مشاورات هندية ـ إيرانية وسط تساؤلات عن زيارة روحاني لليابان

سجال بين الصحف المؤيدة والمعارضة للحكومة حول الاتفاق... وأغلبية المواطنين تؤيد حق التظاهر

وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف خلال مشاورات مع نظيره الهندي في سوبرامانيام جايشنكار في طهران أمس (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف خلال مشاورات مع نظيره الهندي في سوبرامانيام جايشنكار في طهران أمس (أ.ف.ب)
TT

مشاورات هندية ـ إيرانية وسط تساؤلات عن زيارة روحاني لليابان

وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف خلال مشاورات مع نظيره الهندي في سوبرامانيام جايشنكار في طهران أمس (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف خلال مشاورات مع نظيره الهندي في سوبرامانيام جايشنكار في طهران أمس (أ.ف.ب)

أجرى وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف ونظيره الهندي في سوبرامانيام جايشنكار، مشاورات في طهران، وسط تساؤلات عن نتائج زيارة الرئيس حسن روحاني إلى طوكيو وتبادل مقترحات لـ«كسر» العقوبات.
وذكرت وكالة «إرنا» الإيرانية الرسمية أن الجانبين بحثا وجهات النظر حول آخر المستجدات في العلاقات الثنائية وأهم القضايا الإقليمية والدولية قبل ساعات من انعقاد الاجتماع الـ19 للجنة المشتركة بين البلدين.
وجاءت زيارة المسؤول الهندي غداة عودة الرئيس روحاني من طوكيو التي تبذل جهوداً للوساطة بين طهران وواشنطن.
وعادت الوساطة، خصوصاً الجهود اليابانية، إلى الواجهة، قبل 3 أسابيع من نهاية عام 2019، وذلك بعدما اخفقت المحاولة الأولى لرئيس الوزراء الياباني شينزو آبي الصيف الماضي، عقب رفض المرشد علي خامنئي أي فرصة للتفاوض مع واشنطن.
لكن مع نجاح وساطة سويسرية في قضية تبادل سجين أميركي بآخر إيراني الشهر الماضي، خرجت تفاصيل جديدة من محاولات حكومة روحاني لإنعاش خط الوساطات، بحثاً عن ثقب في جدار العقوبات الأميركية. ورمت الخارجية الإيرانية «الكرة في الملعب الأميركي» لتبادل السجناء الآخرين، فيما رهن المجلس الأعلى للأمن القومي أي تبادل وتفاوض جديد حول السجناء بعودة الولايات المتحدة للاتفاق النووي وإلغاء العقوبات المفروضة على طهران منذ مايو (أيار) 2019.
وقال روحاني قبل مغادرة طوكيو إن طهران «تدخل بصعوبة للمفاوضات، لكنها تبقى ملتزمة به»، محذراً من أن انسحاباً إيرانياً من الاتفاق «سيكون القرار التالي» ما لم تتوفر مصالح إيران في إطاره. ودعا الحكومة اليابانية إلى الإفراج عن ودائع مبيعات النفط الإيراني من البنوك اليابانية.
ولدى عودته إلى طهران، أعرب روحاني عن ارتياحه لطبيعة المشاركة اليابانية في مهمة أمن الملاحة. وقال إنها «لن تشارك في خطط الأميركيين»، مشيراً إلى تبادل مقترحات بين الجانبين لـ«كسر العقوبات».
من جهتها، قالت وكالة «كيودو» اليابانية إن رئيس الوزراء الياباني والرئيس الأميركي تناقشا عبر اتصال امتد لساعة وربع، حول الملف الإيراني. وأكد المتحدث باسم البيت الأبيض، جود دير، الاتصال، دون أن يذكر التفاصيل.
وتدرك طهران القلق الياباني من التوتر في المنطقة التي توفر 90 في المائة من وارداتها النفطية، لذلك فهي ترغب في استثمار محطة طوكيو لنقل رسائل مباشرة إلى الرئيس الأميركي رغم أنها حذرت قبل توجه روحاني من رفع سقف التوقعات.
وقالت صحيفة «آفتاب» الإصلاحية إن إيران «يمكنها الانتفاع» من اليابان لأسباب عدة؛ أولها دور اليابان «المحدود والمحسوب» في كسر العقوبات و«استفادت منه إيران في الأوضاع المتأزمة». وتواجه الحكومة الإيرانية أياماً صعبة في نهاية العام حيث تقترب من نهاية المهلة الرابعة التي منحتها لأطراف الاتفاق النووي.
وهي تتجه نحو موعد إعلان الخطوة الخامسة من خفض تعهدات الاتفاق، لكن في ظل التحذير الأوروبي من تفعيل آلية حل النزاعات، فإنه يتعين على الحكومة الإيرانية اتخاذ إجراءات لا تدفع الأوروبيين إلى تنفيذ التهديد.
ونشرت صحيفة «كيهان» المقربة من مكتب المرشد الإيراني في موضوعها الرئيسي على صفحتها الأولى، 10 مؤشرات اقتصادية عن «ضرورة» الانسحاب من الاتفاق النووي. وقالت إن «السيولة والتضخم والقدرة الشرائية وقيمة العملة الوطنية والنمو الاقتصادي و... تدهورت بعد الاتفاق، لكن روحاني يريد حفظ الاتفاق بأي ثمن». وخلال هذه الأيام، أصرت أوساط مؤيدة لروحاني على إرسال تلميحات عن قرب عودة واشنطن وطهران إلى طاولة المفاوضات.
من جانبه، دعا أمين عام حزب «مؤتلفة» المحافظ الرئيس الإيراني إلى الشفافية في شرح نتائج زيارته إلى اليابان وماليزيا، حسبما نقلت وكالة «إيسنا» الحكومية.
وأشارت صحيفة «آرمان ملي» الإصلاحية أمس إلى دلائل على نجاح زيارة روحاني بنسبة 100 في المائة من دون أن تقدم تفاصيل. وتساءلت الصحيفة عما إذا كان روحاني حصل على صلاحيات خاصة أجرى على أساسها مفاوضات خاصة مع آبي خلف الأبواب المغلقة امتدت لساعة ونصف.
ويعتقد الإيرانيون أن اليابان بديل للأوروبيين في ظل الخلافات التي تتسع إثر خفض طهران تعهدات نووية منذ مايو
وقالت الصحيفة إن «كل الأنظار موجهة إلى اليابان بعد اليأس من عدم التمكن من القيام بدور لأسباب مختلفة». كما كشف الصحيفة عن خروج الوساطة العمانية من «حلقة العلاقة بين طهران وواشنطن» وقالت: «ليست عُمان في موقع يسمح لها بلعب هذا الدور». وقالت إن اليابان تحظى بـ«موقع خاص» نظراً لتدهور العلاقات بين ترمب والأوروبيين وأزمة الثقة بين طهران وأوروبا. ووفقاً لهذه القراءة، فإن نجاح مهمة آبي لتذويب الثلوج بين طهران وواشنطن مرهونة بـ«موافقة من النظام لكي يتمكن روحاني من اتخاذ خطوات باتجاه تخفيض التوتر». وهاجمت صحيفة «إيران» في افتتاحية أمس التهكم والسخرية في المواقع المنتقدة لزيارة روحاني إلى طوكيو. وقالت إن «هذا التوجه ليس رداً على خطاب أو تصريح لمسؤول حكومي أو الرئيس؛ إنما مقابل السياسة الخارجية، يمكن لوسائل الإعلام أن تفترض عزل الجهاز الدبلوماسي والسياسة الخارجية للحكومة من النظام، وفي هذه الحالة فإن المعارضة على حق لو تحدثت عن ازدواجية السلطة في إيران».
وقبل المغادرة إلى طوكيو، أثارت عودة الدعوات لاستقالة روحاني مخاوف عميقة في الأوساط المؤيدة للحكومة لأنه في هذه المرة تقلص عدد المؤيدين لروحاني بانضمام جزء من حلفائه الإصلاحيين إلى الدعوات.
وقال النائب علي رضا رحيمي، أحد النواب المؤيدين لروحاني، في مقال الثلاثاء الماضي بصحيفة «سازندكي» إن «فكرة استقالة الرئيس المطروحة هذه المرة من بعض الوجوه الإصلاحية، نظرة منحرفة ولعب في أرض المتشددين الذين يريدون إدارة البلد بقبضة واحدة، وإذا تمكنوا؛ فإنهم يريدون صبغة عسكرية لإدارة البلد». وتكسب مشاورات روحاني الذي تقدم بطلب لزيارة طوكيو، أهمية نفسية للحكومة، في وقت تتحدث فيه استطلاعات الرأي عن نسب مرتفعة من الاستياء الشعبي في إيران.
وبالتزامن مع السجال حول نتائج زيارتي روحاني إلى طوكيو وكولالمبور، نشر الناشط الإصلاحي عباس عبدي تفاصيل من أول استطلاع رأي لمركز «اسبا» التابع لوكالة «إيسنا» الحكومية بعد الاحتجاجات الإيرانية في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي عقب زيادة مفاجئة في أسعار الوجود بنسبة 300 في المائة.
وشمل الاستطلاع ألفين و27 شخصاً في طهران، وكان 62 في المائة ممن شملهم الاستطلاع رأوا أن «الحوار مع المتظاهرين» هو أفضل وسيلة للتعامل مع السخط الشعبي، حسبما نقلت أمس وكالة «بلومبرغ» للأنباء. وأظهر الاستطلاع الذي جرى في العاصمة طهران أن نسبة الرضا لا تفوق 15 في المائة، و41 في المائة عبروا عن عدم رضاهم عن الوضع الحالي وأبدوا رغبة في المشاركة بالاحتجاجات.
ويعتقد 54 في المائة من المشاركين في الاستطلاع أن الاحتجاجات سوف تستمر، فيما قال 29 في المائة إنها لن تستمر. ويتوقع 52 في المائة أن الأوضاع ستصبح أسوأ، وفي المقابل فإن نسبة المتفائلين بتحسن الأوضاع لا تفوق 16 في المائة، وانقسمت النسبة المتبقية بين «اللامبالاة» و«عدم العلم بالوضع».
وقال 75 في المائة إن الاحتجاجات كانت محقة وإنهم يؤيدون حق المتظاهرين في الخروج إلى الشوارع خلال الأحداث التي شهدتها البلاد الشهر الماضي. وقال 49 في المائة إن الاحتجاجات لن تجبر المسؤولين على إعادة النظر في السياسات، فيما قال 41 في المائة إنها ستكون مؤثرة على إصلاح السياسات.
كما عدّ 71 في المائة ممن شملهم الاستطلاع أن الحيادية في وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية، التي تسيطر عليها أجهزة البث الإعلامي في البلاد، إما إنها «ضئيلة» أو «ضئيلة للغاية» عندما يتعلق الأمر بتغطية الاحتجاجات. وقال 90 في المائة منهم إنهم يستخدمون منافذ إخبارية بديلة مثل وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية.



مسؤول إيراني: طهران بدأت تتلقى رسوماً على عبور مضيق هرمز

سفينة حاويات تحاول عبور مضيق هرمز (رويترز)
سفينة حاويات تحاول عبور مضيق هرمز (رويترز)
TT

مسؤول إيراني: طهران بدأت تتلقى رسوماً على عبور مضيق هرمز

سفينة حاويات تحاول عبور مضيق هرمز (رويترز)
سفينة حاويات تحاول عبور مضيق هرمز (رويترز)

أعلن نائب رئيس مجلس الشورى الإيراني حميد رضا حاجي بابائي اليوم (الخميس) أن طهران حصلت على أول عائداتها من رسوم العبور التي فرضتها في مضيق هرمز الاستراتيجي.

ونقلت وكالة الأنباء «تسنيم» عن بابائي قوله: «أولى العائدات الناتجة عن رسوم عبور مضيق هرمز أُودِعَت في حساب البنك المركزي».

وأوردت وسائل إعلام أخرى التصريح نفسه من دون أي تفاصيل إضافية، وفقاً لما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

حول هذا الممر المائي الحيوي للطاقة الذي أغلقته إيران بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) إثر هجوم أميركي إسرائيلي على إيران.

وسمحت إيران بمرور عدد محدود من السفن في المضيق الذي يعبره في زمن السلم خُمس تدفقات النفط والغاز العالمية، وسلع حيوية أخرى.

وقبل الإعلان عن عائدات رسوم العبور، كان البرلمان الإيراني يدرس مسألة فرضها على الملاحة البحرية عبر المضيق، فيما حذّر مسؤولون إيرانيون من أن حركة الملاحة البحرية عبر المضيق «لن تعود إلى وضعها قبل الحرب».

وفي 30 مارس (آذار) ذكرت وسائل إعلام إيرانية رسمية أن لجنة الأمن في البرلمان وافقت على خطط لفرض رسوم عبور، لكن لم يتضح ما إذا كان تمّ التصويت النهائي على المقترح في البرلمان.

ويضغط الرئيس الأميركي دونالد ترمب على إيران لفتح المضيق.

وتفرض الولايات المتحدة حصاراً بحرياً بدورها على الموانئ الإيرانية تعتبره طهران خرقاً لوقف إطلاق النار المعمول به منذ الثامن من أبريل (نيسان).


تقرير: ترمب يتطلع إلى اتفاق مع إيران يشمل تنازلات انتقد بسببها أوباما

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

تقرير: ترمب يتطلع إلى اتفاق مع إيران يشمل تنازلات انتقد بسببها أوباما

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

يتطلع الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى اتفاق مع إيران يتضمن العديد من التنازلات التي انتَقَد بسببها الرئيسُ الحالي الرئيسَ الأسبق باراك أوباما واتفاقه النووي المُبرم مع إيران في عام 2015.

وقال ترمب مؤخراً إن «الصفقة» التي يعمل عليها حالياً مع إيران ستكون أفضل من اتفاق 2015، واصفاً اتفاق أوباما بأنه «واحدة من أسوأ الصفقات التي أُبرمت على الإطلاق».

وذكرت صحيفة «واشنطن بوست» أنه، وفق الاتفاق الجديد، قد تُعاد مليارات الدولارات من الأصول المجمدة إلى إيران، وقد تنتهي صلاحية الاتفاقيات التي تحد من البرنامج النووي الإيراني في نهاية المطاف، وقد يجد بعض «القادة المتشددين الذين قمعوا الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد في يناير (كانون الثاني)» أنفسهم يتمتعون بـ«موارد أفضل» مما كانوا عليه قبل أن يشن ترمب الحرب ضد إيران، قبل أكثر من سبعة أسابيع.

وبعد نحو عقدٍ من هجومه الشرس على اتفاق أوباما مع إيران، يسعى ترمب (في محاولة للخروج من حربٍ أشعلها بنفسه) إلى تفويض المفاوضين الأميركيين للنظر في صفقة تتضمن العديد من التنازلات نفسها التي واجهها أوباما.

ورغم توقف المحادثات مؤقتاً بعد قرار ترمب، يوم الثلاثاء، تمديد وقف إطلاق النار إلى أجلٍ غير مسمى، ريثما تُقدّم إيران «رداً موحداً» بشأن مقترحات واشنطن للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب؛ فمن المرجح أن يواجه الرئيس التحديات نفسها بغض النظر عن موعد جلوس المفاوضين إلى طاولة المفاوضات.

ومع توقف الصراع، قد تترسخ الهدنة الهشة. إلا أن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز لم تعد إلى مستوياتها الطبيعية، في ظل استمرار الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، وإصرار إيران على سيطرتها على الممرات الملاحية.

وقد أدى ذلك إلى تباطؤ أسواق الطاقة العالمية. ولا تزال إيران تسيطر على مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، وهو ما سبق أن وصفه ترمب بأنه غير مقبول.

20 مليار مقابل اليورانيوم

ووفق «واشنطن بوست»، فإن الجمهوريون الذين انتقدوا اتفاق عام 2015، لأن إدارة أوباما وافقت حينها على إرسال 1.7 مليار دولار إلى طهران، لتسوية نزاع تجاري دام عقوداً، يجدون أنفسهم الآن أمام إدارة تطرح إمكانية الإفراج عن 20 مليار دولار، جزء منها عائدات مبيعات النفط الإيراني التي جمّدتها العقوبات في بنوك حول العالم.

وسيُستخدم هذا المبلغ كورقة ضغط لإجبار إيران على تسليم مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب. لكن لا تزال بنود أخرى من الاتفاق محل تساؤل، بما في ذلك نقاط تُثير قلق بعض منتقدي الاتفاق السابق.

وقالت سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد «بروكينغز» الخبيرة في الشؤون الإيرانية: «إنهم (الأميركيين) يواجهون نفس العقبة الأساسية التي شكلت أساس المفاوضات الطويلة التي استمرت لأكثر من عقد من الزمن، والتي أفضت في النهاية إلى الاتفاق النووي (عام 2015)، وهي أن الإيرانيين متشبثون تماماً بموقفهم بشأن مسألة تخصيب الوقود النووي».

ولطالما نفت إيران سعيها لامتلاك سلاح نووي، لكنها تقول إن لها الحق بموجب القانون الدولي في تخصيب اليورانيوم أو غيره من المواد النووية لتشغيل «برنامج نووي مدني».

وأضافت مالوني: «الإيرانيون مستعدون لقبول بعض التنازلات فيما يتعلق بالجداول الزمنية ومستوى التخصيب ومصير المخزون النووي، لكنهم غير مستعدين تماماً للتخلي عن التخصيب. وكان هذا أحد الانتقادات الرئيسية لاتفاق 2015».

«منحدر زلق»

ويصر ترمب علناً على أن اتفاقه لن يتضمن العيوب التي ندد بها في اتفاق أوباما. إلا أن المخاطر السياسية كبيرة، وقد وضعت جهود البيت الأبيض للتوصل إلى اتفاق بعض مؤيدي ترمب في موقف حرج، لا سيما مع تداول المال كورقة ضغط.

وقال ريتشارد غولدبرغ، الذي عمل على قضايا إيران في إدارة ترمب الأولى: «إنه وقوع في منحدر زلق، فسواء كان 20 مليون دولار أو 10 مليارات دولار، ففي النهاية، إذا كان النظام (الإيراني) لم يقدم لك تنازلاً بشأن نشاط غير مشروع رئيسي، مثل رعاية الإرهاب أو إنتاج شيء يشكل تهديداً، فسيكون هناك دائماً جدل حول: (هل خصصت مبلغاً معيناً من المال هنا لدفع ثمن هذا؟)».

ويوضح: «تحرير هذا المبلغ من المال (المُجمد) سيُستخدم في إيران لتمويل شيء آخر. لذلك، سيظل هناك دائماً جدلٌ حول أن واشنطن دعمت بشكل غير مباشر الأنشطة غير المشروعة التي لم يتم إيقافها أو التنازل عنها».

لكنه قال إنه إذا تمكن ترمب من تأمين اليورانيوم عالي التخصيب وتفكيك منشأة نووية مدفونة في عمق الأرض قيد الإنشاء في موقع إيراني يُعرف باسم جبل الفأس: «فسيُغير ذلك قواعد اللعبة تماماً؛ فبذلك، على الأقل في الوقت الراهن وخلال السنوات القليلة المقبلة، يكون قد قضى على التهديد النووي الذي تُمثله إيران».

مطالب أكبر

وإضافة إلى القضية النووية، يُريد ترمب اتفاقاً جديداً يشمل برنامج الصواريخ الإيراني ودعم طهران لوكلائها الإقليميين، بما في ذلك «حزب الله» اللبناني وحركة «حماس» الفلسطينية.

وترى ويندي شيرمان، كبيرة المفاوضين الأميركيين مع إيران في عهد أوباما أن مطالب طهران هذه المرة «ستكون أكبر مما كانت عليه في عام 2015، ويعود ذلك جزئياً إلى محاولات الإدارة الأميركية الحثيثة لتحقيق الكثير». وتضيف: «ليس واضحاً لي ما الخطوط الحمراء التي يسعى إليها ترمب. هل هي مخزون اليورانيوم؟ أم التخصيب؟ أم الصواريخ؟ أم الوكلاء؟ أم مضيق هرمز؟».

وتضيف: «إذا حصل (ترمب) على وعد بتعليق برنامج التخصيب لمدة 10 أو 15 أو 20 عاماً، كيف سيتم التحقق من ذلك؟ الأمر غير واضح تماماً بالنسبة لي أو لأي شخص آخر، وربما حتى بالنسبة له. وماذا سيتعين على ترمب تقديمه في المقابل؟»، خصوصاً أن إيران تملك الآن الكثير من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وهو أقل بقليل من مستوى التخصيب اللازم لصنع أسلحة نووية، وفقاً لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية».

وتُعتبر الحكومة الإيرانية الحالية أكثر تشدداً من القادة الإصلاحيين الذين أبرموا الاتفاق مع أوباما.

أوراق ضغط

ووفق «واشنطن بوست»، فرغم الدمار الكبير الذي سببته الحرب لإيران وأذرعها، إلا أن طهران لا تزال تمتلك أوراق ضغط. فقد أثبت النظام الإيراني قدرته على البقاء، كما أثبتت طهران قدرتها على خنق حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة.

وفي ظلّ تصاعد الهجمات الأميركية، قد يميل بعض المتشددين في طهران إلى السعي لامتلاك سلاح نووي، مما يزيد الضغط على واشنطن لمعالجة مسألة مخزون اليورانيوم.

كما توجد عوامل أخرى قد تجعل طهران أقل رغبة في إبرام اتفاق، بحسب ريتشارد نيفيو، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية الذي ساهم في صياغة نظام العقوبات المفروضة على إيران في عهد إدارة أوباما.

ويقول نيفيو: «بشكلٍ ما، تُخفف الحرب بعض الضغط على إيران... لقد أثبتوا قدرتهم على تحمل الضربات والرد عليها بالشكل المناسب». كما أن «الحرس الثوري»، الجناح الأكثر تشدداً في النظام الحاكم في إيران، هو الذي يتصدر المشهد الآن، مع غياب المعتدلين الذين كانوا يفسحون المجال سابقاً للمفاوضات.

ويُعدّ نيفيو من مؤيدي اتفاق 2015، لكنه أعرب عن تخوفه من إبرام اتفاق جديد مع المجموعة الجديدة من القادة الإيرانيين. ويقول: «لست متأكداً من جدوى فكرة تخفيف العقوبات المفروضة على الحكومة الإيرانية التي قتلت كل هؤلاء الناس بعد احتجاجات يناير».


الدمار يتكشف: تقرير يُظهر حجم ونطاق الضربات الأميركية – الإسرائيلية على إيران

مبنى تعرض لغارات جوية أميركية إسرائيلية قبل أيام من دخول وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ بجنوب طهران (أ.ف.ب)
مبنى تعرض لغارات جوية أميركية إسرائيلية قبل أيام من دخول وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ بجنوب طهران (أ.ف.ب)
TT

الدمار يتكشف: تقرير يُظهر حجم ونطاق الضربات الأميركية – الإسرائيلية على إيران

مبنى تعرض لغارات جوية أميركية إسرائيلية قبل أيام من دخول وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ بجنوب طهران (أ.ف.ب)
مبنى تعرض لغارات جوية أميركية إسرائيلية قبل أيام من دخول وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ بجنوب طهران (أ.ف.ب)

في أعقاب أسابيع من التصعيد العسكري غير المسبوق، بدأت تتكشف تدريجياً ملامح الأضرار الواسعة التي خلّفتها الضربات الأميركية–الإسرائيلية داخل إيران، وسط قيود صارمة على تدفق المعلومات من داخل البلاد. وبينما حدّت هذه القيود من إمكانية التقييم المباشر، وفّرت تقنيات الاستشعار عن بُعد وصور الأقمار الاصطناعية نافذة مهمة لفهم حجم الدمار وانتشاره، كاشفةً عن مشهد معقّد يمتد من الأهداف العسكرية إلى عمق المناطق الحضرية.

فبعد أكثر من خمسة أسابيع من القتال، أتاحت هدنة هشة استمرت 14 يوماً بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران لسكان طهران فرصة أولية لتقييم حجم الخسائر. وتُظهر المدينة، التي يقطنها نحو 9 ملايين نسمة، آثاراً واضحة للدمار، من أنقاض متناثرة ومبانٍ شاهقة متضررة بفعل القصف، وفقاً لتقرير لوكالة «بلومبرغ».

وفي تطور لافت، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الثلاثاء، تمديد وقف إطلاق النار مع إيران إلى أجل غير مسمى، وذلك قبل يوم واحد من موعد انتهائه، في وقت انهارت فيه خطط عقد جولة جديدة من المحادثات. ولا يزال الخلاف قائماً بين الطرفين بشأن ملفات رئيسية، من بينها البرنامج النووي الإيراني، والسيطرة على مضيق هرمز، ودعم طهران لجماعات مسلحة في الشرق الأوسط.

ورغم احتمال صمود الهدنة والتوصل إلى تسوية دائمة، فإن كلفة الصراع البشرية والمادية كانت باهظة، إذ قُتل ما لا يقل عن 3300 إيراني، من مدنيين وعسكريين، في حين لحقت أضرار جسيمة بمناطق واسعة من البلاد.

أشخاص يسيرون حول مبنى سكني دمرته غارات جوية أميركية إسرائيلية في جنوب طهران (إ.ب.أ)

وقد أعاقت القيود التي فرضتها السلطات الإيرانية على التصوير والإنترنت، إلى جانب القيود الأميركية على نشر صور الأقمار الاصطناعية عالية الدقة، عملية التقييم البصري الشامل للأضرار. غير أن دراسة أعدّها باحثون في علم بيئة الصراع بجامعة ولاية أوريغون، اعتماداً على صور الرادار، قدّرت تضرر أو تدمير ما لا يقل عن 7645 مبنى في مختلف أنحاء إيران، من بينها 60 منشأة تعليمية و12 منشأة صحية، وذلك خلال الفترة الممتدة من 28 فبراير (شباط) إلى 8 أبريل (نيسان).

كما حللت وكالة «بلومبرغ» استخدامات الأراضي في المناطق المتضررة داخل طهران، وخلصت إلى أن 2816 مبنى قد تضررت، توزعت على النحو التالي: نحو 32 في المائة ذات صلة بالقطاع العسكري، و25 في المائة صناعية، و21 في المائة مدنية، و19 في المائة تجارية، و2 في المائة حكومية.

وفي هذا السياق، أوضحت نازانين شاهروكني، الأستاذة المشاركة في كلية الدراسات الدولية بجامعة سيمون فريزر في كندا، أن الدمار في المدن الكبرى لا يظهر عادةً في صورة بؤرة واحدة واضحة، قائلة: «في مدينة بهذا الحجم، لا يتخذ الدمار شكلاً مركّزاً واحداً، كما أنه من الصعب عملياً رسم خط فاصل واضح بين الأهداف العسكرية والحياة المدنية، لأن تأثير الضربات ينتشر عبر نسيج حضري مترابط».

وتُعد طهران مدينة مترامية الأطراف، تضاهي مدينة نيويورك من حيث المساحة، وتمتد من أحيائها الجنوبية المكتظة إلى سفوح جبال البرز شمالاً، حيث تنتشر المناطق الأكثر ثراءً في بيئة أقل تلوثاً وأكثر اعتدالاً من حيث المناخ.

شخصان يجلسان في حديقة بارديسان في طهران المطلة على المدينة (أ.ف.ب)

وتتميّز أحياء المدينة بتداخل الاستخدامات، إذ تضم مزيجاً من المباني السكنية والمراكز التجارية والمتاجر والبنوك والمقار الحكومية. ورغم وجود حدائق ومساحات خضراء، فإنها لا تكفي للتخفيف من وطأة الازدحام المروري الشديد، في ظل وجود نحو 16 مليون مركبة على شبكة الطرق.

وعلى الرغم من أن الهجمات طالت مناطق متعددة في إيران، من بينها مدينة أصفهان — التي تُعد مركزاً ثقافياً وصناعياً مهماً — فإن طهران كانت الأكثر تضرراً، حيث تنتشر بؤر الدمار في أنحاء متفرقة منها، حتى وإن بقيت بعض المناطق الأخرى بمنأى نسبي عن القصف.

من جهتهما، أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل أنهما نفذتا عمليات استهداف دقيقة واغتيالات مركّزة ضد مواقع عسكرية وأمنية، متهمتين «الحرس الثوري» — الذي يهيمن على قطاعات حيوية تشمل الدفاع والبناء والطاقة — بالتمركز داخل مناطق مدنية.

غير أن شاهروكني حذّرت من أن هذا النوع من الخطاب قد يُبسّط واقع الحرب، موضحةً: «غالباً ما تُستخدم مصطلحات مثل (الضربات الدقيقة) لتصوير العمليات على أنها محدودة ونظيفة، لكن هذه اللغة تُخفي الآثار الحقيقية للحرب، خاصة في البيئات الحضرية المكتظة».

في المقابل، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض أن العمليات العسكرية حققت أهدافها، مشيرة إلى أن «وزارة الحرب أنجزت جميع الأهداف المحددة ضمن عملية الغضب الملحمي، بما في ذلك تدمير الصواريخ الباليستية الإيرانية ومنشآت إنتاجها، وإضعاف قدراتها البحرية ووكلائها». وأضافت أن القوات الأميركية نفذت نحو 13 ألف ضربة منذ بدء العمليات، مؤكدة أن الولايات المتحدة «لا تستهدف المدنيين».

وتأتي هذه التطورات في ظل أزمة اقتصادية خانقة تعاني منها إيران، تفاقمت بفعل العقوبات الأميركية المرتبطة ببرنامج تخصيب اليورانيوم، وقضايا حقوق الإنسان، والمخاوف الأمنية الإقليمية، وهو ما أسهم في اندلاع احتجاجات شعبية قبل أسابيع من الحرب.

ومن المرجح أن تؤدي حملة القصف الواسعة — التي هدّد ترمب في سياقها بإعادة إيران إلى «العصر الحجري» — إلى تفاقم هذه الأوضاع بشكل أكبر.

العلم الإيراني يظهر بالقرب من مبنى سكني تضرر جراء غارة جوية في طهران (رويترز)

وفي هذا الإطار، قالت ناتالي موسين، رئيسة معهد الهندسة المعمارية والتكنولوجيا في الأكاديمية الملكية الدنماركية في كوبنهاغن، إن هذا المستوى من الدمار «صادم، لكنه ليس مفاجئاً» في ظل طبيعة القصف، موضحةً أن الأضرار لا تقتصر على الأهداف المباشرة، بل تمتد لتفاقم التحديات القائمة في البيئة الحضرية.

وكانت الحكومة الإيرانية قد قدّرت، في الأسبوع الماضي، حجم الأضرار المباشرة وغير المباشرة الناتجة عن الغارات بنحو 270 مليار دولار، وهو رقم يقترب من تقديرات صندوق النقد الدولي للناتج المحلي الإجمالي لإيران لعام 2026، البالغ نحو 300 مليار دولار. كما يتوقع الصندوق أن يتجاوز معدل التضخم 70 في المائة، في مستوى قياسي بالنسبة للبلاد.

وفي سياق متصل، أفاد عدد من أصحاب الشركات — فضلوا عدم الكشف عن هوياتهم — بأن العديد من مؤسسات القطاع الخاص، التي تُعد مصدر دخل رئيسياً لكثير من الأسر، قد توقفت عن العمل أو باتت تعمل بقدرة محدودة.

وأعلنت بلدية طهران أن أكثر من 39 ألف وحدة سكنية تضررت بشدة منذ بداية القصف.

وفي ختام التقديرات، حذّر هادي كهال زاده، الباحث في معهد كوينسي ومركز التنمية العالمية والاستدامة بجامعة برانديز، من أن الارتفاع الحاد في معدلات البطالة والتضخم قد يدفع ملايين الإيرانيين إلى الوقوع في دائرة الفقر خلال الفترة المقبلة.