سنة خفض التصعيد في اليمن... وبداية النهاية

اتفاق الرياض فاجأ التشاؤم وأثبت إمكانية وجود حلول مهما توسعت فجوة الخلافات

الأمير محمد بن سلمان والشيخ محمد بن زايد والرئيس عبد ربه منصور هادي أثناء مصافحة بين ممثلي الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي  لدى توقيع اتفاق الرياض في الخامس من نوفمبر  (أ.ب)
الأمير محمد بن سلمان والشيخ محمد بن زايد والرئيس عبد ربه منصور هادي أثناء مصافحة بين ممثلي الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي لدى توقيع اتفاق الرياض في الخامس من نوفمبر (أ.ب)
TT

سنة خفض التصعيد في اليمن... وبداية النهاية

الأمير محمد بن سلمان والشيخ محمد بن زايد والرئيس عبد ربه منصور هادي أثناء مصافحة بين ممثلي الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي  لدى توقيع اتفاق الرياض في الخامس من نوفمبر  (أ.ب)
الأمير محمد بن سلمان والشيخ محمد بن زايد والرئيس عبد ربه منصور هادي أثناء مصافحة بين ممثلي الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي لدى توقيع اتفاق الرياض في الخامس من نوفمبر (أ.ب)

منذ بداية الأزمة اليمنية والسؤال السحري يتكرر: متى تنتهي الأزمة؟ وكيف تنتهي؟ وكانت الإجابات تشبه الأزمة في تعقيداتها، بدءاً من فهم مضمونها، وأشكال صراعاتها التي لم تكن مجرد تنافس سني - شيعي مثلما ينتقد بعض اليمنيين بعض المؤسسات الفكرية والإعلامية الغربية على تسطيحها أزمة بلادهم بتلك البساطة، أو تغليفها بحسابات إقليمية كبرى، وتجاهل الهم اليمني الخاص. ولا هي أزمة قطبين يمنيين داخليين وحسب، فالأحداث التي شهدتها صنعاء عام 2017 بين الحوثيين وشريكهم علي عبد الله صالح، الرئيس اليمني السابق، بين شركاء، مثلما كانت أحداث عدن في أغسطس (آب) 2019، بين حليفين. الفرق بين الأزمتين الداخليتين فقط هو أن الحوثيين قتلوا صالح لإنهاء الأزمة، بينما رعت السعودية اتفاقاً بين المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة اليمنية (الشرعية) التي تشاركه الهدف الأسمى، وهو تحرير البلاد من وكيل إيران وكابوس اليمن «الانقلاب الحوثي».

تفاوت آراء الحل
مجدداً: متى تنتهي الأزمة؟ وكيف ستنتهي؟ عند قراءة الإجابات التي ترد من قبل الحكومة اليمنية أو المقربين من صنع القرار فيها، فإنها تذهب إلى ما يشبه القاعدة الذهبية: «الحوثيون لا يعرفون إلا لغة القوة»، وتعليلها يكمن في أن القوة وحدها التي حررت مساحات شاسعة من البلاد، بينما يرى آخرون، ومنهم الجانب الأميركي، أن الضغط العسكري هو العملية الأكثر فعالية، وهو ما يتفق معه توجه تحالف دعم الشرعية في اليمن، الذي يبدو من خلال خطابه الإعلامي أنه فعَّل العمليات العسكرية للضغط على الحوثيين، ووضع طاولة الحل الخيار الأخير لهم.
رأي آخر، وهو قريب من وجهة نظر المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث، وتدعمه بعض القوى الأوروبية، يعتقد أن الجانب الإنساني مدخل إلى الحل السلمي والحوار، وهو ما يختلف معه يمنيون كثر لسببين: الأول أن الحوثيين لا يوجد في تاريخ صراعاتهم (الحروب الست منذ عام 2004) نموذج انتهى بمدخل إنساني تلاه حل سياسي. والثاني أن الحوثيين ليسوا أولئك المقاتلين السابقين الذين كانوا لا يخرجون من الكهوف والجبال؛ بل الآن لديهم سيطرة على مكتسبات دولة، ويدعمهم الخارج (إيران و«حزب الله») بالمال والتقنية والسلاح والاستشارات السياسية والعسكرية والإعلامية، وبالتالي لن يتنازلوا بسهولة قد تصل في بعض الأحيان إلى حد «السذاجة».
رأي ثالث يعتقد أنهم مصيبون ولكنه يتساءل: هل القوة استطاعت بعد كل هذا الوقت إنهاء الحوثيين؟ تأتي الإجابات بأن العمل العسكري المسؤول لا تجدر مقارنته بعمل عصابات أو سلوك انقلابيين زرعوا على سبيل المثال نحو مليون لغم، بحسب خبراء ألغام يعملون على الأرض في اليمن. وبالتالي يصر الرأي الداعي إلى الضغط العسكري الشديد في أحلك الظروف على أنه هو المصيب.
وريثما يحصل تغير ملموس على المشهد، يجدر استعراض ما آل إليه عام 2019، الذي قد يطلق عليه مجازاً «عام خفض التصعيد»، وتمهيد «بداية النهاية» للأزمة.

«الإعمار السعودي» نجم العام
خمسة أعوام ونيف على بدايتها في سبتمبر (أيلول) 2014، مضت على الأزمة اليمنية، عندما انقلب الحوثيون على الحكومة، واستولوا بتسهيلات من الرئيس السابق علي عبد الله صالح على السلطة بالقوة، قبل أن ينتفض ضدهم نهاية عام 2017، وينتهى خلافه معهم بقتله وسجن أبنائه وأقاربه، ثم الإفراج عن بعضهم والإبقاء على آخرين.
جرى تحرير 85 في المائة من الأراضي التي استولى عليها الحوثيون خلال انقلابهم، وتم تشكيل الحكومة اليمنية في ظروف لا تود أي حكومة في الأرض أن تتشكل وهي قائمة، وتعرضت هي الأخرى لأكثر من خضة وتغيرات وصراعات، بدءاً من رئيسها، مروراً ببعض وزرائها ومن في مقامهم من مسؤولين رفيعي المستوى في القطاع الاقتصادي، كوزراء المالية ورؤساء اللجنة الاقتصادية ومحافظو البنك المركزي، وواجهت نهاية العام أحداثاً عسكرية وخلافاً مع المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي كان بعض قياداته العليا أعضاء سابقين ومسؤولين رفيعي المستوى في الحكومة ذاتها.
تحالف دعم الشرعية هو أيضاً تطور منذ بدء العمليات، وباتت الأخطاء السابقة التي واجهها بشجاعة تقل كثيراً عن تلك التي كانت وقت بداية العمليات العسكرية في مارس (آذار) 2015، بالتوازي مع أدوار إنسانية كان يلعبها، وفي مقدمتها وحدة لحماية الأطفال المندرجة تحت العمليات الإنسانية الأخرى التي لا يتحدث عنها كثيراً، وأبرزها التنسيق مع جميع البعثات والتحركات الإغاثية الدولية داخل أراضي اليمن.
كما لعب التحالف دوراً مهماً في حماية مصالح العالم؛ حين سيَّر الدوريات، وقضى على الخطر الحوثي الذي يحيق بمضيق باب المندب والملاحة بشكل عام في البحر الأحمر.
وبخلاف التوسع الذي سجله برنامج الإعمار السعودي، بما يربو على تسعين مشروعاً متعددة القطاعات وفي مختلف المحافظات، والتحسن الطفيف الذي تحدت به الحكومة اليمنية ظروفاً قاسية، وعملت بما تيسر بين يديها لتحسين أداء العملة، وكسر احتكار النفط، ودفع رواتب المتقاعدين كافة، ونحو 62 في المائة من موظفي الدولة بالمناطق المحررة؛ لم يسجل اليمن خلال عام 2019 أي تقدم لافت، حتى في الجانب العسكري.
ولم تحصل انفراجة في ملف 15 ألف أسير ومعتقل لدى الحكومة والحوثيين، أو حتى على الصعيد السياسي. كل ما جرى تسجيله لا يتجاوز ما يصفه أصحاب الشأن والمهتمين بالاستثناءات.
«استوكهولم» الاتفاقية التي أعادت جفاءً شاب العملية السياسية منذ مشاورات الكويت في عام 2016، وسَعَت إلى بناءِ ثقة مطلع العام لم تمضِ كما أريد لها. تحسن طفيف في الحديدة التي يتبادل فيها الطرفان الاتهامات بارتكاب خروقات، وانتهاكات وصلت إلى مستوى الاستهداف المباشر للفريق الحكومي.
استغرق الطرفان 9 أشهر لتلد الاجتماعات الصعبة المشتركة برئاسة الأمم المتحدة وعضوية الحكومة والحوثيين «غرفة مراقبة مشتركة»، واحتاجت الغرفة شهراً آخر لإنشاء نقاط مشتركة خمس، في خطوط التماس بالحديدة، ومع ذلك لا يجد التفاؤل طريقه لدى الطرفين على الأقل.
آخر حديث للمبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث هذا العام، أعرب فيه بوضوح عن أن هناك أناساً، وهو واحد منهم، يعتقدون بأنه كان من الممكن عمل الأفضل، وفقاً لما نشره موقع أخبار الأمم المتحدة.
ومع ذلك، ذكر غريفيث في حوار مع «الشرق الأوسط» نشر في 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، أن هناك 5 مؤشرات قال إنها «تدعو إلى التفاؤل». وأضاف: «هناك بعض المؤشرات الملموسة التي تدعو للأمل في اليمن (...) شهدنا في الفترة الأخيرة تراجعاً كبيراً في أعمال العنف بالشمال، وإطلاق سراح عدد من السجناء والمحتجزين، والسماح للسفن المحملة بالنفط الذي تحتاج إليه البلاد بشدة بالدخول إلى الحديدة، والسماح لوكالات الإغاثة بتقديم مساعدات للأشخاص المحتاجين لها في الدريهمي، إضافة إلى إنجاز محادثات جدة (اتفاق الرياض) بنجاح حول الجنوب، مع التوصل إلى اتفاق قد يمثل خطوة أولى نحو عملية سلام دائم عبر البلاد. وعليه، فإن كل هذه المؤشرات تدعو للشعور بالأمل، وتعكس حسن النيات بين الأطراف المعنية، وتحقق تغييرات ملموسة وتقدماً حقيقياً على الأرض».

اتفاق الرياض
يبدو أن خيبة الأمل كانت ستغلف جل الأحداث في اليمن خلال عام، إلا أن خطوات مثل اتفاق الرياض فاجأت «التشاؤم» الذي ساد الأزمة برمتها. ضخ الاتفاق الأمل، وأحيا التفاؤل في عروق اليأس الذي تسلل إلى عقول أصحاب القضية الأهم، وهم اليمنيون.
كان الخلاف في عدن مطلع أغسطس بمثابة صدمة. كان الترقب والأعصاب المتشنجة يتسابقان مع كل نبأ يرد، إلى أن دفعت الرياض بقارب الخلاف إلى مرفأ الوفاق.
اتفاق الرياض وشى لليمنيين بأن مصطلح الحوار والاتفاق ما زال حاضراً في قاموس المستقبل. يحتاج فقط إرادة وشعوراً بالمسؤولية وضبط الاندفاع، وهو ما ضربت به الحكومة اليمنية مثالاً خلال الأحداث. المجلس الانتقالي الجنوبي أظهر هو أيضاً نضجاً عندما نهج الطريق السياسية، للوصول إلى التوافقات والأهداف التي تحقق له على الأقل الحد الأدنى مما يرنو إليه.
يشار إلى أن الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع السعودي، وصف يوم توقيع اتفاق الرياض في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 بأنه «يوم بهيج»، وقال: «كل يوم يجتمع فيه اليمنيون هو يوم فرح للمملكة، التي كانت منذ عهد الملك المؤسس عبد العزيز، وستظل دوماً، مع اليمن، حريصة على استقراره، وساعية في ازدهاره، وواثقة بأن حكمة أبناء شعبه تسمو فوق كل التحديات».
الأمير محمد ذكَّر بأن «مواقف المملكة تجاه اليمن مواقف أصيلة كأصالة شعبه العزيز، الذي تربطنا به أواصر الدين والقربي والجوار».
وقال: «استمراراً لتلك المواقف الراسخة، فقد صدرت توجيهات سيدي خادم الحرمين الشريفين للمسؤولين في المملكة، ببذل كل الجهود من أجل رأب الصدع بين الأشقاء في اليمن».
ونوَّه: «نشيد باستجابة فخامة الرئيس عبد ربه منصور هادي، والمجلس الانتقالي الجنوبي، لدعوة المملكة للحوار فيها، وما تم التوصل إليه في اتفاق الرياض، الذي نسأل الله أن يجعله فاتحة خير لمرحلة جديدة من الاستقرار والبناء والتنمية في اليمن، ستكون المملكة معكم فيها كما كانت دوماً».
وأضاف: «أود أن أشكر في هذه المناسبة أخي سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وأنوِّه بما قدمته دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة من تضحيات جليلة في ساحات الشرف، مع جنودنا البواسل وزملائهم في بقية قوات التحالف».
وقال: «لقد كان شغلنا الشاغل منذ أن بدأت الأزمة اليمنية، هو نصرة الشعب اليمني الشقيق، استجابة لطلب رئيسه الشرعي، وانطلاقاً من مبدأ الدفاع عن النفس، ولوقف التدخلات الخارجية التي تسعى لفرض واقع جديد عليه بقوة السلاح، والانقلاب على شرعيته ومؤسساته، وتهديد أمن جيرانه وأمن المنطقة وممراتها المائية الحيوية للعالم كله». وزاد ولي العهد بالقول: «لقد تمكنَّا من تحقيق الكثير لليمن وأمن المنطقة، وقدمنا من الدعم والمساعدة للشعب اليمني ما يليق بما يجمعنا به من إخاء ومحبة، وسنواصل السعي لتحقيق تطلعات الشعب اليمني في استعادة دولته، والوصول إلى حل سياسي للأزمة وفقاً للمرجعيات الثلاث، وتفويت الفرصة على كل من لا يريد الخير لليمن»، متابعاً: «تؤكد المملكة على أن هذه النيات الصادقة والحكمة اليمانية التي تجسدت في اتفاق الرياض، وإعلاء مصلحة الشعب اليمني فوق كل اعتبار، وفوق مطامع الأطراف التي تسعى لنشر الطائفية والفوضى وعدم الاستقرار في اليمن، ستحقق تطلعات الشعب اليمني، وسيفتح هذا الاتفاق المبارك الباب أمام تفاهمات أوسع بين المكونات اليمنية، للوصول إلى الحل السياسي الذي ينهي الأزمة اليمنية، ويحصن اليمن ويحميه ممن لا يريد الخير لليمن بجميع مكوناته وسائر شعوب أمتنا العربية».

انتهاكات حوثية
لم تكن سنة عادية. لقد قُتل مدنيون، وزاد الحوثيون من قمعهم وتسللهم إلى كل فكرة تنهب ما تبقى من فتافيت الأموال لدى المواطنين في مناطق سيطرتهم. لم تتغير الملازم الخمينية التي فرضها الانقلابيون على ثقافة اليمن؛ بل وصلت إلى البرلمان غير الشرعي في صنعاء، وحتى من لم يهرب من جحيم الحوثيين من بعض النواب اليمنيين راح يصرخ ويشكو منها، مثلما يصرخ اليمنيون في مناطق سيطرة الميليشيات من حرمانهم رواتبهم 3 أعوام.
استمر حشد المقاتلين وترغيب القبائل وعامة السكان في مناطق سيطرة الحوثيين بالمال، ولو كان قليلاً مقابل القتال، مثلما زادت وتيرة الترهيب أيضاً في تهديد من لا يستطيع المساهمة بالمال بأنه سيجبر على القتال.
وكان من اللافت في عام 2019 خروج الأمم المتحدة وبعض مسؤوليها عن صمتهم، بعدما أيقنوا أن السنوات الخمس التي قضوها في محاولة كسب ود الحوثيين والسكوت على كل ما يتجرعونه منهم، من تنكيل ونهب وتهديد وخطف وانتهاكات واسعة بحق الموظفين الأمميين، المحليين منهم والأجانب، لم يثمر شيئاً، حتى خرجت الجملة الشهيرة: «إنهم يسرقون الطعام من أفواه الجوعى».
خرجت أيضاً وكالات أنباء عالمية بتحقيقات تفيد بفساد يجري داخل دهاليز العمل الأممي الإغاثي في اليمن مع الحوثيين، وهو ما لم تنفه الأمم المتحدة، وأكدت أنها تحقق في التقارير الإعلامية التي تحدثت عن ذلك الشأن.

سلوك إرهابي
في عام 2019، دخلت هجمات «الدرون» المفخخة ساحة المعركة. تصدت السعودية لنحو 500 باليستي و«درون» مسيرة، منذ بداية الأزمة، وزعم الحوثيون أنهم هاجموا منشأتي نفط في أكتوبر؛ لكن العقيد تركي المالكي المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية قال في مؤتمر صحافي: «لدى السعودية أدلة على أن الهجوم لم ينطلق من اليمن كما زعمت أذرع إيران»، معتبراً أن «هجوم أرامكو» لم يستهدف السعودية فقط؛ بل أيضاً المجتمع الدولي وأمن الطاقة، وفقاً لـ«العربية. نت».
هجمات «أرامكو» كانت في أعقاب عشرات الهجمات التي تصدت لها السعودية، ونتج عن حادثة منها أضرار أصابت مطار أبها في شهر يونيو (حزيران)؛ إذ قتل سوري وأصيب 7 آخرون في هجوم للحوثيين، حسبما أعلن التحالف. وفي يوليو (تموز)، أصيب إثر ذلك تسعة أشخاص، ثمانية سعوديين ومقيم هندي.
العقيد المالكي لطالما أكد أن «المحاولات الإرهابية المتكررة من الميليشيا الحوثية الإرهابية هي نتيجة للخسائر الكبيرة في صفوف عناصرها الإرهابيين وعتادها ومعداتها»، مشدداً على أن «التحالف مستمر في تنفيذ الإجراءات الرادعة ضد الحوثيين، لتحييد وتدمير قدراتهم وبكل صرامة، وبما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية». ويؤكد المتحدث أن إعلان الحوثيين مسؤوليتهم عن الأعمال الإرهابية «يمثل اعترافاً صريحاً ومسؤولية كاملة باستهداف المدنيين».


مقالات ذات صلة

احتلال مرتفعات جنوب لبنان... «عقدة» الانسحاب الإسرائيلي

حصاد الأسبوع دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)

احتلال مرتفعات جنوب لبنان... «عقدة» الانسحاب الإسرائيلي

فرضت التحوّلات السياسية والعسكرية التي شهدها جنوب لبنان خلال العقود الماضية واقعاً جديداً على مسألة الانسحاب الإسرائيلي، حتى باتت لكل مرحلة ظروفها الخاصة التي

صبحي أمهز (بيروت)
حصاد الأسبوع وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده

ويس ستريتنغ... من الطموح لزعامة «العمال» إلى قيادة سفينة السياسة العسكرية البريطانية

بعد استقالته من حكومة كير ستارمر ومطالبته بتغيير قيادة حزب العمال، عاد ويس ستريتنغ إلى الصفوف الأمامية للسلطة البريطانية، وهذه المرة وزيراً للدفاع في حكومة

«الشرق الأوسط» (لندن)
حصاد الأسبوع تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات

تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات

تسلّم وزير الدفاع البريطاني الجديد ويس ستريتنغ حقيبته الجديدة من دون خبرة سابقة في الملفات العسكرية. إلا أنه يواجه تحدياً يشبه، إلى حد بعيد، ذلك الذي اختبره

«الشرق الأوسط» (لندن)
حصاد الأسبوع مصنع فورد في أوكفيل قرب مدينة تورونتو الكندية (رويترز)

مَن يدفع ثمن القطيعة الأميركية ــ الكندية؟

لم تعُد الأزمة بين الولايات المتحدة وكندا خلافاً عابراً على رسم جمركي يمكن تسويته ببعض الاستثناءات. بل إن انهيار المفاوضات في اللحظات الأخيرة، وفرض واشنطن

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)

ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

تزداد القناعة لدى قطاعات واسعة من الليبيين بأن بلادهم عالقة في دوامة بالغة التعقيد، بين فوضى أمنية تتفاوض فيها التشكيلات المسلحة بالنار، وتتجاذب النفوذ على

علاء حموده (القاهرة)

احتلال مرتفعات جنوب لبنان... «عقدة» الانسحاب الإسرائيلي

دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)
دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)
TT

احتلال مرتفعات جنوب لبنان... «عقدة» الانسحاب الإسرائيلي

دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)
دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)

فرضت التحوّلات السياسية والعسكرية التي شهدها جنوب لبنان خلال العقود الماضية واقعاً جديداً على مسألة الانسحاب الإسرائيلي، حتى باتت لكل مرحلة ظروفها الخاصة التي تحكمها. فالانسحاب الذي أُنجز عام 2000 جاء في سياق يختلف جذرياً عن ذلك الذي أعقب «حرب يوليو (تموز)» 2006، بينما يبدو المشهد الحالي محكوماً بمعادلات أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية مع مسارات التفاوض، ما يجعل استعادة نماذج الماضي أمراً بالغ الصعوبة. وبمعزل عن التصوّرات السياسية لإنهاء الأزمة، وفي ظل الإصرار اللبناني على الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، تواجه إسرائيل هذه الدعوات بتركيز متصاعد على مرتفعات استراتيجية، مثل «علي الطاهر»، ومواقع أخرى حاكمة في جنوب لبنان، ما يطرح أسئلة عما إذا كانت تل أبيب تتّجه إلى بناء «حزام مرتفعات» يقوم على الإمساك بالنقاط الجغرافية المُشرفة، وحرمان «حزب الله» منها، بدلاً من السيطرة على شريط جغرافي واسع يتطلب انتشاراً برّياً دائماً، وكلفة عسكرية، وبشرية أكبر.

لا توجد مُعطيات تسمح بالكلام عن «عقيدة إسرائيلية» معلنة، وتتطرّق بالذات إلى السيطرة على المرتفعات. لكن خريطة المواقع التي تركّز عليها العمليات، من مرتفعات الشقيف وزوطر وصولاً إلى مرتفعات «علي الطاهر»، تعزّز لدى خبراء عسكريين فرضيّة إعطاء إسرائيل أولوية للنقاط التي توفّر المراقبة والسيطرة بالنار على مساحات واسعة.

وبالفعل تكتسب مرتفعات «علي الطاهر» أهمية خاصة في هذه المعادلة، نظراً إلى ارتفاعها، وإشرافها على النبطية، ومناطق باتجاه إقليم التفاح، وكان التصعيد الإسرائيلي الكثيف قد أعاد المرتفعات إلى الواجهة، بالتزامن مع تعثر المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية.

السيطرة على المرتفعات

تركّز إسرائيل على السيطرة على المرتفعات في جنوب لبنان، والإمساك بالنقاط الحاكمة، بدلاً من السيطرة على شريط جغرافي.

وشرح العميد المتقاعد سعيد قزح لـ«الشرق الأوسط»: إن «الهدف الأساسي الذي ظهر مع إعلان إسرائيل الخط الأصفر هو الإمساك بالمرتفعات الحاكمة المقابلة للمستوطنات الإسرائيلية»، موضحاً أن هذا الخط يمتد -وفق تصوّره- «من البيّاضة في القطاع الغربي، مروراً ببلدات رشاف وبيت ليف وحداثا شمالي بنت جبيل في القطاع الأوسط، ووصولاً في القطاع الشرقي إلى دير سريان والطيبة، ومن ثم إلى السفوح الشرقية لجبل الشيخ، ولا سيما باتجاه عين عطا وعين قنيا».

قزح أردف أن «هذا الخط هو عبارة عن مرتفعات مقابلة للمستوطنات الإسرائيلية، وتبعد عنها في حدود 8 إلى 10 كيلومترات، بما يحرم (حزب الله) من إطلاق النار المباشر باتجاه المستوطنات». وتابع: «بعد إعلان هذا الخط، تقدّمت إسرائيل وأخذت زوطر الشرقية وزوطر الغربية ومرتفعات الشقيف، ثم عادت وتقدّمت إلى أن وصلت إلى محاصرة علي الطاهر»، معتبراً أن «المنطقة الممتدّة من علي الطاهر إلى الشقيف وزوطر الشرقية تدخل ضمن هذا التصوّر».

وبحسب قزح فإن «إسرائيل لن تنسحب من هذه المناطق طالما هناك أي خطر تعتبر أنه آتٍ من أي جهة كانت على الأراضي اللبنانية». وعن مصير المرتفعات، قال: «لن تنسحب منها طالما لا يوجد حل لسلاح (حزب الله) في لبنان، ولن تنسحب من التلال الحاكمة للمستوطنات».

معركة التلال

الحال أن التركيز الإسرائيلي على مرتفعات جنوب لبنان يرتبط بأهميتها العسكرية، وبوجود مواقع وقواعد لـ«حزب الله» فيها، حسبما يقول اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي، معتبراً أن السيطرة عليها تشكل «هدفاً عسكرياً إسرائيلياً أساسياً»، لكن تحقيقه ميدانياً ليس سهلاً، بسبب الكلفة البشرية لأي عملية برّية.

شحيتلي أوضح لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «هذه المناطق كانت ذات أهمية عسكرية، وشكّلت قواعد للجبهة، ومراكز للقيادة العملانية، ولذلك فإن لدى إسرائيل هدفاً أساسياً يتمثل في دخولها، والسيطرة عليها... لكن السؤال هو: هل تستطيع إسرائيل تحقيق هذا الهدف؟ حتى الآن لم تستطع». ومن ثم اعتبر أن العمليات الإسرائيلية لم تصل بعد إلى مستوى «الحسم العسكري الميداني، وأن استمرار تحرّك مجموعات مقاتلة واستهدافها بالمدفعية والطيران ووسائل أخرى يعني أن (حزب الله) لا يزال فاعلاً ميدانياً خلف الخطوط الإسرائيلية».

شحيتلي أوضح أيضاً أن التركيز على مرتفعات مثل «علي الطاهر والدبشة» سببه كونها «مرتفعات قريبة وحاكمة على المنطقة، وعلى شمال فلسطين، ويمكن منها استخدام أسلحة مباشرة، أو صواريخ مباشرة باتجاه شمال إسرائيل، والمستوطنات... بجانب أنها مراكز دعم وإسناد، وقيادة عملانية يمكن الانطلاق منها في العمليات العسكرية».

كلفة العملية البرّية

من جهة ثانية، يقوم الفارق بين السيطرة على شريط جغرافي والإمساك بالنقاط الحاكمة على أن الأولى تتطلب انتشاراً متصلاً، وتأمين خطوط إمداد، بينما تمنح المرتفعات قدرة على المراقبة، والسيطرة بالنار تفوق مساحتها الجغرافية. من هنا لا يعني هذا التصوّر بالضرورة إنشاء مواقع إسرائيلية ثابتة فوق كل المرتفعات، بقدر ما قد يعكس سعياً إلى منع «حزب الله» من استخدامها كنقاط مراقبة، أو قيادة، وإسناد، سواء بالسيطرة عليها، أو الدفع باتجاه تسليمها إلى الجيش اللبناني.

وبحسب شحيتلي: «إسرائيل تستفيد من الوقت للتحضير لأي عملية محتملة... والمحادثات وغيرها تمنح إسرائيل وقتاً للتحضير للعملية العسكرية في هذه المنطقة، لكن المشكلة بالنسبة إليها هي الكلفة العالية من الخسائر البشرية التي قد تترتب على مثل هذه العملية، وهي كلفة لا تستطيع تحملها بسهولة». وأضاف: «في المفهوم العسكري، ليست القمة الأعلى جغرافياً هي بالضرورة موقع تمركز للقوات. القمة يمكن استخدامها للمراقبة، لكن المواقع والخطوط الدفاعية تكون عادة تحت خط القمة»، لافتاً إلى أن ما تسعى إليه إسرائيل «ليس القمم بحد ذاتها فقط، بل المواقع العسكرية، والخطوط الدفاعية الموجودة تحتها، وعلى جوانبها».

بالتالي لا يعني «حزام المرتفعات» -إذا تبلور- خطاً متصلاً من القمم تحتلها إسرائيل، بقدر ما يعني «شبكة من النقاط الحاكمة» التي تسعى إلى منع «حزب الله» من استخدامها عسكرياً، لتصبح «علي الطاهر» الاختبار الأبرز لما إذا كان هذا التصوّر سيبقى محصوراً بالمواجهة الحالية، أم يتحوّل إلى معيار إسرائيلي أوسع للتعامل مع جغرافيا جنوب لبنان.

معضلة الانسحاب الإسرائيلي

في الواقع، الاستراتيجية الإسرائيلية للسيطرة على المرتفعات تقوّض الدعوات اللبنانية لانسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية. وتقع المعضلة السياسية في تبدل الظروف عما كان عليه الأمر في العامين 2000 و2006.

إذ انسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان في 25 مايو (أيار) 2000 بعد احتلال طال لنحو 22 سنة، ومن دون أي اتفاق ثنائي مع الحكومة اللبنانية. أما في العام 2006، فقد تم بعد اتفاق أنتج القرار الأممي 1701 الذي ينصّ على إخلاء منطقة جنوب الليطاني من السلاح، ومسلحي «حزب الله».

في الواقع، لا يقتصر الاختلاف بين تجربتي الانسحاب عامي 2000 و2006 على الظروف الميدانية، بل يشمل أيضاً الجهات المؤثرة في القرار، وطبيعة الضمانات، وآليات التنفيذ، وهو ما يجعل أي حديث عن انسحاب إسرائيلي اليوم مرتبطاً بمعطيات تختلف عما عرفه لبنان في المحطّات السابقة.

تقوّض الاستراتيجية الإسرائيلية القاضية بالسيطرة على المرتفعات الدعوات اللبنانية لانسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية

انسحاب العام 2000

العميد المتقاعد ناجي ملاعب قال إن انسحاب عام 2000 جاء نتيجة ظروف إسرائيلية داخلية أكثر منه نتيجة ضغوط خارجية، وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «انسحاب عام 2000 كان قراراً إسرائيلياً داخلياً بامتياز. فيومذاك وصل إيهود باراك إلى رئاسة الحكومة حاملاً مشروعاً يقوم على سحب القوات الإسرائيلية من لبنان، بعدما أصبحت كلفة بقائها مرتفعة بشرياً، واقتصادياً، إلى جانب وجود القرار الدولي 425 الذي كان يطالب إسرائيل بالانسحاب منذ سنوات».

ثم أردف: «كان حزب (العمل) يعتبر أن الأولوية يجب أن تكون لتخفيف أعباء الجيش الإسرائيلي، وخفض الإنفاق العسكري، والاهتمام بالاقتصاد، ولذلك اتُّخذ قرار الانسحاب بصورة مفاجئة، حتى إن كثيراً من عناصر ميليشيا جيش لبنان الجنوبي (المتحالفة مع إسرائيل) لم يكونوا على علم به مسبقاً. بعضهم عاد إلى لبنان وخضع للمحاكمة، فيما فرّ آخرون إلى إسرائيل. لذلك يمكن القول إن انسحاب عام 2000 كان نتيجة قرار إسرائيلي داخلي أكثر منه نتيجة ضغوط خارجية».

من جهته، استعاد العميد المتقاعد فادي داود تجربة عام 2000 من زاوية مختلفة، فقال: «انسحاب عام 2000 لم يكن مجرد قرار أحادي، بل سبقته مفاوضات غير مُعلنة جرت عبر ألمانيا. تفاصيل كثيرة من تلك المرحلة بقيت بعيدة عن الإعلام، لكن ما كُشف لاحقاً يؤكد وجود وساطة ألمانية، واتصالات سبقت تنفيذ الانسحاب».

«طبيعة التأثير الخارجي تبدلت أيضاً»، وفق داود الذي أكد أن «الطرف الوحيد القادر فعلياً على إلزام إسرائيل بأي اتفاق الآن هو الولايات المتحدة. لا توجد دولة أخرى تمتلك القدرة على ممارسة ضغط حقيقي عليها، أو فرض حدود لتحركاتها، ولذلك فإن نجاح أي اتفاق يبقى مرتبطاً بالإرادة الأميركية وحدها».

انسحاب 2006

في المقابل، حكمت الانسحاب في العام 2006 معطيات مختلفة. فبحسب ملاعب، المشهد تبدّل بعد «حرب يوليو» 2006، وأوضح: «ما حصل بعد حرب يوليو كان ثمرة نشاط دبلوماسي مكثف قادته الدولة اللبنانية، برئاسة رئيس الحكومة (آنذاك) فؤاد السنيورة، وبالتوازي مع جهود فرنسية، ودعم عربي، إضافة إلى ضغط أميركي أدى إلى وقف العمليات العسكرية بعد نحو شهر من اندلاع الحرب، وبالتزامن مع صدور القرار 1701».

وتابع: «أهمية القرار 1701 تكمن أولاً في تثبيت وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل، وهو ما وافق عليه الطرفان، كما أنه أتاح انتشار قوات الأمم المتحدة المعززة، ورسم الخط الأزرق بإشراف الأمم المتحدة، رغم استمرار التحفظات اللبنانية على بعض النقاط التي لا تتطابق مع اتفاقية الهدنة لعام 1949».

«بعد ذلك (والكلام لا يزال لملاعب) بدأت الاجتماعات الدورية في الناقورة برعاية الأمم المتحدة، حيث كان الضباط اللبنانيون والإسرائيليون يعقدون لقاءات شهرية لمعالجة النقاط الخلافية على الخط الأزرق، وتمت تسوية عدد كبير منها، فيما بقيت بعض النقاط عالقة».

إسرائيل تشتري الوقت ... وتماطل بالانسحاب

حقيقة الأمر أن الوقائع الميدانية والسياسية تحكم، في الوقت الراهن، معادلات تختلف عن تلك التي سادت في عام 2006، وقبله في العام 2000. وهنا شدّد العميد المتقاعد داود لـ«الشرق الأوسط» على أن «المتغيّر الأساسي هو المجتمع الدولي. فعام 2006 كان هناك دور واضح للأمم المتحدة، وقواتها ومرجعية للقرار 1701، أما اليوم فنحن أمام واقع مختلف، حيث يتراجع دور الأمم المتحدة، بل إن وجودها نفسه بات موضع تساؤل، فيما أصبحت الولايات المتحدة الطرف الوحيد القادر على التأثير في مسار الأحداث، والضغط على إسرائيل».

وأردف: «إذا كنا نبحث في مستقبل أي انسحاب إسرائيلي، فلا يوجد حتى الآن شيء واضح، لأن اتفاق الإطار نفسه لا يزال غير محدد في كثير من تفاصيله. ما هو واضح فقط وجود إرادة أميركية لمحاولة فرض عناوين عامة على الأرض، لكن التفاصيل ما زالت غامضة، والشيطان دائماً يكمن في التفاصيل».

بدوره استبعد العميد المتقاعد ملاعب أن يشهد لبنان انسحاباً إسرائيلياً قريباً، فقال: «اليوم لا أرى حديثاً جدياً عن انسحاب. توقّعي أن تواصل إسرائيل المماطلة، حتى مع وجود ضغوط أميركية، لأن أولوياتها مرتبطة بحسابات سياسية وأمنية أوسع». واستطرد: «الضغط الأميركي الأخير دفع إسرائيل إلى إبداء مرونة في ملفات مرتبطة بغزة، حيث توجد مصالح أميركية وإسرائيلية مشتركة، لكن إذا استمرت هذه التفاهمات فقد تحاول إسرائيل الحصول على أثمان أو تعويضات في ساحات أخرى، ومنها لبنان».

لذا استبعد ملاعب «الكلام حالياً عن انسحاب إسرائيلي من لبنان بالمعنى الذي عرفناه في عامي 2000 أو 2006، وأتوقع أن يستمر التأجيل، والمماطلة، على الأقل إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية».

 


ويس ستريتنغ... من الطموح لزعامة «العمال» إلى قيادة سفينة السياسة العسكرية البريطانية

وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده
وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده
TT

ويس ستريتنغ... من الطموح لزعامة «العمال» إلى قيادة سفينة السياسة العسكرية البريطانية

وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده
وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده

بعد استقالته من حكومة كير ستارمر ومطالبته بتغيير قيادة حزب العمال، عاد ويس ستريتنغ إلى الصفوف الأمامية للسلطة البريطانية، وهذه المرة وزيراً للدفاع في حكومة آندي بيرنهام. الواقع أن تعيين بيرنهام يشكّل تحوّلاً لافتاً في مسار سياسي شاب كان، حتى وقت قريب، يُنظر إليه بوصفه أحد أبرز المرشحين لخلافة ستارمر في 10 داونينغ ستريت؛ إذ سبق لستريتنغ أن أعلن استعداده لخوض سباق الزعامة، قبل أن يتراجع ويدعم بيرنهام، الذي أعاده لاحقاً إلى الحكومة وأسند إليه واحدة من أكثر حقائبها حساسية.

يصل ويس ستريتنغ (43 سنة) إلى مقر وزارة الدفاع بعد مسار بدأ في السكن الاجتماعي بشرق لندن، ومرّ باتحادات الطلاب والمجالس المحلية ومقاعد المعارضة، قبل أن يُصبح وزيراً للصحة في حكومة ستارمر.

وهناك، بنى صورته على إصلاح المؤسسات وخفض الهدر بالتوازي مع زيادة الإنفاق، وهي الوصفة نفسها التي يقول إنه يريد نقلها الآن إلى وزارة الدفاع. ويأتي ذلك فيما تواجه بريطانيا ضغوطاً لرفع إنفاقها العسكري، واستمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التهديدات الروسية، في اختبار جديد لسياسي عُرف بمهاراته التنظيمية والإعلامية وطموحه القيادي.

... من حي ستيبني الشعبي إلى كمبريدج

وُلد ويسلي بول ويليام ستريتنغ عام 1983، ونشأ في سكن اجتماعي في حي ستيبني الشعبي بشرق لندن، لوالدين من الطبقة العاملة كانا في السابعة عشرة والثامنة عشرة من عمرهما عندما رُزقا به.

وحقاً، تختلف خلفية ستريتنغ العائلية عن الصورة التقليدية لمسيرة وزير بريطاني. فوفق قناة «سكاي نيوز» التلفزيونية وصحيفة «الغارديان»، كان جدّه لأمه لصّاً مسلحاً أمضى فترة في السجن، وعرف خلال سجنه الأخوين كراي، اللذين يعدّان من أشهر زعماء الجريمة المنظمة في لندن. كذلك أمضت جدته فترة في سجن هولواي، حيث التقت كريستين كيلر، إحدى أبرز الشخصيات المرتبطة بـ«فضيحة بروفومو» السياسية - الأخلاقية في ستينات القرن الماضي.

أما جدُّه لأبيه، وهو من قُدامى البحرية الملكية ومؤيد تقليدي للمحافظين، فكان من أكثر الشخصيات تأثيراً فيه خلال فترة طفولته.

دراسياً، تلقى ستريتنغ تعليمه المبكّر في مدرسة وستمنستر سيتي، وهي مدرسة حكومية لا علاقة لها بـ«مدرسة وستمنستر» الخاصة الشهيرة الواقع حرمها على مقربة من قصر البرلمان. وفي سن الرابعة عشرة، خاض انتخابات مدرسية تجريبية مرشحاً باسم حزب العمال وخسر، لكنه انضم إلى الحزب فعلياً في سن الخامسة عشرة.

وبعدها صار أول شخص في عائلته يدخل جامعة ويتخرّج فيها، وفق «رويترز» بعدما درس التاريخ في كلية سلوين بجامعة كمبريدج.

ميول قيادية منذ الجامعة

برزت ميول ستريتنغ القيادية منذ سنواته الجامعية. فقد انتُخب رئيساً لاتحاد طلاب جامعة كمبريدج، ثم تولّى عام 2008 رئاسة الاتحاد الوطني للطلاب في بريطانيا.

وهو على الرغم من انضمامه المُبكر إلى حزب العمال، لم يتردّد في معارضة بعض سياساته. بل إنه غادر الحزب لفترة قصيرة إبان سنوات الجامعة، وفق قناة «سكاي نيوز»، اعتراضاً على حرب العراق التي شاركت فيها حكومة توني بلير إلى جانب الولايات المتحدة.

ومن ثم، بعد تخرّجه، عمل ستريتنغ في القطاع التطوّعي، كما شغل مناصب قيادية في مؤسسات تُعنى بالتعليم ومواجهة عدم المساواة، قبل أن يتّجه إلى العمل السياسي المنتخب.

من المجلس المحلي... إلى وستمنستر

بدأ ويس ستريتنغ مسيرته الانتخابية عضواً في مجلس بلدية ريدبريدج (في منطقة لندن الكبرى) عام 2010، ثم أصبح نائباً لرئيس المجلس عندما سيطر حزب العمال عليه عام 2014.

وفي الانتخابات العامة عام 2015، انتُخب نائباً عن دائرة إيلفورد نورث في شرق لندن (وهي تقع ضمن ريدبريدج)، منتزعاً المقعد من حزب المحافظين. وظلّ يُمثّل هذه الدائرة منذ ذلك الحين.

وطوال سنوات حملة الـ«بريكست»، كان من أبرز المدافعين داخل الحزب عن بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، وأيّد إجراء تصويت شعبي ثانٍ على الاتفاق النهائي للخروج. لكنه لم يدخل فوراً الصفوف القيادية للحزب.

إذ إنه إبان عهد جيريمي كوربن، بقي بعيداً عن قيادة الحزب، وكان من معارضي توجّهات زعيمه اليساري. غير أنه بدأ صعوده السريع في المواقع الحزبية والسياسية بعد انتخاب كير ستارمر زعيماً للحزب عام 2020. في أعقاب ضرب تيار كوربن اليساري.

الصعود مع ستارمر

خلال أقل من سنتين، شغل ستريتنغ سلسلة من المناصب في المعارضة. ووفق السجلّ الرسمي للبرلمان، عيّنه ستارمر وزيراً في «حكومة الظل» لشؤون الخزانة في أبريل (نيسان) 2020، ثم ناطقاً باسم الحزب لشؤون المدارس في أكتوبر (تشرين الأول)، وبعدها لشؤون فقر الأطفال خلال مايو (أيار) 2021، قبل أن يعيّنه وزيراً للصحة في «حكومة الظل» في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه.

والحقيقة أن قدراته الخطابية والحوارية ساعدته على التواصل الإعلامي وخوض المواجهات السياسية، ومن ثم تعزيز حضوره البرلماني والشعبي. وهنا، تصفه «سكاي نيوز» - التي لا تعد قريبة من حزب العمال - بأنه أحد أفضل المتكلمين في صفوف الحزب وأكثرهم حضوراً، بينما تقول «رويترز» إن مؤيديه يعدُّونه من أكثر سياسيي «العمال» قدرةً على إضفاء الحيوية على رسالته السياسية.

مع هذا، ووسط صعوده السياسي، تعرّض مسيرته لتوقف مفاجئ في مايو 2021، عندما أعلن إصابته بسرطان الكلية وهو في سن الثامنة والثلاثين. وبالفعل، خضع على الأثر لجراحة لاستئصال الكلية، قبل أن يعود إلى البرلمان بعد نحو شهرين. وعام 2023، نشر مذكراته التي تناول فيها طفولته وعائلته ومسيرته الاجتماعية والسياسية.

فاز 825 صوتاً

وصل ويس ستريتنغ إلى الحكومة بعد الفوز الكاسح لـ«العمال» في انتخابات يوليو (تموز) 2024، لكنه كاد يخسر مقعده في تلك الانتخابات.

ففي حين حصد حزب العمال غالبية برلمانية ضخمة، احتفظ ستريتنغ بمقعد إلفورد نورث بفارق بسيط لا يزيد على 528 صوتاً فقط أمام المرشحة المستقلة البريطانية - الفلسطينية ليان محمد، التي بنت حملتها إلى حد كبير على معارضة موقف العمال من «حرب غزة»؛ إذ بلغ مجموع أصوات ستريتنغ يومذاك 15647 صوتاً، مقابل 15119 لمنافسته.

وبالتالي، أظهرت النتيجة هشاشة موقعه الانتخابي المحلي على الرغم من حضوره السياسي على المستوى الوطني، في دائرة شديدة التنوع كان لـ«حرب غزة» تأثير مباشر على خيارات ناخبيها، ولا سيما من المسلمين واليساريين.

قطاع «الصحة»... مختبر ستريتنغ

عُيِّن ستارمر ستريتنغ وزيراً للصحة يوم 5 يوليو (تموز) 2024، مُسنداً إليه واحدة من أصعب حقائب الحكومة. فهذه الحقيبة تشمل مسؤولية إدارة «خدمة الصحة الوطني» NHS التي كانت تواجه قوائم انتظار طويلة، وإضرابات للأطباء، وضغوطاً مالية وبيروقراطية متشعبة.

في البداية، توصَّل الوزير الجديد إلى اتفاق مع الأطباء المُقيمين أنهى موجة من الإضرابات، بيد أنه دخل لاحقاً في صدامات حادّة مع نقابتهم، «الجمعية الطبية البريطانية»، التي اتّهمها في مرحلة لاحقة بالتصرّف كـ«احتكار» (كارتل)، وفق «الغارديان».

أكثر من هذا، أثار ستريتنغ حفيظة الجناح اليساري في الحزب بسبب استعداده للاستعانة بالقطاع الخاص لتقليص قوائم الانتظار. ودافع عن ذلك بالقول إنه لا يجوز أن ينتظر المريض دوره لأسباب آيديولوجية إذا كانت الإمكانية العلاجية متاحة خارج القطاع العام. وفعلاً، أبرمت الحكومة في يناير (كانون الثاني) 2025 اتفاقاً مع مقدّمي الخدمات المستقلين لتوسيع علاج مرضى «خدمة الصحة الوطنية» في مرافق القطاع الخاص.

لكن قرار ستريتنغ الأكثر جرأة كان إلغاء مؤسسة «إن إتش إس إنغلاند» وإعادة وظائفها تدريجياً إلى وزارة الصحة، بهدف تقليص البيروقراطية وإنهاء تداخل الصلاحيات. وبرَّر في حينه القرار بأن النظام بات يضم جهازين يؤديان وظائف متداخلة. وبالنتيجة، سجلت قوائم الانتظار تراجعاً خلال ولايته.

واللافت أن الحكومة ذكرت أن مليوني موعد إضافي أُنجزت قبل الموعد المحدّد بسبعة أشهر، فيما أشار ستريتنغ إلى توفير خمسة ملايين موعد طبي إضافي خلال السنة الأولى، وتحقيق «أكبر انخفاض في أوقات الانتظار منذ 17 سنة». إلا أن تجدّد إضرابات الأطباء لاحقاً هدد - وفق «رويترز» - بتقويض جانب من هذا التقدم.

من حليف لستارمر إلى خصم ومنافس

بالتوازي، ظل ستريتنغ طامحاً إلى زعامة حزب العمال. لكن الخلاف بينه وبين ستارمر لم يخرج إلى العلن إلا في مايو الماضي، بعد سلسلة من النتائج الانتخابية السيئة للحزب، ففي يوم 14 مايو، كان ستريتنغ أول وزير كبير يستقيل مطالباً بتغيير قيادة الحزب. وكتب على «إكس» في رسالة استقالته: «حيث نحتاج إلى رؤية، هناك فراغ. وحيث نحتاج إلى اتجاه، هناك انجراف». وبعد يومين، أعلن أنه سيترشّح في أي سباق لخلافة ستارمر، لكنه رفض الدفع نحو منافسة فورية قبل منح بيرنهام فرصة للعودة إلى مجلس العموم، قائلاً إن سباقاً يستبعده سيفتقر إلى الشرعية.

إلا أنه بعد فوز بيرنهام في انتخابات ميكرفيلد الفرعية وعودته إلى مجلس العموم، أعلن ستريتنغ يوم 22 يونيو (حزيران) انسحابه من السباق ودعمه بيرنهام، قائلاً إن الحزب يحتاج إلى الوحدة بدلاً من «تضخيم الاختلافات الصغيرة». وبعد أقل من شهر، أعاده بيرنهام إلى الحكومة وزيراً للدفاع.

توجُّه «بليري»؟

يُصنَّف ستريتنغ عادة ضمن «يمين» حزب العمال، وهو لا يخفي إعجابه بتوني بلير. ووفق مصادر مطلعة، فإنه لو خاض سباق الزعامة، كان سيطرح برنامجاً أكثر قرباً من قطاع الأعمال من منافسيه المحتملين، كما سبق أن أعرب عن ضيقه من ارتفاع مستويات الضرائب في بريطانيا.

مع هذا، لا تتطابق مواقفه دائماً مع مواقف الجناح «البليري» في الحزب؛ إذ عارض «حرب العراق» وهو طالب، كما أنه من أبرز المؤيدين للتقارب مع الاتحاد الأوروبي. وذهب في مايو إلى حد الدعوة إلى عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي مستقبلاً، بعدما كان قد دعا إلى دراسة الانضمام مجدداً إلى اتحاد جمركي معه.

وإزاء الهجرة، تصفه «سكاي نيوز» بأنه أكثر ليبرالية من بعض زملائه، وأبدى تحفّظات عن جوانب من تشديد قواعد التأشيرات واللجوء، وعلى ترحيل العائلات التي تدخل بريطانيا بصورة غير نظامية.

أما حيال الإنفاق العام، فأظهر استعداداً لمواقف أكثر صرامة. وكان، وفق «رويترز»، أول وزير في حكومة ستارمر يدعو علناً إلى خفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية لتمويل زيادة الإنفاق الدفاعي.

من المستشفيات... إلى الصواريخ

هذه المواقف سبقت انتقاله إلى الدفاع، ولعلها أسهمت في اختيار بيرنهام له؛ فالوزارة التي تسلَّمها تواجه تحدّياً أساسياً: التوفيق بين الطموحات العسكرية المتزايدة لبريطانيا والموارد المتاحة لتمويلها. وكانت حكومة ستارمر قد أقرت في أيامها الأخيرة زيادة قدرها 15 مليار جنيه إسترليني في الإنفاق العسكري على مدى أربع سنوات. كذلك التزمت بريطانيا، في إطار «الناتو»، برفع الإنفاق الأساسي على الدفاع إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035.

وفي أول خطاب كبير لستريتنغ خلال معرض فارنبورو للطيران، قال إن الدفاع «يحتاج إلى الاستثمار والتحديث معاً»، مؤكداً أنه سيطبق في الوزارة الجديدة النهج نفسه الذي اتبعه في وزارة الصحة لخفض الهدر وتحسين الكفاءة.

وأعلن أن الحكومة أبرمت عقوداً دفاعية تتجاوز قيمتها 11.8 مليار جنيه خلال عشرة أيام فقط، وتعهد بأن تكون بريطانيا «حليفاً قوياً يمكن الاعتماد عليه» في الخارج، وأن تدعم الصناعات الدفاعية النمو والوظائف في الداخل.هذا، وجاءت بداية ستريتنغ في الوزارة أيضاً وسط اختبار سريع للتهديدات الأمنية التي ستتعامل معها. ففي أول أيامه، وصف مناورة روسية بالذخيرة الحية قبالة الساحل الإنجليزي بأنها «استعراضية وغير مسؤولة»، وقال إن الحادث ليس سوى «قمة جبل الجليد» من التهديدات التي تواجهها بريطانيا وحلفاؤها يومياً.


تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات

تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات
TT

تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات

تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات

تسلّم وزير الدفاع البريطاني الجديد ويس ستريتنغ حقيبته الجديدة من دون خبرة سابقة في الملفات العسكرية. إلا أنه يواجه تحدياً يشبه، إلى حد بعيد، ذلك الذي اختبره في وزارة الصحة؛ مؤسسة حكومية ضخمة تحتاج إلى تمويل أكبر، بالتزامن مع إصلاح طريقة إنفاقها.

كان ستريتنغ، قبل توليه الحقيبة، من أبرز الأصوات داخل حكومة كير ستارمر المطالبة بزيادة موارد القوات المسلحة. لكن مهمته الجديدة تتجاوز الضغط للحصول على التمويل؛ إذ يتعين عليه تحديث جيش تقلّص حجمه بصورة كبيرة منذ الحرب الباردة، وتسريع مشاريع تسليح تأخرت لسنوات، وتقليص الهدر والبيروقراطية، في وقت تتزايد التزامات بريطانيا تجاه حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوكرانيا والتهديدات العسكرية غير التقليدية.

بيانات جمعتها الـ«بي بي سي» كشفت عن حجم التراجع الذي شهدته القوات المسلحة في العقود الماضية. فعام 1990، كان عديد الجيش البريطاني 153 ألف جندي نظامي، مقابل نحو 73.8 ألف حالياً. كما انخفض عدد قوات الاحتياط من 76 ألفاً إلى نحو 25.8 ألف، وتراجعت طلبات الالتحاق بالجيش بنحو 40 في المائة عام 2025 مقارنة بالعام السابق.

الصورة مماثلة في سلاحي البحر والجو. إذ انخفض عدد السفن القتالية الرئيسة في البحرية الملكية من 48 عام 1990 إلى سبع فرقاطات وست مدمّرات، في حين تقلّص أسطول الطائرات القتالية من أكثر من 300 طائرة إلى 107 من طراز «تايفون»، و37 مقاتلة «إف – 35»، وإن كانت الطائرات الحديثة أكثر تطوّراً من سابقاتها.

وتكتسب هذه الأرقام وزناً أكبر في ظل ما وصفته مكتبة مجلس اللوردات البريطاني بأنه «أصعب بيئة أمنية منذ الحرب الباردة». فمراجعة الدفاع الاستراتيجية لعام 2025 اعتبرت أن الغزو الروسي لأوكرانيا أعاد إلى أوروبا احتمال الحروب الواسعة بين الدول، وكشف عن أهمية الجاهزية العسكرية والمخزونات والقدرة الصناعية. وحذّرت من تصاعد التهديدات الهجينة، من الهجمات الإلكترونية والتخريب إلى حملات التضليل واستهداف البنية التحتية الحيوية، ودعت إلى الانتقال نحو «الجاهزية لخوض الحرب»، مع زيادة الاعتماد على المسيّرات والذكاء الاصطناعي وربطها بالقوات التقليدية.

ولكن المشكلة لا تقتصر على حجم الموارد البشرية والعتاد العسكري. فقد أشار «مكتب التدقيق الوطني» إلى أن وزارة الدفاع تواجه منذ سنوات صعوبات في تسليم مشاريعها ضمن الميزانية والجدول الزمني المحددين. ومن أصل 47 مشروعاً دفاعياً مدرجاً ضمن أكبر مشاريع الحكومة، صُنّف 12 منها في خانة «الأحمر»، أي أن تنفيذها الناجح بات غير مرجح. كما يستغرق إبرام عقد تزيد قيمته على 20 مليون جنيه إسترليني في المتوسط ست سنوات ونصف السنة، وفق الـ«بي بي سي».

وتزداد حساسية مهمة ستريتنغ؛ لأن سلفه في وزارة الدفاع، جون هيلي، أصبح وزيراً للخزانة، وبات مسؤولاً عن توفير الأموال التي كان يطالب بها سابقاً. وتلتزم بريطانيا رفع الإنفاق الأساسي على الدفاع إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي بحلول 2035، ضمن هدف أوسع لـ«ناتو» يبلغ 5 في المائة للأمن الوطني.