تعقيدات المشهد اليمني: الحوثيون.. الواقع الجديد ( 3 - 3)

أصبحوا القوة الأكثر حضورا وتأثيرا في القرار السياسي.. وفرضوا آراءهم حتى على الرئيس

يمني مؤيد لجماعة الحوثيين يرفع صورة زعيمها عبد الملك الحوثي أثناء مظاهرة في صنعاء (أ.ف.ب)
يمني مؤيد لجماعة الحوثيين يرفع صورة زعيمها عبد الملك الحوثي أثناء مظاهرة في صنعاء (أ.ف.ب)
TT

تعقيدات المشهد اليمني: الحوثيون.. الواقع الجديد ( 3 - 3)

يمني مؤيد لجماعة الحوثيين يرفع صورة زعيمها عبد الملك الحوثي أثناء مظاهرة في صنعاء (أ.ف.ب)
يمني مؤيد لجماعة الحوثيين يرفع صورة زعيمها عبد الملك الحوثي أثناء مظاهرة في صنعاء (أ.ف.ب)

فرض الحوثيون باقتحام صنعاء واقعا جديدا، كان مرا بالنسبة لخصومهم السياسيين، وحتى بالنسبة للرئيس عبد ربه منصور هادي، الذي آلمه سقوطها في أيدي حركة مسلحة وهو رئيس الدولة، وأشعرته بالانكسار والشلل، فنزح هو الآخر من منزله العامر في شارع الستين الغربي بصنعاء إلى دار الرئاسة بمحيط النهدين، الذي رفض السكن فيه خلال الأعوام الـ3 الماضية من رئاسته للبلاد لمخاوف أمنية.
وبالواقع الجديد الذي فرضه الحوثيون على صنعاء يوم 21 سبتمبر (أيلول) أصبحوا هم القوة الأكثر حضورا وتأثيرا في القرار السياسي، وقد بدأت بممارسة هذا الدور فعلا من خلال رفضها قرار الرئيس هادي تكليف مدير مكتبه (بن مبارك) بتشكيل الحكومة، الذي استجاب له الرئيس فورا، كما سيستجيب أيضا لمطالبهم التالية، وسيستفيد الحوثيون من الرئيس في «حكومة السلم والشراكة» لترتيب أوضاعهم كما فعل «الإخوان» في حكومة الوفاق.
فالحوثيون الذين يسيطرون على الوضع الأمني في صنعاء والحديدة ومناطق أخرى يسعون أيضا إلى السيطرة على الإدارة الأمنية في البلاد، ويرتبون لدمج 20 ألفا من مسلحيهم ضمن المؤسستين العسكرية والأمنية في خطوات يستهدفون من ورائها امتلاك ناصية القرار، فهم يتقمصون دور «حزب الله» في لبنان، ويسعون لأن يكونوا الثلث المعطل ضمن شراكة سياسية واسعة. ولعل بوادر تشكل الخارطة السياسية الجديدة كانت قد بدأت ملامحها بالظهور من خلال التنسيق مع جماعة الحوثي (أنصار الله) لإنجاح إسقاط حكومة باسندوه التي شاركت فيها بصورة أو بأخرى قيادات مؤتمرية، وأحزاب قومية ويسارية، وتيارات دينية موالية لحركة الحوثي، وهذه الخارطة التي بدأت تتشكل ستهدد ببعض قواها بتفكك اللقاء المشترك الذي يتزعمه حزب الإصلاح «الإخواني»، وستكون هذه التحالفات الجديدة هي الكفيلة بتشخيص مستقبل العملية السياسية والمآلات التي ستفضي إليها، لكن الشيء المؤكد أن هذه الخارطة ستخلق تحالفات يدين جزء كبير منها بالولاء لإيران ولأجندتها السياسية، قد تقوض العملية الديمقراطية، وتعيد عقارب الساعة إلى الوراء بمسافات ضوئية.
فالحوثيون لديهم مشروع «مذهبي» يسيرون باتجاهه للوصول إلى الحكم والسيطرة عليه، وهذا المشروع الذي أسقط صنعاء بقوة السلاح، سيتقاطع - بالتأكيد - مع دعوات وتوجهات بناء الدولة المدنية الحديثة التي ينادي بها كل أبناء الوطن اليمني، كما تنادي بها الأحزاب السياسية والتيارات الشبابية التي تعاطت مع دعوات الحوثيين لـ«إسقاط الحكومة، وإلغاء الجرعة». فمعظم القوى اليمنية الراغبة في التغيير تسعى إلى تحقيق العدالة والحرية والمواطنة المتساوية، وهو ما لا يمكن له أن يتحقق إلا بمشروع وطني تحديثي يجد الجميع فيه غايته، ويضع القناعات العقدية والفكرية والمذهبية جانبا، ويرفض العنف والسلاح، ويتجنب أيضا إملاء الممارسات وتعميم الطقوس والشعارات الخاصة بأي جماعة أو حزب أو فئة.
ومن هنا، وفي إطار هذا التوجه للتغيير، فقد جرب اليمنيون حكم اليسار واليمين، والوسط، والاشتراكي والمؤتمر، والإخوان على مدى عقود، فلماذا لا يجرب اليمنيون الواقع الجديد، الذي فرضه ويفرضه الحوثيون؛ فقد أصبحوا القوة الجديدة الموجودة في الساحة، التي لا بد من الاعتراف بها والتعامل معها؟ وبرأيي أن قواعد اللعبة السياسية كانت تقتضي إشراك الحوثيين في الحكومة وفي الهيئات المنبثقة عن مؤتمر الحوار من وقت مبكر وبمجرد انتهاء المؤتمر من أعماله. صحيح أن الحوثيين حركة مسلحة، وتعتمد السلاح في فرض خياراتها، لكنها بالمقابل ليست القوة المسلحة الوحيدة خارج المؤسستين الأمنية والعسكرية في البلاد التي تتعامل بمنطق القوة والسلاح، فهناك الحراك المسلح في الجنوب، وهناك الميليشيات الحزبية المسلحة التابعة لحزب الإصلاح (إخوان اليمن)، وهناك أيضا ميليشيات قبلية مسلحة منتشرة على طول اليمن وعرضه، وبالتالي فحل هذه الميليشيات وسحب أسلحتها الثقيلة لا يمكن أن يجري إلا عبر دمجها في العملية السياسية، وإشراكها في تحمل المسؤولية الأمنية والوطنية في البلاد، طالما أن الدولة عاجزة عن مواجهتها ووقف أنشطتها المسلحة.
لكن بالمقابل يجب أن لا ننسى أنه قد سبق الاعتراف بالحركة الحوثية وجرى إشراكها في مؤتمر الحوار الوطني وهي مسلحة، وجرى القبول بنتائج مواجهاتها مع السلفيين في دماج، حيث جرى تهجير السلفيين من مناطقهم برضاء ورغبة رئاسية وهي مسلحة، وجرى أيضا القبول بالحوثيين والتعامل معهم إيجابيا بعد اقتحامهم المسلح لمدينة عمران والسيطرة على أحد أهم وأقوى ألوية الجيش فيها (اللواء 310) وقتل قائده وأبرز ضباطه، ثم أخيرا جرى القبول باقتحامهم المسلح للعاصمة صنعاء وسيطرتهم على المؤسسات والدوائر الحكومية فيها.
وإذن، فالحوثيون أصبحوا واقعا موجودا على الأرض، وأصبحوا جزءا من العملية السياسية القائمة خاصة بعد التوقيع معهم بمشاركة مختلف القوى والأحزاب السياسية المشاركة في السلطة على وثيقة «السلم والشراكة الوطنية»، التي جرت بإشراف أممي ومباركة إقليمية ودولية.
> المخاوف والتداعيات المحتملة:
القبول بالحركة الحوثية والتعامل معها بوصفها شريكا قويا ومؤثرا في الساحة السياسية اليمنية، أمر يجب أن تستوعبه كل أطياف العمل السياسي، ولكن ليس لكونها حركة مرتبطة بالسلاح ومتمسكة بفرض خياراتها بالقوة، وإنما بافتراض أنها ستتحول إلى حركة سياسية، يكون لها برنامج مدني يرفض ممارسة العنف واستخدام السلاح، ويقبل بالآخر المختلف. أما في حالة استمرار تمسك الحوثيين بمنطق القوة والسلاح فمشروعهم سيظل يحتمل الكثير من المخاوف، فهو سيتقاطع مع أحاديث قادتهم عن الدولة المدنية، والحقوق والحريات، والعدالة والمساواة، ليتحول إلى مشروع يحميه السلاح، وتحكمه وتسيطر عليه أفكار واتجاهات مذهبية متعصبة.
ومشروع الحركة الحوثية الذي يتماهى أصلا في أهدافه ومراميه مع المشروع الإيراني في المنطقة، سيشكل من وجهة نظر سياسية محلية وإقليمية تهديدا لأمن واستقرار اليمن ودول المنطقة في الجزيرة والخليج، ذلك لأن المشروع الإيراني يقوم على توجهات سياسية - مذهبية تنطوي على عدد من المخاطر المحتملة، أهمها:
- إحياء الصراعات المذهبية والطائفية في المنطقة، التي ستقود حتما إلى تفكيك النسيج الاجتماعي، وتخل بقيم ومفاهيم التعايش والسلام بين الأسر والأفراد.
وكما تحاول إيران أن تكون الحركة الحوثية ذراعها القوية في المنطقة، ستسعى من خلالها لاستنهاض وإثارة التجمعات الشيعية في الجزيرة والخليج، فهناك في السعودية تتكاثر هذه التجمعات، ففي المنطقة الجنوبية توجد «الزيدية، والإسماعيلية» في نجران، وعسير، وجيزان، القريبة من مركز الزيدية (الهادوية) في صعدة اليمن، وفي المنطقة الشرقية توجد التجمعات الشيعية في الأحساء، والخبر، والظهران، ومناطق أخرى كالقطيف، والدمام، التي تتبنى المذهب الشيعي الجعفري (الاثني عشري). هذا هو الخطر نفسه الذي ينذر بالتمدد إلى بقية دول الخليج كدولة البحرين، المهيأة أصلا لانفجار الوضع فيها، وكذلك الكويت والإمارات، وكلها ستكون بالتأكيد بؤرا موقوتة قابلة للتفجير في أي لحظة يستعر فيها الصراع الطائفي والمذهبي في اليمن.
- السعي إلى فرض ثقافة التشيع ونشرها، وتعميم ولاية الفقيه، كما هو الحال في جنوب لبنان، وكما حاولت وتحاول إيران أن تجد لها موطئ قدم في مناطق التشيع في السودان وبعض دول أفريقيا ودول شرق آسيا.
- استكمال حلقة وجودها - إن لم نقل سيطرتها - على المضايق البحرية في البحرين العربي والأحمر، والبحث عن موطئ قدم في مضيق باب المندب، الذي يتحكم في الملاحة البحرية الدولية باتجاه دول الشرق الأفريقي وقناة السويس، وهو الذي أثار الكثير من المخاوف وردود الفعل لكثير من دول المنطقة.
فإيران تحاول من خلال التلاعب بالأوراق السياسية والطائفية والمذهبية في المنطقة، ومن نافذة المشكلة اليمنية، تعزيز نفوذها ووجودها في منطقة الجزيرة والخليج، كدولة إقليمية محورية، يهمها كثيرا تقوية مكانتها في المجتمع الدولي ليسهل لها الضغط على دول المنطقة، ولتتحكم في نهاية المطاف بمسار القرار السياسي فيها.
وعليه، فستكون انعكاسات الوضع الجديد في اليمن خطيرة على دول الخليج العربي أيضا، إذا ما استمر تفاقم الحالة الأمنية وغياب الدولة كما هو عليه اليوم.
> على المستوى الداخلي:
أما على المستوى الداخلي، فلا شك أن استمرار سيطرة الحركة الحوثية على صنعاء، والسيطرة على مؤسسات الدولة في بقية المحافظات بقوة السلاح بمقابل استمرار غياب الدولة، فمن غير المستبعد أن تكون له تأثيراته وانعكاساته السلبية على مستوى الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية العامة في البلاد، وسيجرها إلى منزلقات ومخاطر لن تكون أقل سوءا وفداحة مما يجري في سوريا والعراق، خاصة أن جزءا كبيرا من سلاح الجيش اليمني لم يعد في يد الجيش وحمايته، بل أصبح في أيدي الميليشيات المسلحة، حزبية، وحراكية، وقبلية منفلتة.
ومن هنا، يبدو اليمن مهيأ لمواجهة عدد من المخاطر المحتملة لعل من أهمها وأبرزها:
- انفلات الدولة (على انفلاتها)، وتفكك البنية الأساسية لمؤسسات الدولة وهيئاتها، التي تأتي في مقدمتها المؤسستان العسكرية والأمنية، لتحل محلهما العصابات المسلحة والفوضى والدمار.
- خطر نمو التنظيمات الإرهابية المسلحة، الأمر الذي سيستنهض معه الصراع «المذهبي» والعنصري في اليمن ما يهدد بنشوء حرب أهلية بهوى طائفي تكون أطرافها الأساسية جماعات دينية مذهبية «سنية - شيعية» متطرفة، وسيكون - بالتأكيد - تنظيم القاعدة في جزيرة العرب (أنصار الشريعة) جزاء كبيرا منها، ومن اللعبة القذرة التي يخطط لتمريرها في اليمن، الأمر الذي سيدفع بتكتلات إقليمية لأن تمول وتذكي الصراعات والحروب على دماء اليمنيين وأشلائهم، وحينها سيسمح وفقا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم (2140) لسنة 2014م بالتدخل العسكري الدولي تحت البند السابع ليصبح اليمن بعدها مسرحا للحروب والصراعات الدولية والإقليمية.
- تصاعد نشاط الحراك الجنوبي «الانفصالي» المسلح، الذي فتح الحوثيون شهية قادته لمحاكاة أنشطتهم، والتحرك لتنظيم الاعتصامات السلمية (!!!) في ميادين مدينة عدن وساحاتها، وإقامة المخيمات المسلحة بمحيطها تمهيدا لتكرار ما حدث في صنعاء.
والحوثيون الذين يبدون في حالة تنسيق مع الحراك الجنوبي أوفدوا ليلة 14 أكتوبر (تشرين الأول) ممثليهم للمشاركة في احتفالات الحراك بالذكرى الـ51 للاستقلال، وتدشين المظاهرات والاعتصامات لما يسمونه بـ«فك الارتباط عن الشمال» لفك عرى الوحدة، والعودة باليمن إلى ما قبل مايو (أيار) 1990م، وهو ما يخشى من حدوثه إذا ما ازداد الوضع اليمني تعقيدا، وتواصل انفلات الوضع الأمني، وخروج الدولة عن جاهزيتها. لعلي هنا قد أفرطت في بعض التوقعات والاحتمالات المتشائمة، لكنها في واقع الحال قراءة عجلى لتداعيات خطيرة ومتسارعة شهدها ويشهدها اليمن في المرحلة الراهنة، غير أننا، نحن اليمنيين، تعلمنا من اشتداد الأحداث انفراجها، فالحكمة اليمانية تتدخل عادة في اللحظات الأخيرة، ونحن نراهن عليها، كما يحلو لنا أيضا أن نتوسم ببيتي شعر الإمام الشافعي رحمه الله الذي يقول فيهما:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى
ذرعا وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكنت أظنها لا تفرج

* رئيس مركز الوحدة للدراسات الاستراتيجية بصنعاء ووزير الثقافة اليمني السابق

تعقيدات المشهد اليمني: سقوط صنعاء (2 - 3)
تعقيدات المشهد اليمني: الانقلاب على المبادرة الخليجية ( 1 - 3)


أزمة تمويل «أوصوم» تثير مخاوف أممية من تراجع مكافحة الإرهاب بالصومال

جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
TT

أزمة تمويل «أوصوم» تثير مخاوف أممية من تراجع مكافحة الإرهاب بالصومال

جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)

تتصاعد مخاوف من تنامي نفوذ الجماعات الإرهابية بالصومال في ظل فجوة التمويل الدولي لبعثة الاتحاد الأفريقي (أوصوم)، كان أحدثها تلك التي عبَّر عنها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي دعا لتوفير دعم ثابت ومستدام.

تلك المخاوف الأممية تتزامن مع إمكانية سحب أوغندا قواتها من البعثة، وسبقتها مخاوف مصرية من تداعيات نقص التمويل.

ويرى خبير في الشؤون الصومالية والأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا الأمر قد يقود لتراجع مكافحة الإرهاب، مما يعزز من فرص إعادة تمدد «حركة الشباب» المتشددة بالصومال، مؤكداً على أهمية التمويل وثباته في تلك المرحلة الانتقالية بهذا البلد الأفريقي المثقل بالأزمات.

وخلفاً لبعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية (أتميس)، التي انتهت ولايتها آخر 2024، بدأت بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد «عملياتها الإرهابية» في الصومال منذ 15 عاماً.

مطالبات أممية

وأمام قمة الاتحاد الأفريقي، السبت، حثّ غوتيريش المجتمع الدولي على توفير تمويل ثابت ومستدام لدعم بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، وآلية تمويل موثوقة لضمان فاعلية واستدامة البعثة في مواجهة التهديدات الأمنية، منتقداً مجلس الأمن الدولي لعدم اتفاقه على تمويل البعثة من خلال مساهمة إلزامية.

ووصف غوتيريش في كلمته مهمة الصومال بأنها اختبار لالتزام المجتمع الدولي بدعم عمليات حفظ السلام التي تقودها دول أفريقية، متسائلاً: «إذا كانت بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال لا تستحق الدعم الدولي، فمن الذي يستحقه إذن؟».

وأضاف غوتيريش أن الأمم المتحدة تجري مراجعة شاملة لعمليات حفظ السلام التابعة لها لضمان واقعية ولاياتها، وترتيب أولوياتها بشكل سليم، وتوفير التمويل الكافي لها، وأن تكون مصحوبة بخطة انتقال واضحة.

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن تصريحات غوتيريش حول أزمة تمويل بعثة دعم الاستقرار في الصومال تعكس قلقاً حقيقياً داخل الأمم المتحدة من أن ضعف التمويل قد يعرقل مسار مكافحة الإرهاب، خصوصاً في ظل استمرار تهديد «حركة الشباب».

وأضاف قائلاً إن عدم إلزامية المساهمات «يؤكد صعوبة التخطيط طويل المدى للعمليات الأمنية، واحتمال تقليص القوات كما رأينا من أوغندا أو الدعم اللوجيستي، وهذا قد يؤدي إلى إبطاء العمليات ضد الجماعات المسلحة، وخلق فراغات أمنية في بعض المناطق المحررة، وزيادة الضغط على القوات الصومالية».

وأكد وزير الخارجية وشؤون المغتربين الكيني، موساليا مودافادي، في سبتمبر (أيلول) 2025، أن البعثة تُواجه تحديات تمويلية جدية، ما يستدعي تضافر الجهود الدولية لتأمين موارد كافية تضمن نجاح مهامها في مكافحة الإرهاب.

ودعا مودافادي المجتمع الدولي إلى تقديم دعم مالي ولوجيستي مستدام للبعثة، لتمكينها من مواجهة التحديات الأمنية، وعلى رأسها تهديدات «حركة الشباب» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، وضمان انتقال تدريجي للمهام الأمنية إلى الحكومة الصومالية.

وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية. عقب استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي نظيره الصومالي حسن شيخ محمود بمدينة العلمين بشمال مصر.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا في أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

ولكن لم يصل إلا تمويل إضافي قليل للغاية، حيث وافق المجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي في يوليو (تموز ) 2025 على تمويل طارئ إضافي بقيمة 10 ملايين دولار لدعم بعثة «أوصوم»، على أساس أن هذا الدعم المالي «ضروري لتمكين بعثة الاتحاد الأفريقي من تلبية متطلباتها التشغيلية».

ويعتقد بري أن عدم الاستجابة للنداءات الأفريقية بشأن التمويل، يعززه تصريح غوتيريش، ويؤكد أن ثمة تأثيراً قد يحدث في الحرب ضد الإرهاب، محذراً من أنه حال استمر نقص التمويل سيقابله تقليل عدد القوات الدولية وتباطؤ العمليات الهجومية، ومنح «حركة الشباب» فرصة لإعادة تنظيم صفوفها.

ونبه إلى أن الصومال في مرحلة انتقالية حساسة، وأي ضعف في التمويل قد يعرقل نقل المسؤولية الأمنية بالكامل إلى القوات الصومالية.


سجال مصري - إثيوبي «غير مباشر» بشأن البحر الأحمر خلال القمة الأفريقية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال قمة الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال قمة الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا (الخارجية المصرية)
TT

سجال مصري - إثيوبي «غير مباشر» بشأن البحر الأحمر خلال القمة الأفريقية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال قمة الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال قمة الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا (الخارجية المصرية)

شهدت جلسات قمة الاتحاد الأفريقي سجالاً غير مباشر بين مصر وإثيوبيا بشأن البحر الأحمر، فبينما ربطت أديس أبابا استقرار منطقة القرن الأفريقي بحصولها على منفذ بحري، جددت القاهرة تأكيدها على أن «حوكمة البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة».

وقال رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، السبت، خلال كلمته ضمن فعاليات القمة الـ39 للاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، إن «أمن القرن الأفريقي واستقراره يعتمد على حصول بلاده على منفذ بحري»، مؤكداً أن بلاده التي يزيد عدد سكانها على 130 مليون نسمة «تحتاج الوصول إلى خيارات متعددة لضمان النمو المستدام».

وأشار إلى «ضرورة ضمان وصول أديس أبابا الآمن إلى المنفذ البحري، من خلال مبدأ التعاون السلمي»، معتبراً أن امتلاك بلاده منفذاً بحرياً «أساسي لضمان الازدهار والنمو المستدام والاستقرار الإقليمي».

ولم تمر ساعات قليلة، حتى جددت مصر التأكيد على «مواقفها الثابتة بشأن المياه والبحر الأحمر. وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال لقائه مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة، إن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط».

وأكد عبد العاطي، بحسب إفادة رسمية الأحد، «رفض مصر القاطع لأي محاولات من أطراف خارجية لفرض نفسها شريكاً في حوكمة البحر الأحمر»، مشدداً على أنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة».

ورغم أن هذه ليست المرة الأولي التي يتحدث فيها آبي أحمد عن طموح بلاده حبيسة البَر في الوصول إلى منفذ بحري، فإن تصريحاته أثارت ردود فعل مصرية «غاضبة» على منصات التواصل الاجتماعي.

وعدّ الإعلامي المصري أحمد موسى، في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، حديث آبي أحمد «تهديداً خطيراً يكشف نواياه لزعزعة الاستقرار والأمن في القرن الأفريقي».

بينما رأى المدون المصري لؤي الخطيب، في منشور عبر حسابه على «إكس»، أن حديث آبي أحمد «تحدٍّ وتهديد مباشر لدول المنطقة، خصوصاً الدول المشاطئة للبحر الأحمر».

وانتقد الإعلامي المصري نشأت الديهي تصريحات آبي أحمد، وعدَّها في برنامجه «بالورقة والقلم» المذاع على فضائية «تن» مساء السبت، «بلطجة سياسية».

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993، عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت 3 عقود، واعتمدت على مواني جيرانها، لا سيما ميناء جيبوتي.

وطموح آبي أحمد في الوصول إلى البحر الأحمر ليس وليد اللحظة، حيث يسعى لتحقيق ذلك منذ توليه مهام منصبه في أبريل (نيسان) 2018، عبر ما يسمى «دبلوماسية المواني». وفي مطلع عام 2024، حاولت إثيوبيا الحصول على منفذ بحري عبر ميناء بربرة في الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قبل أن تلاقي رفضاً من مقديشو والقاهرة و«الجامعة العربية».

بدوره، قال نائب رئيس المركز المصري للشؤون الأفريقية ومساعد وزير الخارجية الأسبق السفير صلاح حليمة، إن «مساعي آبي أحمد للحصول على منفذ بحري لبلاده تخالف القانون والمواثيق الدولية»، مشيراً في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى محاولة إثيوبيا الحصول على منفذ بحري عبر اتفاق مع إقليم «أرض الصومال الانفصالي».

وأشار حليمة إلى أن مصر ترفض أي دور لدول غير مشاطئة في البحر الأحمر، وأن هذا هو موقف مشترك مع كل الدول المشاطئة.

وكان عبد العاطي قد بحث في اتصال هاتفي مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، السبت، التطورات المرتبطة بأمن البحر الأحمر. وأكد الوزيران، بحسب إفادة رسمية لـ«الخارجيّة» المصرية، «أهمية تعزيز التنسيق بين الدول المشاطئة، للحفاظ على أمن واستقرار هذا الممر البحري الحيوي، وضمان حرية الملاحة والتجارة الدولية».

وشدد عبد العاطي على «ثوابت الموقف المصري بضرورة قصر ترتيبات حوكمة البحر الأحمر على الدول المطلة عليه، ورفض أي محاولات لفرض أدوار خارجية في إدارته، بما يسهم في دعم استقرار المنطقة وحماية حركة التجارة العالمية».

وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره البوروندي بعد تسلمه رئاسة الاتحاد الأفريقي (الخارجية المصرية)

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قال وزير الخارجية المصري إنه لا يحق لأي دولة غير مطلة على البحر الأحمر، التدخل أو المشاركة في آليات حوكمته، مضيفاً: «أتحدث عن الدول الحبيسة في أفريقيا، تحديداً إثيوبيا».

ورغم الرفض المصري المتكرر لوجود أي دولة غير مشاطئة في البحر الأحمر، لا تنفك إثيوبيا تتحدث عن الأمر؛ ففي كلمة أمام مجلس الشعب في 4 فبراير (شباط) الحالي، قال آبي أحمد إن «إثيوبيا والبحر الأحمر كيانان لا ينفصلان»، مشدداً على «ضرورة وصول البلاد إلى هذا الممر المائي الحيوي»، بحسب ما نقلته وكالة «الأنباء الإثيوبية» آنذاك.


حريق في مركز تجاري بمأرب في اليمن يودي بحياة شخص ويصيب 13

مقتل شخص وإصابة ​13 ‌آخرين ⁠بعد ​اندلاع حريق في ⁠مركز تجاري بمدينة مأرب اليمنية (أرشيفية - رويترز)
مقتل شخص وإصابة ​13 ‌آخرين ⁠بعد ​اندلاع حريق في ⁠مركز تجاري بمدينة مأرب اليمنية (أرشيفية - رويترز)
TT

حريق في مركز تجاري بمأرب في اليمن يودي بحياة شخص ويصيب 13

مقتل شخص وإصابة ​13 ‌آخرين ⁠بعد ​اندلاع حريق في ⁠مركز تجاري بمدينة مأرب اليمنية (أرشيفية - رويترز)
مقتل شخص وإصابة ​13 ‌آخرين ⁠بعد ​اندلاع حريق في ⁠مركز تجاري بمدينة مأرب اليمنية (أرشيفية - رويترز)

قالت ​وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ) إن شخصاً واحداً ‌لقي حتفه ‌وأُصيب ​13 ‌آخرون ⁠بعد ​اندلاع حريق في ⁠مركز تجاري بمدينة مأرب اليوم ⁠الأحد.

وأضافت الوكالة ‌أن ‌الحريق، ​الذي ‌اندلع ‌بعد منتصف الليلة الماضية، دمر المركز التجاري ‌وألحق أضراراً بمحال مجاورة. وأوضحت ⁠أن ⁠الوفاة والإصابات جميعها نتجت عن الاختناق.