عزيزة جلال... تمحو معاهدة الفراق وتعود للقمة بعد عقود الغياب

تحدثت لـ«الشرق الأوسط» عن أسباب العودة ومسارات الرحلة المقبلة... وأن الفن طبيعة الإنسان

قبل العلا... عزيزة تتألق
قبل العلا... عزيزة تتألق
TT

عزيزة جلال... تمحو معاهدة الفراق وتعود للقمة بعد عقود الغياب

قبل العلا... عزيزة تتألق
قبل العلا... عزيزة تتألق

تكبّلنا بعض الحيرة قبل التوجه إلى محادثة فنانة من زمن كان الأجمل في طربه وموسيقاه، تلك الحيرة مصدرها التساؤل عن كيفية طرح الأسئلة أمام فنانة عاشت مع محمد الموجي وبليغ حمدي ورياض السنباطي، وعاشت ذهبيات القاهرة المصرية وهي تصقل النجوم وترسلهم عبر العالم.
الأسئلة تم الإعداد لها؛ أثناء التقليب في صفحات الأرشيف وأثناء الاستماع إلى بعض ما أبدعته فنانة ذهبية، لم تكتب معاهدة الفراق بعد، بل كتبت الغياب، وظلت منذ ثلاثين عاماً وهي حاضرة بأغانيها والاعتقاد لدى أجيال لم ترها أنها غادرت، هي مثل أسمهان ووردة وميادة ونجاة الصغيرة وفايزة أحمد وغيرهن من أسماء أبدعت فنها وظل حاضراً.
عزيزة جلال، قصة تمتلئ بالتفرد، وخصائص إنسانية سارية في الوجدان، كانت تتقبل كل الأسئلة برحابة صدر، وتجيب وكأنها لا تزال في البدايات، ربما هو عطاء الكبار، الذين يرون أن التواصل مع الناس لا ينبغي أن يمر به ولو جزئية من الترفع، بل أساسه المرور بنسمة عبر الدروب.
كل الحيرة أصبحت سراباً. تتحدث عزيزة جلال، قبل أيام من عودتها لقمتها ومسرحها وأمام جمهور متعطش لألوان الفن الذي صنع ذائقة العرب بالطرب والموسيقى التي مرت بالأجيال دون تأثر، بل وأصبحت لون الحياة وأخذت درب الاستمرارية وإن ماجت الذائقة بألوان غربية.
موهبة متفردة، بدأت من المنزل، حين كانت تتغنى بأغاني أم كلثوم، سلكت طريق الفن بعد مشاركتها في برامج المواهب في أوائل السبعينات، وإن كانت في العاشرة من العمر عندما غنت لمها أطلقت منذ ذلك الوقت رحلة وعلامة في تاريخ الفن العربي.
ارتبط غيابها بزواجها من رجل سعودي، كونت معه حياة أخرى ممتلئة بكثير من جوانب الحياة التي تنشدها، وإن كانت ترى أن زواجها لم يكن سبب الغياب، بل هي من تتحرى تاريخ العودة.
تتحدث عزيزة جلال، وتفتح كنزاً من الإجابات مع «الشرق الأوسط» عن أسباب العودة بعد الغياب الطويل جداً، وعن مسرح مرايا الذي ستواجه الجمهور من على خشبته في ليلة الخميس المقبل، وتتحدث عن خطوات ما بعد «شتاء طنطورة» وأجواء الحياة الثقافية والاجتماعية في السعودية التي عاشت فيها طوال ثلاثة عقود، وكيف قضت حياتها أثناء الغياب.
وفيما يلي نص الحوار:

> لماذا «العلا» بوابة العودة؟
- شاهدت العام الماضي حضور التاريخ والحضارة في مواسم العلا الفنية، وكيف كانت جاذبة لفنانين وفنانات عرب وعالميين»، وتضيف: «ما يشدني في الأداء والغناء هو المكان إذا لمست فيه شيئاً مختلفاً، ولأن أجمل حفلاتي كانت في مواقع ذات تاريخ مثل جرش الأردن وقرطاج تونس»، وتشير عزيزة جلال أنها بعد أن لمست في «شتاء طنطورة» العام الماضي ذلك الوهج الفني بقرب شواهد التاريخ قالت لمن حولها: «العلا هي موعد ومكان الانطلاق»، وتضيف أنها كانت تحلم طوال أعوامها أن تشاهد مسرحاً يجذب الفنانين. تؤكد أن المكان والزمان مهمان في تشكيل وتكوين الفنان أو الفنانة، وهي التي عاشت في سبعينات القرن الماضي ضمن كوكبة بلغت معالي الزمن ولم يصل لسقفهم أجيال تعاقبت وهي الأسماء التي تشكّل منها لوحة الفن العربي الجميل.

- مبرر العودة
هل كانت مبررات العودة بجانب بعضها التحولات الاجتماعية والثقافية في السعودية، وهل لو لم تكن هناك هذه التحولات والإصلاحات ستعود عزيزة «مستنياك»؟ هو سؤال تجيب عنه عزيزة جلال، أن قيادة محمد بن سلمان ولي العهد السعودي لهذا الزخم «فتح الشهية» وهي التي كانت تترقب لحظة العودة.
تضيف وهي في زخم بروفات العودة، أنها كانت تود المشاركة في كل لمعة سعودية وهي البلاد التي أصبحت حديث العالم: «الأمير محمد سلط الضوء على البلاد لتكون واجهة سياحية وفتح باب القصص لتميز المناطق، وكنت أحلم ولو بطلّة بسيطة في هذا الحضور السعودي مع ما تعيشه المملكة وكذلك ما تناله المرأة من تمكين في كل المحافل».

- «أريد أن أصنع كلمة»
حول الانقطاع والغياب، هل تضمن غياب الناس والفنانين عن الاتصال معهم والتواصل في عوالم الفن، وتقييمها في حضور الفن اليوم... تجيب أن تواصل الناس ومن في الوسط الفني لم ينقطع والسؤال الدائم، وترى أن فكرة عودتها ظلت تواردها من حين لآخر. وجاءت.
تؤكد عزيزة جلال أنها تملك تاريخاً، وأن ملخص العودة بعد الانقطاع والتردد على عتبات الاعتزال «أريد أن أصنع كلمة (...) وأن أوصل الحلقة بين الماضي والحاضر والمستقبل... أريد أن أصنع كلمة عن تجربة مع ما أملكه من ماضٍ، أريد أن أصنع كلمة وأغني لأبنائي وجيلهم».

- الفنان لا يعتزل
سألنا عزيزة التي أعادت تقديم أغانٍ خليجية ذهبية، مثل «غزيل فلة» و«سيدي يا سيد ساداتي» أنه رغم تقادم السنوات ما زال اسم عزيزة جلال متألقاً بأغانيها، وهو ما يستدعي السؤال عن كيفية محافظة الفنان على حضوره الفني مقارنة بأعمال اليوم تغيب عن الذاكرة سريعاً؟
تجيب: «الغناء هو جزء في حياتنا... وهو طبيعة في الإنسان، وهو الأمر الذي جعلنا في زمن نصنع الأغنية التي تعبر عن حالة... هذا الأمر يصنع وجود الأغنية... الفن هو حالة تعبير عن لحظاتنا... لذلك ترسخ». الأغنية تمثل قصة لذلك ظلت أغنية ذهبية مثل «مستنياك» وغيرها وأنها في حياتها الفنية وغيرها حرصت على أن «تورث وترث».

- «كنت أغني»
طوال السنوات الماضية... هل كانت تغني عزيزة جلال أم هي العزلة التي تتلمس البعد عن الكل؟ عن ذلك تقول إنها كانت تغني ليس بالمشاركة في الحفلات بعمومها، لكنها تغني مع نفسها وأجمل لحظات الغناء مع احتفالات أبنائها وبناتها وأعياد ميلادهم وأفراحهم، وتؤكد مجدداً: «زواجي لم يكن سبباً في الابتعاد أو الاعتزال وكنت أفكر بالاعتزال قبل الزواج... وتزوجت ومن باب أولى أسرتي وأطفالي هم الأهم».
تضيف أن الشعلة لم تنطفئ، وأنها مثل سمكة تتقن العيش في بحر الفن ولا تملك القدرة على مغادرته «هذا ما أعطاني إياه الله... موهبة الغناء».

- «سأغني الجديد»
يظل التساؤل أمام فنانة من طراز مختلف في الحضور الجديد، إن كانت فقط ستعود للمسرح دون اصطياد فنون البحر الجديد وما تعاقبت أجيال في استماع إليه وهي التي مرت بكلمات كبرى، تقول: «إذا فيه استمرار سأغني الجديد لأنني سأعود الآن بأغاني غنيتها، ومن المقرر لدي سأغني إن وجدت الكلمة المناسبة، مع ما يتناسب مع أسلوبي بطريقة حديثة لكن هذا يحتاج وقتاً».
قالت عزيزة: «من حسن حظي أنني عشت وغنيت من ألحان الراحلين: محمد الموجي ورياض السنباطي وسيد مكاوي»، هنا بادرنا بسؤالها بعد سقف الفنانين الكبار العالي هل ستعودين لسقف ربما يُصنف أنه أقل، قالت: «ليس أقل... لكل زمن جيله وطريقته، والتحدي الذي سنعيشه هو كيف التلاؤم بين الماضي والحاضر (...) الماضي هو الأساس في بناء الفن العربي والجديد هو كمال له اليوم».

- «وجداني صنعته أمي... وأم كلثوم»
والدة عزيزة جلال ساهمت في تكوين شخصية الفن الذي تميزت به عزيزة جلال، تقول إن والدتها كانت تغني وتملك صوتاً جميلاً... تعطي اللمحة: «والدتي تغني أثناء العمل المنزلي أثناء كل ذهاب وعودة... صوتها جميل منحني باباً في تقليدها وهي تغني أم كلثوم... وجداني منهما».

- «مرايا»... العودة الذهبية
أيام قبل عودة عزيزة جلال، الخميس المقبل، ستغني في عودتها من مسرح «مرايا» وعبر شتاء طنطورة الذي صنع لمدينة العلا السعودية الزاخرة بالتاريخ، تقول عزيزة إنها في ليلة عودتها ستكون «مجموعة إنسان».
تضيف: «كل الماضي بلادي المغرب وبلادي السعودية... سأمنحها كل غناء... كل شخص في ثلاثين عام غبت... والوقفة التي سأقفها في مرايا سأخاطب فيها جيلي وجيل سأغني معه وأمامه وفي حضوره».


مقالات ذات صلة

«موسم الرياض» يستقطب 14 مليون زائر

يوميات الشرق يعكس الإقبال الكبير قوة المحتوى الذي يقدمه «موسم الرياض» في مختلف نسخه (هيئة الترفيه)

«موسم الرياض» يستقطب 14 مليون زائر

أعلن المستشار تركي آل الشيخ رئيس مجلس إدارة هيئة الترفيه السعودية، تسجيل «موسم الرياض» بنسخته السادسة 14 مليون زائر منذ انطلاقته في 10 أكتوبر الماضي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق الفنان السعودي خالد عبد الرحمن في مقدمة الواصلين إلى مقر الحفل (هيئة الترفيه)

روبي ويليامز وكيتي بيري على السجادة الخزامية في الرياض

بدأ نخبة من أكبر نجوم الوطن العربي والعالم التوافد على مقر حفل توزيع جوائز صُنَّاع الترفيه «جوي أواردز 2026»، التي تُعدّ الأرقى والأضخم في المنطقة.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق تُمنح جوائز «جوي أواردز 2026» للأعمال والشخصيات التي حققت حضوراً لافتاً (هيئة الترفيه)

«جوي أواردز 2026» تحتفي بصُنَّاع الترفيه في الرياض

تشهد العاصمة السعودية، السبت، حفل توزيع جوائز صُنَّاع الترفيه «جوي أواردز 2026»، التي تُعدّ الأرقى والأضخم في المنطقة، ضمن فعاليات «موسم الرياض».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
رياضة سعودية استُلهم تصميم درع جوائز «جوي أواردز 2026» من رمزية الصقر (هيئة الترفيه)

«موسم الرياض»: عشاق الرياضة والفن يترقبون حفل «جوي أواردز» العالمي

يترقب عشاق الفن والموسيقى والرياضة انطلاق حفل جوائز «جوي أواردز 2026» في 17 يناير (كانون الثاني) على مسرح «الرياض أرينا» بتنظيم من الهيئة العامة للترفيه.

«الشرق الأوسط» (الرياض )
رياضة سعودية إقبال كبير تشهده النسخة السادسة من «موسم الرياض» (هيئة الترفيه)

تركي آل الشيخ: 12 مليون زائر دليل على الصعود العالمي لـ«موسم الرياض»

أعلن المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه، وصول عدد زوار «موسم الرياض» في نسخته السادسة إلى 12 مليون زائر.

«الشرق الأوسط» (الرياض )

وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
TT

وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)

لم يكن «كلود» كثير الكلام، وكان بالكاد يتحرّك، ولم يرتدِ قط أزياء لإغراء جمهوره، لكن يوم الأحد تجمّع المئات في سان فرانسيسكو للاحتفال بحياة التمساح الأبيض المحبوب في المدينة وإرثه.

وبوجود فرقة نحاسية على طراز نيو أورلينز، وخبز أبيض مُنكَّه بطول 8 أقدام على شكل تمساح، وجلسة حكايات قدّمها مؤدّو «دراغ كوين»، وحتى شارع يحمل اسمه رسمياً «كلود ذا أليغاتور واي»، جاء هذا التكريم فريداً من نوعه، وفق «بي بي سي».

من المؤكّد أن هذا الزاحف فاز بمحبة ملايين القلوب عندما كان على قيد الحياة، لكنه اشتهر أيضاً بحادثة سرق فيها حذاء باليه لفتاة تبلغ 12 عاماً.

يتذكّر بارت شيبرد، من أكاديمية كاليفورنيا للعلوم التي كانت موطن «كلود» لمدة 17 عاماً قبل نفوقه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أنّ التمساح الأبيض، البالغ طوله 10 أقدام ويزن 300 رطل، وله عيون وردية وبصر ضعيف، سرق ذات مرة حذاء الباليه الخاص بالفتاة ثم التهمه.

قال شيبرد لجمهور من معجبي «كلود» في «غولدن غيت بارك»: «إن استخراج حذاء من تمساح ليس بالأمر اليسير».

استلزم الأمر كثيراً من التخدير، وأدوات متخصّصة، وعدداً من الأطباء البيطريين والموظفين لاستخراج الحذاء من داخل «كلود»، وهي مهمّة أُنجزت بنجاح، رغم انطلاق إنذار الحريق في جميع أنحاء المبنى خلال ذلك الوقت، وفق شيبرد.

من جهتها، قالت مديرة الاتصالات في الأكاديمية جانيت بيتش: «كان من المشجّع حقاً رؤية سان فرانسيسكو تخرج للاحتفال بهذه الأيقونة المحبوبة في أرجاء المدينة كافّة».

وأضافت أنّ أحد أسباب محبة الناس لـ«كلود» هو أنه «يجسّد ما نعدّه مثالاً حقيقياً لسان فرانسيسكو، وهو ليس فقط قبول الناس على اختلافاتهم، وإنما الترحيب بهم».

وأوضحت أنّ البهاق الذي كان يعانيه «كلود»، وهو أمر نادر جداً في التماسيح، منح رؤية واضحة للأشخاص الذين يشعرون بأنهم منبوذون بعض الشيء.

ثم قالت: «ها هو هذا الحيوان الرائع الذي يختلف بعض الشيء عن بقية أفراد جنسه، لكنه محبوب ومقدَّر وله قيمة».

وكتبت الأكاديمية على موقعها الإلكتروني أن «كلود» قد «أسعد وألهم قلوب أكثر من 22 مليون زائر، وأظهر لنا قوة الحيوانات السفيرة في ربط الناس بالطبيعة والعلوم».

وكان هذا الزاحف الذي نفق بسبب سرطان الكبد عن 30 عاماً، قد وُلد عام 1995 في مزرعة تماسيح في لويزيانا، قبل أن يأتي للعيش في معرض المستنقعات التابع للأكاديمية عام 2008.

ومنذ نفوقه، تلقّت الأكاديمية آلاف الرسائل من معجبي «كلود»، يكتبون فيها عن مدى أهمية هذا التمساح بالنسبة إليهم.

كتب أحد زوار كلود في رسالة: «شكراً لك على إلهامك لعدد من الصغار على مرّ السنوات. لقد ذكّرتنا بأن اختلافاتنا هي ما تجعلنا فريدين ومميّزين، وأنها شيء يستحق الاحتفاء به».

وكتب آخر: «ستبقى في قلبي إلى الأبد. سأفتقدك كثيراً وأشكرك على كونك جزءاً من طفولتي».

بدورها، قالت الطبيبة البيطرية الرئيسية في الأكاديمية، لانا كرول، إنّ «كلود» كان «الأكثر هدوءاً» من بين جميع التماسيح التي عملت معها.

وختمت: «أستطيع القول بثقة إنني لن ألتقي تمساحاً آخر مثل (كلود) في حياتي. سأفتقده بشدة».


لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
TT

لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)

لا يحبّذ أحد أن يفعل الأشياء أو المَهمّات التي لا تروق له. فكثيرون منا يحاولون تأجيل أداء المَهمّات الثقيلة على النفس، مثل تنفيذ تكليف صعب في إطار الوظيفة، أو بذل مجهود بدني شاق، أو خوض مناقشة مضنية. ولعلّ السبب الذي يدفعنا إلى التسويف عندما نجابه هذه النوعية من المَهمّات لا يتعلّق –فحسب- بافتقار العزيمة أو الإرادة الحقيقية للتحرُّك، وإنما ثمة أسباب علمية يمكن تفسيرها في إطار علوم الطبيعة المعنيّة بدراسة الجهاز العصبي للجسم.

ويرى العلماء أنّ الحافز هو القوّة التي تحرّك الكائنات الحيّة للإتيان بسلوكيات معيّنة لتحقيق أهداف تصبّ في مصلحتها. وفي الحياة اليومية، تتأثّر هذه السلوكيات بمؤثّرات أخرى قويّة، مثل الشعور بالنفور من عمل ما.

ورغم أنّ النظريات الكلاسيكية في مجال علم النفس تؤكّد أهمية «الهدف» في تعزيز الحافز لدى الإنسان، فإنّ بحوثاً حديثة تعتمد على نماذج حسابية ترى أنّ التحرك للإتيان بسلوك بعينه يتأثّر بآليات أخرى بعيدة عن قيمة الهدف في ذاته، ولا سيما في المواقف السلبية التي قد يترتّب عليها أن يتكبّد الشخص تكلفة إضافية نظير هذا السلوك، مثل المجهود الزائد، سواءً أكان عضلياً أم ذهنياً أم نفسياً، وهو ما قد يدفعه إلى التأجيل أو التسويف أو التأخّر في تنفيذ المهمة المطلوبة منه.

وفي إطار دراسة نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» عن الدورية العلمية «البيولوجيا المعاصرة»، المعنيّة بالبحوث العلمية في مجال الأحياء، توصّل فريق بحثي ياباني إلى وجود دائرة عصبية في أمخاخ قرود المكاك تؤدّي دور «مكابح التحفيز»، وأنّ هذا الاكتشاف قد يضيء على الأسباب التي تدفع البعض إلى التردّد قبل اتخاذ قرارات معيّنة.

ويقول الباحث كين إيشي أميموري -وهو أستاذ مساعد في معهد البحوث المتقدّمة في مجال بيولوجيا الإنسان، التابع لجامعة كيوتو اليابانية، وأحد المشاركين في الدراسة- في تصريحات نقلها موقع علمي: «استطعنا الربط بين مسار عصبي معيّن داخل المخ وبين تقييد التحفيز لدى البشر، عندما يواجهون مَهمّات لا يفضّلون القيام بها في الحياة اليومية».

وخلال الدراسة، كان الباحثون يكلّفون القرود بأداء مَهمّات معيّنة، مع إعطائها مكافآت في حال إنجاز العمل، إلى جانب توجيه نفثة مزعجة من الهواء إلى وجوهها. ولاحظ الفريق البحثي أنّ القرود تستغرق وقتاً أطول في أداء المَهمّات التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة الهواء. وأُجريت سلسلة التجارب في أماكن معزولة صوتياً ومظلمة، لتقليل تأثير الضوضاء الخارجية والمؤثّرات البصرية في النتائج. ودرَّب الباحثون القرود على إمعان النظر في مكعّبات تظهر في منتصف شاشة، وكلّما زادت مدّة نظر القرود إلى الأشكال التي تظهر على الشاشة، والتي تختلف من تجربة إلى أخرى، ازداد حجم المكافأة التي تحصل عليها. وبعد حصول القرد على المكافأة التي تتباين ما بين الماء ومشروبات رياضية محلَّاة، كانت تُوجَّه نفثة من الهواء إلى وجه القرد وفق قراراته خلال التجربة. وفي المرّات التي كان يمتنع فيها عن خوض التجربة، كان الباحثون يحرصون على إعطائه مكافأة أقلّ قيمة، حتى لا يفقد اهتمامه بالمشاركة من الأساس.

وعن طريق علوم الكيمياء الوراثية، استخدم الباحثون مواد دوائية معيّنة للتحكّم في خلايا محدّدة في أمخاخ القرود، من أجل كبح المسارات العصبية التي تربط بين جزأين من المخ، وهما «المخطّط البطني» و«الجسم البطني الشاحب»، وكلاهما يقع في منطقة العقد القاعدية بالدماغ، ويلعب دوراً رئيسياً في آليات التحفيز والمكافآت لدى الحيوانات التي تنتمي إلى عائلة الرئيسيات.

وتوصَّل الباحثون -بعد دراسات تشريحية على المخ- إلى أنّ المخطّط البطني يبعث بإشارات عصبية ترتبط بآليات الحافز والمكافأة إلى الجسم البطني الشاحب، وأنّ التدخّل في المسارات العصبية بين الجزأين يترتّب عليه تغيّرات سلوكية تتعلّق بفتور أو تعزيز الإرادة نحو القيام بمَهمّات معيّنة.

واختبر الباحثون في إطار التجربة ما إذا كان من الممكن وقف الشعور بالنفور أو الرغبة في التسويف تجاه عمل ما، عن طريق تعطيل هذا المسار العصبي. ونجحوا -باستخدام أدوية بعينها- في تعطيل تلك الإشارات العصبية خلال تكليف القرود بأداء مَهمّات معيّنة لا ترغب في تنفيذها. ووجدوا أنه في حال تعطيل عمل الدائرة العصبية، تُبدي القرود تردّداً أقلّ في أداء المَهمّات المطلوبة منها، بما في ذلك التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة هواء مزعجة. وبمعنى آخر، نجح الفريق البحثي في تعطيل تلك المكابح التي تؤثّر في التحفيز لدى الحيوانات.

ويقول الباحث أميموري: «نأمل أن تسهم هذه الدراسة في تعزيز فهمنا لمفهوم الحافز، في المجتمعات العصرية التي تنطوي على صعوبات». ويأمل الفريق البحثي أن تساعد هذه النتائج يوماً ما في ابتكار أدوية لبعض المشكلات النفسية والعقلية المرتبطة بالتحفيز، مثل الاكتئاب والفصام. ويرى أميموري ضرورة التعامل بحذر مع آليات التدخّل التي تستهدف إضعاف «مكابح التحفيز»؛ لأن هذا التدخّل قد يأتي بنتائج عكسية، مثل دفع الشخص إلى الاتجاه المعاكس، وتحفيزه على القيام بأفعال غير آمنة تنطوي على خطورة.


«فاجعة بنها» تجدد مطالبات مصرية بالتصدي لحوادث تسرب الغاز

جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
TT

«فاجعة بنها» تجدد مطالبات مصرية بالتصدي لحوادث تسرب الغاز

جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)

جددت فاجعة وفاة 5 أشقاء نتيجة انفجار سخان الغاز وحدوث تسريب بمنزل في إحدى قرى مدينة بنها (شمال القاهرة)، الحديث عن ضرورة التصدي لحوادث تسرب الغاز، في وقت شُيّع فيه الأشقاء الخمسة في جنازة حاشدة، الأحد، بعد تصريح النيابة بدفن الجثامين عقب الانتهاء من التحقيقات في الواقعة.

وحظيت عائلة الأشقاء الخمسة بتعاطف كبير بعد وقت قصير من الإعلان عن الحادث الذي عرف إعلامياً بـ«فاجعة بنها»، بعدما انفجر سخان الغاز خلال استحمام إحدى الفتيات بالمنزل وانفجار السخان بها، بينما توفي باقي الأشقاء نتيجة الاختناق بالغاز.

الأشقاء الذين يقيمون في الشقة بمفردهم لسفر والدَيهم للعمل بالخارج، تتراوح أعمارهم بين 8 و15 عاماً فيما كانت ترعاهم خالتهم المقيمة بالعقار نفسه، والتي أبلغت عن الحادث وتعرضت للاختناق ونقلت للمستشفى لتلقي العلاج.

وهذه ليست الواقعة الأولى التي يؤدي فيها انفجار الغاز بالمنازل لوفيات وإصابات، فسبق أن انهار عقار في منطقة إمبابة بالجيزة الشهر الماضي، بعد انفجار غاز، مما أدى لوفاة شخص وسقوط 3 مصابين آخرين، بينما توفي شقيقان الأسبوع الماضي، بعد تسرب الغاز داخل المنزل خلال نومهما بمنطقة أبو النمرس، فيما توفي شخصان آخران بعدها بساعات قليلة نتيجة تسرب غاز في المنزل بمنطقة العمرانية بالجيزة أيضاً.

سخانات مياه تعمل بالغاز تسببت في حدوث فواجع بمصر (الشرق الأوسط)

وأطلقت «الشركة القابضة للغازات الطبيعية» المسؤولة بشكل أساسي عن توصيل الغاز الطبيعي في الجزء الأكبر من المنازل الشهر الماضي، حملة إرشادية متضمنة إرشادات لتجنب عمليات التسريب، مع التأكيد على أن مواسير شبكات الغاز الطبيعي المنفذة من جانب الشركات المختلفة، تطابق اشتراطات الأمان والمواصفات القياسية، بما يجعلها تتحمل ضغوط تشغيلية كبيرة.

وحذرت الحملة التي تضمنت فيديوهات ومنشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من العبث أو التعديل في المواسير بالاستعانة بأشخاص غير مؤهلين، بالإضافة إلى ترك الموقد وشعلة الغاز سهواً مفتوحين دون اشتعال، مؤكدة أن التسريب ينتج عنه تجمع خليط من الهواء مع الغاز في المكان، وإذ وجدت شرارة أو مصدر اشتعال تحدث موجة انفجارية لحظية تختلف شدتها حسب كمية الغاز المسرب.

آثار انفجار الغاز على المنازل المحيطة بالمنزل المنهار في إمبابة - محافظة الجيزة

وطالب عضو مجلس النواب (البرلمان) عمرو درويش عبر حسابه على «إكس»، شركات الغاز، بتركيب «جهاز ذاتي الغلق نتيجة استشعار خطورة تسرب الغاز»، مؤكداً اعتزامه التقدم بطلب إحاطة لإلزام الوزارات المعنية بتركيب هذه المنظمات عند تركيب العدادات المنزلية والخدمية، للحد من تسرب الغاز سواء في المنازل أو الأماكن العامة، مع تحويل الأمر ليكون بشكل إلزامي.

وأكد خبير الحماية المدنية أيمن سيد الأهل، لـ«الشرق الأوسط»، ضرورة العمل من أجل نشر ثقافة الوعي بالمخاطر، للتعامل مع أخطار حوادث الغاز التي تحدث عادة بسبب غياب منافذ التهوية السليمة، واستخدام وصلات أو قطع غيار غير مطابقة للمواصفات، مشيراً إلى أن هذا الأمر يتطلب إنشاء هيئة وطنية للسلامة تتواصل مع مختلف الجهات وتضع المعايير اللازمة، لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث.

وأضاف أن احتمالات الوفاة تزيد عند حدوث التسريب أثناء النوم لعدم شعور النائمين بتسريب الغاز، مما يؤدي إلى حدوث عملية استنشاق تزيد من ترجيح حالات الوفاة على خلفية تشديد إغلاق النوافذ، خصوصاً في فصل الشتاء وعدم وجود مجال لخروج الغاز المسرب خارج المنزل.

وأوضح أن لجوء بعض الفنيين لاستخدام وصلات وقطع غير مطابقة للمواصفات لانخفاض سعرها، أحد أسباب المشكلة بشكل أساسي، معتبراً أن التساهل لتوفير مبالغ مالية محدودة قد يؤدي إلى كارثة تودي بحياة عائلات بأكملها.