اتفاق المرحلة الأولى التجاري... بين الترحيب والحذر

جدل متواصل حول «الفائز الأكبر»

يتواصل الجدل حول قيمة الاتفاق التجاري المبدئي بين الولايات المتحدة والصين في ظل الغموض (رويترز)
يتواصل الجدل حول قيمة الاتفاق التجاري المبدئي بين الولايات المتحدة والصين في ظل الغموض (رويترز)
TT

اتفاق المرحلة الأولى التجاري... بين الترحيب والحذر

يتواصل الجدل حول قيمة الاتفاق التجاري المبدئي بين الولايات المتحدة والصين في ظل الغموض (رويترز)
يتواصل الجدل حول قيمة الاتفاق التجاري المبدئي بين الولايات المتحدة والصين في ظل الغموض (رويترز)

أشاد كبير مفاوضي التجارة في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب باتفاق «المرحلة واحد» التجاري الأميركي الصيني، الذي من المتوقع أن يضاعف تقريبا الصادرات الأميركية للصين خلال العامين المقبلين، بينما ظلت الصين حذرة قبيل توقيع الاتفاق.
وخلال حديثه على شبكة «سي بي إس» مساء الأحد، قال الممثل التجاري الأميركي روبرت لايتهايزر إنه ستكون هناك بعض «التنقيحات» المعتادة على النص، لكنه «منته كليا، بلا ريب». وذلك في وقت شدد فيه المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض لاري كودلو على أن الولايات المتحدة سوف تتخذ إجراء إذا انتهكت الصين بنود الاتفاق التجاري معها، متابعا في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز: «سننتظر ونرى ما إذا كانت الصين متمسكة بالتزاماتها»، حسبما نقلت وكالة بلومبرغ. وسيقلص الاتفاق، الذي أُعلن عنه يوم الجمعة بعد مفاوضات متقطعة لأكثر من عامين ونصف بين واشنطن وبكين، بعض الرسوم الجمركية الأميركية على البضائع الصينية، في مقابل زيادة مشتريات الصين من المنتجات الزراعية والصناعية الأميركية ومنتجات من قطاع الطاقة بنحو 200 مليار دولار على مدار العامين المقبلين.
وتعهدت الصين أيضا في الاتفاق بتحسين حماية حقوق الملكية الفكرية الأميركية والحد من النقل القسري للتكنولوجيا وفتح سوق الخدمات المالية لديها أمام الشركات الأميركية وتجنب التلاعب في عملتها.
وقال فو لينغ هوى المتحدث باسم المكتب الوطني للإحصاءات بالصين الاثنين إنه يجب على الصين والولايات المتحدة مواصلة المحادثات التجارية فيما بينهما والعمل على إزالة كل التعريفات القائمة.
من جهته، قال لايتهايزر إنه يجري تحديد موعد لتوقيع كبار المسؤولين الأميركيين والصينيين على الاتفاق رسميا. موضحا أنه من المتوقع أن تزيد المشتريات الصينية من السلع الزراعية إلى 50 مليار دولار سنويا على مدار العامين المقبلين.
وفي حين عبر وفد التجارة الصيني عن التفاؤل حيال الاتفاق، خيم الحذر على بعض مسؤولي الحكومة. وقال مصدر في بكين مطلع على الوضع إن الاتفاق «تقدم مرحلي، ولا يعني أنه تمت تسوية النزاع التجاري بشكل فوري ونهائي». وقال المصدر إن توقيع وتنفيذ الاتفاق يظل المعيار الأول للنجاح. وقال عدد من المسؤولين الصينيين لـ«رويترز» إن صياغة الاتفاق ما زالت «مسألة حساسة»، وإن الحذر ضروري لضمان ألا تجدد الصياغات المستخدمة في النص تصاعد التوترات وتعمق الخلافات.
وقال لايتهايزر إن نجاح الاتفاق سيعتمد على قرارات المسؤولين في بكين. مضيفا: «في نهاية المطاف، الذي يحدد فرص نفاذ هذا الاتفاق بالكامل هو من يتخذ القرارات في الصين، لا في الولايات المتحدة... إذا كان المتشددون هم من يتخذون القرارات، فسنحصل على نتيجة ما، وإذا كان الإصلاحيون هم من يتخذون القرارات - وهو ما نأمله - فسنحصل عندئذ على نتيجة أخرى». وأشار لايتهايزر إلى أن الاتفاق لن يحل جميع المشكلات بين الولايات المتحدة والصين لأن التكامل، بين النظام الاقتصادي الصيني الخاضع لهيمنة الدولة والنظام الأميركي الذي يقوده القطاع الخاص، سيستغرق سنوات.
ويذكر أن لايتهايزر حقق الأسبوع الماضي التزامين من أهم الأولويات الاقتصادية للرئيس دونالد ترمب بعد شهور من المناقشات المضطربة، وحقق فوزا كان بعيدا عن واشنطن بشأن قضية ذات أهمية عالمية كرس نفسه لتحقيقه.
وأعلن الممثل التجاري في غضون أيام عن اتفاق مع الديمقراطيين بمجلس النواب بشأن اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا) التي أعيد التفاوض عليها، ووضع اللمسات الأخيرة على شروط الصفقة الجزئية مع الصين، وأوقف عملية الاستئناف في منظمة التجارة العالمية، حسبما أفادت بلومبرغ.
ورحب لايتهايزر، الذي أصبح كبير المستشارين التجاريين لترمب في 2017 بهدف الحصول على دعم ديمقراطي قوي للاتفاقيات التجارية وإعادة التوازن في العلاقة الاقتصادية بين أكبر اقتصادين في العالم، بالاتفاق مع الصين واتفاقية (نافتا) الجديدة باعتبارهما من الإنجازات التاريخية.
* جدل حول الرابح الأكبر: وفي هذا الإطار، سلطت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية الضوء على نمو الاقتصاد الأميركي بوتيرة ثابتة ومستمرة نحو عام 2020؛ بعد سلسلة من إجراءات خفض أسعار الفائدة وحسم واضح لتهديدين يتعلقان بقضايا التجارة ما أدى إلى إنهاء مخاطر الركود الاقتصادي تقريبا.
وذكرت الصحيفة أن هذا يمثل تحولا جذريا في الوضع الاقتصادي منذ أغسطس (آب) الماضي، عندما تنبأ البعض ببدء فترة من الركود الاقتصادي بنسبة 50 في المائة بحلول نهاية عام 2020، وأضافت أن الكثير من خبراء الاقتصاد ينسبون الفضل في ذلك إلى سلسلة خفض أسعار الفائدة التي أقرها مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) والتحسن الطفيف في صورة التجارة، الأمر الذي دفع سوق الأسهم إلى مستويات قياسية جديدة ودفع خبراء الاقتصاد إلى تعزيز التكهنات بشأن المدى الذي يمكن أن يواصل فيه الاقتصاد النمو وتوفير فرص العمل من دون أي اضطرابات.
وكان الرئيس ترمب قد حصل الأسبوع الماضي على موافقة الديمقراطيين على اتفاق تجاري مع كندا والمكسيك، والذي يعفي معظم السلع المتداولة بين الدول الثلاث من الرسوم الجمركية. وتوصل ترمب أيضا إلى اتفاق تجاري مبدئي مع الصين ألغى بموجبه الرسوم الجمركية الباهظة التي كان من المقرر تطبيقها يوم الأحد الماضي، مقابل موافقة الصين على شراء سلع أميركية بقيمة تقدر بنحو 200 مليار دولار إضافية خلال العامين المقبلين.
واختتمت «واشنطن بوست» تقريرها بالقول إنه «على الرغم من أن الصفقات التجارية ليست واعدة كما تعهد ترمب، فإنها خففت من حدة واحدة من أكبر العقبات التي تواجه الاقتصاد الأميركي؛ وهي حالة الشكوك والغموض التي تكتنف الوضع الاقتصادي. ففي حين أنه لا تزال هنالك رسوم جمركية كبيرة مفروضة على بعض الصناعات، وفي ضوء استمرار تغير التفاصيل النهائية بشأنها، إلا أن قادة الأعمال يقولون إنهم على الأقل يعرفون الوضع المحتمل الذي يمكن يكون عليه اقتصاد الولايات المتحدة خلال عام 2020 المقبل، ما يضفي وضوحا أكبر مما كان عليه الوضع عندما بدأت حرب ترمب التجارية منذ ما يقرب من عامين».
لكن من جهة أخرى، فإن مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية الأميركي يرى أن الاتفاق، ورغم ما قيل بأنه سيمثل بداية نهاية الحرب التجارية المريرة، فإنه لا يستحق الاحتفاء به. فلا يزال هناك غموض كبير بشأن تفاصيل الاتفاق، وليس واضحا ما إذا كانت الصراعات في العامين ونصف الماضيين كانت تستحق هذا الاتفاق، مشيرا إلى أن التكاليف مستديمة وبعيدة المدى، في حين أن المزايا ضيقة وسريعة الزوال.
ورأى تقرير المركز الأميركي أن الصين هي الفائز الواضح على المدى القصير، بتنازلات محدودة تصبح بموجبها بكين قادرة على الحفاظ على نظامها الاقتصادي ومواصلة سياستها الصناعية على حساب شركائها التجاريين والاقتصاد العالمي. ورغم أن ترمب سيستطيع التراجع وتجديد التعريفة الجمركية، فإن بكين قد «اشترت لنفسها راحة محتملة من حالة عدم اليقين اليومية لبضعة أشهر على لأقل، وربما لباقي فترة ترمب الرئاسية الحالية»، بحسب تقرير المركز.



انخفاض صافي الأرباح المتوقعة لـ«سينوبك» الصينية 36.8 % لعام 2025

نموذج رافعة مضخة نفط بجوار شعار شركة التكرير الصينية العملاقة «سينوبك» (رويترز)
نموذج رافعة مضخة نفط بجوار شعار شركة التكرير الصينية العملاقة «سينوبك» (رويترز)
TT

انخفاض صافي الأرباح المتوقعة لـ«سينوبك» الصينية 36.8 % لعام 2025

نموذج رافعة مضخة نفط بجوار شعار شركة التكرير الصينية العملاقة «سينوبك» (رويترز)
نموذج رافعة مضخة نفط بجوار شعار شركة التكرير الصينية العملاقة «سينوبك» (رويترز)

أعلنت شركة سينوبك الصينية، الأحد، انخفاض صافي أرباحها المتوقعة لعام 2025 بنسبة 36.8 في المائة.

وسجلت الشركة، والتي تمتلك أكبر مصفاة نفط في العالم من حيث الطاقة الإنتاجية، صافي دخل عائد للمساهمين بلغ 31.8 مليار يوان (4.62 مليار دولار)، وفقاً للمعايير المحاسبية الصينية، وذلك في بيانٍ قدّمته لبورصة شنغهاي، الأحد.

وانخفضت طاقة التكرير بنسبة 0.8 في المائة، العام الماضي، لتصل إلى 250.33 مليون طن متري؛ أي ما يعادل 5 ملايين برميل يومياً. وتوقعت الشركة أن يظل إنتاج المصفاة مستقراً عند نحو 250 مليون طن في عام 2026.

وانخفض إنتاج البنزين والديزل بنسبتيْ 2.4 و9.1 في المائة على التوالي، ليصل إلى 62.61 مليون طن و52.64 مليون طن، بينما ارتفع إنتاج الكيروسين بنسبة 7.3 في المائة على أساس سنوي ليصل إلى 33.71 مليون طن.

وبلغ هامش الربح الإجمالي السنوي للتكرير 330 يواناً (47.93 دولار) للطن، بزيادة قدرها 27 يواناً على أساس سنوي، ويعود ذلك، بشكل رئيسي، إلى التحسن الكبير في هوامش الربح لمنتجات التكرير الثانوية مثل الكبريت وفحم الكوك، مما عوَّض أثر ارتفاع علاوات استيراد النفط الخام وتكاليف الشحن.

مبيعات البنزين

انخفضت مبيعات الشركة من البنزين بنسبة 2.5 في المائة على أساس سنوي لتصل إلى 61.1 مليون طن، مع انخفاض متوسط ​​السعر بنسبة 7.7 في المائة، بينما انخفضت مبيعات الديزل بنسبة 9.1 في المائة لتصل إلى 51.2 مليون طن، وانخفض متوسط ​​السعر بنسبة 8 في المائة في عام 2025.

وبلغت مبيعات الكيروسين 24.2 مليون طن؛ بزيادة قدرها 4 في المائة على أساس سنوي، بينما انخفض متوسط ​​السعر بنسبة 9.9 في المائة، مقارنة بعام 2024.

وفي عام 2025، بلغ إنتاج الشركة المحلي من النفط الخام 255.75 مليون برميل، بزيادة قدرها 0.7 في المائة على أساس سنوي، بينما بلغ إنتاجها الخارجي من النفط الخام 26.65 مليون برميل.

وتتوقع «سينوبك» أن يصل إنتاجها المحلي من النفط الخام إلى 255.6 مليون برميل في عام 2026، ليظل مستقراً إلى حد كبير، بينما من المتوقع أن ينخفض ​​الإنتاج الخارجي إلى 25.31 مليون برميل.

الغاز الطبيعي

ارتفع إنتاج الغاز الطبيعي بنسبة 4 في المائة على أساس سنوي ليصل إلى 1.456.6 مليار قدم مكعبة في عام 2025، ومن المتوقع أن يصل إلى 1.471.7 مليار قدم مكعبة في عام 2026.

وزاد إنتاج الشركة من الإيثيلين بنسبة 13.5 في المائة على أساس سنوي ليصل إلى 15.28 مليون طن في عام 2025.

وفي عام 2025، بلغ إجمالي إيرادات مبيعات الشركة الخارجية من المنتجات الكيميائية 378 مليار يوان، بانخفاض قدره 9.6 في المائة على أساس سنوي، ويُعزى ذلك، بشكل رئيسي، إلى انخفاض أسعار المنتجات.

وبلغت نفقات «سينوبك» الرأسمالية 147.2 مليار يوان في عام 2025، منها 70.9 مليار يوان مخصصة للاستكشاف والتطوير.

الإنفاق الرأسمالي

أعلنت «سينوبك» أنها تخطط لزيادة الإنفاق الرأسمالي، هذا العام، من 131.6 مليار إلى 148.6 مليار يوان، بما في ذلك 72.3 مليار يوان للاستكشاف والتطوير، وتحديداً لتوسيع طاقة إنتاج النفط الخام في «جييانغ» و«تاهي»، ومشاريع طاقة الغاز الطبيعي في غرب وجنوب سيتشوان، ومرافق تخزين ونقل النفط والغاز.

وارتفعت أسهم «سينوبك» المُدرجة في بورصة هونغ كونغ بنسبة 0.21 في المائة، منذ بداية العام، متفوقة على مؤشر هانغ سينغ الذي انخفض بنسبة 1.38 في المائة، بينما جاءت متأخرة عن نظيرتيها «بتروتشاينا» و«سينوك»، اللتين حققتا مكاسب بنسبتيْ 17.58 في المائة و42.63 في المائة، على التوالي، منذ بداية العام.


ماليزيا ترفع حجم الدعم الحكومي لمواجهة ارتفاع أسعار النفط

منظر عام لناطحات سحاب في العاصمة الماليزية كوالالمبور (رويترز)
منظر عام لناطحات سحاب في العاصمة الماليزية كوالالمبور (رويترز)
TT

ماليزيا ترفع حجم الدعم الحكومي لمواجهة ارتفاع أسعار النفط

منظر عام لناطحات سحاب في العاصمة الماليزية كوالالمبور (رويترز)
منظر عام لناطحات سحاب في العاصمة الماليزية كوالالمبور (رويترز)

أعلن رئيس وزراء ماليزيا، أنور إبراهيم، الأحد، أن الحكومة رفعت حجم الدعم المالي من نحو 700 مليون رينغيت (177.7 مليون دولار) إلى 3.2 مليار رينغيت (0.81 مليار دولار) خلال أقل من أسبوع، في أعقاب الارتفاع الكبير بأسعار النفط العالمية الناجم عن الصراع في غرب آسيا.

وقال أنور إبراهيم: «إن حماية رفاهية المواطنين والتجار تبقى أولوية للحكومة في ظل حالة عدم اليقين»، مبيناً أن الدعم يتيح للماليزيين دفع أقل من أسعار السوق الكاملة.

وأوضح أن ارتفاع أسعار النفط مرتبط بتعطل مضيق هرمز، وهو من الطرق الرئيسية لنقل النفط العالمي، مشيراً إلى أن ماليزيا - رغم أنها دولة منتجة للنفط - تتأثر بالأزمة؛ لأنها تستورد كميات نفط أكبر مما تصدر.


العالم يواجه أزمة حادة مع اقتراب وصول آخر شحنات الغاز الخليجية

حارس أمن يقف عند مدخل محطة غوان تانغ لاستقبال الغاز الطبيعي المسال في تايوان (رويترز)
حارس أمن يقف عند مدخل محطة غوان تانغ لاستقبال الغاز الطبيعي المسال في تايوان (رويترز)
TT

العالم يواجه أزمة حادة مع اقتراب وصول آخر شحنات الغاز الخليجية

حارس أمن يقف عند مدخل محطة غوان تانغ لاستقبال الغاز الطبيعي المسال في تايوان (رويترز)
حارس أمن يقف عند مدخل محطة غوان تانغ لاستقبال الغاز الطبيعي المسال في تايوان (رويترز)

تمرُّ سوق الطاقة العالمية بلحظة فارقة، حيث تشير التقارير إلى أنَّ الدول المستورِدة للغاز الطبيعي المسال ستواجه فراغاً حاداً في الإمدادات خلال الأيام الـ10 المقبلة. هذا التاريخ يمثل الموعد النهائي لوصول آخر الناقلات التي غادرت المواني الخليجية قبل اندلاع العمليات العسكرية وإغلاق مضيق هرمز، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز». ومع وصول هذه الشحنات المتبقية إلى وجهاتها، ستنقطع الصلة تماماً بقطر التي تمد العالم بنحو خُمس احتياجاته من الغاز، مما يضع الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد أمام خيارات صعبة ومكلفة للغاية لتأمين احتياجاتها الأساسية.

فقد اضطرت قطر، التي تنتج خُمس إنتاج العالم من الغاز الطبيعي المسال، إلى وقف صادراتها بعد أن فرضت إيران حصاراً على مضيق هرمز عند مدخل الخليج، في الأيام الأولى من النزاع. ومنذ ذلك الحين، تكبَّدت قطر أضراراً جسيمة في محطة رأس لفان العملاقة للغاز الطبيعي المسال، التي تعرَّضت لهجوم صاروخي إيراني هذا الأسبوع؛ ما أدى إلى ارتفاع أسعار الغاز في آسيا وأوروبا بشكلٍ حاد.

لكن وفقاً لتحليل أجرته شركة الوساطة البحرية المستقلة «أفينيتي»، فإن كثيراً من ناقلات الغاز الطبيعي المسال التي حمَّلت حمولتها في قطر والإمارات كانت في طريقها إلى وجهاتها قبل بدء الحرب، ما يعني أن بعض العملاء على وشك الشعور بأثر انقطاع الإمدادات.

وستضطر الدول التي تعتمد على الواردات لتشغيل اقتصاداتها إلى دفع أسعار باهظة للتنافس على إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة وغيرها، أو التحوُّل إلى أنواع وقود أخرى، أو إجبار الأسر والشركات على ترشيد الاستهلاك، وفق تقرير «فاينانشال تايمز».

وقد فرضت كثير من الدول الآسيوية الفقيرة بالنفط والغاز إجراءات لتجنب النقص، مثل تطبيق نظام العمل 4 أيام في الأسبوع.

ولا تزال شحنة واحدة فقط من الغاز الطبيعي المسال من الخليج من المُقرر وصولها إلى آسيا، التي تستورد نحو 90 في المائة من إنتاج المنطقة، وفقاً لبيانات تتبع السفن. كما لا تزال 6 شحنات من الغاز الطبيعي المسال من المُقرر وصولها إلى أوروبا.

أسعار الوقود معروضة في محطة وقود بمدينة أتلانتا بولاية جورجيا (رويترز)

باكستان من بين الأكثر تضرراً

تُعدُّ باكستان اليوم في واجهة الدول الأكثر تضرراً وهشاشة أمام هذه الأزمة، حيث كانت تعتمد في العام الماضي بنسبة تصل إلى 99 في المائة على واردات الغاز الطبيعي المسال المقبلة من قطر وحدها. ومع اندلاع الصراع، وصلت آخر الشحنات المقبلة من مجمع رأس لفان في اليومين الثاني والثالث من الحرب، لتبدأ بعدها مرحلة العد التنازلي القاسية؛ إذ اضطرت محطات الاستيراد في البلاد إلى خفض عملياتها إلى سُدس مستوياتها الطبيعية، وسط توقعات بتوقف ضخ الغاز تماماً بنهاية الشهر الحالي، وفقاً لمصادر مطلعة على الوضع الميداني لـ«فاينانشال تايمز».

ويزداد المشهد قتامةً مع تصريحات رئيس مجلس إدارة شركة «باكستان غاز بورت» إقبال أحمد، الذي أكد أن إحدى المحطتين الرئيسيَّتين ستنفد تماماً من الغاز المخصص للمعالجة خلال الأيام القليلة المقبلة، محذراً من حالة «جفاف» كاملة في الإمدادات دون أي رؤية واضحة لموعد وصول شحنات جديدة.

ومن المفارقات المؤلمة أن إسلام آباد كانت، قبيل الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، تواجه فائضاً في الإمدادات، لدرجة أنَّها طلبت من شركتَي «قطر للطاقة»، و«إيني» الإيطالية إعادة توجيه عشرات الشحنات التي كانت مجدولة للوصول هذا العام.

ومع اندلاع الحرب وانعكاس الآية من الفائض إلى العجز الحاد، حاولت شركة الغاز الباكستانية الحكومية استعادة تلك الشحنات أو التواصل مع مورِّدين وتجار في عمان وأذربيجان وأفريقيا وأوروبا والولايات المتحدة، إلا أنَّ كل تلك الجهود باءت بالفشل نتيجة الأسعار الفلكية التي عرضها المورِّدون، والتي تجاوزت قدرة الاقتصاد الباكستاني على الاحتمال. فقد تضاعفت أسعار الغاز في آسيا وفق مؤشر «بلاتس جي كي إم» لتصل إلى 23 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، يضاف إليها الارتفاع الحاد في تكاليف الشحن وتأمين المسارات الطويلة البديلة، مما جعل الشراء من السوق الفورية خياراً شبه مستحيل لباكستان في ظلِّ ظروفها الراهنة.

شخص يمر أمام لافتة تعرض أسعار الوقود في سان سلفادور (إ.ب.أ)

بنغلاديش تعيش حالة مشابهة

أما بنغلاديش، فهي تعيش حالة مشابهة من الهشاشة وإن كانت بدرجة أقل حدة بقليل، نظراً لامتلاكها بعض مصادر التوريد من خارج منطقة الخليج. ومع ذلك، تجد الحكومة نفسها اليوم في مواجهة عجز مالي خانق يمنعها من سداد الأسعار الجنونية المطلوبة لتأمين بدائل للغاز الخليجي المفقود، خصوصاً في ظلِّ افتقارها للوقود البديل. وقد دفعت هذه الأزمة السلطات إلى اتخاذ تدابير قاسية لترشيد الاستهلاك وتقنين توزيع الغاز، وصل صداها إلى القطاع التعليمي بقرارات شملت إغلاق الجامعات لمحاولة السيطرة على العجز المتفاقم.

وفي شرق آسيا، تبرز تايوان من أكبر المتضررين بصفتها من كبار مشتري الغاز الخليجي، حيث تجد نفسها اليوم في مأزق ناتج عن استراتيجيتها السابقة بالتحول من الفحم إلى الغاز النظيف بالتزامن مع التخلص التدريجي من الطاقة النووية. ورغم تحركها السريع لتأمين 22 شحنة بديلة فور اندلاع الحرب لضمان استقرار الإمدادات حتى نهاية أبريل (نيسان)، فإنَّ القلق الحقيقي يكمن في فصل الصيف؛ حيث يرتفع الطلب على الكهرباء بشكل حاد، مما يضع البلاد أمام خطر حدوث نقص حاد في الطاقة إذا استمرَّ إغلاق مضيق هرمز لفترة أطول.

الصين والسيادة الطاقية

تتعامل الصين مع أزمة انقطاع إمدادات الخليج من موقع القوة النسبية مقارنة بجيرانها، رغم أنها تستورد نحو 30 في المائة من حاجتها من الغاز المسال عبر مضيق هرمز. وتعتمد بكين في مواجهة هذا النقص على قاعدة إنتاج محلية صلبة؛ حيث نجحت في رفع وتيرة استخراج الغاز الطبيعي من حقولها الداخلية لتغطي أكثر من نصف استهلاكها الإجمالي. هذا الاكتفاء الذاتي الجزئي يمنح الحكومة الصينية هامش مناورة واسعاً، ويجنبها الاضطرار للدخول في سباق محموم على الشحنات الفورية بأسعارها الفلكية التي ترهق ميزانيات الدول النامية.

علاوة على ذلك، تستفيد الصين من شبكة أنابيب برية عملاقة تربطها بروسيا ودول آسيا الوسطى، وهي مسارات إمداد تقع تماماً خارج نطاق التوترات البحرية في الخليج العربي. وفي حال تفاقم العجز، تمتلك بكين خياراً استراتيجياً جاهزاً يتمثل في العودة السريعة والواسعة لمحطات توليد الكهرباء التي تعمل بالفحم، مفضلةً تأمين استقرار التيار الكهربائي والمصانع على الالتزامات البيئية المؤقتة، مما يجعل اقتصادها الأكثر مرونة في وجه «حافة الهاوية» التي يواجهها قطاع الغاز العالمي.

شخص يملأ خزان وقود دراجته النارية في محطة وقود بمدينة سان سلفادور (إ.ب.أ)

المناورة اليابانية

أما في اليابان، التي تُعدُّ ثاني أكبر مستورِد للغاز المسال في العالم، فإنَّ الموقف يدار بحذر شديد وضبط دقيق للتكاليف. ورغم أنَّ نسبة ضئيلة نسبياً (نحو 6 في المائة) من إمدادات الغاز اليابانية تمرُّ عبر مضيق هرمز، فإن الحساسية العالية للاقتصاد الياباني تجاه أسعار الطاقة العالمية جعلت الحكومة تسرع في تفعيل بدائل استراتيجية. وقد برزت الطاقة النووية بوصفها طوق نجاة رئيسيّاً؛ حيث تزامن اندلاع الأزمة مع إعادة تشغيل عمليات في أكبر محطة نووية في العالم بمحافظة «نييغاتا»، وهي خطوة وفَّرت لليابان ملايين الأطنان من الغاز المسال التي كانت ستضطر لشرائها بأسعار مضاعفة.

وفي غضون ذلك، تتبنى شركات المرافق والتجار في اليابان استراتيجية «الانتظار والترقب»، معتمدين على المخزونات الاستراتيجية التي تمَّ تأمينها مسبقاً. وبدلاً من الاندفاع نحو السوق الفورية المشتعلة، بدأت اليابان بالفعل في زيادة الاعتماد على محطات الفحم لضمان استمرارية الطاقة بأسعار معقولة. هذا التوجُّه الحذر يهدف إلى حماية المستهلكين من تضخم فواتير الكهرباء والحفاظ على استقرار الين الياباني، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من تطورات في الممرات الملاحية الدولية.

علاوة على القلق اللحظي من توقف الملاحة، تواجه سوق الطاقة العالمية آفاقاً قاتمةً تمتد لسنوات، حيث تُرهَن عودة الاستقرار بفتح مضيق هرمز من جهة، وبقدرة المنشآت الإنتاجية على التعافي من جهة أخرى. وحتى في حال السماح للسفن بالمرور مجدداً، سيبقى المعروض العالمي من الغاز المسال محدوداً ومضغوطاً بشكل كبير؛ وذلك نتيجة الأضرار الهيكلية الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية القطرية، والتي أخرجت جزءاً أصيلاً من الإمدادات العالمية عن دائرة الخدمة.

وزير الدولة لشؤون الطاقة القطري سعد الكعبي (أرشيفية - رويترز)

وقد جاءت تصريحات وزير الدولة لشؤون الطاقة القطري، سعد الكعبي، لتعمِّق هذه المخاوف، حيث كشف عن أن نحو 17 في المائة من طاقة قطر الإنتاجية للغاز المسال ستظل متوقفةً لفترة تتراوح بين 3 و5 سنوات؛ نتيجة الهجمات التي استهدفت مجمع رأس لفان. هذا الانقطاع الطويل الأمد يعني أن السوق لن تستعيد توازنها بمجرد انتهاء الصراع العسكري، بل ستعاني من فجوة مزمنة في الإمدادات تفرض واقعاً جديداً على الدول المستهلكة التي كانت تعتمد على العقود القطرية المستقرة.

وفي ظلِّ هذه الظروف القسرية، أكد الكعبي أن الدوحة ستجد نفسها مضطرةً لإعلان حالة «القوة القاهرة» على بعض عقود توريد الغاز المسال طويلة الأجل لمدة قد تصل إلى 5 سنوات. هذا الإجراء القانوني يعفي المورد من التزاماته التعاقدية؛ بسبب ظروف خارجة عن إرادته، ولكنه يترك المشترين حول العالم في مواجهة مباشرة مع أسواق فورية متقلبة وأسعار مرتفعة، مما يعيد صياغة أمن الطاقة العالمي ويجعل من البحث عن بدائل دائمة أمراً لا مفر منه للاستقرار الاقتصادي.