كتاب مصريون: الرواية والفلسفة وكتب السيرة في الصدارة

أشرف العوضي  -  أحمد الحلواني  -  بهيج إسماعيل
أشرف العوضي - أحمد الحلواني - بهيج إسماعيل
TT

كتاب مصريون: الرواية والفلسفة وكتب السيرة في الصدارة

أشرف العوضي  -  أحمد الحلواني  -  بهيج إسماعيل
أشرف العوضي - أحمد الحلواني - بهيج إسماعيل

تنوعت قراءات الكتاب المصريين في عام 2019 ما بين الرواية والمسرح والفلسفة والقصة والكتب ذات التوجه الفكري، فضلاً عن الترجمات الأدبية والشعر.
- بهيج إسماعيل: «الأسرار» و«أغرب من الخيال»
- أؤمن بأن الثقافة كمفهوم عملي هي التنقل الحر بين العلوم والمجالات المتنوعة، لذلك تعكس قراءاتي هذا التنوع والذي يراه البعض تناقضا، ولكني أحيا بين الشعر والأدب والعلم والفلسفة، وأنا أكتب روايتي «الذئب» قرأت مجموعة من الكتب لا بأس بها، وجاء كتاب «الأسرار» الأول وفق ترتيبه على مكتبي، وهو للكاتب «ديباج شبرا» وهو في الأصل طبيب يعيش في لندن وله جذور هندية ويناقش الكتاب في خمسمائة صفحة ثلاثة محاور رئيسية، الأول «من أنا؟»، والثاني «من أين أتيت؟»، والثالث والأخير جاء تحت عنوان «لماذا أنا هنا؟». ويصعب الحديث عن هذا الكتاب الضخم هنا بشكل تفصيلي ولكنه أجاب عن الأسئلة الثلاثة الكبرى بشكل صريح ومدهش.
كما أعدت قراءة مسرحيات صلاح عبد الصبور الشعرية، وأيضا كتاب «أيام صلاح جاهين» للكاتب محمد توفيق، وقرأت كتاب «الأمير» لميكافيللي، وكذا كان لي أن أقرأ خمسة كتب كاملة للدكتور خالد منتصر أصدرتها له مؤسسة «بتانة» للنشر وأعتبر منتصر الكاتب الأجرأ في مصر الآن، وكذا أعجبت بعناوين الكتب مثل «هذه أصنامكم وهذه فأسي»، و«لكم أسلافكم ولي سلفي»... وهكذا.
وقرأت «أغرب من الخيال» لـ«راجي عنايت»، وكتاب «التخاطر واليوجا» أيضا، وأمتعتني قصة حياة سلامة موسى، وآخر أيام مي زيادة في مصر، وفي الفلسفة قرأت خمسة كتب للدكتور زكريا إبراهيم أستاذ الفلسفة المعروف منها «مشكلة الإنسان»، و«مشكلة الحب»، وفي تقديري من المهم لأي شخص يبغي التثقف أن يقرأ للدكتور زكريا إبراهيم.
- مصطفى نصر: «ليس لدى الكولونيل من يكاتبه»
- أعجبت بكتاب الراحل علي أبو شادي «السينما والسياسة»، ولُمت نفسي لأنني لم أقرأه فور صدوره، يربط أبو شادي فيه بين السياسة والسينما، خاصة في الفترة الساداتية التي أعطت الضوء الأخضر لبعض السينمائيين لكي يهاجموا عبد الناصر وعصره، بداية من فيلم الكرنك المأخوذ عن رواية لنجيب محفوظ، سيناريو وحوار وإنتاج ممدوح الليثي، ومن إخراج علي بدرخان الذي وقع في أسر الشعارات التي تبحث عن الحرية وسيادة القانون.
وأعجبت أيضا برواية عمرو كمال حمودة المعنونة «سكر أسود»، فقد وظف الكاتب فيها خبرته النادرة ومعرفته بطرق التجارة العالمية في صناعة السكر، كما استغل الكاتب قربه من كبار رجال الأعمال وفضح تصرفاتهم وصراعاتهم، كاشفا للقارئ أشياء يسمع عنها لأول مرة. وأقرأ الآن رواية ماركيز «ليس لدى الكولونيل من يكاتبه»، بمناسبة رحيل صالح علماني الذي نقل إلينا هذه الرواية عن الإسبانية، وأنوي أن أقرأ باقي روايات ماركيز التي ترجمها صالح علماني، فهو مترجم صاحب كفاءة، يعرف كيف يحافظ على روح العمل الذي يترجمه ويقدمه للقارئ بلغة شيقة ممتعة.
- أشرف العوضي: من العقاد إلى آسيا
- أصبحت القراءة ممنهجة وموجهة وذلك لعدم وجود الوقت الكافي كما كنا في السابق نقرأ أي شيء نستطيع الحصول عليه، ولاهتمامي بكتابة رواية عن فترة العشرينات، فقد كانت معظم قراءاتي تصب في هذا الاتجاه، من مراجع تاريخية ومذكرات شخصية وشهادات ممن عاصروا تلك الفترة. لذلك كنت سعيدا بحصولي على نسخة نادرة من كتاب «أنا» للكاتب الفذ عباس محمود العقاد عملاق الفكر العربي، وهذه النسخة هي الطبعة الأولى لكتاب «سيرة خاصة» جدا والذي أراه من أهم كتب السيرة في القرن العشرين.
ولأنني من عشاق قارة آسيا ودائم السفر لها فقد اقتربت من الانتهاء من قراءة قصة «سنغافورة مذكرات لي كوان يو» والذي يروي أحداثها وكاتبها هو رئيس وزراء سنغافورة الأسبق، حيث يحكي تجربة هذه المدينة الفريدة وكيف تحولت من بلد صغير به الكثير من الكوارث إلى بلد يُضرب به المثل الآن في الالتزام واحترام القوانين والعدل.
كما حظيت بقراءة مكثفة للكاتب محمد المنسي قنديل، حيث قرأت له هذه العام خمس روايات هي «انكسار الروح»، «قمر على سمرقند»، «يوم غائم في البر الغربي»، «أنا عشقت» وحاليا أقرأ «كتيبة سوداء».
وأعتقد أن خيري شلبي الروائي الأثير إلى قلبي دائما له نصيب من قراءاتي وقد انبهرت بما كتبه في الرحلة الروائية «فلاح مصري في بلاد الفرنجة» فرغم قِدم الكتاب الصادر عن دار المعارف فإن الدهشة بما رأى وبما كتب تظل طازجة رغم كل تلك السنين.
كما قرأت لمحمد البساطي مرة أخرى في الأعمال الكاملة الصادرة عن الهيئة العامة المصرية للكتاب، حيث لا أمل من العودة مرة أخرى إلى ذلك المنجز الأدبي الرفيع. كذلك استمتعت بقراءة ترجمة، في مجلدين، النسخة العربية لموسوعة «ألف ليلة وليلة» أو «الليالي العربية»، لـ«أورليش مارزوف وريتشارد فان ليفن»، من ترجمة وتقديم السيد إمام.
قرأت الرواية الأخيرة للكاتب «باولو كويلو» أحد الكتاب المفضلين لدي والتي حملت عنوان «هيبي» وأيضا قرأت رواية «الزوجة المكسيكية» لإيمان يحيى لعشقي ليوسف إدريس في المقام الأول ولقوة الرواية في المقام الثاني، كما استمتعت بداية العام بقراءة رواية «طقس» لأمير تاج السر.
- أحمد الحلواني
- كتاب «في أثر عنايات الزيات» للشاعرة «إيمان مرسال» من أكثر الكتب التي شغلتني هذا العام، وهو محاولة صادقة في البحث بعمق عن مسار حياة «عنايات الزيات» المأساوي صاحبة الرواية الوحيدة «الحب والصمت»، والتي قررت في النهاية أن تنهي حياتها بالانتحار. كتاب حافل بالقصص والنقد المجتمعي في لغة تكاد تكون شعرا، وتغوص بنا إيمان مرسال بين السيرة الحقيقية في استقصاء متعمق عن سيرة حياتها وأصدقائها والطريق الذي أدى بها لتلك النهاية المفجعة، والتخيل لملء الكثير من الأمور الغامضة عن تلك الكاتبة.
وقرأت رواية «عنكبوت في القلب» للشاعر الروائي محمد أبو زيد، هي رواية تجمع بين الفنتازيا العجائبية والواقعية السحرية، ومن خلالهما يتشكل المنحى الرئيسي للسرد، والرواية تحاول في بساطة السخرية من هذا العالم، وما أعجبني في هذه الرواية هي قدرة المؤلف على التلاعب التجريبي، والخوض في الإنساني والتراثي فاستعان بعلاء الدين ومصباحه السحري، والجن، حتى الببغاء أطلق عليه «تأبط شرا» وهو شاعر من شعراء الصعاليك، و«سنو وايت»، وغيرهما من الشخصيات المتخيلة، والتماس مع الشخصيات الواقعية مثل شخصيتي «بيبو» الذي يعمل في مستشفى العباسية للأمراض النفسية، و«ميرفت» التي تحيا حياة مغلقة، وهما الشخصيتان المركزيتان في الرواية. كل هذا يميل أحيانا للسخرية من الواقع، والرواية في مجملها تعتبر من الخطوط الجديدة غير المطروقة مما يجعل منها صرخة في وجه المألوف والتقليدي.
أيضا رواية «رواق البغدادية» للكاتب الروائي أسامة السعيد، وهي رواية تاريخية تخيلية يتجادل في داخلها الزمن الماضي والحاضر في نسيج روائي مليء بالشغف والإثارة، ومقارنة النساء في كلا العصرين، وما ينالهم من قهر ما بين القاهرة المملوكية قديما، والقاهرة فيما قبل 2011 حديثا، وعنوان الرواية يشير إلى «رواق البغدادية» في العصر المملوكي وهو المكان الذي كانت تودع فيه النساء اللاتي طلقن أو هجرن، حتى يتزوجن أو يرجعن إلى أزواجهن صيانة لهن، وكأنه نوع من أنواع العقاب والزجر.
- نجوى السودة: أعمال ليسبكتور
- الأعمال الكاملة لـ«كلاريس ليسبكتور»، حيث يعد هذا الكتاب من أفضل ما قرأت في هذا العام لذلك كنت سعيدة بترجمته، وتعتبر كلاريس أعظم كاتبات العصر الحديث وللأسف لم تنل قدرها بعد في العالم العربي، بالأحرى لم يذكرها أحد، ويقع أول عمل في هذا المجلد، في الأقسام التي تحمل عنوان «القصص الأولى» و«الروابط العائلية»، فلا يحيد ما يحتويه المجلد عن نطاق الأدب القصصي، وتتسم البيئة في معظم أجزائها بالجو العائلي وحكاياتها إذا ما نظرنا إليها من حيث الجوهر خالية من الأحداث الهامة أو المعقدة.


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
يوميات الشرق رواية تائهة بين قارّتين (مكتبة بيرنسديل في «فيسبوك»)

كتاب يضلّ الطريق... ويعبُر العالم إلى أستراليا

ليس من المألوف أن تتحوَّل عودة كتاب مُعار من مكتبة إلى قصة يكتنفها الغموض.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.


صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار
TT

صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل وفكرته الأساسية تقول: «صمتُ المظلوم ليس استسلاماً، بل شروعٌ في صياغة لغةٍ جديدة، أشدُّ فتكاً من الصراخ، إنه الصمتُ الصاخب».

تدور أحداث الرواية، الصادرة أخيراً عن «دار تشكيل» بالقاهرة، داخل أسوار أحد السجون، تحديداً بين عدد كبير من المثقفين والمفكرين وقادة الرأي العام على غرار ما كان يحدث في حقب زمنية سابقة من اعتقال سياسي بهدف تكميم الأفواه حين تختلف السلطة مع معارضيها وتقرر التنكيل بهم، فلا تجد أمامها سوى الزج بهم بشكل جماعي وراء الأسوار.

يركز النص على استبطان الحالة النفسية للشخصيات الرئيسية مثل الراوي و«الصول مسعود» ومأمور السجن وبعض النزلاء الجنائيين، وكيف أن الصمت المشحون بانفجار قادم يشكل لغزاً يستعصي على الفهم، فيما يسخر المأمور من الشعراء ويتهمهم بالتخاذل والعيش في عوالم وهمية بعيداً عن الواقع.

اتسمت اللغة السردية بالإيقاع السريع والمشاعر المتأججة بين السطور، دون استطراد يوقع العمل في شراك الرتابة، كما عمد المؤلف للدخول في بؤرة الصراع النفسي بين جميع الأطراف دون تمهيد، ما جعل الرواية تفيض بالتشويق والإثارة النفسية منذ الصفحة الأولى.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«بالأمس، وما إن غادرني الجميع متجهين إلى العمل بالورش، حتى انفتح باب العنبر ودخل الصول مسعود، كبير السجّانين وأقدمهم هنا. بيني وبينه علاقة بدأت عادية، ثم تحوّلت بمرور السنوات إلى ما يشبه الرفقة الحذرة التي تجمع رجلين يحترقان في فرنٍ واحد، اقترب مني بخطواته الثقيلة، ثم ألقى بجسده الضخم إلى جواري، برم شاربه الكثيف كعادته، وفرك فروة رأسه الكبيرة قبل أن يخرج صندوق سجائره، أشعل لنفسه سيجارة، ثم مدّ إليّ أخرى بصمت، بلا كلمة منه ولا مني، كأنما يدرك أن الكلام عندي أصبح شحيحاً، نادراً كقطرة ماء في صحراء قاحلة، نفث دخانه الأول، ثم بدأ يمطرني بأسئلة متلاحقة، كلها تدور حول ما بعد الصمت، ماذا نُخفي؟ وإلى أين سيقودنا هذا الهدوء المريب؟ أكمل سيجارته دون أن ينتزع مني جواباً واحداً، ورغم يقيني بإخلاصه، فالحيطة في أيام الحرب واجبة، فنحن نحارب قائده الجلّاد، ومن السهل أن تنزلق أسرارنا من فم مسعود تحت ضغط المأمور، مهما كان قلبه معنا، وحين أنهى سلسلة أسئلته، مال نحوى وقال بصوت خفيض:

ـ أريدك أن تأتي معي إلى مكتب المأمور.

رفعت يدي دون تفكير، وقاطعته بنظرة حادة كحدّ السكين:

ـ ماذا يريد مني المأمور؟

ابتسم ابتسامة باهتة، ثم عاد يلوّي شاربه كما لو أنه يبحث عن وقت إضافي قبل أن ينطق:

- من المؤكّد أنّه سيُعيد عليك أسئلته التي تؤرّقه حول أسباب صمتكم، وإلى أيّ مدى سيطول، فثمة ما ينهش يقينه بأنّ أمراً جللاً يوشك أن يقع داخل السجن عقب هذا الصمت المفاجئ».