من شارل بوفاري إلى طاهر باشا

في رثاء «الذكورة المغدورة»

TT

من شارل بوفاري إلى طاهر باشا

«أنت امرأة ضالة» صيحة طاهر باشا (زكي رستم) في فيلم «نهر الحب»، واحدة من أشهر الجمل التي اندفعت من الشاشة الفضية إلى الشارع. ولم تزل هذه الجملة ومقتبسات أخرى من الفيلم ذاته حية إلى اليوم، يرددها مستخدمو تطبيقات التواصل الاجتماعي، ومنتديات النساء بشكل خاص، للسخرية من نموذج الذكر البغيض، وانتصاراً لحب مستحق، من خلال الاستنجاد بقوة التعاطف مع نوال.
عندما أُطلق هذا الفيلم عام 1960 انقسم المجتمع، بين أغلبية تتعاطف مع العاشقين نوال وخالد (فاتن حمامة وعمر الشريف)، وتحتقر الباشا الزوج، وقلة من المتزمتين اجتماعياً رأت في الفيلم حضاً على الرذيلة وتمجيداً للخيانة.
هذه القسمة قائمة حتى اليوم، وهي لا تعكس انفتاحاً وإيماناً بالحب في المجتمع المصري والعربي بقدر ما تعني أن عز الدين ذو الفقار (السيناريست والمخرج في الوقت ذاته) قد أحسن الدفاع عن المرأة العاشقة، وقد جعل من نفسه محاميها لا قاضي التحقيق.
كانت فاتن حمامة محظوظة بوقوفها بين عاشقين أحدهما خلف الكاميرا والآخر أمامها. وربما قلة من المعجبين والمنزعجين من الفيلم توقفت أمام الإشارة إلى الأصل الأدبي، رواية «آنا كارنينا» التي استند إليه صانع الفيلم. وأقل من هذه القلة من حاولوا قراءة الرواية، التي تقدم لوحة اجتماعية ضخمة لروسيا، وتطرح العديد من القضايا الفكرية والأخلاقية في وقت عانت فيه روسيا من أزمة أصابت أعلى وأدنى الطبقات الاجتماعية جراء إصلاح نظام القنانة، حيث تدهور الأغنياء، بينما لم يتحسن وضع المعدمين. ولو اكتفت الرواية بقصة عشق «آنا» لكانت نسخة أخرى عن رواية غوستاف فلوبير «مدام بوفاري». لكن الفيلم اكتفى من الرواية باقتباس حبكة مثلث العشق الشهير (الزوجة والزوج والعشيق) مع تمصير الشخصيات.
كتب تولستوي روايته قبل نحو 90 عاماً من الفيلم المصري، وكما تروي زوجته صوفيا في مذكراتها، فقد أسرَّ إليها برغبته في كتابة رواية تصور حياة امرأة من الطبقة الأرستقراطية ضلت طريقها، وأن مهمته تنحصر في تصويرها على أنها جديرة بالعطف وليست مذنبة. وقد برَّ تولستوي بوعده، طبقاً لما يعرفه كاتب كبير عن طبيعة النفس البشرية (الطبيعة الوسط بين طبيعة الملائكة وطبيعة الشياطين)، فلم يجعل «آنا» بالتسطيح الملائكي الذي بلغته «نوال»، الذي يصب في فكرة احتشام وعفة النجمة فاتن حمامة فيلماً بعد آخر، مثلما كان مرض عبد الحليم حافظ ويُتمه في أفلامه يصبان في صالح نجوميته!
لم يكن زوج آنا (ألكسي ألكسندروفتش كارنينا) الأسنَّ منها في مثل بشاعة طاهر باشا، الذي جعله الفيلم الشخص المثالي لكي يخان. كان ألكسي متشدداً في الطلاق فحسب، وهو ليس الشخص الوحيد المخان في رواية ضخمة تبدأ بمشكلة خيانة ستيفان أركاديفتش (شقيق آنا) لزوجته. ولم يقدم تولستوي أسطورة الحب الأبدي، لأن الضابط فرونسكي سئم في النهاية مزاج آنا الكئيب بسبب بُعدها عن ابنها.
استخدم ذو الفقار كل الحيل الدفاعية التي تجعل العاشقين بمنأى عن الكراهية، بادئاً «الفيلم - المرافعة» بتعليق سردي شاعري يحكي الأسطورة الفرعونية، التي تعتبر النيل نهراً للحب، لأنه في الأصل دموع إيزيس حزناً على أوزوريس، وحافظ على تذكيرنا بنهر الحب حتى كان الختام بدعوة البشر إلى أن يفتحوا في قلوبهم نهراً للحب إن أرادوا للحياة أن تستمر. واختار ذو الفقار للعاشقين واحداً من أعلى المبادئ الدينية والإنسانية: «الفداء» فجعل نوال تفتدي شقيقها في البداية وخالد يفتدي فلسطين في النهاية.
وجدت نوال نفسها في مأزق قبلت فيه زواجاً بالإكراه (إما أن يتزوجها الباشا أو يسجن شقيقها المختلس)، وعندما وقعت في حب الضابط عمر الشريف، كان رد فعل الباشا هو القلق على مستقبله السياسي، وليس الغيرة الإنسانية، وقال لها بوضوح إنه لم يكن يمانع لو أقامت علاقة سرية بدلاً من شبهة حب بريء علنية. ولم تأخذ نوال خطوة الإصرار على الطلاق إلا تحت تأثير احتياج خالد لها بعد إصابته في سباق الخيل. وعندما رافقته في رحلة الاستشفاء بلبنان أقاما في غرفتين منفصلتين، ولم يتبادلا إلا القبلات. والقبلات لمريض أمر يتسامح معه المجتمع، ويمكن أن تمنحه - حتى - ممرضة غريبة.
وسامة الضابط عمر الشريف، مثل وسامة الضابط فرونسكي، تُرجِّح كفة الحبيب في مقابل الزوج المسن في الحالتين، لكن ضابط الفيلم ليس سوى ملاك مثير يحب بلا سأم.
بتأثير أسطورة الحب الخالد، أو نظراً للطبيعة السياسية للمرحلة، لم يضع ذو الفقار ضابطه في امتحان الصبر على حبيبته عندما تصاعد حنينها إلى ابنها، فأرسله إلى حرب 1948، وجعله شهيداً بإصراره على تنفيذ عمل فدائي. بالمقابل كانت الرغبة في تشويه رجال العهد الملكي حافزاً لإلصاق كل سلوك خسيس بطاهر باشا: زواج قسري، ثقل دم، شره، دهاء، تجسس على العاشقين، وعدم الوفاء بوعد الطلاق.
لم يكن طاهر مقبولاً ولا طاهراً من البداية للنهاية، بينما كانت كل الوسائل في خدمة نبل نوال، من تضحيتها وصبرها ورقة صوتها إلى الملابس والديكور: فساتينها بيضاء، سريرها أبيض، وسادتها بيضاء، والورد أبيض. لا يتعدى زمن ظهورها في فستان أسود أو رمادي الدقائق الخمس طوال الفيلم.
الألم الذي عاش في ضمير المشاهدين منذ 1960 إلى اليوم يتعلق بنوال ومصيرها، والغريب هو أن ملحمة تولستوي الكبرى تتلخص عند أغلب القراء في ألم آنا ومصيرها. ربما كان وضع اسم البطلة عنواناً للرواية سبباً في هذا التبسيط؟
قبل «آنا كارنينا» بأكثر من عقد ونصف العقد، كان غوستاف فلوبير قد نشر روايته «مدام بوفاري»، سبق تولستوي إلى وضع اسم المرأة عنواناً لروايته، وفيها عقدة مثلث العشق، وقد تمادى جوستاف فلوبير في تصوير مشاهد الحب، كما تمادى في العطف على بطلته، وتبنى أشواق حبها عندما قال: «أنا إيما بوفاري».
تختلف شخصية إيما عن شخصية آنا، ومستنسخها المصري «نوال»، فلم تكن المرأة الفرنسية ضجرة من خمول وتقليدية زوجها فحسب، لكنها شخصية قلقة بالأساس؛ تكره كل رتابة، وتحب المغامرة والتغيير، وربما لو كانت مع رجل أفضل لتخلت عنه كذلك.
لم تخطفها وسامة مزلزلة. راقصت شاباً من الطبقة الراقية في مصادفة واحدة لم تتكرر. تلك المصادفة الاستثنائية التي يعبرها الكثير من الناس بأمان لم تعبرها آنا، إذ عمَّقت الهوة التي تفصلها عن شارل، ووقعت في الحب مرتين، دون أن يكون لأي من عاشقيها المتتابعين (ليون ورودلف) وسامة فرونسكي أو عمر الشريف.
كذلك يختلف شارل بوفاري (زوج إيما) عن ألكسي ألكسندروفتش كارنينا (زوج آنا) وعن طاهر باشا (زوج نوال). شارل يحب زوجته ذلك الحب الأسطوري الخالد والأعمى. لم ينتقد ولعها بالإنفاق ولم يتذمر من ديونها، وظل يحبها بعد موتها، حتى عندما عثر على رسائلها الغرامية لم يكرهها، بل أحس بالشفقة تجاهها، وخرج يبحث عن قبر أجمل ينقل إليه جثمانها، وأراد أن يكتب فوق شاهده: «هنا ترقد امرأة عاشقة». كان أحب على قلبه أن تعيش، وأن يغفر لها ألف مرة دون مصلحة مادية يجنيها من التواطؤ الذي عرض طاهر مثله على نوال.
عشق لا محدود ولا مشروط، وإيمان بأن وجوده معها في بيت واحد هو حظه الحسن من الدنيا، ولديه إحساس عميق بأنه لا يستحقها، وتكفيه بهجة رؤيتها كلما عاد من جولاته على مرضاه. كان ذنبه الذي لا يُغتفر أنه اعتبرها تحفة لا امرأة، ولم يعرف كيف يكون الشخص الذي يعجبها، والذي يحب بالطريقة التي ترضيها.
ولم تشعر إيما بأي شفقة تجاه ذلك الحب الأبكم، ولم ينل شارل شيئاً من تعاطف القراء، حتى المتزمتين منهم الذين أثاروا عاصفة ضد الرواية، وحتى ممثل النيابة الذي اتهم الكاتب بالحض على الفجور كانت عينه على المرأة، وليس على الرجل، الذي يستحق نظرة عطف بوصفه بطلاً تراجيدياً، أحب دون أن يتكلم، وانهزم لأنه لم يفهم ضرورة الحرب للحب.
بوسعنا أن نرى في آنا كارنينا ونسختها غير البشرية «نوال» طرفاً أضعف، والحس الإنساني ينتصر للأضعف، لكن إيما بوفاري لم تكن ضعيفة، ولم تبذل جهداً في ردم الهوة التي تفصلها عن شارل، وإن فشلت في جعله يحب القراءة كان بوسعها على الأقل أن تختار له ملابسه، ولم يكن ليمانع!
إيما والكاتب والقراء تعاملوا مع الهوة الفاصلة بين الزوجين، وكأنها قدر لا يمكن تخطيه، ولا بد من التفكير بدوافع الحسد لرجل نال امرأة لا يستحقها عندما نفكر بالإهمال الذي يلقاه شارل بوفاري إلى اليوم.
يبدو أن الإبداع يكشف ما لا تكشفه نظريات الجندر، وما لا تعترف به المناضلات النسويات؛ حيث يبدي الذكور ميلاً للوقوف بصف المرأة أكثر من تشيعهم للرجل، سواء كان هذا الوقوف عن وعي وإيمان بقضية المرأة أو برغبة في مناهضة السلطة كامنة في اللاوعي.



«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

مع انحسار أضواء الإسكندرية عند التاسعة مساءً، اصطحب الخمسيني نادر طه زوجته وأبناءه الـ3 إلى «الكورنيش»؛ لقضاء بعض الوقت في ظلِّ «الإغلاق المبكر» للمحال التجارية والكافيهات.

وقال طه، الذي يعمل مديراً للمبيعات بإحدى الشركات الخاصة، لـ«الشرق الأوسط»: «نحن دائمو التردد على الإسكندرية، نحضر إليها من مسقط رأسنا بالشرقية بشكل دوري، هذه المرة صادف وجودنا تطبيق قرار الإغلاق المبكر، ولأننا نحب السهر، فكان البديل أمامنا خلال ساعات الليل هو جلسة الكورنيش؛ لتجنُّب الشعور بالضيق والملل في المنزل».

بطول امتداده؛ يشهد كورنيش الإسكندرية إقبالاً ملحوظاً من المواطنين هذه الأيام للتنزه وقضاء أوقاتهم في الهواء الطلق، وذلك عقب بدء تطبيق قرار غلق المحال التجارية في تمام الساعة التاسعة مساءً.

أحد شوارع الجيزة خلال فترة «الإغلاق المبكر» (الشرق الأوسط)

وتهدف الحكومة المصرية من قرار «الإغلاق المبكر»، الذي دخل حيز التنفيذ مساء السبت الماضي، لمدة شهر واحد، إلى «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وينصُّ القرار على «غلق المحال العامة كافة بما في ذلك المراكز التجارية (المولات) والمطاعم والكافيهات والبازارات، يومياً ابتداءً من الساعة التاسعة مساءً، عدا يومي الخميس والجمعة وأيام عطلات الأعياد والمناسبات الرسمية فيكون الغلق في العاشرة مساءً، مع استمرار خدمة توصيل الطلبات للمنازل».

وجاء توافد المواطنين على الكورنيش بوصفه المتنفس الرئيسي لأهالي المدينة، حيث فضَّل الكثيرون التجمع على البحر بعد أنْ أغلقت المراكز التجارية والمقاهي والكافيهات، المنتشرة بطول الكورنيش، أبوابها بحلول موعد الغلق.

كورنيش الإسكندرية متنفس رئيسي لأهالي المدينة (الشرق الأوسط)

ويأتي اللجوء إلى الكورنيش بوصفه حيلةً للتعامل مع الإغلاق المبكر، حيث اضطر «السكندريون» وضيوفهم إلى إعادة صياغة عادات السهر والتجمعات الليلية، فبينما كان المقهى أو المركز التجاري يُشكِّل مكاناً للتنزه يومياً، تحوَّل الكورنيش والأماكن المفتوحة إلى البديل الطبيعي، حيث يفضِّل كثيرون البحر والهواء الطلق مساحةً عامةً مجانيةً.

وهو ما يشير إليه الأب الخمسيني، مستكملاً حديثه: «جلستنا بالأمس على الكورنيش كانت بمنطقة محطة الرمل، واليوم اخترنا الجلوس على الصخور المواجهة للبحر بمنطقة كليوباترا، وما يشجِّعنا على تلك الجلسة هو وجود العشرات غيرنا، الذين يتردَّدون ليلاً هنا للاستمتاع بالهواء رغم الإظلام الجزئي على طريق الكورنيش، كما أن وجود بعض الباعة الجائلين، الذين نشتري منهم المشروبات، يُغنينا عن الكافيهات».

وقرَّر مجلس الوزراء، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، أخيراً تعديل مواعيد غلق المحال العامة لتكون الساعة 11 مساءً بدلاً من 9 مساءً، اعتباراً من الجمعة المقبل، 10 أبريل (نيسان) الحالي، وحتى الاثنين 13 أبريل 2026، وفق توصيات اللجنة المركزية لإدارة الأزمات بمناسبة أعياد المسيحيين.

ولا يقتصر التحول للأماكن المفتوحة على الإسكندرية، ففي القاهرة أصبح «كورنيش النيل» و«ممشى أهل مصر» والمنشآت السياحية به بمثابة «رئة» بديلة للمصريين، وكذلك السائحين العرب والأجانب، استجابةً بديلةً لقرار الغلق في مناطق العاصمة المصرية الأخرى، واستثناءً سياحياً، بعد أن أعلنت الحكومة استثناء المنشآت السياحية الواقعة على ضفاف نهر النيل داخل نطاق محافظتَي القاهرة والجيزة من الإغلاق.

المراكب النيلية تواصل رحلاتها وسط أجواء احتفالية (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

يفتح الممشى أبوابه أمام الزوار الراغبين في استنشاق الهواء النقي والتمتع بمشهد المياه، ومعه يستعيد نهر النيل مكانته بوصفه متنفساً جماعياً، وبديلاً جاذباً لتغيير ثقافة السهر والتجمعات، كاسراً رتابة ساعات الليل المتأخرة، إذ تتحوَّل ممراته بعد التاسعة مساءً إلى الوجهة الأمثل للعائلات والشباب.

وتعكس المشاهدات الميدانية استمرار العمل بالممشى بكامل طاقته، فالمرافق والخدمات، بدءاً من منافذ التذاكر وصولاً إلى المطاعم والمقاهي المطلة مباشرة على النهر، تعمل بشكل كامل لما بعد منتصف الليل، بينما تواصل المراكب النيلية رحلاتها القصيرة التي تضفي أجواء احتفالية على المكان.

كذلك يبرز خلال أيام الإغلاق المبكر «ممشى الزمالك»، بوصفه «رئة» أخرى يتنفس من خلالها زواره روح وجماليات القاهرة، وسط أرستقراطية حي الزمالك. يحتلُّ الممشى موقعاً فريداً في مواجهة «ممشى أهل مصر»، وهو مناسب للنزهات العائلية، بعيداً عن صخب المدينة وضجيجها.

وبجوار الممشى، تفتح حديقة «المسلة» التراثية ذراعيها للزوار خلال ساعات الإغلاق، وهي خيار مثالي لمَن ينشد الهدوء والجمال في قلب القاهرة، إذ تجمع الحديقة عبق التاريخ والحداثة، كونها تضم مطاعم ومقاهي راقية، تمنح الزائر تجربةً استثنائيةً بينما تغلق مثيلاتها في أنحاء القاهرة.

الخبير السياحي، محمد فاروق، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «قرارات الإغلاق المبكر وإطفاء الأنوار في الميادين الرئيسية، بدأت تعيد صياغة سهرات المصريين والزوار الأجانب على حد سواء، فالقاهرة والمدن الساحلية المصرية كانت تُعرَف بأنها المدن التي لا تنام، فالحياة اليومية والفلكلور الشعبي الذي يملأ الشوارع ليلاً يمثلان جزءاً أصيلاً من المنتَج السياحي المصري، ولأنهما بَدَوَا مفقودَين هذه الأيام، لذا شهدنا إقبالاً لافتاً من المصريين والزوار على المساحات المفتوحة».

وتابع: «للأسف الشديد قرارات ترشيد الإنارة بالشوارع الرئيسية والأماكن العامة تحدُّ من وجود أماكن السهر، لذا لجأ كثيرون إلى ممشى أهل مصر بالقاهرة وكورنيش الإسكندرية، لاسيما أنه يتوافر فيهما الشعور بالراحة النفسية والحيوية».

ويبيِّن فاروق أنَّ قرار الإغلاق المبكِّر يوثر بالسلب على السياحة في مصر، مقترحاً بجانب استثناء المنشآت النيلية أن تكون هناك حلول أخرى، مثل أن يتم تنظيم حفلات في الأماكن التراثية والأثرية لتدارك الموقف، ولفتح أفق جديدة للترويج السياحي وللحد من أي آثار سلبية.

وانتقد مصريون قرار الإغلاق المبكر وإظلام الشوارع في ساعات الليل الأولى في مشاهد لم يعتادوها إلا خلال فترة إغلاق «كورونا» قبل نحو 6 سنوات.


فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
TT

فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)

لا يعيش رواد الفضاء الذين يسبحون في مدار القمر في إطار مهمة «أرتيميس 2» حياة مختلفة كثيراً عما يجري على الأرض عادة، فهم مثلاً يأكلون الفطائر والكسكس ويلتقطون صوراً بهواتفهم المحمولة ويواجهون مشكلات في البريد الإلكتروني ويصلحون مرحاضاً معطّلاً.

وتستمرّ رحلة الأعضاء الأربعة من طاقم «أرتيميس 2» نحو عشرة أيّام في مدار القمر على متن كبسولة «أورايون» التي تساوي مساحتها مساحة شاحنة صغيرة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الاستعداد لهذه المهمّة التي تقودها وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» بمثابة تحضّر للتخييم، على ما قالت كريستينا كوك.

ويضمّ الصندوق 58 فطيرة و43 كوب قهوة وبروكلي وصدور لحم مشوي مع خمسة أنواع من الصلصات الحادة، فضلاً عن شراب القيقب ذائع الصيت في كندا لأن أحد رواد الفضاء كندي.

لكن المرحاض تعرّض لمشكلة.

وخلافاً لمهمة «أبولو» التي لم يكن لروادها سوى أكياس لقضاء حاجاتهم تُرك بعضها على سطح القمر، تحظى طواقم «أرتيميس» بمراحيض فعلية.

وتولّت كريستينا كوك إصلاح المرحاض في الساعات الأربع والعشرين الأولى من الرحلة. وقالت، مساء الخميس: «أنا فخورة بأنني سمكرية الفضاء»، مضيفة: «اسمحوا لي بأن أذكّركم بأنه الجزء الأهمّ في المركبة. وقد تنفّسنا جميعاً الصعداء عندما حُلّ الوضع».

مشاكل معلوماتية

استخدام المرحاض يتسبب بجلبة كبيرة في المركبة إلى درجة ينبغي وضع سمّاعات لتجنب الضجيج عند استخدامها.

وصرّح جيريمي هانسن: «إنه المكان الوحيد الذي يمكننا أن نشعر فيه بالعزلة لفترة وجيزة».

وبعد المرحاض، واجه الطاقم مشكلات معلوماتية. وخلال بثّ حيّ لـ«ناسا» سُمع قائد المهمّة ريد وايزمن وهو يشكو من مشاكل في بريده الإلكتروني. وعولج الأمر من «مركز هيوستن» في تكساس.

وفي ظلّ انعدام الجاذبية، لا بدّ أيضاً من التفكير في كيفية النوم خلال رحلة تستمر عشرة أيام. وتمثل الحل في وضع أكياس نوم معلّقة بالجدران لتفادي السباحة في وسط المركبة.

وقال ريد وايزمن مازحاً: «تنام كريستينا ورأسها إلى الأسفل في وسط المركبة، مثل الوطواط المعلّق»، مشيراً إلى أن «الوضعية مريحة أكثر مما تعتقدون».

«كأنني طفل»

يؤثّر انعدام الجاذبية على اللياقة البدنية، لذا لا بدّ من التمرّن نصف ساعة في اليوم. وقد زوّدت المركبة بتجهيزات تشبه تلك المتوافرة في النوادي الرياضية.

وسمحت «ناسا» في الآونة الأخيرة باستخدام الهواتف الذكية على متن مركباتها الفضائية.

وقال مدير الوكالة جاريد آيزكمان في فبراير (شباط): «نعطي لطواقمنا فرصة الاحتفاظ بلحظات خاصة لعائلاتهم ومشاركة صور وتسجيلات ملهمة مع العالم أجمع».

وفي خضمّ مهمّة كلّفت مليارات الدولارات في ظلّ مواجهة جيوسياسية مع الصين، يبقى إعجاب البشر بالفضاء الخارجي طاغياً.

ولم يخف جيريمي هانسن في معرض ردّه على أسئلة الصحافيين فرحه، قائلاً: «أشعر كأنني طفل».

وعند إقلاع الصاروخ، قال فيكتور غلوفر وهو أوّل شخص أسود يسافر إلى القمر: «تحاولون الحفاظ على حسّ المهنية، لكن الطفل في داخلي يريد أن يطلق صيحات فرح».


مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
TT

مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»، أبرزَ المتحفُ القومي للحضارة المصرية، أحدَ المصاحف النادرة الموجودة ضمن مقتنياته، ليُقدِّم نسخةً جديدةً منه بعد الترميم تُبيِّن جماليات الطباعة القديمة، وقيمة المخطوطات العربية النادرة.

وتحتفل كثير من المؤسسات في الوطن العربي بـ«يوم المخطوط العربي»، الذي يحلُّ في 4 أبريل (نيسان) كل عام تخليداً لأهمية المخطوطات العربية، وما حملته بين طياتها من أعمال أدبية ودينية وتاريخية وعلمية رسخت بها هوية التراث الثقافي العربي.

ويحتفظ «المتحف القومي للحضارة المصرية» بمجموعة من المخطوطات العربية النادرة، ومنها مصحف نادر عُثر عليه في «مسجد سيدي علي المليجي»، وتمت كتابته على ورق عالي الجودة، وقد رُمِّم جزء من هذا المخطوط بعد تنظيفه من خلال تقويته واستكمال بعض أجزائه المفقودة، وتجميع ملازمه بأسلوب الخياطة القديم نفسه، وفق بيان للمتحف، السبت.

وقد قامت بترميم المخطوط متخصصة الترميم بالمتحف، رحاب جلال.

المصحف النادر قبل وبعد الترميم (متحف القومي للحضارة المصرية)

وكان «المعهد العربي للمخطوطات»، قد أعلن الاحتفال بـ«يوم المخطوط العربي» وفق قرار من المعهد، التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، التابعة لجامعة الدول العربية.

وأشار المعهد، في فيديو تعريفي بـ«يوم المخطوط العربي»، إلى مرور 14 عاماً على الاحتفال بهذا اليوم الذي انطلق في 2013 تحت عنوان «رحلة إلى الماضي»، وحمل في كل عام اسماً مختلفاً مثل «ألف حكاية وحكاية»، و«أسرار من الماضي وأفكار للمستقبل»، والدورة الأحدث لهذا العام تحت عنوان «المخطوط العربي... رحلة التحول والتجديد».

وقدَّم المعهد دعوةً للمؤسسات المعنية في الوطن العربي وخارجه، من مكتبات وطنية وجامعات ومراكز بحثية وجمعيات ثقافية للمشارَكة في الاحتفال بالمخطوط العربي عبر تبادل الخبرات، وعرض المبادرات، وإبراز الجهود المبذولة لصون مخطوطات التراث.

غلاف المصحف الذي تم ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

ويضم «المتحف القومي للحضارة المصرية» كثيراً من الآثار الإسلامية، خصوصاً المخطوطات التي تتنوع بين كتب دينية وعلمية وتاريخية، وسبق أن أبرز جانباً منها في معارض مختلفة مرتبطة بالمناسبات أو الأعياد والمناسبات الدينية الإسلامية.

ويضم «المتحف القومي للحضارة المصرية» كثيراً من القطع الأثرية، لا سيما الإسلامية منها، التي تزخر بنماذج راقية من الفنون والزخارف والخطوط العربية، وتعكس تطور الكتابة وجمالياتها عبر العصور، بما يجعلها شاهداً حياً على عبقرية الفنان المصري، وقدرة اللغة العربية على التجدد والتألق.

كما يضم المتحف، الذي افتُتح عام 2021 في احتفالية ضخمة تمَّ خلالها نقل 22 مومياء ملكية إليه، وفق صفحة وزارة السياحة والآثار، مجموعةً متنوعةً من القطع الأثرية تلقي الضوء على التراث المادي واللامادي لمصر، مما يساعد الزائرين على فهم الحضارة المصرية عبر عصورها المختلفة بداية من عصور ما قبل التاريخ إلى العصور: المصري القديم، واليوناني، والروماني، والقبطي، والإسلامي، وحتى العصر الحديث، كما يضم المتحف قاعةً خاصةً للنسيج المصري.