الرياض فاجأ التشاؤم وأثبت إمكانية وجود حلول مهما توسعت فجوة الخلافات

الأمير محمد بن سلمان والشيخ محمد بن زايد والرئيس عبد ربه منصور هادي أثناء مصافحة بين ممثلي الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي  لدى توقيع اتفاق الرياض في الخامس من نوفمبر  (أ.ب)
الأمير محمد بن سلمان والشيخ محمد بن زايد والرئيس عبد ربه منصور هادي أثناء مصافحة بين ممثلي الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي لدى توقيع اتفاق الرياض في الخامس من نوفمبر (أ.ب)
TT

سنة خفض التصعيد في اليمن... وبداية النهاية

الأمير محمد بن سلمان والشيخ محمد بن زايد والرئيس عبد ربه منصور هادي أثناء مصافحة بين ممثلي الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي  لدى توقيع اتفاق الرياض في الخامس من نوفمبر  (أ.ب)
الأمير محمد بن سلمان والشيخ محمد بن زايد والرئيس عبد ربه منصور هادي أثناء مصافحة بين ممثلي الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي لدى توقيع اتفاق الرياض في الخامس من نوفمبر (أ.ب)

منذ بداية الأزمة اليمنية والسؤال السحري يتكرر: متى تنتهي الأزمة؟ وكيف تنتهي؟ وكانت الإجابات تشبه الأزمة في تعقيداتها، بدءاً من فهم مضمونها، وأشكال صراعاتها التي لم تكن مجرد تنافس سني - شيعي مثلما ينتقد بعض اليمنيين بعض المؤسسات الفكرية والإعلامية الغربية على تسطيحها أزمة بلادهم بتلك البساطة، أو تغليفها بحسابات إقليمية كبرى، وتجاهل الهم اليمني الخاص. ولا هي أزمة قطبين يمنيين داخليين وحسب، فالأحداث التي شهدتها صنعاء عام 2017 بين الحوثيين وشريكهم علي عبد الله صالح، الرئيس اليمني السابق، بين شركاء، مثلما كانت أحداث عدن في أغسطس (آب) 2019، بين حليفين. الفرق بين الأزمتين الداخليتين فقط هو أن الحوثيين قتلوا صالح لإنهاء الأزمة، بينما رعت السعودية اتفاقاً بين المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة اليمنية (الشرعية) التي تشاركه الهدف الأسمى، وهو تحرير البلاد من وكيل إيران وكابوس اليمن «الانقلاب الحوثي».

تفاوت آراء الحل
مجدداً: متى تنتهي الأزمة؟ وكيف ستنتهي؟ عند قراءة الإجابات التي ترد من قبل الحكومة اليمنية أو المقربين من صنع القرار فيها، فإنها تذهب إلى ما يشبه القاعدة الذهبية: «الحوثيون لا يعرفون إلا لغة القوة»، وتعليلها يكمن في أن القوة وحدها التي حررت مساحات شاسعة من البلاد، بينما يرى آخرون، ومنهم الجانب الأميركي، أن الضغط العسكري هو العملية الأكثر فعالية، وهو ما يتفق معه توجه تحالف دعم الشرعية في اليمن، الذي يبدو من خلال خطابه الإعلامي أنه فعَّل العمليات العسكرية للضغط على الحوثيين، ووضع طاولة الحل الخيار الأخير لهم.
رأي آخر، وهو قريب من وجهة نظر المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث، وتدعمه بعض القوى الأوروبية، يعتقد أن الجانب الإنساني مدخل إلى الحل السلمي والحوار، وهو ما يختلف معه يمنيون كثر لسببين: الأول أن الحوثيين لا يوجد في تاريخ صراعاتهم (الحروب الست منذ عام 2004) نموذج انتهى بمدخل إنساني تلاه حل سياسي. والثاني أن الحوثيين ليسوا أولئك المقاتلين السابقين الذين كانوا لا يخرجون من الكهوف والجبال؛ بل الآن لديهم سيطرة على مكتسبات دولة، ويدعمهم الخارج (إيران و«حزب الله») بالمال والتقنية والسلاح والاستشارات السياسية والعسكرية والإعلامية، وبالتالي لن يتنازلوا بسهولة قد تصل في بعض الأحيان إلى حد «السذاجة».
رأي ثالث يعتقد أنهم مصيبون ولكنه يتساءل: هل القوة استطاعت بعد كل هذا الوقت إنهاء الحوثيين؟ تأتي الإجابات بأن العمل العسكري المسؤول لا تجدر مقارنته بعمل عصابات أو سلوك انقلابيين زرعوا على سبيل المثال نحو مليون لغم، بحسب خبراء ألغام يعملون على الأرض في اليمن. وبالتالي يصر الرأي الداعي إلى الضغط العسكري الشديد في أحلك الظروف على أنه هو المصيب.
وريثما يحصل تغير ملموس على المشهد، يجدر استعراض ما آل إليه عام 2019، الذي قد يطلق عليه مجازاً «عام خفض التصعيد»، وتمهيد «بداية النهاية» للأزمة.

«الإعمار السعودي» نجم العام
خمسة أعوام ونيف على بدايتها في سبتمبر (أيلول) 2014، مضت على الأزمة اليمنية، عندما انقلب الحوثيون على الحكومة، واستولوا بتسهيلات من الرئيس السابق علي عبد الله صالح على السلطة بالقوة، قبل أن ينتفض ضدهم نهاية عام 2017، وينتهى خلافه معهم بقتله وسجن أبنائه وأقاربه، ثم الإفراج عن بعضهم والإبقاء على آخرين.
جرى تحرير 85 في المائة من الأراضي التي استولى عليها الحوثيون خلال انقلابهم، وتم تشكيل الحكومة اليمنية في ظروف لا تود أي حكومة في الأرض أن تتشكل وهي قائمة، وتعرضت هي الأخرى لأكثر من خضة وتغيرات وصراعات، بدءاً من رئيسها، مروراً ببعض وزرائها ومن في مقامهم من مسؤولين رفيعي المستوى في القطاع الاقتصادي، كوزراء المالية ورؤساء اللجنة الاقتصادية ومحافظو البنك المركزي، وواجهت نهاية العام أحداثاً عسكرية وخلافاً مع المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي كان بعض قياداته العليا أعضاء سابقين ومسؤولين رفيعي المستوى في الحكومة ذاتها.
تحالف دعم الشرعية هو أيضاً تطور منذ بدء العمليات، وباتت الأخطاء السابقة التي واجهها بشجاعة تقل كثيراً عن تلك التي كانت وقت بداية العمليات العسكرية في مارس (آذار) 2015، بالتوازي مع أدوار إنسانية كان يلعبها، وفي مقدمتها وحدة لحماية الأطفال المندرجة تحت العمليات الإنسانية الأخرى التي لا يتحدث عنها كثيراً، وأبرزها التنسيق مع جميع البعثات والتحركات الإغاثية الدولية داخل أراضي اليمن.
كما لعب التحالف دوراً مهماً في حماية مصالح العالم؛ حين سيَّر الدوريات، وقضى على الخطر الحوثي الذي يحيق بمضيق باب المندب والملاحة بشكل عام في البحر الأحمر.
وبخلاف التوسع الذي سجله برنامج الإعمار السعودي، بما يربو على تسعين مشروعاً متعددة القطاعات وفي مختلف المحافظات، والتحسن الطفيف الذي تحدت به الحكومة اليمنية ظروفاً قاسية، وعملت بما تيسر بين يديها لتحسين أداء العملة، وكسر احتكار النفط، ودفع رواتب المتقاعدين كافة، ونحو 62 في المائة من موظفي الدولة بالمناطق المحررة؛ لم يسجل اليمن خلال عام 2019 أي تقدم لافت، حتى في الجانب العسكري.
ولم تحصل انفراجة في ملف 15 ألف أسير ومعتقل لدى الحكومة والحوثيين، أو حتى على الصعيد السياسي. كل ما جرى تسجيله لا يتجاوز ما يصفه أصحاب الشأن والمهتمين بالاستثناءات.
«استوكهولم» الاتفاقية التي أعادت جفاءً شاب العملية السياسية منذ مشاورات الكويت في عام 2016، وسَعَت إلى بناءِ ثقة مطلع العام لم تمضِ كما أريد لها. تحسن طفيف في الحديدة التي يتبادل فيها الطرفان الاتهامات بارتكاب خروقات، وانتهاكات وصلت إلى مستوى الاستهداف المباشر للفريق الحكومي.
استغرق الطرفان 9 أشهر لتلد الاجتماعات الصعبة المشتركة برئاسة الأمم المتحدة وعضوية الحكومة والحوثيين «غرفة مراقبة مشتركة»، واحتاجت الغرفة شهراً آخر لإنشاء نقاط مشتركة خمس، في خطوط التماس بالحديدة، ومع ذلك لا يجد التفاؤل طريقه لدى الطرفين على الأقل.
آخر حديث للمبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث هذا العام، أعرب فيه بوضوح عن أن هناك أناساً، وهو واحد منهم، يعتقدون بأنه كان من الممكن عمل الأفضل، وفقاً لما نشره موقع أخبار الأمم المتحدة.
ومع ذلك، ذكر غريفيث في حوار مع «الشرق الأوسط» نشر في 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، أن هناك 5 مؤشرات قال إنها «تدعو إلى التفاؤل». وأضاف: «هناك بعض المؤشرات الملموسة التي تدعو للأمل في اليمن (...) شهدنا في الفترة الأخيرة تراجعاً كبيراً في أعمال العنف بالشمال، وإطلاق سراح عدد من السجناء والمحتجزين، والسماح للسفن المحملة بالنفط الذي تحتاج إليه البلاد بشدة بالدخول إلى الحديدة، والسماح لوكالات الإغاثة بتقديم مساعدات للأشخاص المحتاجين لها في الدريهمي، إضافة إلى إنجاز محادثات جدة (اتفاق الرياض) بنجاح حول الجنوب، مع التوصل إلى اتفاق قد يمثل خطوة أولى نحو عملية سلام دائم عبر البلاد. وعليه، فإن كل هذه المؤشرات تدعو للشعور بالأمل، وتعكس حسن النيات بين الأطراف المعنية، وتحقق تغييرات ملموسة وتقدماً حقيقياً على الأرض».

اتفاق الرياض
يبدو أن خيبة الأمل كانت ستغلف جل الأحداث في اليمن خلال عام، إلا أن خطوات مثل اتفاق الرياض فاجأت «التشاؤم» الذي ساد الأزمة برمتها. ضخ الاتفاق الأمل، وأحيا التفاؤل في عروق اليأس الذي تسلل إلى عقول أصحاب القضية الأهم، وهم اليمنيون.
كان الخلاف في عدن مطلع أغسطس بمثابة صدمة. كان الترقب والأعصاب المتشنجة يتسابقان مع كل نبأ يرد، إلى أن دفعت الرياض بقارب الخلاف إلى مرفأ الوفاق.
اتفاق الرياض وشى لليمنيين بأن مصطلح الحوار والاتفاق ما زال حاضراً في قاموس المستقبل. يحتاج فقط إرادة وشعوراً بالمسؤولية وضبط الاندفاع، وهو ما ضربت به الحكومة اليمنية مثالاً خلال الأحداث. المجلس الانتقالي الجنوبي أظهر هو أيضاً نضجاً عندما نهج الطريق السياسية، للوصول إلى التوافقات والأهداف التي تحقق له على الأقل الحد الأدنى مما يرنو إليه.
يشار إلى أن الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع السعودي، وصف يوم توقيع اتفاق الرياض في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 بأنه «يوم بهيج»، وقال: «كل يوم يجتمع فيه اليمنيون هو يوم فرح للمملكة، التي كانت منذ عهد الملك المؤسس عبد العزيز، وستظل دوماً، مع اليمن، حريصة على استقراره، وساعية في ازدهاره، وواثقة بأن حكمة أبناء شعبه تسمو فوق كل التحديات».
الأمير محمد ذكَّر بأن «مواقف المملكة تجاه اليمن مواقف أصيلة كأصالة شعبه العزيز، الذي تربطنا به أواصر الدين والقربي والجوار».
وقال: «استمراراً لتلك المواقف الراسخة، فقد صدرت توجيهات سيدي خادم الحرمين الشريفين للمسؤولين في المملكة، ببذل كل الجهود من أجل رأب الصدع بين الأشقاء في اليمن».
ونوَّه: «نشيد باستجابة فخامة الرئيس عبد ربه منصور هادي، والمجلس الانتقالي الجنوبي، لدعوة المملكة للحوار فيها، وما تم التوصل إليه في اتفاق الرياض، الذي نسأل الله أن يجعله فاتحة خير لمرحلة جديدة من الاستقرار والبناء والتنمية في اليمن، ستكون المملكة معكم فيها كما كانت دوماً».
وأضاف: «أود أن أشكر في هذه المناسبة أخي سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وأنوِّه بما قدمته دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة من تضحيات جليلة في ساحات الشرف، مع جنودنا البواسل وزملائهم في بقية قوات التحالف».
وقال: «لقد كان شغلنا الشاغل منذ أن بدأت الأزمة اليمنية، هو نصرة الشعب اليمني الشقيق، استجابة لطلب رئيسه الشرعي، وانطلاقاً من مبدأ الدفاع عن النفس، ولوقف التدخلات الخارجية التي تسعى لفرض واقع جديد عليه بقوة السلاح، والانقلاب على شرعيته ومؤسساته، وتهديد أمن جيرانه وأمن المنطقة وممراتها المائية الحيوية للعالم كله». وزاد ولي العهد بالقول: «لقد تمكنَّا من تحقيق الكثير لليمن وأمن المنطقة، وقدمنا من الدعم والمساعدة للشعب اليمني ما يليق بما يجمعنا به من إخاء ومحبة، وسنواصل السعي لتحقيق تطلعات الشعب اليمني في استعادة دولته، والوصول إلى حل سياسي للأزمة وفقاً للمرجعيات الثلاث، وتفويت الفرصة على كل من لا يريد الخير لليمن»، متابعاً: «تؤكد المملكة على أن هذه النيات الصادقة والحكمة اليمانية التي تجسدت في اتفاق الرياض، وإعلاء مصلحة الشعب اليمني فوق كل اعتبار، وفوق مطامع الأطراف التي تسعى لنشر الطائفية والفوضى وعدم الاستقرار في اليمن، ستحقق تطلعات الشعب اليمني، وسيفتح هذا الاتفاق المبارك الباب أمام تفاهمات أوسع بين المكونات اليمنية، للوصول إلى الحل السياسي الذي ينهي الأزمة اليمنية، ويحصن اليمن ويحميه ممن لا يريد الخير لليمن بجميع مكوناته وسائر شعوب أمتنا العربية».

انتهاكات حوثية
لم تكن سنة عادية. لقد قُتل مدنيون، وزاد الحوثيون من قمعهم وتسللهم إلى كل فكرة تنهب ما تبقى من فتافيت الأموال لدى المواطنين في مناطق سيطرتهم. لم تتغير الملازم الخمينية التي فرضها الانقلابيون على ثقافة اليمن؛ بل وصلت إلى البرلمان غير الشرعي في صنعاء، وحتى من لم يهرب من جحيم الحوثيين من بعض النواب اليمنيين راح يصرخ ويشكو منها، مثلما يصرخ اليمنيون في مناطق سيطرة الميليشيات من حرمانهم رواتبهم 3 أعوام.
استمر حشد المقاتلين وترغيب القبائل وعامة السكان في مناطق سيطرة الحوثيين بالمال، ولو كان قليلاً مقابل القتال، مثلما زادت وتيرة الترهيب أيضاً في تهديد من لا يستطيع المساهمة بالمال بأنه سيجبر على القتال.
وكان من اللافت في عام 2019 خروج الأمم المتحدة وبعض مسؤوليها عن صمتهم، بعدما أيقنوا أن السنوات الخمس التي قضوها في محاولة كسب ود الحوثيين والسكوت على كل ما يتجرعونه منهم، من تنكيل ونهب وتهديد وخطف وانتهاكات واسعة بحق الموظفين الأمميين، المحليين منهم والأجانب، لم يثمر شيئاً، حتى خرجت الجملة الشهيرة: «إنهم يسرقون الطعام من أفواه الجوعى».
خرجت أيضاً وكالات أنباء عالمية بتحقيقات تفيد بفساد يجري داخل دهاليز العمل الأممي الإغاثي في اليمن مع الحوثيين، وهو ما لم تنفه الأمم المتحدة، وأكدت أنها تحقق في التقارير الإعلامية التي تحدثت عن ذلك الشأن.

سلوك إرهابي
في عام 2019، دخلت هجمات «الدرون» المفخخة ساحة المعركة. تصدت السعودية لنحو 500 باليستي و«درون» مسيرة، منذ بداية الأزمة، وزعم الحوثيون أنهم هاجموا منشأتي نفط في أكتوبر؛ لكن العقيد تركي المالكي المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية قال في مؤتمر صحافي: «لدى السعودية أدلة على أن الهجوم لم ينطلق من اليمن كما زعمت أذرع إيران»، معتبراً أن «هجوم أرامكو» لم يستهدف السعودية فقط؛ بل أيضاً المجتمع الدولي وأمن الطاقة، وفقاً لـ«العربية. نت».
هجمات «أرامكو» كانت في أعقاب عشرات الهجمات التي تصدت لها السعودية، ونتج عن حادثة منها أضرار أصابت مطار أبها في شهر يونيو (حزيران)؛ إذ قتل سوري وأصيب 7 آخرون في هجوم للحوثيين، حسبما أعلن التحالف. وفي يوليو (تموز)، أصيب إثر ذلك تسعة أشخاص، ثمانية سعوديين ومقيم هندي.
العقيد المالكي لطالما أكد أن «المحاولات الإرهابية المتكررة من الميليشيا الحوثية الإرهابية هي نتيجة للخسائر الكبيرة في صفوف عناصرها الإرهابيين وعتادها ومعداتها»، مشدداً على أن «التحالف مستمر في تنفيذ الإجراءات الرادعة ضد الحوثيين، لتحييد وتدمير قدراتهم وبكل صرامة، وبما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية». ويؤكد المتحدث أن إعلان الحوثيين مسؤوليتهم عن الأعمال الإرهابية «يمثل اعترافاً صريحاً ومسؤولية كاملة باستهداف المدنيين».


مقالات ذات صلة

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

حصاد الأسبوع دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء

«الشرق الأوسط» (بيروت)
حصاد الأسبوع في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع الرئيس لولا يسعى إلى ولاية جديدة (إ.ب.أ)

البرازيل... اليمين يهدد آخر معاقل اليسار في أميركا اللاتينية

أحرز اليمين المتطرف الذي يهبّ على أميركا اللاتينية كالإعصار، نصراً مفاجئاً ومفصلياً في البرازيل، يوم الأحد قبل الماضي، 4 أكتوبر، (تشرين الأول)؛ فقد حقَّق

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً،

نظير مجلي ( القدس)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟