وزارة الثقافة السعودية تعيد «صناجة العرب» وقريته «منفوحة» إلى الواجهة

ضمن مشروعها لإحياء التراث العربي والاحتفاء برموزه

TT

وزارة الثقافة السعودية تعيد «صناجة العرب» وقريته «منفوحة» إلى الواجهة

أعاد مشروع وزارة الثقافة السعودية لإحياء التراث العربي، والاحتفاء برموزه، كثيراً من الشعراء إلى الواجهة، حيث ستنطلق إحدى فعاليات المشروع في شهر مارس (آذار) المقبل، وقد خصصت للشاعر الجاهلي ميمون بن قيس، أو الأعشى، أو صناجة العرب، أو أبي بصير، الذي عاش في قرية «منفوحة»، بإقليم اليمامة، بالقرب من «حجر اليمامة» (الرياض حالياً). وأضحت قرية الشاعر اليوم حياً من أحياء العاصمة السعودية: منفوحة القديمة حيث سكن الشاعر، ومنفوحة الجديدة. ولم يتبق من آثار الشاعر الكبير سوى مسمى يحمل اسمه يقع جنوب المنفحوتين، افتتح قبل 60 عاماً بعد أن اندثرت كل آثار الشاعر، وحاصرت قريته المعامل ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي.
«الشرق الأوسط» زارت منفوحة، التي احتضنت الشاعر وفتقت نخيلها وزروعها ووديانها الخصيبة ومناخها العليل قريحته، وجعلته واحداً من ألمع الوجوه في سوق عكاظ التاريخي. لكن القرية بعد أن زحفت نحوها المباني، وتحولت مع مرور الزمن إلى حي للعمالة والمستودعات، اندثرت آثارها، ومنها آثار الشاعر، كقصره القديم في درنا، الذي هدم وبنيت فوقه مبانٍ سكنية؛ بالإضافة إلى بئر الحضرمية التي كانت مربطاً لناقة الأعشى التي جال بها الممالك والأمصار، ومدح ملوكها ونال عطاياهم، قبل أكثر من 14 قرناً؛ وبئر الارتواء التي كان يرتوي منها بصحبة ندمائه.
عاش الأعشى بين وديان «منفوحة» الخصبة وأجوائها لطيفة المناخ التي اشتهرت بزروعها ونخيلها. وعندما شب، بدأ سياحته الطويلة في الأرض، بما يمكن وصفه بـ«سندباد العصر الجاهلي»، وكان سلاحه لسانه الذي أخاف الملوك والسادة والعظماء، وجعلهم يتسابقون لكسب رضاه تجنباً لهجائه لهم. لكن الشاعر كان أقرب إلى المديح منه إلى الهجاء، بل جعل مديحه سبيلاً حتى إلى تزويج البنات بالتشبيب بهن. وارتحل الأعشى في سبيل بلوغ هذا الهدف إلى كل الأمم المتحضرة في وقته، إذ زار اليمن ونجران وعدن، وعرّج على الحجاز، وانتقل إلى المشرق والبحرين والعراق، ووصل إلى بلاد الفرس، وزار الشام، وتاخم الروم، كما كانت الحبشة وحضارتها محطة لشاعر منفوحة الذي أصبح في وقته من ألمع الشعراء، وشخصية صاخبة ضاجة في ديوان الشعر العربي.
ومن المعروف أن الشاعر قد لقب بالأعشى لضعف في بصره، وقد حدث ذلك في شبابه. وأشار إلى ذلك في قصيدته الشهيرة في محبوبته هريرة التي قال فيها:

ودّعْ هريرة إن الركـبَ مرتحلُ
وهلْ تطيقُ وداعاً أيها الرجل؟
غَرّاءُ فَرْعَاءُ مَصْقولٌ عَـوَارضها
تَمشِي الهُوَينا كما يَمشِي الوَجي الوَحِلُ
كَأنّ مِشْيَتَهَا مِنْ بَيْتِ جارَتِهَا
مرّ السّحابة لا ريثٌ ولا عجلُ

لقد أكبر النقاد القدماء في الأعشى شاعريته، مع أنهم أخذوا عليه أشياء كثيرة، خصوصاً سلوكه الإباحي، وجاء لقب «صناجة العرب» لكثرة مراودته مجالس الشرب والطرب، ولما في شعره من غزل وتغنٍ بالمرأة والخمرة والمتعة.
وقال عنه النقاد المتأخرون إن الأعشى سعى إلى إعطاء نزواته الحسية أبعد أفق لها، دون اعتبار لـ«رقابة القيم العامة». ومن ينظر إلى مطالع قصائد الأعشى يلحظ أنها صريحة دائماً في غزلها.
ويعد الأعشى أول شاعر نهج أسلوب التكسب بالشعر، وكان دافعه الحصول على المال حتى يغطي به نفقات مجونه مع رفاق الليل، وهذا الأسلوب لم يمنعه من أن يكون شاعراً استطاع أن يخطو بالشعر الجاهلي خطوات كثيرة، من حيث الصياغة وفنون البلاغة والتشبيه التصويري، وإدخال ما يشبه القصة والحوار، وتفننه في أوصاف المرأة، ومعاقرة الخمر في مجالسها المختلفة، ومع توابعها من المغنين والعازفين.
وكان الأعشى رحالة بين أطراف الجزيرة العربية، جوالة بين ملوك الغساسنة والمناذرة واليمن والحبشة، واختلط بالفرس والروم والأحباش، وغيرهم من الشعوب المتاخمة للأرض العربية. ولقد وفرت له هذه الرحلات الاحتكاك بأجواء نصرانية والحضارات شبه الوثنية المتقدمة. ورغم ذلك، لم تبدُ لديه أي نزعة عقائدية تنعكس على تأملات معينة في الحياة والإنسان، ولعل السبب أن الشاعر كان مشغولاً عما وراء ذلك بالتمتع بظواهر الحياة الحسية المباشرة ببساطة وتلقائية غريبة، ليست فيها سذاجة البدوي أسير الرمل والناقة والشظف.
واشتهر الأعشى بمديحه الذي كان سبيلاً حتى لتزويج البنات بالتشبيب بهن، ومنها قصته الشهيرة عندما كان الشاعر متوجهاً كعادته السنوية إلى سوق عكاظ، فإذا رجل يتلاقاه ويأخذ الخطام، فقال الأعشى: من هذا الذي غلبنا على خطامنا؟ قال: المحلّق. قال الأعشى: شريف كريم. ثم سلم إليه، فأناخه، ونحر له ناقته، وكشط له عن سنامها وكبدها، ثم سقاه. وأحاطت به بناته يغمزننه ويمسحننه، فقال الأعشى: ما هذه الجواري حولي؟ قال المحلق: بنات أخيك، وهنّ ثمانٍ شريدتهم قليلة. وخرج الأعشى من عنده ولم يقل فيه شيئاً، فلما وافى سوق عكاظ إذا به بسرحة قد اجتمع الناس عليها، فأخذ ينشدهم:

لعمري لقد لاحت عيون كثيرة
إلى ضوء نار في يفاع تحرق
تشب لمقرورين يصطليانها
وبات على النار الندى والمحلق
يداك يدا صدق فكف مفيدة
وأخرى إذا ما ظن بالزاد تنفق

ولما انتهى الأعشى من إنشاد القصيدة، تقدم المحلق وسلم عليه، فقال له الشاعر: مرحباً بسيد قومه. ونادى: يا معشر العرب، هل فيكم مذكار يزوج ابنه إلى الشريف الكريم؟ فما قام من مقعده وفيهن مخطوبة إلا وقد زوجها.
ويوضح الباحث راشد بن محمد بن عساكر، في دراسته المتكاملة عن منفوحة، حيث ولد وعاش ومات شاعرها الأعشى، أن القرية كانت لها في السابق استقلاليتها وكيانها وتاريخها الخاص، وتحولت اليوم إلى حي صغير من أحياء مدينة الرياض الكبرى.
وحدد الباحث ابن عساكر معالم منفوحة وتاريخها وأعلامها في كتابه القيم «منفوحة في عهد الدولة السعودية الأولى والثانية»، وضمنه معلومات وصوراً في غاية الأهمية عن المواقع التاريخية، ومنها ما يتعلق بالأعشى، موضحاً أنه على جنبات وادي العرض، الذي يعد أهم أودية اليمامة، تقع عدة قرى وبلدات متفرقة تمتد من الشمال إلى الجنوب. وفي قلب هذا الوادي ووسطه، تقع أهم بلدتين فيه، وهما: حَجْر اليمامة، ومنفوحة. فبين الجانب الشرقي: الوتر (البطحاء)، والغربي (وادي حنيفة)، وجنوب حَجْر اليمامة، تقــع منفوحة، وهي بذلك تمثل مثلثاً لمكانها الذي تقع فيه بالنسبة إلى هذين الواديين المهمين، ومطابقة لوصف الأعشى عندما ذكرها مع عدد من الأمكنة والمواقع، مبتدئاً بشمالها إلى جنوبها في شعره السابق.
وأشار ابن عساكر أن آراء علماء اللغة والجغرافيين تتـفق في أصل الاشتقاق لهذه التسمية، فمنفوحة: اسم مفعول من النفح، وذلك لوقوعها في مهب الصبا، حيث تنفح منها الرياح التي تهب من مطلع الشمس. ونَفَح الطيبُ ينفُح نفحاً ونُفـُوحاً؛ أي: أرجَ وفاح. ومنفوحة، بفتح الميم وإسكان النون، بعده فاء وواو، وحاء مهملة. ومنفوحة اسم مفعول من نفح الطيب: إذ فاح. ونـفحت الصبا: إذا هبت، كأنها الريح الطيبة، أو الهواء الطيب موجود فيها. ويتفق الأصفهاني مع غيره على أن هذه التسمية جاءت من أجل قولهم: انفـح لنا، أي هب لنا، فسميت منفوحة. وعند الحموي أن هذا الاسم مأخوذ من قول زعيم بني حنيفة، عبيد بن ثعلبة، لبني قيس بن ثعلبة، لما طلبوا النـزول والجوار حوله، فأجابهم بقوله: ما لي من فضل، غير أني سأنفحكم. ثم علل الحموي ذلك بأنه أُخذ من قولهم: نفحه بشيء؛ أي أعطاه. ومن النفح، قول الأعشى:

لما أتيتك أرجو فضل نائلكم
نفحتني نفحة طابت لها العرب

- في مدح الرسول
قدم الشاعر الأعشى للحجاز لمقابلة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لكن صناديد قريش الذين عارضوا النبوة، وكانوا في هدنة مع محمد، وقفوا له في الطريق، وحاولوا إثنائه عن مقابلته، لقناعتهم بأن إعلان إسلامه سيجعل أكثر العرب يعلنون إسلامهم، وأغروه بالمال، وطلبوا منه العودة إلى منفوحة لأنهم كانوا في هدنة مع محمد، كما أنهم قالوا إن محمداً يحرم الخمر، وكانت لدى الشاعر صبابة تكفيه لمدة عام في مخمرته (مهراس). وعند عودته إلى منفوحة، ووصوله إلى مشارفها، سقط من فوق الناقة، ودق عنقه، فمات ولم يحظ بإعلان إسلامه، مع أن النية كانت موجودة لديه. وقد نظم الشاعر قصيدة طويلة في مدح الرسول، منها:

ألا أيهذا السائلي: أين يممت
فإن لها في أهل يثرب موعدا
نبي يرى ما لا ترون وذكره
أغار لعمري في البلاد وأنجدا
له صدقات ما تُغب ونائل
وليس عطاءُ اليوم مانعه غدا
أجِدَّكَ لم تسمع وصاة محمد
نبي الإله حين أوصى وأشهدا

ولأن التاريخ لا يكذب، حتى وإن كان يكتبه المنتصرون، فإن هذا التاريخ يقدم لنا نماذج لشعراء في أزمان متقاربة تابعوا الفلسفة الشائعة التي تقف من أحياء الدنيا وأشيائها موقف المتأمل لجوهر الاستمرار، ثم كيف كان للطغاة في زمانهم صولات وجولات بسطوتهم المرهبة، وتحكمهم في أرزاق الناس وأعناقهم، دون احتجاج أو تمرد من قبل الشعب المنكوب به، والمنكوب أكثر بذله في نفسه، ثم مصير الطاغية الذي تنتهي حياته إما بالقتل أو الموت داخل السجن.
الأعشى في إحدى قصائده التي خصصها في مدح المحلق التي انفردت بمضمون فكري، وتعمقها في ذكر خلق الملك النعمان وصولته وجولته الكبرى وسطوته المرهبة، وتحكمه في أرزاق الناس وأعناقهم، دون احتجاج أو تمرد من قبل المحكومين، عبر عن الظلم وخضوع الشعب البائس.

ولا الملكُ النعمان يوم لَقِيتُه
بإِمَتِه يعطي القُطُوط ويَأْفِقُ
ويَقْسِمُ أمرَ الناس يوماً وليلة
وهم ساكتون والمنية تنطق

لقد كان الملك النعمان الذي التقاه الشاعر له يوم بؤس ويوم نعمى، يوزع عطاياه وهباته على من يلتقيهم. لقد كان يقسم أمر الناس بين السعادة والشقاء، والشعب ساكت لا يتكلم ولا يحتج، ولا يتذمر ولا يثور، لكن مصير الطاغية صاحب الصولة والجولة كان في السجن، سجن ساباط، حيث حبس كسرى النعمان فيه وهو «محزرق»؛ أي مضيق عليه.

فذاك وما أنجى من الموت ربَه
بساباط حتى مات وهو محزرقُ

ولم ينس الأعشى بعد هذا المقطع الحكمي أن يوحي للمستمع أنه ما دام هكذا حال الدنيا، فلا يبقى للمرء إلا تمتعه بحياته إلى أقصى ما يستطيع، وأنه يريد أن ينسى طول يومه بين فتية في اللهو والشراب تحت خبأ أظله رواق مديد.

وقد أقطع اليوم الطويل بفِتْيَة
مَسامِيحَ تُسْقَى والخِباءُ مُرَوَقُ



مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.