عباس: لا انتخابات من دون القدس... ونرفض كياناً في غزة

ضغط أممي وأوروبي على إسرائيل من أجل السماح بها

إضاءة شجرة اضمن الاستعداد للاحتفال بأعياد الميلاد في القدس القديمة (أ.ف.ب)
إضاءة شجرة اضمن الاستعداد للاحتفال بأعياد الميلاد في القدس القديمة (أ.ف.ب)
TT

عباس: لا انتخابات من دون القدس... ونرفض كياناً في غزة

إضاءة شجرة اضمن الاستعداد للاحتفال بأعياد الميلاد في القدس القديمة (أ.ف.ب)
إضاءة شجرة اضمن الاستعداد للاحتفال بأعياد الميلاد في القدس القديمة (أ.ف.ب)

قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس إن الانتخابات الرئاسية والتشريعية يجب أن تجري في كل من القدس وغزة والضفة الغربية.
وأضاف عباس في مستهل كلمته في اجتماع اللجنة المركزية لحركة «فتح»، أمس: «اتخذنا قراراً بعقدها في أقرب فرصة ممكنة، وبدأنا المساعي والإجراءات من أجل الوصول إليها من خلال لجنة الانتخابات التي بدأت مساعيها مع الفصائل، لتحقيق هذا الهدف».
وتابع: «قام رئيس لجنة الانتخابات المركزية حنا ناصر بالاتصال بالقوى كافة، وأبلغنا أن كل القوى بما فيها حركة (حماس) قد وافقت على إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، وبقي أن نصل إلى موافقة الحكومة الإسرائيلية لعقد الانتخابات في القدس، كما جرى في عام 1996، وفي عامي 2005 و2006، وأرسلنا رسالة رسمية للحكومة الإسرائيلية، وأبلغنا جميع الأصدقاء، وعلى رأسهم الاتحاد الأوروبي بأن يتكلموا مع إسرائيل من أجل هذا الموضوع، وإلى الآن لم يأتِ جواب من الحكومة الإسرائيلية. نحن يهمنا جداً أن نجري الانتخابات لأننا نريد أن نستكمل مؤسساتنا التشريعية بكل ما أوتينا من قوة، ولكن في الوقت نفسه يجب أن تجري في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، ونحن بانتظار هذه الموافقة، وسنعمل جهدنا لنصل إلى هذه النتيجة، ويجب أن نستعد لهذه الانتخابات التي تهم حركتنا».
ويؤكد كلام عباس حول إجراء الانتخابات في القدس ما ذهب إليه مسؤولون فلسطينيون أنها لن تجرى من دون القدس. ولم يصدر عباس مرسوماً رئاسياً حتى الآن بانتظار الموقف الإسرائيلي من هذا الموضوع، وهي نقطة محل خلاف مع «حماس».
وهاجمت «حماس» عدم إصدار عباس مرسوماً رئاسياً، وقالت إن ربطه المرسوم بموضوع القدس يعني أنه قد لا يأتي. وقال موسى أبو مرزوق عضو المكتب السياسي لحركة «حماس» إن «قرار الرئيس عباس تأجيل المرسوم الرئاسي انتظاراً للموقف (الإسرائيلي) من الانتخابات في القدس، يعني عملياً أن هذا المرسوم قد لا يأتي أبداً».
ورد حسين الشيخ عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» على تصريحات أبو مرزوق، بقوله إن «موضوع إجراء الانتخابات داخل القدس الشرقية ترشحاً وتصويتاً غير خاضع للمناورة والتكتيك وهو موضوع استراتيجي». وأضاف: «نقولها علناً: لا انتخابات من دون القدس».
وهاجم وزير شؤون القدس فادي الهدمي، ما قال إنه «موقف حركة (حماس) باستثناء مدينة القدس من الانتخابات»، قائلاً إن ذلك يأتي «تطبيقاً لما يسمى (صفقة القرن)، وتماشياً مع الهجمة الأميركية - الإسرائيلية على المدينة والقضية الفلسطينية». وأضاف: «القيادة الفلسطينية لن تقبل إجراء أي انتخابات من دون القدس، باعتبارها العاصمة الأبدية لدولة فلسطين».
وتضغط «حماس» من أجل إصدار عباس مرسوم الانتخابات بغض النظر عن الموقف الإسرائيلي، وقال مسؤولون في الحركة في القدس إنه يمكن إيجاد الآليات لتجاوز الرفض الإسرائيلي. لكن السلطة تصر على أن ينتخب المقدسيون في مكاتب البريد في القدس كما جرى في المرات السابقة.
وتضغط الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول أخرى على إسرائيل من أجل السماح لإجرائها في القدس.
وبدأ وفد من الأمم المتحدة برئاسة ريتشارد جي، مسؤول قسم الشؤون السياسية والانتخابية في المقر العام للأمم المتحدة، وعضوية ميكائيل بوركة مسؤول الشؤون الانتخابية في مكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة في الشرق الأوسط لعملية السلام، زيارة للأراضي الفلسطينية.
والتقى الوفد بمسؤولين فلسطينيين وبلجنة الانتخابات المركزية. وقال عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح»، المفوض العام للعلاقات الدولية روحي فتوح، للوفد إن «الانتخابات لن تعقد دون مشاركة أهل القدس». وطلب من الأمم المتحدة والعالم الضغط على إسرائيل بالسماح بإجراء الانتخابات العامة في القدس وتوفير كل وسائل الدعم لإجرائها.
وأكد فتوح أن تعطيل الانتخابات سواء في القدس أو قطاع غزة أو الضفة الغربية ستؤدي إلى تعليق العملية الانتخابية. وأشار الوفد إلى أهمية إجراء الانتخابات الفلسطينية وتعهد بتوفير كل وسائل الدعم للعملية الانتخابية.
وتناقش المؤسسة الأمنية الإسرائيلية موضوع الانتخابات. وقالت مصادر إن المؤسسة تدرس في إذا كان بالإمكان السماح للسلطة الفلسطينية بتنظيم انتخابات في القدس الشرقية. وتقدر المؤسسة الأمنية أن الأسباب التي قد تحول دون السماح للسلطة الفلسطينية بإجراء انتخابات في القدس الشرقية، مهمة، لأن الانتخابات ستمثل «انتهاكاً للسيادة الإسرائيلية»، وأيضاً «منح الضوء الأخضر لحركة (حماس) في المدينة لبث دعايتها الانتخابية واحتمال تعزيز مكانتها في مثل هذه الانتخابات».
أما المبررات التي تدفع نحو السماح للمقدسيين بالمشاركة في الانتخابات، فهي أن «خطوة كهذه ستحدث ردود فعل إيجابية تجاه إسرائيل في الرأي العام الدولي، ولن تبدو إسرائيل كمن تمنع عملية ديمقراطية لدى السلطة الفلسطينية، كما أنه من المحتمل أن تتعزز مكانة السلطة الفلسطينية في مثل هذه الانتخابات».
ويفترض أن يحسم المجلس الوزاري الأمني والسياسي المصغر هذا الجدل في إسرائيل عبر قرار نهائي في جلسة مرتقبة. وتحدث عباس أمس حول قضايا أخرى. وقال إنه يأمل أن تنجح الانتخابات لإسرائيلية الجديدة، و«تأتي بوجوه تؤمن بالسلام وتقبل السلام معنا».
وحول العلاقة مع أميركا، أكد عباس أن موقفه حيال «صفقة العصر» ما زال كما هو، مضيفاً: «نحن نرفض الصفقة سواء ما طرح منها أو لم يطرح إلى الآن، ونعرف أن الذي لم يطرح قد يكون أسوأ مما طرح، ولكن مع ذلك نقول إن موقفنا من (صفقة العصر) ثابت».
وأضاف: «هناك قضية جديدة وهي قضية المستشفى الذي قررت أميركا أن تبنيه في غزة، وهو سيتبعه مطار وميناء، علماً بأنه كان لدينا مطار وميناء، دمرتهما إسرائيل، عندما يبحثون عن المستشفى والميناء والمطار، فإنهم يستكملون (صفقة العصر) من أجل فصل غزة عن الضفة الغربية، وإقامة كيان لا ندري ما هو، يريدون إقامة كيان في غزة، ومن هنا هذه الأمور التي يعملون على تحقيقها من ميناء ومطار وغيرها، تصب في هذه الخانة».



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.